اعتبر الكاتب البريطاني ديفيد هيرست أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي تدخل شهرها الثاني، تمثل ذروة الفشل الاستراتيجي المبني على معلومات مضللة. وأشار هيرست في مقال له إلى أن القرار العسكري لم يكن مرتبطاً بمسار المفاوضات، بل استند إلى أوهام استخباراتية حول سهولة إسقاط النظام الإيراني من الداخل.
وكشف المقال عن دور محوري لمدير الموساد، ديفيد بارنيا، الذي قدم تقارير لنتنياهو تزعم قدرة الجهاز على تحريك المعارضة الإيرانية للانقلاب فور بدء القصف الجوي. هذه التقديرات دفعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمضي قدماً في الهجوم، متجاهلاً تحذيرات وكالات استخباراتية أخرى شككت في دقة هذه التوقعات.
وعلى الصعيد الميداني، أكدت مصادر أن الهجوم الجوي الأولي أسفر عن مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وإصابة نجله مجتبى، بالإضافة إلى تصفية عشرات الجنرالات. ورغم فداحة الخسائر في سلاح الجو والدفاعات الإيرانية، إلا أن طهران بدأت رداً غير متناظر لم يتوقف منذ الساعة الأولى للعدوان.
ونقل هيرست عن محمد البرادعي، المدير الأسبق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، قوله إن ما يحدث اليوم هو نسخة مضخمة من الخديعة التي سبقت غزو العراق عام 2003. وأوضح البرادعي أن الادعاءات حول قرب إيران من امتلاك سلاح نووي تذكره بالأكاذيب التي روجت لها إدارة بوش حول أسلحة الدمار الشامل العراقية.
وأعرب البرادعي عن حزنه العميق تجاه انهيار المنظومة الدولية، مشيراً إلى أن القوى الغربية فقدت بوصلتها الأخلاقية والقانونية. وأكد أن تجاهل قرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بشأن غزة وإيران يرسل رسالة كارثية لدول الجنوب العالمي بأن الأمن لا يتحقق إلا بالقوة.
وتطرق المقال إلى التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، حيث رصدت بيانات الطيران نقل قوات ضخمة إلى إسرائيل والأردن استعداداً لعملية برية محتملة. ويرى هيرست أن هذا التصعيد يعكس رغبة ترامب ونتنياهو في إعادة تشكيل المنطقة بالقوة الغاشمة، بعيداً عن أي أطر دبلوماسية أو قانونية.
وفي سياق الرد الإيراني، نجحت طهران في شل خُمس تجارة النفط والغاز العالمية عبر استهداف القواعد الأمريكية وناقلات النفط وإغلاق مضيق هرمز. وأثبتت الأسابيع الأولى من الحرب أن إيران لا تزال قادرة على الحفاظ على تدفق مستمر للصواريخ والطائرات المسيرة رغم الضربات الموجعة التي تلقتها.
التاريخ لا يعيد نفسه فحسب في الحرب على إيران، بل يضخم نفسه في ظل غياب كامل للقانون الدولي.
وانتقد البرادعي بشدة اغتيال الشخصيات السياسية والمفاوضين، مستشهداً بمقتل علي لاريجاني في غارة إسرائيلية مؤخراً، واصفاً إياه بالرجل الذي كان يمكن التفاوض معه. واعتبر أن تحويل الإبادة الجماعية واغتيال الصحفيين والفلاسفة إلى أدوات حرب مقبولة يمثل نهاية عصر القانون الدولي.
كما لفت المقال إلى محاولات تقويض المحكمة الجنائية الدولية من الداخل، خاصة بعد تبرئة المدعي العام كريم خان من تهم سوء السلوك. وأوضحت مصادر دبلوماسية أن هناك جهوداً مستمرة من بعض الأطراف لمنع خان من استئناف مهامه، في محاولة لعرقلة ملاحقة القادة الإسرائيليين.
وحذر البرادعي من أن الشعور بالظلم والاضطهاد في العالم العربي سيؤدي حتماً إلى انفجار جديد، مؤكداً أن روح الربيع العربي لم تمت. وأشار إلى أن غياب المساواة والحرية السياسية، مضافاً إليهما التنكيل بالشعوب، هي أسباب كافية لاندلاع ثورات قادمة لا يمكن إيقافها.
وفيما يخص الموقف الأوروبي، يرى هيرست أن أوروبا جعلت نفسها هامشية في الصراعات الكبرى من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران. وحذر من أن انهيار الإمبراطورية الأمريكية سيترك أوروبا بلا حماية عسكرية وبلا مؤسسات دولية قوية كانت تعتمد عليها في السابق.
ووصف البرادعي الوضع الحالي بأنه 'حرب على العلم والمنطق'، حيث تنسحب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية واتفاقيات المناخ بينما تشتعل الأزمات. وتساءل باستنكار عن دور مجلس الأمن الدولي المشلول تماماً أمام ما يحدث في أوكرانيا وغزة وإيران، واصفاً إياه بالمنتدى الفارغ.
وختم هيرست مقاله بالتأكيد على أن ترامب ونتنياهو 'يحرقان الشمعة من طرفيها'، وأن عواقب أفعالهما ستطال الجميع في نهاية المطاف. وأشار إلى أن تجاهل قواعد الحرب اليوم سيفتح الباب أمام الأعداء المستقبليين لتطبيق نفس القواعد الوحشية ضد الغرب ومدنه ومستشفياته.
إن هذه الحرب الإقليمية الشاملة، بحسب التحليل، لا تهدف فقط لتغيير أنظمة، بل لتفتيت جغرافيا سياسية كاملة وإعادة صياغتها وفق رؤية أحادية. ومع استمرار القصف والدمار، يبقى التساؤل حول الثمن الإنساني الباهظ الذي سيدفعه الملايين في صراع قد يتجاوز في دمويته كل ما شهدته المنطقة في العقود الماضية.





شارك برأيك
ديفيد هيرست: الحرب على إيران تعيد مأساة العراق وتدمر النظام الدولي