فقدت الجزائر يوم السبت الماضي أحد أبرز وجوهها العسكرية والسياسية، الرئيس الأسبق ليامين زروال، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 84 عاماً. ويُعد الراحل من طينة العسكريين المحترفين الذين تخرجوا من مدرسة جيش التحرير الوطني، حيث التحق بالثورة في ريعان شبابه عام 1957 على تراب الولاية الأولى التاريخية، ليرسم مساراً مهنياً حافلاً بالمسؤوليات الميدانية والأكاديمية.
تولى زروال قيادة البلاد في منتصف التسعينيات، وهي الفترة التي وُصفت بأنها الأصعب في تاريخ الجزائر الحديث نتيجة الأزمة الأمنية والسياسية العاصفة. ورغم وصوله إلى سدة الحكم قادماً من وزارة الدفاع وقيادة الأركان، إلا أنه حافظ على شخصيته الصارمة والمترفعة عن مغريات البقاء في السلطة، وهو ما تجلى في قراره المفاجئ بتقليص عهدته وتنظيم انتخابات مسبقة.
اتسمت علاقة زروال بمراكز القوى في الدولة العميقة بالتعقيد، حيث اصطدم في محطات عديدة مع جنرالات نافذين، كان أبرزهم خالد نزار، مما دفعه للاستقالة من قيادة الأركان في نهاية الثمانينيات. هذا السلوك المتكرر في تفضيل الانسحاب عند تعارض المبادئ مع الواقع السياسي، عزز من شعبيته لدى الجزائريين الذين رأوا فيه نموذجاً للنزاهة والزهد.
على الصعيد الدبلوماسي، يُسجل لزروال موقفه الشهير برفض لقاء الرئيس الفرنسي جاك شيراك في نيويورك، معتبراً ترتيبات اللقاء غير لائقة بمكانة الدولة الجزائرية. هذا الموقف، إلى جانب إشرافه على 'قانون الرحمة' عام 1995، ساهم في كسر العزلة الدولية التي كانت مفروضة على البلاد، وبداية استعادة الدولة لهيبتها في المحافل الأممية.
غادر زروال موقع رئاسة الجمهورية في 1998 بقرار لم يكن مفاجئاً لمن عرفوا زهده في مظاهر السلطة والجاه ونظافة يده.
بعد مغادرته قصر المرادية عام 1999، اختار زروال العودة إلى مسقط رأسه في مدينة باتنة، بعيداً عن الأضواء والنشاط السياسي الرسمي. ورغم محاولات العديد من الوفود الشعبية إقناعه بالعودة للمشهد خلال أحداث الحراك الشعبي عام 2019، إلا أنه ظل متمسكاً بقراره في الابتعاد، مؤكداً أن جيل الثورة أدى ما عليه من واجب تجاه الوطن.
أثارت وفاة الراحل موجة من الحزن والتقدير في الأوساط الجزائرية، حيث أعلن الرئيس عبد المجيد تبون الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام تنكيساً للأعلام. وتأتي هذه الخطوة لتعكس الاحترام الكبير الذي يحظى به زروال لدى القيادة الحالية، خاصة وأن الرئيس تبون كان دائم الحرص على زيارته واستشارته في القضايا الوطنية الكبرى.
يرحل ليامين زروال تاركاً وراءه إرثاً من الجدل حول مرحلة 'العشرية السوداء'، لكنه يظل في ذاكرة الكثيرين ذلك 'الشاوي الحر' الذي لم تلوثه صراعات الأجنحة. لقد أثبتت تجربته أن الخروج من السلطة بكرامة لا يقل أهمية عن توليها، وأن التاريخ ينصف أولئك الذين وضعوا مصلحة الاستقرار الوطني فوق طموحاتهم الشخصية.





شارك برأيك
رحيل ليامين زروال.. العسكري الذي زهد في السلطة وغادرها طواعية