رافق إعلان إنشاء "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، في إطار سلطة وصلاحيات "مجلس السلام"، وحتى ما قبل مباشرة الأعمال المنوطة بها، تعالي الأصوات المشككة بها أو المقللة من شأنها فلسطينياً، والمرحبة بها عربياً ودولياً. لكن ما لا يمكن إنكاره أن الحدث يسمح، وأخيراً بإعلان انتهاء صامت لمرحلة أوسلو، التي مثلت آخر نموذج من نماذج الحوكمة الذاتية "غير السيادية" الفلسطينية خلال أكثر من قرن من تجارب الإدارة تحت حكم إمبريالي او استعماري. في سياق اللانظام العالمي الذي يسهر عليه دونالد ترامب متسلحاً بغطرسة القوة العسكرية الأميركية المفرطة، فإن الشعب الفلسطيني ليس الوحيد أو الأقوى بين شعوب ودول العالم الذين اجبروا على الخضوع لإرادته، أو مزاجه.
بينما وافقت حركة حماس على خطة ترامب على مضد، توقعت المنظمة/السلطة أن تحصد عودة لإدارتها إلى القطاع وكرسي على طاولة القرار. رغم بقائهما كلاعبين في الساحة السياسية الفلسطينية، واحدة مهزومة عسكرياً في غزة والثانية مهزومة سياسياً في الضفة الغربية، فإن باعهما لم يعد يصل أبعد من حق "عدم الممانعة" بخصوص تشكيل اللجنة الوطنية، ولا يصل الى حد حق الإصرار على وقف حرب الإبادة أو فتح معبر رفح الحيوي أو مسائل حياتية أساسية كإدخال 200 ألف بيت متنقل لإغاثة شعب مكلوم.
الملعب الوحيد في البلد
على ضوء التواطؤ العربي "الإجباري أو الطوعي" مع سيادة مجلس السلام وآليات إدارته العليا والمتوسطة، ورغم تحفظ أوروبي وعالمي اتجاه المجلس خاصة في ميثاقه الذي يعتبر تخلي عن المنظومة الأممية القائمة منذ 75سنة، فإنه مشروع باركه مجلس الأمن الدولي، وأصبح مجلس السلام وآلياته "الملعب الوحيد في البلد".
استدركت منظمة التحرير مبكراً حتمية فرض صيغة ترامب المشوهة لكل المبادئ والشرعيات والأعراف بشأن قضية فلسطين، وحاولت بنجاح محدود إدخال صيغ ونصوص وتفضيلاتها على كل من خطة ترامب الاصلية وكذلك قرار مجلس الأمن وتشكيلة اللجنة الوطنية. كما حافظت المنظمة وما ترال، على تنسيق وثيق مع الراعي المصري بخصوص الأمور السياسية الداخلية والأمنية، ومع العربية السعودية فيما يتعلق بالأفق السياسي الموعود في القرار الأممي والمشروط، طبعاً. لكن يبقى المسار الأخير في الخطة الدولية بتلبية "رغبة" الشعب الفلسطيني "بتقرير المصير" -أي ليس بالضرورة لأنه "حق"-، بمثابة ميراج.
أما بالنسبة لحركة حماس، فهي تبحث عن أي مخرج للبقاء بشرياً وسياسياً، لتقلل الملامة الواسعة الموجهة لها ولإفرازات طوفان الأقصى -بحسب غالبية نتائج استطلاعات الرأي-. بينما أعلنت عن توجيهاتها لكوادرها بتسهيل عملية انتقال الإدارات الحكومية إلى إشراف اللجنة الوطنية عشية دخولها للقطاع لتسلم مهامها، وكذلك عن استعدادها لتسليم أسلحتها الهجومية، أصبح بعض أشد أنصار المقاومة بين أوساط المحللين والمفكرين، يستنتجون أن الطوفان "لم يحقق أهدافه المعلنة فحسب، بل جاء بعكسها".
بالتالي فإن الطرفين الفلسطينيين المنهمكين من سنتي حرب دامية وصراع وجودي مع مشروع استعماري إبادي، من جهة وشرعيتهما التاريخية من جهة ثانية، باتا جاهزين لقبول أية صيغة لا تقصيهم عن الملعب، رغم محدودية الحيز المتاح للمطالبة، أو حتى التذمر.
مجلس السلام.. الأمر الواقع الجديد
أترك للمحللين والباحثين من مختلف الجهات إعداد لائحة الاتهام ضد مجلس السلام وهي بالتأكيد ستكون طويلة، ولمسائلة القائمين على كل من أوسلو وطوفان الأقصى، وهذه عمليات نقدية طبيعية بعد التحولات الكبرى التي عاشتها المنطقة. لكن يبدو لي اليوم أنه لا بد من التعامل مع الأمر الواقع الجديد، والذي قبلته الأطراف الفلسطينية والعربية كافة، بعضها إكراهاً، لانتداب أميركي مؤقت في جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، بل لسيادة أميركية فعلية في قطاع غزة يحل محل الاحتلال الإسرائيلي المباشر والتفرد الإسرائيلي بالشأن الفلسطيني. ينطوي ذلك على انتقال إدارة القطاع من سلطة "حكومة الأمر الواقع" إلى حكومة أمر واقع جديد، بإشراف مجلس السلام وبواسطة فلسطينيين مهنيين لا ينتمون لأي فصيل سياسي، حتى ولو لديهم ماضيهم الوطني وعلاقاتهم هنا وهناك فلسطينياً وعربياً. في الوقت ذاته، يتم إبعاد أو تقييد نفوذ السلطة الفلسطينية المباشرة في القطاع، وفي الضفة المحتلة كذلك، بعدما كانت قد عملت منذ سنتين على تجهيز نفسها لتعبئة فراغ الحكم والأمن.
هذا هو الأمر الواقع الجديد وعلى الشعب الفلسطيني استدراك كيف يتعامل معه ويتفادى أسواء عواقبه، بل ربما يقاومها بذكاء وليس فقط بالتنديد.
فعلاً لم تعد أهداف وقوانين وهياكل أوسلو أو حتى تلك السائدة في مرحلة الثورة الفلسطينية المعاصرة، هي التي تحكم المشهد. أصبح النضال الوطني الفلسطيني الأكبر لنيل الحرية والاستقلال أمام معضلة من التشتت وواقع الهزيمة البشرية والمادية جديدة، ربما أصعب مما واجهها في مراحل سابقة لكن ملية باحتمالات لم تكن واردة قبل هذه المرحلة. لذلك أسعى هنا للتوصل الى فهم واقعي أولي لما قد يتمخض عنها تجربة إنشاء وتشغيل وتمكين اللجنة الوطنية، على ضوء تجارب سابقها ودروسها -إن وجدت-، وأيضاً حجم ومستوى وعجالة مسؤولية اللجنة المنصوص عليها بقرار مجلس الأمن، والمحددة بالإشراف على "الخدمة المدنية والإدارة" في القطاع المنكوب. هناك عدد من المفارقات والدلائل الهامة في تكوين هذه الإدارة الجديدة والمفوضة من قبل قوى عالمية كبرى، وفي حدود صلاحيات وقدراتها، وفي شرعيتها وإمكانية خروجها عن مسار التبعية للقوة الانتدابية/الاحتلالية القائمة، والتي كانت السمة الغالبة لتجارب الحكم الذاتي السابقة.
تعاقب حقب الحكم الذاتي الفلسطيني
منذ إعلان ميثاق مجلس السلام وتشكيل اللجنة الوطنية، تنهال التقييمات المتشائمة، بعضها بسبب تولي دونالد ترامب مقاليد إدارة شؤون القضية الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من امتداد لسيطرة امبريالية-ملكية على مصير القضية، وبعضها متخوفة من مرحلة انتقالية جديدة "يفترض أنها لسنتين" تبعد القضية أكثر عن السيادة والعدالة، وتجدد وتطول معاناة شعب انهكته النضال ضد الاستعمار والحروب الإبادية. ما يغفله الكثير من هذا النقد أن ما يتبلور اليوم من صيغة جديدة للحكم الذاتي الإداري الفلسطيني لا يختلف كثيراً من حيث الصلاحيات والدور المتوقع منها عن السلطة الفلسطينية اليوم في الضفة الغربية، ولو تحت مسميات ومرجعيات سياسية مختلفة. بالتالي ليست صيغة لجنة غزة كما يصورها البعض مختلفة عما تبقى من نفوذ للسلطة في الضفة، حيث تشرف على و/أو تبارك منظمة التحرير كل منهما، بينما تحتفظ المنظمة بالصفة التمثيلية الدولية الرسمية للشعب الفلسطيني. أي أن اللجنة الوطنية لا ولن تشكل كيان سياسي مستقل كما قد يحلو لترامب وكوشنير ونتنياهو، مثلما لا تعتبر السلطة الفلسطينية كيان سياسي منفصل عن المنظمة.
بغض النظر عن الجدل القانوني حول الشرعية الفلسطينية، فمن الأهمية بمكان الإقرار بأن هذه ليست المرة الأولى التي يرزح فيها الشعب الفلسطيني تحت هيمنة قوة خارجية، امبريالية، انتدابية، احتلالية، استعمارية، ولو أننا نأمل أن تكون الأخيرة. دون الخوض هنا في دراسة تاريخية، نلاحظ أنه لأكثر من قرن، وحتى قبل بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية المميزة، فإن الشعب العربي في فلسطين واجه سلسلة من أشكال الحكم الذاتي الأكثر أو الأقل محكوم من المركز، وناضل بمختلف الأشكال وبمشاركة جميع الطبقات الاجتماعية، من أجل التحرر وثم الاستقلال. طبعاً فإن موازين القوى العالمية المتحالفة مع الحركة الصهيونية لم تكن عبر التاريخ لصالح الحق الفلسطيني الوطني، واستكفى الأخير بسياسة التكيف والبقاء ومنع التهجير، إلى أن تحقق في 2025 التوازن الديموغرافي العربي اليهودي في فلسطين.
إبان الحكم العثماني الامبريالي، كانت تدار ولايات فلسطين بالأساس على أيدي أهلها "المنتميين سياسياً للعثمانية"، وبواسطة إدارات خدمية ومالية وقضائية وعسكرية محلية، ثم خلال 30 سنة من الانتداب البريطاني كان للعرب وكذلك اليهود مكانهم الرئيسي -لكن ليس القيادي- في جميع إدارات الحاكم "المندوب السامي". تعاملت السلطة الانتدابية مع الممثلين السياسيين لكل طرف بحسب سياستها المحابية للمشروع الصهيوني، أي بتعاون متواصل مع الوكالة اليهودية والمؤسسات الصهيونية التمثيلية، وبإبعاد وحظر اللجنة العربية العليا. بينما خضع الشعب الفلسطيني منذ 1948 للحكم الإسرائيلي المباشر (داخل إسرائيل حتى اليوم ومنذ 1967 في الأرض المحتلة)، كانت هناك "إدارة مدنية" تابعة للجيش الإسرائيلي تدير شؤون الشعب الفلسطيني بواسطة 20 ألف موظف مدني وخدمي (تم استيعابهم لاحقاً بوزارات السلطة). ثم مع إطار أوسلو بعد 1995 أقيمت بصلاحيات مقيدة وظيفياً وجغرافياً "سلطة حكم ذاتي انتقالي فلسطينية" (الذي يبقى الاسم القانوني المنصوص عليه رغم إعادة تسميتها "بالسلطة الوطنية الفلسطينية").
مع هذا التاريخ الطويل والتجربة المريرة مع أشكال وتعاقب النماذج لحكم خارجي معادي مفروض على الشعب الفلسطيني، فإن الثابت كان مقاومة ذلك الشعب، في كافة ساحات المواجهة مع سياسات الإبادة والحرمان والإقصاء، بطيف واسع من الوسائل بحسب شروط وموازين كل معركة وجبهة، أحياناً يتقدم واحياناً يتراجع. هذا ربما أهم درس تاريخي في تقييمنا لمصير اللجنة الوطنية والمشروع الوطني نفسه في مواجهة ما هو قادم.
مخاطر الانفصال المبالغ بها
كذلك نجد بعض الجهات، وخاصة تلك الموالية لرؤية منظمة التحرير، تنظر بتحفظ إلى الصيغة المميزة الممنوحة للجنة الوطنية من قبل راعيها الأولى، مجلس السلام، بدل من عودة السلطة الوطنية الإدارية والأمنية والسياسية الكاملة، وهي الصيغة التي خططت لها وناورت مع مختلف الأطراف لإنجازها. رغم ذلك، فإن تشكيلة اللجنة لا تظهر لون سياسي معادي للمنظمة او لحركة فتح على الاطلاق "وربما العكس صحيح"، متضمناً طيف واسع من الطبقات المهنية الخبيرة التي اقصيت الى حد كبير من هياكل سلطات غزة ورام الله. رغم عدم انتمائهم الفصائلي، فإن الجميع من أبناء قطاع غزة الغيورين على البلاد، يعرفون أفضل من غيرهم أهلها وهمومهم ومجتمعاتهم وتقاليدهم وسياستهم. من المؤكد أن أخطر تحدي سياسي قد يواجه اللجنة سيأتي من المستويات القيادية العليا: المجلس التنفيذي المكون من جماعة الرئيس المحبين لإسرائيل، بواسطة الممثل السامي ملادينوف الأكثر متعاطفاً مع الموقف الفلسطيني. ستكون مهمة اللجنة إظهار الرؤية الفلسطينية المفضلة والحل التقني المعقول فلسطينياً، والخبرة الأصيلة المتاحة، أمام قرار أو مخطط أو تعليمات في الشأن الإنساني والاقتصادي والأمني الداخلي.
هذا سيتطلب حنكة استثنائية في التعامل مع الخصم الإسرائيلي، ومطالبة حثيثة للراعي الاميركي للاحتكام للمنطق وللحق الفلسطيني والتسلح بالرعاية العربية في ذلك، بالإضافة لمسايرة منظمة التحرير لكيلا ترى في اللجنة كياناً منفصل أو متمردة عنها وعن المشروع الوطني. قبل كل شيء فإن اللجنة تبقى مسؤولة ليس فقط أمام ضميرها، بل أمام مليونين فلسطيني يحتاجوا لإدارة مهنية وأمينة في معالجة كارثتهم. مع العلم أن اللجنة لا تمتلك موارد أو مؤسسات أو أنظمة مستقلة عن تلك المتاحة تحت شعار "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد".
ربما أقوى حجة يمكن للجنة التمسك بها للتصدي للضغوطات التي سيتعرض لها من المجلس التنفيذي لغزة، أن مكانتها القانونية تضعها تحت إدارة مجلس السلام، لكن ذلك فقط رهن أمرين. الأول أن تفويض مجلس السلام من قبل مجلس الأمن الدولي هو أساس "شرعية" اللجنة السياسية، بغض النظر عن الأنظمة الداخلية التي يصيغها فريق ترامب كميثاق المجلس وقراره الأول المرتقب. ثم أن قرار مجلس الأمن يربط إنشاء اللجنة بالجامعة العربية التي عملت على إقامة اللجنة قبل مجيء ترامب للحكم. بالإضافة الى ذلك، لا بد من تذكير المجلس أن مهمتها لا تنطوي على "تغيير النظام" الفلسطيني ومثل تلك السياسة ليست من تفضيل إدارة ترامب رغم تصرفاتها الامبريالية. مهمة المجلس وأجهزته تنحصر فقط في مساعدة الفلسطينيين على إدارة أمورهم وإعادة بناء ما كان قائم ما بعد الحرب في إطار القوانين السائدة والإدارات الفلسطينية القائمة، وليس بناء نظام فلسطيني غزي جديد منفصل عن وحدة المشروع الوطني.
ربما كان هناك سبباً وجياً قبل 2023 للمخاوف من أن قطاع غزة المعزول تحت حكم حماس والمحاصر من اسرائيل، وبعد 15 سنة من مسار مختلف عن بقية الوطن، أصبح مشروع انفصالي، وأن الوحدة الجغرافية للأرض المحتلة لم تعد حتمية. لكن من كان يحذر من مشروع "الامارة في غزة" يستطيع الآن التريث، حيث لم يعد ذلك المشروع قائماً إن كان يوماً فعلاُ قائماً، ولم تعد حركة حماس تحلم بمسودتها الخيالية التفصيلية لما بعد هزيمة الكيان "وعد الآخرة" المنشورة 2021، خاصة بعد أن زارتهم لمدة سنتين الـ2.2 مليون غزي الآخرة وبناتها.
مخاطر رأسمالية الكوارث
كثيرا ما يغفل هو أن مرحلة "الإعمار" بعيدة أشهر عديدة، من حيث أولويات معالجة احتياجات مراحل الإغاثة والإيواء، ثم مرحلة البدء بإزالة الركام ثم إعادة تأهيل وتشغيل المرافق الخدمية، كل ذلك قبل مراحل التعافي الاقتصادي أو الاعمار الدائم والشامل. رغم تلك الحقيقة، فإن الرؤية السائدة لدى ترامب ومن يحيط به تنصب على مشروع استثماري عقاري بما يزيد عن 115 مليار دولار (مع 55 مليار دولار عائد على الاستثمارات خلال 10 سنوات). يتم من خلال هذه الخطة استملاك قطاع غزة و"تطويره" عقارياً واقتصادياً بحسب تصميم معماري غربي غريب وعقيدة استثمارية استحواذيه لا مكان للإنسان أو للشعب الفلسطيني لتقرير مصيره أو لرسم خارطة مستقبله. هكذا شاهدنا في حفل إطلاق مجلس السلام الفجوة بين الصيغة المحدثة "لرأسمالية الكوارث" التي قدمها جاريد كوشنير بخرائط وصور لامعة (تلك السياسة التي انتهجها المال الأميركي والأوروبي في العديد من حالات ما بعد النزاعات، أبرزها العراق والقائمة تطول)، من جهة، والرؤية الإنسانية الفلسطينية المتواضعة من جهة ثانية التي تضمنتها كلمة المفوض العام للجنة الوطنية، د. علي شعث، مركزاً على حجم الكارثة التي ستعمل اللجنة ما بوسعها على التخفيف من وطئها على "شعب غزة المكلوم".
هذا الصراع حول الرؤى والأولويات التخطيطية المكانية والعمارية ليس جديد، بل يعكس تعددية مهنية وعلمية فلسطينية في مسألة التخطيط، والقدرة الذاتية على تقرير المستقبل. في دراسة فلسطينية حديثة العهد، تم حصر ما لا يقل عن ست مخططات مكانية فلسطينية "أصيلة"، تتناول فيما بينها جميع التصورات الممكنة لقطاع غزة المستقبلي وأنجز عدد منها قبل 2023. أما منذ الحرب عملت معاهد وشركات دولية عديدة على صياغة عدد مماثل من الخطط لفلسطين التي تعكس مصالحها، بالإضافة الى عدد إضافي من الخطط الدولية "الخبيرة" في مستقبل حوكمة غزة وفلسطين فيما يسمى "باليوم التالي".
لذلك، طالما يبقى ويصر الجانب الفلسطيني "المنظمة واللجنة والرعاة العرب" على اعتماد نماذجهم التخطيطية وليس تلك الخيالية التي يطرحه أطراف طامعة وغريبة، يمكن مواجهة إغراءات رأسمال الكوارث، خاصة وأن نجاحه يشكل خطراً كبيراً على الموارد الفلسطينية وعلى الحقوق الفردية والجمعية الفلسطينية، لن تمر مر الكرام.
إدامة انقسام عقائدي سلطوي بعيد عن هم الناس - أما وحدة النضال تحت مظلة دولة فلسطين؟
بعد أكثر من عامين على إطلاق الحملة الإبادية الإسرائيلية التي طالت وما زالت الكل الفلسطيني: شعباً وأرضاً وهوية وعقيدة، توقع غالبية الشعب الفلسطيني، وأرهق بالمطالبة المتكررة بإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية سياسياً ونضالياً وحكومياً. للأسف أخفقت جميع الأطراف الفلسطينية من فتح وفصائل المنظمة إلى حماس وفصائل المقاومة، مروراً بالفصائل اليسارية المتحيرة بين القطبين، بالإضافة للنخب المالية والليبرالية التي اعتادت على الانقسام وتأقلمت معه، وساهمت عن قصد أو دونه في أدامته. في نهاية المطاف لقد فات قطار إعادة توحيد المنظمة أو تأهيل السلطة لحوكمة محدثة، ومع مرور الوقت فأن تجربة الانقسام سيصبح بمثابة موضوع دراسة تاريخية وذكرى مرة لدى غالبية أهل غزة الذين ينظرون الى المستقبل ويحاولون طي صفحة الماضي المخيف قدر الإمكان.
يجب أن تستوعب جميع الأطراف الفلسطينية الوازنة أن استحقاق مجلس السلام ولجنة غزة، وفقدانها لشرعيتهم السابقة وغياب التمثيل الفلسطيني الموحد عالمياً، تشكل عناصر دافعة قوية لإعادة توجيه بوصلة مسار العمل السياسي الفلسطيني لضمان انتقال سلس إلى المرحلة القادمة ولحشد جميع عناصر القوة الفلسطينية في الداخل والشتات. هذا يتطلب الشجاعة في بلورة أجندات تحررية ومطالب وطنية جديدة تتعامل مع الواقع الميداني الجديد للفصل العنصري في كل فلسطين، وبرامج اجتماعية عادلة تعيد للناس ولو جزء من حقوقها المحرومة، وتمثيل سياسي عصري من خلال قيادات ووجوه شابة مهنية حرمت من مسؤوليات إدارة شؤون الشعب الفلسطيني، غير مرتبطة بنظر عموم الشعب بمآسي السنوات الماضية.
مثل هذا الطرح ليس انقلابياً أو ثورياً، بل هو استنتاج صريح لتداعيات ما آلت اليه حالة الحوكمة الفلسطينية المترهلة وحتمية التخلص من ارث كل من أوسلو غير التحرري والمشاريع الانفصالية غير الوطنية. بالتالي فإن تجربة الحكم الذاتي القادم في سياق لجنة إدارة غزة واستيعابها لكوادر كل من حكومتي حماس والسلطة، يمكن أن تنتهز فلسطينياً ليس فقط دفاعاً عن المشروع الأكبر وعملية إعادة تكوينها، بل لأنه الثمن الغالي الذي يجب دفعه مقابل وقف الزحف الإبادي الإسرائيلي في غزة وردعها، وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة والأمل لأهلها.
قد يبدو اليوم أن النظام السياسي الفلسطيني في نهاية طريق مسدود، على الأقل لسنتين، دون أفق موعود أو ملزم بالتحرر وتقرير المصير. لكن ما لا يتم احتسابه عند النظر للمشهد السياسي الفلسطيني المشتت، أن لجنة غزة تستمد شرعية وظيفية ضمن حدود صلاحياتها الإدارية والخدمية والأمنية، وتتمتع بإجماع فلسطيني وعربي ودولي ربما غير مسبوق لكيان سياسي فلسطيني، وسيتم تفويضها وتمكينها في تأدية مهمتها الإنسانية من أكبر قوة عالمية. مع ذلك فإنها قد تجد شرعيتها الوطنية الفعلية حيث إنها ليست "لجنة محلية" كما يقلل البعض من شأنها، ليس كونها تابعة للمنظمة أو مرضي عنها من حماس، بل لأنها مؤسسة وطنية مسؤولة أمام شعبها، أي أنها مؤسسة دولة انتقالية، أو المولود الإداري الأول لدولة فلسطين العتيدة.
حتى ولو كانت تلك الإدارة تقع تحت الوصاية الأميركية والدولية في غزة، فإن المنظمة أطلقت قبل أشهر عملية الانتقال من كينونة السلطة الوطنية إلى كيان دولة فلسطين من خلال صياغة وثيقة دستورية ووضع برنامج لجراء انتخابات لمؤسساتها خلال سنة. هذه هي عملية جارية يبدو لا رجعة فيها بغض النظر عن تحكم قيادة المنظمة بدفتها. وستوصل هذه العملية إذا سمح لها بالمواصلة، حالة الحوكمة الفلسطينية، بما فيها مؤسساتها الإدارية الذاتية الانتقالية، إلى وحدة معلنة أو ربما أكثر جوهرية، في إطار دولة فلسطين غير السيادية، تمثل أداة تنظيمية وتعبوية لكافة الفلسطينيين أينما وجدوا، في مواجهة مشروع انهاء قضيتهم عالمياً ومشروعهم التحرري على الأرض. ليس هناك مخرج آخر.
أقلام وأراء
الأحد 22 فبراير 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة.. الحكم الذاتي الفلسطيني يدخل حقبة جديدة