تمر المنطقة العربية والإسلامية بمنعطف تاريخي غير مسبوق، حيث أثبتت التطورات الميدانية قدرة إيران وجبهة المقاومة على التصدي بفاعلية لمشاريع الهيمنة الأمريكية والتوسع الصهيوني. وتشير المعطيات السياسية إلى أن واشنطن وقعت في مأزق استراتيجي معقد، كانت السياسات الإسرائيلية المحرك الأساسي فيه، مما أدى إلى تبخر الشعارات التي سادت لعقود.
إن استمرار المواجهة الحالية لا يسهم فقط في تعميق الإخفاق الأمريكي، بل يمنح جبهة المقاومة أوراق قوة إضافية لتمتين مواقفها وتحقيق أهدافها في مواجهة النفوذ الأجنبي. هذا الواقع يفرض قواعد اشتباك جديدة لا يمكن التراجع عنها، تضمن عدم عودة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية إلى سابق عهدها في استباحة مقدرات المنطقة.
المرحلة الراهنة تؤذن بولادة جديدة للمنطقة، حيث انتهى زمن الاستخفاف بالشعوب وإرادتها إلى غير رجعة، وهو ما يتطلب وعياً سياسياً يتجاوز أوهام الدبلوماسية التقليدية مع واشنطن. الميدان اليوم هو صاحب الكلمة الفصل في تثبيت الحقوق، وفرض واقع سياسي يحترم سيادة الدول بعيداً عن الإملاءات الخارجية التي أثبتت فشلها.
ومع تراجع النفوذ الأمريكي، يبرز تساؤل جوهري حول من سيملأ الفراغ الناتج عن هذا الانحسار، وكيف يمكن طمأنة الدول التي كانت ترى في الحماية الأمريكية ضمانة لأمنها. لقد أثبتت الحرب أن القوة الحقيقية تكمن في تلاحم الأمة وقدرتها على صياغة دورها في عالم يتحول نحو التعددية القطبية، بعيداً عن 'القدر الأمريكي' المزعوم.
إن مسار التنازلات الذي انتهجته بعض الأطراف العربية لم يؤدِ إلا إلى زيادة الابتزاز والاستعلاء من قبل الاحتلال والإدارة الأمريكية على حد سواء. كل تنازل كان يُفهم في تل أبيب على أنه ضعف، مما شجعها على مزيد من قضم الأراضي وتهديد الأمن الاجتماعي والثقافي للشعوب العربية، وهو ما يستوجب مراجعة شاملة.
الحاجة اليوم ملحة لإطلاق حوار إقليمي واسع يبدد الهواجس المتبادلة ويعيد عقلنة الفضاء السياسي، بالتوازي مع استمرار الفعل المقاوم في الميدان لضمان عدم ضياع المكتسبات. يجب أن يقوم هذا الحوار على مبدأ 'الكل رابح'، مع التأكيد على أن استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية لا يستهدف الأشقاء العرب بل يحمي مستقبلهم.
لقد أدركت بعض القوى الإقليمية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أهمية الحوار المباشر مع إيران، وهو ما تجلى في الوساطة الصينية وتعديل المقاربات تجاه ملفات ساخنة كاليمن. هذه الخطوات تمثل الاتجاه الصحيح نحو بناء منظومة أمنية إقليمية مستقلة تعتمد على التفاهمات البينية بدلاً من الحماية الخارجية الزائفة.
إن تحرير قرارنا السياسي العربي من الهيمنة الأمريكية فرصه مؤاتية الآن، وأمن المنطقة واحد موحد لا يتجزأ.
إن تحرير القرار السياسي العربي من التبعية بات فرصة مؤاتية أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع فشل المنظومات الدفاعية الأمريكية في حماية نفسها أو حماية حلفائها. يمكن لدول مركزية مثل مصر والسعودية والعراق وقطر أن تلعب دوراً محورياً في التمييز بين المصالح الطبيعية للدول وبين الأجندات الهيمنية التدميرية.
يجب على الدول العربية استغلال اللحظة الراهنة لإضعاف مكانة الاحتلال الإسرائيلي وتقوية الموقف الفلسطيني وحقه التاريخي في أرضه، مع إعادة تعريف الوجود الأمريكي في المنطقة. هذه الفرصة التاريخية لن تتكرر لاستعادة السيادة الكاملة وموازنة المصالح في ظل النظام العالمي الجديد الذي يتشكل بعيداً عن القطب الواحد.
من الضروري في هذه المرحلة الحساسة تجنب الانجرار خلف الدعوات التي تهدف إلى تفجير المجتمعات من الداخل أو حرف بوصلة الصراع نحو نزاعات بينية لا تخدم إلا الأعداء. الأولوية القصوى يجب أن تظل لمواجهة المشروع الصهيوني-الأمريكي، مع تأجيل الخلافات الداخلية إلى حين نضوج الظروف لبناء واقع سياسي عربي أكثر تحرراً.
إن الرؤية الأمنية للإقليم يجب أن تنبع من فهم مشترك للمصالح، بعيداً عن النماذج الغربية المستوردة التي أثبتت عدم ملاءمتها لخصوصية المنطقة وتاريخها. الطاقة المجتمعية الهائلة للأمة يجب أن تُصرف في البناء والتكامل، وليس في الصراعات التي غذتها واشنطن لعقود طويلة لضمان تفوقها الدائم.
جبهة المقاومة، بانتصاراتها الميدانية، لا تسعى لفرض سيادتها أو قيادتها على الآخرين، بل تطمح لبناء نموذج حضاري مشترك مع كافة الشركاء العرب والمسلمين. الهدف هو أن يكون للأمة الإسلامية كلمة مسموعة ومكانة محترمة بين الأمم، تضمن مصالحها وتنهي دوامة التبعية والاستخفاف التي عانت منها طويلاً.
يجب الحذر الشديد من محاولات 'الأبواق المأجورة' التي تسعى لخلق فتن داخلية لتعويض الإحباط الناتج عن فشل المشاريع الأمريكية في المنطقة. إن انهيار الرهانات على القوة العسكرية الإسرائيلية سيدفع الخصوم لمحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي، وهو ما يتطلب يقظة عالية وتنسيقاً أمنياً وسياسياً بين دول المنطقة.
ختاماً، لا يمكن القبول بالنماذج السياسية التي تحاول العودة بالمنطقة إلى اتفاقات مذلة تشبه '17 أيار'، متجاهلة دماء الشهداء والتحولات الجذرية في موازين القوى. القيادة السياسية الناجحة هي التي تمتلك الحس التحرري والعمق الاستراتيجي لاغتنام هذه اللحظة التاريخية لإعادة إنتاج واقع عربي إسلامي متماسك ومستقل.





شارك برأيك
نحو ميثاق إقليمي جديد: قراءة في انحسار الهيمنة الأمريكية وصعود جبهة المقاومة