أقلام وأراء

الأربعاء 18 مارس 2026 6:48 مساءً - بتوقيت القدس

رسالة مفتوحة إلى المرشد الإيراني: دعوات لتصحيح المسار السياسي والعقائدي

يأتي هذا الخطاب المفتوح الموجه إلى سماحة السيد مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ظرف إقليمي بالغ التعقيد. حيث يستهل الكاتب رسالته بالتأكيد على رفض العدوان الذي تتعرض له إيران من قبل القوى الصهيونية، معتبراً إياه انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي واعتداءً على دولة ذات سيادة وجارة في الجغرافيا والتاريخ.

ويشير الخطاب إلى التناقض الصارخ بين الجهود الدبلوماسية المضنية التي بذلتها المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي لحماية المنطقة وإيران من ويلات الحروب، وبين الرد الإيراني الذي تمثل في استهداف المنشآت المدنية والاقتصادية الحيوية في دول الخليج عبر الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة.

ويشدد الكاتب على أن حجم الهجمات التي شنتها إيران ضد جيرانها العرب يفوق بكثير ما وجهته نحو القوى المعتدية عليها فعلياً. ويرى أن هذه السياسات تسببت في خسائر بشرية ومادية فادحة، طالت المواطنين والمقيمين الأبرياء في المنطقة، مما يستوجب وقفة جادة للمراجعة والمحاسبة.

إن القيادة الجديدة في إيران ترث تركة ثقيلة تراكمت على مدار سبعة وأربعين عاماً من المغامرات السياسية التي وصفت بـ 'الرعناء'. هذه التركة تشمل سجلاً طويلاً من التدخلات في شؤون الدول المجاورة وزرع بذور الفتن في مناطق واسعة من العالم الإسلامي، مما أدى إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي بشكل غير مسبوق.

وفي استعراض للأزمات الإقليمية، يتهم الخطاب طهران بتأسيس كيانات موازية للدول، كما هو الحال مع حزب الله في لبنان الذي تسبب في انقسام طائفي عميق. كما يشير إلى الساحة العراقية التي شهدت ولادة عشرات الميليشيات المسلحة المدعومة إيرانياً، والتي ارتكبت جرائم أدت إلى تهجير الملايين وسقوط مئات الآلاف من الضحايا.

أما في اليمن، فقد تحول الحوثيون بفعل الدعم الإيراني من مكون اجتماعي مسالم إلى جماعة مسلحة ساهمت في تدمير مقدرات البلاد وتقسيم نسيجها الاجتماعي. ويمتد هذا التأثير إلى سوريا، حيث ساهمت الميليشيات العابرة للحدود في قمع تطلعات الشعب السوري وممارسة انتهاكات جسيمة على مدار العقد الماضي.

ويعرج الخطاب على الداخل الخليجي، متهماً السياسة الإيرانية بالتحريض الطائفي وزرع الخلايا التخريبية التي استهدفت أمن واستقرار هذه الدول. ويرى الكاتب أن هذه الممارسات الموثقة لم تجلب لإيران سوى الفقر والعزلة الدولية، رغم الثروات الهائلة التي كان الأجدر أن تُنفق على رفاهية الشعب الإيراني.

وفي الجانب العقائدي، يدعو الخطاب المرشد الجديد إلى ثورة تصحيحية داخل المذهب الاثني عشري لتطهيره من الغلو والخرافات التي أُقحمت عليه. وينتقد بشدة الطقوس التي تتضمن إيذاء النفس وتشويه صورة الإسلام ومدرسة آل البيت أمام العالم، معتبراً إياها انحرافاً عن المقاصد الشرعية الصحيحة.

ويطرح المقال تساؤلات جوهرية حول حقيقة دعوات الوحدة الإسلامية التي تطلقها طهران، معتبراً أنها تصطدم بواقع ممارسات تكفير الصحابة والطعن في الثوابت الدينية. ويرى أن الوحدة لا يمكن أن تتحقق في ظل وجود خطاب طائفي تحريضي يزرع الانقسام في المجتمعات التي كانت متآلفة قبل التدخلات الخارجية.

إن العودة إلى نهج الأئمة الأطهار، القائم على العلم والعقل والاعتدال، هي المخرج الوحيد لإيران من أزماتها الراهنة. ويؤكد الكاتب أن هذه المبادرة يجب أن تنبع من القيادة العليا لتكون ريادة مخلصة يحفظها التاريخ، وتنقذ الأجيال القادمة من صراعات مذهبية لا طائل منها.

ويستشهد الخطاب بأقوال منسوبة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يعلن فيها براءته من الغلاة، في إشارة إلى ضرورة التبرؤ من الحركات المتطرفة التي تتخذ من التشيع غطاءً لأهداف سياسية وتخريبية. هذا النهج هو ما يضمن لإيران العودة كعضو فاعل ومحترم في المنظومة الدولية والإسلامية.

إن اللحظة التاريخية الحالية تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار لإيقاف نزيف الثروات الإيرانية المبددة على الميليشيات الخارجية. فالشعب الإيراني، الذي يمتلك تاريخاً وحضارة عريقة، هو الأولى بمقدرات بلاده لبناء مستقبل مشرق بعيداً عن سياسات تصدير الثورات والنزاعات المسلحة.

ويختتم الخطاب بالدعوة إلى جمع الكلمة على الحق وتطهير النفوس من الأحقاد التاريخية التي تُستغل لإدامة الصراعات. ويؤمل أن تكون ولاية مجتبى خامنئي نقطة تحول نحو السلام الإقليمي والتعايش السلمي بين كافة مكونات الأمة الإسلامية على اختلاف مذاهبها ومشاربها.

إن الرسالة في جوهرها هي دعوة للصراحة والصدق في مواجهة الحقائق المرة، بعيداً عن الدبلوماسية التقليدية. فالمصلحة العليا للأمة تقتضي وقف التدخلات، واحترام سيادة الدول، والتركيز على البناء الداخلي بدلاً من الهدم الخارجي، وهو ما ينتظره العالم من القيادة الإيرانية في مرحلتها الجديدة.

دلالات

شارك برأيك

رسالة مفتوحة إلى المرشد الإيراني: دعوات لتصحيح المسار السياسي والعقائدي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.