عربي ودولي

الأربعاء 18 مارس 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يهاجم ستارمر: تصدع 'التحالف التاريخي' بين واشنطن ولندن بسبب الحرب على إيران

تواجه العلاقات التاريخية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة اختباراً هو الأصعب منذ عقود، حيث تفتقر الحرب التي تقودها واشنطن ضد إيران إلى الغطاء الدولي المعتاد. ولأول مرة منذ حرب فيتنام، اختارت لندن النأي بنفسها عن الانخراط العسكري المباشر، مما أثار غضب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي وجه انتقادات حادة وعلنية للحليف الأوثق بلاده.

وفي تصريحات لافتة، اعتبر ترمب أن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لا يشبه الزعيم التاريخي ونستون تشرشل، مشيراً إلى أن بريطانيا الحالية لم تعد هي الدولة التي عرفها العالم سابقاً. وتعكس هذه التصريحات حجم الفجوة بين البيت الأبيض وداونينغ ستريت، خاصة في ظل غياب التحالفات الدولية العريضة التي ميزت حربي العراق وأفغانستان.

من جانبه، برر ستارمر موقف بلاده بضرورة الاستناد إلى أساس قانوني صلب وخطة مدروسة قبل الإقدام على أي تدخل عسكري. وأكد رئيس الوزراء البريطاني أن بلاده لن تنجر إلى صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، مستحضراً 'فوبيا العراق' التي لا تزال تلقي بظلالها على الوجدان السياسي والشعبي في بريطانيا.

وتفاقمت الأزمة مع قرار لندن منع القوات الأمريكية من استخدام القواعد العسكرية البريطانية في قبرص لشن هجمات ضد أهداف إيرانية. وجاء هذا القرار في أعقاب استهداف قاعدة أكروتيري بمسيّرة يُعتقد أن مصدرها حزب الله، مما دفع ستارمر للتشديد على أن القواعد البريطانية لن تكون منطلقاً لعمليات هجومية تزيد من اشتعال المنطقة.

ورغم هذا التوتر، سمحت الحكومة البريطانية باستخدام قاعدتي 'دييغو غارسيا' في المحيط الهندي و'فيرفورد' في إنجلترا لأغراض وصفها ستارمر بأنها 'دفاعية محددة'. وتهدف هذه الخطوة، بحسب المصادر الرسمية، إلى حماية الأرواح البريطانية والدفاع المشترك عن الحلفاء في المنطقة دون الانخراط في العمليات الهجومية المباشرة.

وفي تطور لاحق، رفض الرئيس ترمب عرضاً بريطانياً بإرسال حاملتي طائرات إلى الشرق الأوسط، معتبراً أن هذه الخطوة جاءت متأخرة جداً ولا قيمة لها الآن. وكتب ترمب عبر منصته 'تروث سوشال' بلهجة ساخرة أن واشنطن لم تعد بحاجة للدعم البحري البريطاني، واصفاً الحلفاء بأنهم باتوا يمثلون عبئاً على القدرات الأمريكية.

وتشير تقارير إلى أن الخلاف يتجاوز الملف الإيراني ليصل إلى قضايا استراتيجية أخرى مثل مستقبل حلف الناتو والحرب في أوكرانيا. كما تبرز قضية جزيرة غرينلاند ومفهوم ترمب للأمن الأوروبي كنقاط احتكاك إضافية أدت إلى تآكل الثقة المتبادلة بين القطبين الغربيين اللذين شكلا تاريخياً محور النظام العالمي.

وعلى الصعيد الداخلي، أظهرت استطلاعات الرأي أن غالبية البريطانيين، بنسبة تصل إلى 56%، يدعمون قرار ستارمر بالبقاء خارج النزاع المسلح. هذا الدعم الشعبي يمنح رئيس الوزراء هامشاً للمناورة أمام الضغوط الأمريكية، رغم ما قد يترتب على ذلك من تراجع في 'العلاقة الخاصة' التي ميزت البلدين منذ الحرب العالمية الثانية.

ولم يكتفِ ترمب بانتقاد الموقف العسكري، بل هاجم أيضاً التوجهات الاقتصادية الجديدة للندن، خاصة بعد زيارة ستارمر الأخيرة إلى بكين. واعتبر الرئيس الأمريكي أن التقارب التجاري البريطاني مع الصين يمثل خطراً كبيراً، في وقت تسعى فيه واشنطن لتشديد الخناق الاقتصادي على منافستها الآسيوية الكبرى.

وفي المقابل، رد ستارمر على انتقادات ترمب السابقة بشأن دور الجنود البريطانيين في أفغانستان، واصفاً تصريحاته بأنها 'مهينة وصادمة'. وذكر ستارمر بالتضحيات البريطانية التي شملت مقتل مئات الجنود، مؤكداً أن كرامة القوات المسلحة البريطانية ليست محلاً للمزايدات السياسية من أي طرف كان.

ويرى محللون أن عهد الثنائيات التاريخية مثل 'تشرشل-روزفلت' أو 'بلير-بوش' قد انتهى فعلياً مع صعود تيار 'أمريكا أولاً'. ويبدو أن بريطانيا بدأت بالبحث عن بدائل استراتيجية من خلال تعزيز التكامل الدفاعي الأوروبي وتقليل الاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية التي باتت غير مستقرة.

وأفادت مصادر بأن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، رغم إشادة ترمب به، حافظ على موقف حذر يطالب بإنهاء الحرب سريعاً. وهذا يوضح فشل الإدارة الأمريكية في حشد إجماع أوروبي حتى بين القوى التي يمتدحها ترمب، مما يترك واشنطن في حالة عزلة نسبية في حربها الأخيرة ضد طهران.

إن استهداف قاعدة أكروتيري في قبرص كان بمثابة جرس إنذار للندن حول مخاطر التورط في الصراع، حيث أكد ستارمر أن الهجوم وقع قبل إعلان الموقف البريطاني الرسمي. هذا الحادث عزز من قناعة الحكومة البريطانية بأن أي مشاركة غير محسوبة قد تجعل من المصالح البريطانية أهدافاً مباشرة في حرب لا ترى لندن فيها مصلحة وطنية.

ختاماً، يبدو أن الخارطة الجيوسياسية تشهد إعادة تشكيل كبرى، حيث تبتعد لندن تدريجياً عن فلك واشنطن نحو خيارات أكثر استقلالية. ومع استمرار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يبقى السؤال حول ما إذا كان هذا التصدع في التحالف الأنجلو-أمريكي هو مجرد سحابة صيف أم تحول جذري ودائم في السياسة الدولية.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يهاجم ستارمر: تصدع 'التحالف التاريخي' بين واشنطن ولندن بسبب الحرب على إيران

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.