أفادت مصادر بحثية في تل أبيب بأن الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية تدرس بجدية تفعيل ممرات برية وبحرية بديلة في المنطقة، وذلك في ظل تصاعد التهديدات الإيرانية التي تستهدف مضيق هرمز وباب المندب. وتأتي هذه التحركات في محاولة للإفلات من السيطرة الإيرانية على المضائق الحيوية التي تؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية وأسعار التأمين البحري.
وذكرت غاليا لافي، نائبة مدير مركز غلايزر لسياسات إسرائيل والصين أن الظروف الراهنة التي تشهد قرع طبول الحرب تمثل فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية. وأوضحت أن الشركات العالمية والأسواق المالية تبحث حالياً عن طرق بديلة ومستقرة، مما يحول التركيز من النقل البحري المعرض للمخاطر إلى الحلول البرية الموثوقة.
وأشارت لافي في تحليل نشرته وسائل إعلام عبرية إلى أن النقل البري، رغم أنه لا يحل محل النقل البحري بشكل كامل، إلا أنه يوفر حلاً جزئياً وفعالاً من حيث التكلفة في أوقات الأزمات. وضربت مثالاً بزيادة حركة النقل البري عبر مصر، حيث تصل البضائع من أوروبا إلى الإسكندرية ثم تُنقل براً إلى موانئ البحر الأحمر لتكمل رحلتها نحو الخليج.
وتطرقت المصادر إلى مبادرة الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC)، التي أعلن عنها في سبتمبر 2023، كأحد الحلول الجوهرية المطروحة. ويهدف هذا المشروع إلى ربط الهند عبر دول الخليج بالأسواق الأوروبية، وهو ما تراه إسرائيل مساراً حيوياً لنقل الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات المائية المضطربة.
ورغم أن المبادرة الرسمية لم تحدد صراحة الربط بين السعودية والبحر المتوسط، إلا أن المعطيات الجغرافية تشير إلى أن المسار الأقصر يمر عبر الأردن وإسرائيل. ويثير هذا الاحتمال مخاوف إسرائيلية من بروز مسارات بديلة تروج لها قوى إقليمية أخرى مثل تركيا ومصر، مما قد يقلص دور تل أبيب في الخارطة الجديدة.
وكشفت المصادر عن تحركات دبلوماسية هندية نشطة في هذا السياق، حيث زار رئيس الوزراء الهندي الأردن في ديسمبر 2025 وناقش المشروع مع الملك عبد الله. كما تبعتها زيارة إلى إسرائيل في فبراير 2026، حيث كانت القضية محوراً أساسياً في محادثاته مع بنيامين نتنياهو، الذي أشار للمشروع في خطاب أمام الكنيست.
وتواجه هذه الطموحات الإسرائيلية عقبات سياسية كبيرة، أبرزها موقف السعودية والأردن اللتين تربطان التقدم في المشاريع الإقليمية بالتقدم في القضية الفلسطينية. ومع ذلك، ترى الأوساط الإسرائيلية أن التهديدات الإيرانية المشتركة قد تخلق أرضية للتعاون تتجاوز العقبات السياسية التقليدية في المدى القريب.
هذه الحرب قد تحمل فرصة استراتيجية نادرة لاستغلال المصالح المشتركة مع الجيران لترسيخ مكانة إسرائيل كركيزة اقتصادية وأمنية حيوية في المنطقة.
وتقترح الرؤية الإسرائيلية الجديدة البدء بنقل البنية التحتية للطاقة من دول الخليج عبر الأراضي الإسرائيلية، مع توفير تقنيات حماية متطورة لتأمين هذه الخطوط. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة حجر الأساس لتحويل إسرائيل من شريك محتمل في المبادرات الدولية إلى لاعب مؤثر ومحوري في أمن الطاقة العالمي.
ويرى محللون أن نجاح هذا الممر سيعزز من قدرة دول المنطقة على مواجهة الابتزاز الإيراني في مضيق هرمز، حيث سيوفر بدائل جاهزة لنقل النفط والغاز. كما أن ربط خطوط الأنابيب الموجودة حالياً في السعودية والإمارات بشبكة تمر عبر إسرائيل سيقلل من تكاليف الشحن والمخاطر الأمنية المرتبطة بالناقلات.
وتشير التقارير إلى أن التوترات الأخيرة بين بعض دول الخليج لم تمنع من استمرار التفكير في المشروع، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت منشآت استراتيجية. وتعتبر إسرائيل أن هذه اللحظة التاريخية تسمح لها بتقديم نفسها كـ 'جسر بري' آمن يربط الشرق بالغرب بعيداً عن نفوذ طهران.
وفي حال تنفيذ هذه المشاريع، فإنها لن تقتصر على الجوانب الاقتصادية فحسب، بل ستمتد لتشمل اتفاقيات تعاون أمني واستخباراتي واسعة النطاق. وتطمح إسرائيل من خلال ذلك إلى ترسيخ واقع جيوسياسي جديد يجعل من وجودها مصلحة اقتصادية عليا للدول العربية المجاورة والقوى الدولية على حد سواء.
وتؤكد لافي أن البنية التحتية المشتركة هي المفتاح للانتقال من مرحلة التنسيق المؤقت إلى الشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد. وتعتبر أن استغلال التقنيات الإسرائيلية في تأمين ممرات الطاقة سيعطي تل أبيب ميزة تنافسية تجعل من الصعب تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
وعلى المدى البعيد، تراهن إسرائيل على أن تتحول هذه المشاريع الاقتصادية إلى قنوات لتطبيع العلاقات بشكل أوسع وشامل مع دول المنطقة. فالمصالح المادية المشتركة والاعتماد المتبادل في قطاعات الطاقة والتجارة قد يفرضان واقعاً سياسياً جديداً يتجاوز التعقيدات الحالية.
ختاماً، تظل هذه المخططات رهينة بالتطورات الميدانية في غزة والضفة الغربية، حيث يظل الموقف العربي الرسمي متمسكاً بالحقوق الفلسطينية كشرط للاندماج الكامل. ومع ذلك، فإن السباق نحو إيجاد بدائل لمضيق هرمز يظل المحرك الأساسي الذي قد يدفع بهذه المشاريع إلى واجهة الأحداث الدولية مجدداً.





شارك برأيك
تحركات إسرائيلية لإنشاء ممرات برية بديلة لمواجهة التهديدات الإيرانية في مضيق هرمز