اسرائيليات

الجمعة 27 مارس 2026 3:12 مساءً - بتوقيت القدس

تآكل النشوة وتصاعد الشكوك: كيف تغير المزاج العام في إسرائيل بعد شهر من المواجهة؟

مع اقتراب الحرب الإسرائيلية من إنهاء شهرها الأول، يبرز تحول ملموس في المزاج العام داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث انتقلت المشاعر من نشوة الضربات الأولى إلى حالة من القلق والتشكك. وتتجلى هذه التغيرات في استطلاعات الرأي الأخيرة وكتابات المحللين، التي تعكس تزايد الانتقادات لطريقة إدارة المواجهة وتصاعد التململ في الجبهة الداخلية.

عبرت صحيفة هآرتس عن هذا الواقع برسم كاريكاتيري يظهر مواطنة تحاول الاحتماء بمظلة بسيطة من وابل الصواريخ الذي يهطل كالمطر، في إشارة إلى عجز الوسائل الدفاعية عن توفير حماية كاملة. ويأتي هذا في وقت تتزايد فيه الهجمات الصاروخية والمسيرات القادمة من لبنان وإيران، مما أدى إلى شلل شبه كامل في عجلة الاقتصاد والتعليم في مناطق واسعة.

أفادت مصادر بأن الفجوة تزداد اتساعاً بين الوعود التي يطلقها القادة السياسيون والعسكريون وبين الواقع الميداني الذي يعيشه المستوطنون يومياً في الملاجئ. هذا التناقض خلق حالة من التنافر المعرفي، حيث يجد الإسرائيليون أنفسهم أمام رواية رسمية تتحدث عن انتصارات، بينما تسقط الصواريخ العنقودية على مدن كبرى مثل تل أبيب وديمونا.

أظهر استطلاع حديث نشرته صحيفة معاريف أن 53% من الإسرائيليين يعبرون عن عدم رضاهم تجاه إدارة الحرب على جبهة حزب الله، وهي نسبة تعكس تراجع الثقة في الاستراتيجية المتبعة. وترتكز هذه المعارضة بشكل أساسي في مناطق الشمال وحيفا، حيث يعاني السكان من نزوح مستمر وضغوط معيشية هائلة نتيجة القصف المتواصل.

فيما يخص المواجهة مع إيران، كشف الاستطلاع أن نسبة التأييد المطلق التي بلغت 90% في الأيام الأولى قد بدأت بالتراجع، حيث يكتفي الآن 54% فقط بالتعبير عن رضاهم. هذا الانخفاض يشير إلى إدراك متزايد لكلفة الحرب الباهظة، سواء على صعيد الخسائر البشرية في صفوف الجيش أو الأضرار المادية الجسيمة في البنية التحتية.

تتزايد التساؤلات حول دقة التقديرات الاستخباراتية، خاصة بعد فشل الموساد في تقدير قدرة النظام الإيراني على الصمود والاستمرار في توجيه ضربات موجعة. وتواجه القيادة الإسرائيلية اتهامات بالتعالي وتجاهل قدرات الخصم، الذي أثبت قدرته على إطلاق أكثر من مئة صاروخ يومياً من لبنان وحده، متجاوزاً منظومات الدفاع الجوي في حالات عديدة.

حذر قائد جيش الاحتلال زامير من وضع مأساوي داخل المؤسسة العسكرية، مشيراً إلى ما وصفه بـ 'عشر رايات حمراء' تنذر بانهيار الجيش تحت وطأة الأعباء المتزايدة. وتأتي هذه التحذيرات في ظل أزمة تجنيد الحريديم وتشتت القوات بين جبهات القتال الخارجية وحماية البؤر الاستيطانية المتزايدة في الضفة الغربية.

على الصعيد السياسي الدولي، يسود القلق في الشارع الإسرائيلي من تقلبات السياسة الأمريكية، خاصة مع احتمال عودة ترامب أو تأثير مزاجيته على مسار الحرب. وأشار المحلل ناحوم بارنياع إلى مخاوف من وقف مفاجئ للعمليات العسكرية دون تحقيق الأهداف المعلنة، مثل إسقاط النظام الإيراني أو تدمير المشروع النووي بشكل كامل.

أظهرت استطلاعات القناة 12 أن 51% من الإسرائيليين لا يثقون بقدرة واشنطن على إنهاء الحرب بما يضمن مصالح إسرائيل الاستراتيجية. هذا التشكك يمتد ليشمل تعريف 'الانتصار' نفسه، حيث تتباين الآراء بين من يراه في تدمير مخزون اليورانيوم، ومن يطمح لتغيير النظام السياسي في طهران، وهي أهداف تبدو بعيدة المنال حالياً.

نقلت مصادر أمنية رفيعة في اجتماعات مغلقة أن إيران تمتلك مخزوناً صاروخياً ومنصات إطلاق تمكنها من الاستمرار في استنزاف إسرائيل لأسابيع طويلة. هذا التقييم يتناقض مع الوعود الحكومية بقرب حسم المعركة، ويزيد من حالة الإحباط لدى الجمهور الذي كان يتوقع حرباً خاطفة وحاسمة.

في الشمال، يعيش المستوطنون حالة من الغضب تجاه نتنياهو وحكومته، متهمين إياهم ببيع الأوهام حول القضاء على قدرات حزب الله منذ عام مضى. ويؤكد النازحون من مناطق الجليل أن صافرات الإنذار تدوي أحياناً بعد وقوع الانفجارات، مما يعكس ثغرات تقنية وعملياتية تزيد من حالة الرعب اليومي.

تتحدث تقارير إعلامية عن خطط أمريكية محتملة لما يسمى 'الضربة الختامية'، والتي قد تشمل عمليات برية أو حصاراً بحرياً لمضيق هرمز وجزيرة خرج. ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات محفوفة بالمخاطر، وتثير تساؤلات حول مدى استعداد المجتمع الإسرائيلي لتحمل تبعات تصعيد إقليمي شامل وغير مضمون النتائج.

يشير المحللون إلى أن استمرار الحرب دون أفق سياسي واضح يساهم في تآكل التماسك الداخلي، خاصة مع تزايد الأعباء الاقتصادية وتوقف قطاعات حيوية عن العمل. وتبرز الفوارق الطبقية والسياسية بوضوح في الاستطلاعات، حيث يميل مؤيدو الائتلاف الحاكم للاستمرار في الحرب، بينما يطالب العلمانيون وسكان المدن المتضررة ببحث سبل للتهدئة.

ختاماً، يبدو أن إسرائيل تدخل الشهر الثاني من الحرب وهي مثقلة بالتحديات الداخلية والخارجية، وسط تراجع واضح في سقف التوقعات الشعبية. إن التحول من 'النشوة' إلى 'الشك' يمثل التحدي الأكبر أمام حكومة نتنياهو، التي تجد نفسها مطالبة بتحقيق إنجازات ملموسة في ظل واقع ميداني يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.

دلالات

شارك برأيك

تآكل النشوة وتصاعد الشكوك: كيف تغير المزاج العام في إسرائيل بعد شهر من المواجهة؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.