أقلام وأراء

الأربعاء 04 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

من شعار “أمريكا أولاً” إلى “إسرائيل أولاً”


في بداية حملته الانتخابية الأخيرة، خرج دونالد ترامب بخطاب بدا، في ظاهره، انقلاباً على تقاليد السياسة الأميركية، حين رفع شعار “أمريكا أولاً” وتعهد بعدم إقحام الولايات المتحدة في حروب خارجية، مقدّماً نفسه باعتباره مرشحاً ينقذ الأميركيين من استنزاف الدم والمال في مغامرات عسكرية لا تعود عليهم بفائدة، غير أن هذا الخطاب سرعان ما اصطدم بواقع مختلف تماماً، واقع كشف أن “أمريكا أولاً” لم تكن سوى عبارة انتخابية، بينما السياسة الفعلية وضعت إسرائيل في صدارة الأولويات، ولو على حساب كل ما ادعى ترامب أنه يسعى لحمايته.
فما شهدته المنطقة من انفجارات متتالية، وما تشهده اليوم من انخراط أميركي متزايد خلف إسرائيل، يثبت أن الإدارة الأميركية لم تبتعد عن منطق الحروب، بل أعادت إنتاجه بصورة أكثر فجاجة، حيث جرى ربط المصالح الأميركية عضوياً بأجندة إسرائيل، وتحويل واشنطن إلى مظلة سياسية وعسكرية مفتوحة لحروبها، دون أي اعتبار للتداعيات الإقليمية أو للكلفة التي يدفعها الأميركيون أنفسهم من أموالهم وأمنهم واستقرارهم.
لقد تحولت الولايات المتحدة، في عهد ترامب، من قوة تدّعي إدارة الصراعات إلى طرف مباشر في تأجيجها، ومن دولة تتحدث عن الانكفاء إلى لاعب يدفع نحو توسيع رقعة النار، ليس دفاعاً عن أمنها القومي، بل دفاعاً عن المشروع الإسرائيلي، حتى بات واضحاً أن الدم الأميركي، كما دم شعوب المنطقة، يمكن التضحية به إذا كان ذلك يخدم بقاء إسرائيل متفوقة ومحمية من أي مساءلة أو ضغط.
هذا الانحياز المطلق كشف زيف الادعاء بأن ترامب يمثل قطيعة مع المؤسسة التقليدية في واشنطن، إذ سرعان ما تبين أنه أعاد إنتاج جوهر السياسة الأميركية ذاتها، القائمة على تقديم إسرائيل كأولوية استراتيجية غير قابلة للنقاش، وعلى تبرير كل سياساتها العدوانية، مهما بلغت كلفتها الإنسانية والسياسية، ومهما أدت إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط ودفعه نحو حروب مفتوحة لا أفق لها .
الأخطر في هذا المسار أن ترامب لم يتردد في المقامرة بالمصالح الأميركية نفسها، سواء عبر تعريض الجنود الأميركيين للخطر، أو عبر استنزاف الخزينة العامة، أو عبر تعميق الكراهية تجاه الولايات المتحدة في المنطقة والعالم، وكل ذلك من أجل الحفاظ على صورة “الحليف الذي لا يتخلى عن إسرائيل”، حتى لو كان الثمن إحراق الشرق الأوسط بالكامل، وتحويله إلى ساحة صراع دائم يخدم مشروعاً واحداً فقط .
 لم تكن سياسة ترامب الخارجية خروجاً عن القاعدة، بل كانت تعبيراً أكثر صراحة عنها، حيث سقط القناع سريعاً، وظهر أن “أمريكا أولاً” لم تكن سوى شعار فارغ، بينما الحقيقة الثابتة، التي أكّدتها الوقائع، أن إسرائيل ظلت وستظل هي اولا وفي مقدمة الأولويات الأميركية، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح الأميركيين أنفسهم، وحتى لو دفع العالم كله ثمن هذا الانحياز الأعمى.
في المقابل، أحدثت حرب غزة شرخاً عميقاً داخل الوعي الأميركي نفسه، حيث لم تعد الرواية الرسمية تحظى بالإجماع الذي كانت تتمتع به لعقود، بل بدأ الرأي العام الأميركي، وخصوصاً بين فئات الشباب والطبقات المتضررة اقتصادياً، يطرح أسئلة جوهرية حول جدوى هذا الانحياز المطلق، ومع تصاعد مشاهد الدمار والقتل في قطاع غزة، برز خطاب داخلي جديد يتحدث بوضوح عن أموال الضرائب الأميركية التي يحتاجها المواطن في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، لكنها تُحوَّل إلى دعم إسرائيل وحروبها المفتوحة، في وقت يعاني فيه ملايين الأميركيين من أزمات معيشية خانقة.
هذا التحول لم يعد هامشياً أو معزولاً، بل بات جزءاً من نقاش عام واسع يشكك في الدور الذي يلعبه السياسيون الأميركيون، ومعهم عدد كبير من الرؤساء السابقين، في جرّ الولايات المتحدة إلى حروب لا تخدم مصالحها القومية ولا أمنها الداخلي، بقدر ما تخدم أجندة إسرائيل وتفوقها الإقليمي. ومع اتساع هذا الوعي، تتراجع قدرة الخطاب التقليدي على تسويق الحروب باعتبارها دفاعاً عن “القيم” أو “الأمن القومي”، ليحلّ محله سؤال بسيط لكنه خطير: لماذا يدفع الأميركي ثمن حروب لا تعنيه، ولماذا تُقدَّم مصالح إسرائيل دائماً على حاجات المجتمع الأميركي نفسه؟ سؤال مرشح لأن يعيد تشكيل السياسة الأميركية مستقبلاً، وأن يضع هذا الانحياز التاريخي أمام اختبار غير مسبوق.

دلالات

شارك برأيك

من شعار “أمريكا أولاً” إلى “إسرائيل أولاً”

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.