تلقى التحالف اليميني الحاكم في إيطاليا بقيادة جورجيا ميلوني ضربة سياسية قوية، عقب ظهور نتائج الاستفتاء الدستوري الذي جرى يومي 22 و23 آذار/ مارس الجاري. وأظهرت النتائج الرسمية رفض الغالبية العظمى من الناخبين لمشروع الإصلاح القضائي المقترح، مما يعكس فجوة متزايدة بين توجهات الحكومة والشارع الإيطالي.
وبحسب البيانات النهائية، فقد صوت نحو 53% من المشاركين بـ 'لا' مقابل 46% أيدوا التعديلات، في اقتراع شهد مشاركة لافتة وصلت إلى 55.7%. وتعد هذه النتيجة الخامسة من نوعها في تاريخ الاستفتاءات الدستورية الإيطالية، لكنها تكتسب أهمية خاصة لكونها مست جوهر النظام القضائي المعقد في البلاد.
المشروع الذي حمل اسم 'قانون نورديو' نسبة لوزير العدل كارلو نورديو، كان يطمح لإجراء تغييرات جذرية في سبع مواد دستورية أساسية. وهدفت الحكومة من خلاله إلى إعادة هيكلة الجهاز القضائي عبر فصل المسارات المهنية بين القضاة والمدعين العامين بشكل نهائي، ومنع التنقل الوظيفي بينهما.
كما تضمن المقترح تقسيم 'المجلس الأعلى للقضاء' إلى هيئتين منفصلتين، وإنشاء محكمة تأديبية عليا تكون مسؤولة عن محاسبة أعضاء السلك القضائي. وبررت الحكومة هذه الخطوات بضرورة تسريع وتيرة التقاضي وتقليل البيروقراطية التي تعاني منها المحاكم الإيطالية منذ عقود طويلة.
في المقابل، رأت المعارضة والقوى المدنية أن هذه التعديلات ليست سوى غطاء لتوسيع نفوذ السلطة التنفيذية على حساب استقلال القضاء. واعتبر قادة أحزاب اليسار والوسط أن إنشاء محكمة تأديبية جديدة قد يفتح الباب أمام ترهيب القضاة وضمان ولائهم غير المباشر للحكومة القائمة.
وفي تصريحات خاصة لمصادر إعلامية، أوضح عبد الحفيظ خيط، رئيس الجالية الإسلامية في صقلية أن آلية الاستفتاء شابتها عيوب جوهرية. وأشار إلى أن دمج سبع تعديلات مصيرية في سؤال واحد 'نعم أو لا' حرم الناخب من فرصة التمييز بين المقترحات المختلفة ومناقشتها بشكل برلماني وافٍ.
وحذر خيط من أن جوهر الاعتراض يكمن في منح الحكومة صلاحيات أوسع داخل المنظومة القضائية، مما قد يؤثر بشكل مباشر على نزاهة التعيينات. وأكد أن غياب النقاش المجتمعي حول هذه النصوص جعل حتى المؤيدين لها عاجزين عن إقناع الجمهور بجدواها الحقيقية في تطوير العدالة.
وجود قضاء مستقل كان الضمان الأساسي لوقف قرارات الترحيل التعسفية، ولو طُبقت التعديلات لتم الترحيل دون مراجعة فعالة.
وعلى صعيد حقوق المهاجرين، برزت مخاوف جدية من أن تؤدي هذه التعديلات إلى تسريع عمليات الترحيل القسري وتقليص دور القضاء الرقابي. ويرى مراقبون أن نقل صلاحيات أوسع للحكومة في هذا الملف الحساس قد يحرم المهاجرين من حقهم في مراجعة قضائية عادلة لقرارات وزارة الداخلية.
واستشهد رئيس الجالية الإسلامية بقضية المواطن المصري محمد شاهين، الذي نجا من الترحيل بفضل تدخل القضاء المستقل الذي رفض قرار الوزارة المبني على مواقف سياسية. وأكد أن استقلال القاضي كان الحصن الأخير الذي منع تنفيذ قرارات ترحيل تعسفية مرتبطة بالتضامن مع القضية الفلسطينية وغزة.
ورداً على ادعاءات الحكومة بأن الإصلاح يهدف لتسريع الإجراءات، اعتبر خبراء أن المشكلة لا تكمن في النصوص الدستورية بل في نقص الموارد. وأوضحوا أن تحسين كفاءة الجهاز القضائي يتطلب دعماً تقنياً وبشرياً وزيادة في الميزانيات، وليس مجرد إعادة توزيع للصلاحيات بين الهيئات القضائية.
من جانبه، سارع التحالف اليميني إلى احتواء تداعيات الهزيمة، حيث أعلنت ميلوني احترامها لإرادة الناخبين معربة عن أسفها لما وصفته بـ 'الفرصة الضائعة'. ورغم حجم الخسارة، أكدت رئيسة الوزراء تمسكها بمنصبها، نافية أي نية للاستقالة في الوقت الراهن رغم ضغوط المعارضة.
واحتفلت النقابات القضائية والحقوقيون بالنتيجة، معتبرين إياها انتصاراً لمبدأ التوازن بين السلطات في الدولة الديمقراطية. ورفعت شعارات في ميادين روما وميلانو تؤكد على ضرورة حماية القضاء من أي تدخل سياسي قد يخل بميزان العدالة لصالح السلطة التنفيذية.
ويرى محللون سياسيون أن هذا الاستفتاء تحول إلى اختبار حقيقي لشعبية ميلوني قبل الانتخابات العامة المقررة في عام 2027. فالرفض الشعبي لم يكن تقنياً فحسب، بل حمل رسائل استياء من الأداء الحكومي العام في ظل الأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة التي ترهق المواطن الإيطالي.
ختاماً، تضع هذه النتيجة حكومة اليمين أمام خيارات صعبة لإعادة ترتيب أوراقها السياسية في المرحلة المقبلة. ويبدو أن الشارع الإيطالي قد وجه رسالة حازمة مفادها أن المساس باستقلال المؤسسات الدستورية خط أحمر، مهما كانت المبررات المتعلقة بالإصلاح أو التحديث.





شارك برأيك
صفعة انتخابية لميلوني: الإيطاليون يرفضون تعديلات 'نورديو' القضائية في استفتاء شعبي