يجمع المفسرون في مقدمات مؤلفاتهم، قديماً وحديثاً، على أن التفسير هو أشرف العلوم الإسلامية وأكثرها نفعاً، كونه يدور حول بيان المراد الإلهي وهداية الخلق. وقد ارتبطت نشأة هذا الفن بنزول الوحي، حيث كان الرسول الكريم المبين الأول لغموض الآيات وتفصيل مجملها، مما جعل التفسير في بداياته يتماهى مع وظيفة التبليغ النبوي.
شهد عصر الصحابة بروز مدارس تفسيرية استقرت في مناطق مختلفة، حيث نقل عن أكثر من مائة صحابي تفسيرات للآيات، أبرزهم عبد الله بن عباس وعلي بن أبي طالب. وفي تلك المرحلة، كان التفسير أقرب إلى رواية الحديث، ولم تظهر ملامح القواعد الضابطة إلا عند الحاجة للترجيح بين الأقوال المختلفة عند وقوع الاختلاف.
ظلت مرويات التفسير جزءاً من كتب الحديث، كما فعل الإمام البخاري في صحيحه، ولم ينفصل التفسير كعلم مستقل إلا في القرن الثالث الهجري. ومع هذا الانفصال، بدأت تتبلور منهجيات تعتمد على الرواية والتحقيق اللغوي، مما مهد لظهور مدارس تخصصية في القرون اللاحقة تتنوع بين الفقه والبلاغة والفلسفة.
رغم هذا التطور التاريخي، يظل السؤال قائماً حول مدى اكتساب التفسير لـ 'الصفة العلمية' بالمعنى الدقيق، خاصة مع استمرار الجدل حول وجود قواعد عامة مطردة. ويرى باحثون أن التفسير ظل محكوماً بثقافة المفسر ومنهجه الخاص، مما يجعله يفتقر أحياناً إلى معايير موضوعية ثابتة يحتكم إليها الجميع.
يُعتبر تفسير ابن جرير الطبري المرجع الأساسي الذي جمع بين النقل والعقل، حيث وضع لبنات المنهجية العلمية من خلال الاحتكام للغة والشعر والإجماع. ومع ذلك، يلاحظ النقاد أن الطبري لم يلتزم دائماً بخيط ناظم في التعامل مع الإسرائيليات أو قواعد الترجيح، مما يفتح الباب للتساؤل عن انضباط هذه القواعد.
تأخرت الكتابات التأصيلية في أصول التفسير حتى القرن الثامن الهجري، حين قدم ابن تيمية رسالته الشهيرة التي حاولت تجميع الأصول المبعثرة في مقدمات التفاسير. وقد سعى ابن تيمية من خلالها إلى وضع تراتبية منهجية تبدأ بتفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة، وصولاً إلى أقوال الصحابة والتابعين.
يرى مراقبون أن مقدمة الطبري وابن كثير ركزت على إثبات مشروعية التفسير ودفع شبهات التحذير منه، أكثر من تركيزها على وضع قواعد علمية مجردة. فالتفسير في جوهره ظل يدور حول تحري النقل الصحيح وتوجيه النص بحسب اللسان العربي، وهي أدوات مستعارة من علوم الحديث واللغة.
إن علمية التفسير تقترن بالبحث عن تراتبية منهجية تمكن من تقليص مساحة الاختلاف، والبحث عن قواعد للتعامل مع المرويات.
تتقاطع علمية التفسير بشكل كبير مع علوم أخرى، حيث استعان المفسرون بخمسة عشر علماً كأدوات للبيان، منها النحو والبلاغة وأصول الفقه. وهذا التداخل المعرفي يجعل من الصعب إثبات استقلالية التفسير كعلم له قواعده الخاصة التي لا يشاركه فيها غيره من العلوم الإسلامية.
ناقش الطبري مفهوم 'التدبر' كأداة لفهم المواعظ والأمثال، معتبراً إياها دعوة عامة لجميع أفراد الأمة وليست حكراً على العلماء. إلا أن التدبر يظل أقرب إلى الفن والذوق الشخصي والتأمل الوجداني، وهو ما يخرجه عن دائرة القواعد العلمية الصارمة التي تتطلب الاطراد والضبط.
إن محاولات ابن تيمية لتقويم 'أعطاب الاختلاف' في التفسير كانت تهدف إلى العودة للحظة ما قبل الخلاف المذهبي والكلامي. وقد اقترح قواعد صارمة للتعامل مع الروايات، محاولاً الحد من تأثير الانتماءات العقدية للمفسرين على توجيه معاني الآيات القرآنية.
استثمر العلماء اللاحقون، مثل الزركشي في كتابه 'البرهان'، الشتات المعرفي السابق لترسيخ تراتبية منهجية واضحة في التعامل مع النص. وجعل الزركشي النقل عن النبي والصحابة في المقدمة، متبوعاً بالتفسير بمقتضى اللغة وقوة الشرع، محاولاً بذلك مأسسة عملية الفهم.
تظل معضلة 'الترجيح' هي الاختبار الحقيقي لعلمية التفسير، حيث يواجه المفسر أحياناً تناقضاً بين النقل والدلالة اللغوية في الآية الواحدة. وغالباً ما يجد الباحثون أن المفسرين الكبار يرجحون بمرجحات متغيرة (كاللغة تارة أو سبب النزول تارة أخرى) دون نسق ثابت يمكن تسميته 'قاعدة علمية'.
في المحصلة، يمكن القول إن التفسير هو مزيج بين العلم والمنهج والفن، حيث يستمد موضوعه من القداسة القرآنية وأدواته من العلوم المجاورة. وإن الجهد المبذول في تتبع مرجحات المفسرين يمثل اللبنة الأساسية نحو بناء 'أصول تفسير' أكثر انضباطاً واطراداً في المستقبل.
إن الوعي بمشكلات التفسير، من تدخل ثقافة المفسر إلى علل النقل، هو الخطوة الأولى نحو تحقيق 'الضبط المعرفي' لهذا الفن. ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل التفسير من ممارسة إبداعية فردية إلى حقل معرفي يستند إلى قواعد كلية تقلص مساحات الاختلاف البشري في فهم النص المقدس.





شارك برأيك
إشكالية الضبط المعرفي: هل التفسير علم مستقل أم منهج للفهم؟