تحليل

الأربعاء 18 مارس 2026 7:48 مساءً - بتوقيت القدس

لوك فيري وتبرير القوة: هل انتهى عصر القانون الدولي الكوني؟

أثارت المداخلة الأخيرة للفيلسوف الفرنسي لوك فيري عبر قناة 'LCI' تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الدولي، خاصة فيما يتعلق بمشروعية الضربات العسكرية ضد إيران. فقد كشف خطابه عن تحول عميق في رؤية النخب الفكرية الغربية، التي بدأت تبتعد عن مفهوم الشرعية الدولية كإطار ملزم للجميع.

يرى مراقبون أن منطق فيري يختزل القانون الدولي في تصور انتقائي، حيث يتم التمييز بين ما وصفها بـ 'الدول المحترمة' وأخرى 'خارجة عن القانون'. هذا التوجه يفضي بالضرورة إلى تقويض مبدأ الكونية القانونية الذي تأسس عليه النظام العالمي الحديث منذ عقود طويلة.

إن الخطورة في هذا الطرح تكمن في تحويل القانون من منظومة معيارية أخلاقية وقانونية إلى أداة وظيفية واستراتيجية. وبموجب هذا التصور، يصبح تفعيل القانون أو تعطيله رهيناً بطبيعة الفاعل السياسي ومصالح القوى الكبرى، لا بمبادئ العدالة والمساواة السيادية.

ويعكس هذا التحول ما يمكن تسميته بـ 'تسييس القانون'، حيث لم يعد الخضوع للقواعد الدولية نابعاً من مبدأ الإلزام القانوني. بل أصبح الأمر مرتبطاً بموازين القوة على الأرض، مما يعيد إنتاج مفاهيم سياسية كانت سائدة قبل تبلور النظام الدولي المعاصر.

تؤسس أطروحة فيري لنوع من 'النسبية القانونية' التي تضرب في مقتل فكرة المساواة بين الدول الأعضاء في المجتمع الدولي. فحين ترتبط الشرعية بالتوصيف السياسي للفاعل بدلاً من القاعدة القانونية، فإننا نعود إلى منطق الغاب حيث القوة هي المصدر الوحيد للحق.

ويستدعي هذا الخطاب مفهوم 'الشرعية القسرية'، التي تحاول تبرير استخدام القوة العسكرية خارج الأطر القانونية المعهودة. ويتم ذلك عادة تحت ذريعة حماية النظام العالمي أو مواجهة تهديدات غير تقليدية، وهو منطق يحمل في طياته تناقضات بنيوية عميقة.

تطرح هذه التوجهات تساؤلاً إشكالياً: كيف يمكن الدفاع عن النظام القانوني من خلال انتهاك قواعده الأساسية؟ إن محاولة حماية القواعد عبر تعليقها تؤدي إلى انزلاق خطير نحو ما يسمى في العلاقات الدولية بـ 'حالة الاستثناء الدائم'.

وبالنظر إلى التجارب التاريخية، نجد أن تبرير القوة خارج الشرعية الدولية ليس نهجاً جديداً، بل هو نمط متكرر أثبت فشله. ولعل التدخل العسكري في العراق عام 2003 يظل الشاهد الأبرز على أن تجاوز القانون لا يحقق الاستقرار بل يفاقم الفوضى.

أكدت الدروس المستفادة من الصراعات السابقة أن إضعاف المؤسسات الدولية يؤدي إلى تآكل الثقة في النظام العالمي ككل. وبدلاً من تعزيز الأمن، يفتح هذا السلوك الباب أمام تعميم منطق القوة، حيث ستجد كل دولة مبرراً لتبني سلوكيات عدوانية بذريعة الدفاع عن أمنها.

من زاوية التحليل الجيوسياسي، يمثل خطاب فيري تراجعاً من نموذج 'الحكامة الدولية' إلى نموذج 'السيادة الصلبة'. وفي هذا النموذج، تسعى الدول القوية لفرض إرادتها المنفردة بعيداً عن أي ضوابط تنظيمية أو مواثيق دولية ملزمة.

هناك خلط واضح في هذه الأطروحات بين مستوى الوصف الواقعي ومستوى التبرير النظري. فبينما قد يكون صحيحاً أن هناك دولاً تنتهك القوانين، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى مسوغ لإلغاء القاعدة القانونية نفسها أو شرعنة تجاوزها.

إن الفارق بين التحليل الرصين والتبرير الأيديولوجي يكمن في القدرة على التمييز بين 'ما هو كائن' و'ما ينبغي أن يكون'. فالدفاع عن القانون الدولي يتطلب إصلاحه وتقويته من الداخل، وليس هدم أركانه بدعوى عدم فاعليته في لحظة زمنية معينة.

يمثل موقف لوك فيري تحولاً في بنية التفكير السياسي الغربي، حيث يتم الانتقال من منطق الشرعية إلى منطق القوة المحضة. وهذا المسار قد يعيد العالم إلى مرحلة ما قبل التعاقد، حيث تغيب الآفاق القانونية المشتركة وتتحكم الصدامات العسكرية في المصائر.

ختاماً، فإن التحدي الراهن لا يقتصر على مواجهة الخروقات القانونية فحسب، بل في التصدي للخطابات التي تشرعن هذه الخروقات. إن الخطر الحقيقي يكمن في محاولة منح غطاء فكري وفلسفي لانتهاك القانون باسم حماية القانون نفسه، وهو ما يهدد السلم العالمي.

دلالات

شارك برأيك

لوك فيري وتبرير القوة: هل انتهى عصر القانون الدولي الكوني؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.