عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 8:18 مساءً - بتوقيت القدس

ديمونا في مرمى النيران: كيف أعادت الهجمات الإيرانية صياغة معادلة الردع؟

بعد مرور ثلاثة أسابيع على اندلاع المواجهة المفتوحة، لم تعد الهجمات الإيرانية مجرد ردود فعل عسكرية عابرة، بل تحولت إلى مسار تراكمي مدروس. يكشف هذا المسار عن تطور نوعي في فلسفة إدارة الصراع، حيث تسعى طهران لنقل الخصم من موقع المبادرة إلى حالة الاستنزاف والارتباك الدائم.

الحرب الجارية حالياً لا تُقاس فقط بحجم الدمار أو أعداد الصواريخ والمسيرات التي يتم إطلاقها يومياً. القيمة الحقيقية تكمن في قدرة الطرف المهاجم على إعادة تشكيل ميدان الاشتباك تدريجياً، وفرض واقع جديد يجبر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية على إعادة تموضع دفاعاتها.

شكل الهجوم الذي استهدف منطقتي ديمونا وعراد لحظة مفصلية في هذا الصراع المتصاعد، كونه نقل العمليات من الإطار الرمزي إلى استهداف النقاط الحساسة. وأظهرت هذه الضربات أن العمق الإسرائيلي بات مكشوفاً، وأن الحصانة التي روجت لها تل أبيب لسنوات طويلة تعرضت لشرخ حقيقي.

أفادت مصادر ميدانية بأن ضربات الثاني والعشرين من آذار/ مارس كانت من أشد الهجمات وقعاً منذ بدء المواجهة. وقد سجلت هذه الهجمات إخفاقاً واضحاً لمنظومات الدفاع الجوي في اعتراض كافة المقذوفات، مما أدى لوقوع أضرار مباشرة في مناطق قريبة من منشآت استراتيجية.

إن الاقتراب من ديمونا يحمل دلالات تتجاوز الفعل العسكري المباشر، نظراً لارتباط المنطقة بالبنية النووية والردع الإسرائيلي. إيران تحاول من خلال هذه العمليات إيصال رسالة مفادها أنها قادرة على ضرب 'الأعصاب الاستراتيجية' للكيان في الوقت والمكان اللذين تختارهما.

يشير التطور الميداني إلى أن بنك الأهداف الإيراني بدأ يركز على تفكيك الإحساس الإسرائيلي بالتفوق الدفاعي المطلق. هذا التحول يعني تحويل المنشآت التي كانت تعتبر رموزاً للحصانة والمنعة إلى نقاط ضعف وانكشاف أمام التكنولوجيا الصاروخية المتطورة.

باتت فرضية استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض الإسرائيلية واقعاً ملموساً تتحدث عنه التقارير العسكرية بوضوح. فنجاح بعض الصواريخ في الوصول إلى أهدافها يثبت أن الدفاعات الجوية لم تعد قادرة على توفير الغطاء الشامل الذي كان متاحاً في الأيام الأولى للحرب.

تضطر القيادة العسكرية الإسرائيلية حالياً للمفاضلة بين حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحساسة وبين تأمين المناطق المدنية. هذا 'الدفاع الانتقائي' هو اعتراف ضمني بأن القدرات الدفاعية لم تعد تكفي لتغطية كامل الجغرافيا الفلسطينية المحتلة تحت ضغط النيران الكثيفة.

تثبت المعطيات أن الطرف الذي يمتلك الصبر الاستراتيجي ينجح في تعلم أنماط اعتراض الخصم وتعديل زوايا الهجوم بناءً عليها. إيران استغلت الأسابيع الماضية لاختبار مسارات الاختراق، ودمج أنواع مختلفة من الأسلحة لإنتاج ضغط متزامن يرهق غرف اتخاذ القرار الدفاعي.

على الرغم من الضربات القاسية التي تلقتها البنية التحتية الإيرانية، إلا أن استمرار الرشقات الصاروخية يثبت صلابة بنية الردع لدى طهران. القدرة على الامتصاص ثم الرد بصواريخ أبعد مدى تعكس تنظيماً عالياً وفشلاً إسرائيلياً في فرض معادلة 'الضربة القاصمة' التي تنهي المعركة سريعاً.

بموازاة الصراع العسكري، تبرز معركة السرديات كجزء لا يتجزأ من المواجهة الإقليمية الشاملة. هناك محاولات مستمرة لتوظيف أي حادث أمني أو انفجار غامض ونسبه فوراً إلى إيران، وذلك بهدف صناعة غطاء سياسي ودولي لتوسيع رقعة العدوان.

كشف تحقيق صحفي دولي مؤخراً عن زيف بعض الروايات الرسمية، مثل حادثة انفجار سترة في البحرين التي تبين أنها نتجت عن صاروخ باتريوت أمريكي. هذا المثال يؤكد ضرورة الحذر من 'العمليات المفبركة' التي قد تُستخدم كذريعة لتصعيد غير مسبوق في المنطقة.

تتزايد المخاوف من إمكانية استغلال المواقع الدينية والسيادية، خاصة في القدس والمسجد الأقصى، ضمن حملات التضليل الإعلامي. إسرائيل قد تسعى لاستثمار أي اختراق ملتبس لإعادة ترتيب الاصطفافات الدولية لصالحها في لحظة اشتعال إقليمي واسعة.

في الختام، فإن ما يحدث بعد ثلاثة أسابيع هو ارتقاء تدريجي في مستوى المواجهة يفرض تحولات كبرى على سلوك الدفاع الإسرائيلي. الطرف الذي ينجح في التعلم تحت النار وجعل عمق خصمه مكشوفاً نفسياً ومادياً، هو من يمتلك القدرة على إعادة صياغة موازين القوى النهائية.

دلالات

شارك برأيك

ديمونا في مرمى النيران: كيف أعادت الهجمات الإيرانية صياغة معادلة الردع؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.