أقل الكلام
في كتابه "سنواتي مذكراتي" الصادر عن دار " الفرجاني"، يروي عبد الرحمن شلقم، وزير الخارجية الليبي في عهد القذافي، تفاصيل ما وصفها بـ"معركة أسلحة الدمار الشامل"، التي انتهت بتخلي الجماهيرية عن تلك الأسلحة، التي نُقلت بطائرة أمريكية عملاقة إلى الولايات المتحدة.
يقول شلقم: "لقد كان يوم ١٩ ديسمبر ٢٠٠٣ من أطول الأيام في حياتي، فقد كان خاتمة رحلة مشحونة بالتوترات، ومفخّخة بالمفاجآت، إذ رفض القذافي اقتراحاً أمريكياً بريطانياً بخروجه مباشرة على شاشة التلفزيون الليبي يعلن فيه تخلي ليبيا الكامل عن برنامجها النووي والكيميائي والصاروخي بعيد المدى، على أن يخرج بعده الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير للترحيب بما جاء في تصريحاته، متحسباً من فخ نُصب له قائلاً: هذه مؤامرة خطيرة يهدفان من ورائها إلى أن يأخذا مني اعترافاً رسمياً بامتلاك أسلحة دمار شامل، ليقوما بعدها بعملٍ عسكريّ ضدنا".
اقترح القذافي أن يتم تسجيل فيديوهات من قبل الرؤساء الثلاثة، على أن يجري بثها بالترتيب على شاشات التلفزيون في الدول الثلاث، لكن الأمريكيين والبريطانيين رفضوا الاقتراح بشدة.
يقول شلقم إنه بعد اتصالاتٍ مضنية نال خلالها منا التعب، وشعرنا بالقلق من وصولنا إلى بابٍ مغلق، قال لنا القذافي: "قولوا لهم إن لدينا الماء والدقيق والنار، لكن معملناش خبز"، فانفرجت أسارير القذافي عندما استدعى شلقم مازحاً ما قاله الشاعر أبو نواس لمن قبضوا عليه وهو يحمل حلّة لصناعة الخمر، وقيل له: سنقيم عليك حد شارب الخمر، فقال لهم: أنا أحمل عدة صناعة الخمر لكنني لم أصنعه، إذن ليُقَمْ عليكم جميعاً حدّ الزنا لأنكم تحملون عدته ولم تزنوا، معتبراً أن امتلاك "العدة" لا يعني بالضرورة وقوع "الجُرم".
هي صورةٌ تقريبيةٌ لكواليس المفاوضات المحمومة التي تجريها الولايات المتحدة مع أعدائها، بالحوار تارة، وطوراً بالنار، فبينما يعلن ترمب أن مفاوضيه توصلوا إلى "نتائج جيدة" خلال مفاوضات يجرونها مع مسؤولين إيرانيين "عاقلين"، نفت طهران تلك المفاوضات، مشيرة إلى أنها تنحصر فقط في إطار تبادل رسائل قُدمت لها من وسطاء تضمنت "١٥ نقطة"، وأنها ردت عليها بـ"٥ نقاط"، لكنّ ترمب غمز من قناة رئيس البرلمان الإيراني "باقر قاليباف"، وهو الاسم الذي يعني بالفارسية "حائك السجاد".
وسط تلك التصريحات المربكة، التي يختلط فيها الوعد بالوعيد، يتسرب من كواليس اجتماعات الوسطاء في إسلام أباد أنّ وفداً أمريكياً، ترأسه شخصية تنحدر من أصولٍ إيرانية، سيُجري غداً مفاوضات مع مسؤولين إيرانيين في طهران، من شأنها سحب صاعق التفجير، عبر القيام بـ"مقاصة" بين رسائل الطرفين، يتم خلالها التوصل إلى هدنة هشة تشبه هدنة غزة، لتجنب الانزلاق إلى ما لا تُحمد عقباه مع اقتراب مهلة السادس من نيسان.
لا أحد يعلم متى تتوقف لعبة "عض الأصابع" المتواصلة بين "مُطوّر العقارات" المندفع مثل قطارٍ خرج عن القضبان، و"حائك السجاد" الذي يلظم الخيوط بأصابع متوترة، ففُرص نجاح جهود إسلام أباد التي انضمت إليها بكين أمس تتساوى مع مخاطر الإخفاق، لكن ذلك لا يمنع من المحاولة بدعوة ترمب للتوقف عن المغامرة، كما جاء في مناشدة الرئيس المصري له أمس الأول استشعاراً منه بالمخاطر الجمة التي تتهدد المنطقة والعالم، إذا ما واصل اندفاعته الهائجة.






شارك برأيك
"معملناش خبز"!