في ظل الحروب المستعرة التي يشهدها إقليم الشرق الأوسط، تبرز حرب أخرى لا تقل خطورة وهي الحرب الطائفية المذهبية التي تستنزف العقول وترسخ قطائع عميقة بين أبناء الوطن الواحد. هذه المواجهة التي تتغذى على السلوك الطائفي الإقليمي، باتت تهدد مستقبل المنطقة وتفرض واقعاً يحتاج إلى إعادة قراءة خارج الأطر التقليدية للصراع.
إن البوصلة الحقيقية التي يجب أن توجه الشعوب هي بوصلة الحرية، فهي الضمانة الوحيدة لبناء علاقات دولية وشعبية متينة. ومن هذا المنطلق، يظهر أن هناك اشتراكاً موضوعياً بين قوى إقليمية متباينة في تخريب حلم 'ربيع الحريات' العربي، وهو ما يعد جريمة تاريخية بحق الشعوب التائقة للتغيير.
لقد عملت إيران على تحويل المجال العربي في العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى حائط دفاع عن مركزها القومي، مستخدمة أجندات طائفية وعرقية واضحة. هذا التوجه أدى إلى صدام مباشر مع طموحات الشعوب، خاصة عندما تحول سلاح المقاومة من وجهته الأصلية ليصبح أداة في حروب داخلية طائفية.
الجمهور السني الذي كان ينظر بتقدير كبير لتجربة المقاومة، صُدم بالانحياز الإيراني ضد الثورات الشعبية، وتحديداً في الحالة السورية. هذه القطيعة الوجدانية والسياسية كشفت عن تغليب المصالح المذهبية على مبادئ التحرر التي نادت بها الثورة الإيرانية في بداياتها، مما شتت التعاطف الشعبي معها.
لا يمكن حصر مسؤولية إجهاض الربيع العربي في طرف واحد، إذ قادت أنظمة عربية رسمية عمليات تمويل الانقلابات العسكرية لضمان عودة القمع. هذا التقاطع بين الأنظمة 'السنية' وإيران 'الشيعية' أثبت أن العداء المشترك لحرية الشعوب أقوى من الخلافات المذهبية المعلنة بين تلك الأطراف.
لقد حدث توافق غير معلن بين قوى متناقضة ظاهرياً لإفشال التجربة الديمقراطية في مصر وغيرها من دول الربيع العربي. هذا الخذلان لم يتوقف عند حدود السياسة الداخلية، بل امتد ليؤثر على جبهات المقاومة، حيث غابت النصرة الحقيقية لغزة في لحظات حرجة نتيجة هذه الحسابات الضيقة.
إيران، كدولة ونظام، انحرفت عن مسار ثورتها الأولى لتتحول إلى قوة توسعية تضع مصلحتها القومية فوق أي اعتبار إسلامي جامع. هذا السلوك السياسي لم يتغير حتى في أحلك الظروف، حيث استمر العبث بالنسيج الاجتماعي السوري والتحالف مع بقايا الأنظمة القمعية دون مراجعة أو اعتذار.
الحرية هي نقطة البداية وعامود البناء وضمانة الانتصار التاريخي، ومنها ننطلق وإليها نحتكم في تقييم الصراعات.
إن التقييم المنصف يشير إلى أن النظام الإيراني لم يختلف كثيراً عن أنظمة الاستبداد العربي في معاداته لتطلعات الشعوب نحو الكرامة. ولهذا السبب، نجد أن التفاهمات بين تلك الأنظمة وإيران كانت أحياناً أسهل من تفاهمها مع القوى الشعبية والديمقراطية التي أفرزتها الثورات.
هناك حالة من التمزق في الشارع العربي بين ضرورة الوقوف ضد العدوان الخارجي وبين المرارة من السياسات الإقليمية التي قمعت الحريات. هذا التمزق ناتج عن غياب أجندة الحرية لدى الأطراف المتصارعة، والتي تتعامل مع الجماهير كأدوات تابعة لا كشركاء في المصير.
نحن نرفض التمذهب السياسي الذي يتخفى خلف الفتاوى لتبرير الخيانة أو تسهيل العدوان على أي طرف إقليمي. وفي الوقت ذاته، نؤكد أن الدفاع عن النفس حق مشروع لأي دولة، لكن هذا الحق لا يمنح حصانة ضد انتقاد ممارساتها القمعية تجاه الشعوب المجاورة.
القضية الأساسية التي تفصلنا عن أي نظام، سواء كان عربياً أو إقليمياً، هي قضية الحرية ومدى احترامه لإرادة الشعوب. فمن كان مع حرية الإنسان فهو حليف طبيعي، ومن عمل على تخريبها فلا يمكن المراهنة على نصرته مهما كانت شعاراته براقة.
لقد استنزفت الأنظمة الاستبدادية طاقات الشعوب لعقود تحت ذريعة تحرير فلسطين، وفي النهاية خسرنا الحرية ولم نحرر الأرض. هذا الدرس التاريخي يجب أن يكون حاضراً اليوم؛ فلا يمكن مقايضة الكرامة الإنسانية بأي وعود سياسية أو عسكرية لا تضع الإنسان في أولوياتها.
إن الحرب الحالية تعمل كـ 'غربال' يكشف زيف الادعاءات ويسقط الأوهام التي روجت لها أنظمة الاستبداد لسنوات طويلة. الشعوب اليوم باتت أكثر وعياً بضرورة التحرر من التبعية العمياء، والبحث عن مسار مستقل يحفظ لها حقوقها بعيداً عن الابتزاز العاطفي.
في الختام، تظل الحرية هي المعيار والهدف، ولن نوقع 'صكوكاً على بياض' لأي طرف يمارس القمع تحت أي مسمى. إن المستقبل سيبنى فقط بسواعد الشعوب المتحررة التي ترفض الاستبداد الداخلي والعدوان الخارجي على حد سواء، مؤمنة بأن كرامتها هي مفتاح النصر الحقيقي.





شارك برأيك
الحرية كبوصلة وحيدة في ظل الصراعات الإقليمية والطائفية