واشنطن – سعيد عريقات – 19/3/2026
تحليل إخباري
في قراءة تحليلية معمّقة نشرها باتريك وينتور، المحرر الدبلوماسي في صحيفة "ذا غارديان"، بتاريخ 18 آذار 2026، يخلص الكاتب إلى أن انهيار المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن وليد خلافات تقنية أو سياسية فحسب، بل نتيجة مركّبة لتفاعل ثلاثة عناصر حاسمة: الجهل، وسوء الفهم، والتعمية المتعمّدة. هذه العوامل، كما يبيّن وينتور، لم تكن هامشية، بل شكّلت البنية العميقة التي حكمت سلوك الأطراف، وأدّت في نهاية المطاف إلى تقويض فرصةٍ كانت، وفق تقديرات العديد من المشاركين، أقرب إلى التحقّق مما بدا في العلن.
منذ البداية، اتّسمت إدارة المفاوضات بنمط غير تقليدي، أقرب إلى الارتجال منه إلى الدبلوماسية المؤسسية. فقد عكست بعض المقترحات، مثل دعوة وزير الخارجية الإيراني لزيارة حاملة طائرات أميركية في خضم التفاوض، خللًا عميقًا في إدراك طبيعة العملية التفاوضية. لم تكن هذه المبادرات مجرد تفاصيل بروتوكولية غريبة، بل مؤشرات على غياب الحسّ السياسي الدقيق، واستبداله بنزعة استعراضية تُقوّض الثقة بدل أن تبنيها. وهنا، يتجلّى كيف يمكن للرمزية الخاطئة أن تتحوّل إلى أداة إرباك، لا إلى وسيلة تقارب.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الدور المثير للجدل الذي أدّاه كل من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اللذان قادا المسار التفاوضي الأميركي بأسلوب أثار انتقادات حادّة من داخل الأوساط الدبلوماسية نفسها. فقد نقل الكاتب عن دبلوماسي خليجي مطّلع على مجريات المحادثات توصيفًا لافتًا لهما باعتبارهما "أقرب إلى أصول إسرائيلية عملت على دفع الولايات المتحدة نحو حرب يسعى دونالد ترمب اليوم إلى الخروج منها"، في إشارة ضمنية إلى تقاطعهما مع حسابات حكومة بنيامين نتنياهو. هذا الاتهام، سواء أكان دقيقًا بالكامل أم لا، يعكس حجم فقدان الثقة في حيادية الوسيط الأميركي، ويُظهر كيف تحوّلت المفاوضات، في نظر بعض الأطراف، من مسار دبلوماسي إلى أداة ضمن صراع استراتيجي أوسع.
هذا النهج يعكس، في جوهره، تغليب المقاربة الشخصية على العمل المؤسسي المنظّم. فقد أظهرت الوقائع أن إدارة الملف افتقرت إلى الحضور الكافي للخبرات التقنية المتخصصة، سواء في مجال الفيزياء النووية أو في آليات التحقق والرقابة الدولية. وفي ملفات معقّدة كالقضية النووية الإيرانية، لا يكفي الحدس السياسي أو الاطلاع السطحي، بل يتطلب الأمر تراكماً معرفياً دقيقاً، وفريقاً متعدد الاختصاصات قادرًا على تحويل المعطيات التقنية إلى قرارات سياسية مدروسة. ومن دون ذلك، تصبح المفاوضات عرضة للتقديرات الخاطئة، وسوء تفسير مواقف الطرف الآخر.
في هذا الإطار، برز سوء الفهم كعامل مفصلي في تعثّر المسار التفاوضي. إذ لم يكن الخلاف محصورًا في الأهداف، بل امتد إلى تفسير طبيعة البرنامج النووي الإيراني ذاته. فقد أخفقت بعض الأطراف في استيعاب وظائف منشآت مثل مفاعل طهران البحثي، أو تقدير الاحتياجات المستقبلية لإيران من الوقود النووي في سياق برنامج مدني معلن. كما أسيء فهم العروض الاقتصادية الإيرانية، التي تضمّنت إمكانات تعاون واسعة في مجالات الطاقة والاستثمار، وكان يمكن أن تشكّل أرضيةً لتقاطع المصالح بدل تضاربها. هذا القصور في الفهم لم يكن تقنيًا فقط، بل أثّر في تقييم النوايا، وهو ما يُعدّ أخطر ما يمكن أن يصيب أي عملية تفاوضية.
إلى جانب ذلك، لعب عامل الزمن دورًا سلبيًا واضحًا. فقد جرى ضغط جدول المفاوضات بشكل لافت، ما حدّ من القدرة على مناقشة القضايا الجوهرية بعمق. وفي ظل اعتماد قنوات تفاوض غير مباشرة، كان هذا الضغط الزمني كفيلًا بتفريغ الحوار من مضمونه، وتحويله إلى تبادل رسائل مقتضبة لا تسمح ببناء الثقة أو اختبار الفرضيات. ومع تكرار هذا النمط، تزايدت الشكوك، وبدأ كل طرف ينظر إلى الآخر بوصفه مراوغًا، لا شريكًا في التفاوض.
غير أن العنصر الأكثر خطورة تمثّل في التعمية المتعمّدة. فبحسب ما ينقله وينتور، فإن الروايات المتباينة حول مجريات التفاوض تثير تساؤلات جدّية حول مدى دقة المعلومات التي كانت تصل إلى دوائر صنع القرار. إذ يبدو أن بعض الفاعلين، عن قصد أو عن قصور، لم ينقلوا الصورة الكاملة، ما أدى إلى فجوة بين الواقع التفاوضي، الذي شهد تقدمًا نسبيًا، والقرار السياسي الذي اتجه نحو التصعيد. وفي هذا السياق، لا يُستبعد أن تكون المفاوضات قد استُخدمت، جزئيًا، كغطاء لإتاحة الوقت لترتيبات عسكرية، وهو ما يضفي على العملية برمتها طابعًا إشكاليًا عميقًا.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال مسؤولية الجانب الإيراني. فقد اختارت طهران عدم نشر عرضها التفاوضي الكامل، رغم الدعوات الداخلية لذلك، ما فتح الباب أمام تأويلات متضاربة. كما أن امتناعها عن تسليم نسخة من العرض للجانب الأميركي حرم العملية من فرصة إخضاعه لتقييم تقني أوسع. غير أن هذا السلوك يمكن فهمه أيضًا في ضوء انعدام الثقة، خاصة في ظل مخاوف من تسريب الوثائق أو توظيفها سياسيًا، وهو هاجس لم يكن بلا أساس في بيئة شديدة الاستقطاب.
ورغم كل هذه التعقيدات، تكشف المعطيات المتاحة أن إمكانية التوصل إلى اتفاق لم تكن بعيدة. فقد تضمّن العرض الإيراني عناصر بالغة الأهمية، من بينها القبول برقابة شاملة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتخلّص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب عبر تخفيفه، وهي خطوات تُعدّ جوهرية في مسار الحد من الانتشار النووي. كما تم التوصل إلى تفاهمات أولية بشأن رفع نسبة كبيرة من العقوبات، ما كان يمكن أن يشكّل حافزًا اقتصاديًا قويًا يدعم استدامة الاتفاق.
لكن العقدة الأساسية تمثّلت في مسألة تخصيب اليورانيوم. فقد أصرت إيران على الاحتفاظ بحقها في التخصيب ضمن برنامجها المستقبلي، في حين طالبت الولايات المتحدة بوقف طويل الأمد. ورغم أن هذا الخلاف يبدو جوهريًا، فإن المؤشرات تدل على أنه لم يكن مستعصيًا على الحل، إذ عرضت إيران وقفًا مؤقتًا يمتد لعدة سنوات، وهو ما كان يمكن أن يشكّل أساسًا لتسوية تدريجية. غير أن تصلّب المواقف، المدفوع باعتبارات سياسية داخلية وضغوط خارجية، حال دون استثمار هذه الفرصة.
في المحصلة، يقدّم تحليل وينتور صورة مركّبة لانهيار لم يكن حتميًا، بل نتاج سلسلة من الإخفاقات البشرية والمؤسسية. فالجهل أضعف القدرة على الفهم، وسوء الفهم شوّه إدراك النوايا، والتعمية قطعت الصلة بين الواقع والقرار. وفي ظل هذا التفاعل السلبي، انزلقت الأطراف نحو مواجهة عسكرية، في لحظة كانت الدبلوماسية لا تزال تملك فيها هامشًا حقيقيًا للنجاح. ويبقى الدرس الأهم أن إدارة الأزمات الدولية لا تحتمل الارتجال، بل تتطلب معرفة دقيقة، وشفافية في نقل الوقائع، وإرادة سياسية قادرة على تغليب التسوية على التصعيد.





شارك برأيك
حين يُهزم التفاوض: الجهل وسوء التقدير في انهيار محادثات إيران النووية