كتب عالم السياسة الأمريكي "ستيفن ووالت" مؤخراً مقالا في الفورين أفيرز بعنوان "كيف أصبحت الحرب بلا جدوى". تحدث فيه عن أن الحروب في العصر الحديث باتت بلا أهداف سياسية واضحة. وأن معظم الصراعات الحالية هي صراعات عبثية لا تحقق للدول التي تقوم بها الامن والازدهار بل بالعكس تتركها أسوأ حالًا. فمثلا الولايات المتحدة لم تحصد من حروبها في القرن العشرين شيئا ناهيك عن حربها الأخيرة ضد إيران التي هي /من وجهة نظره/ بلا حجة مقنعة . كذلك روسيا في حربها ضد أوكرانيا والتي تحولت الى مستنقع أعاد الاقتصاد الروسي إلى الوراء فيما لم يحصل بوتين جراء حربه المكلفة سوى على 20 % من أراضي اوكرانيا وعشرات الآلاف من القتلى والجرحى والدمار الهائل . بينما إسرائيل التي رغم انتصاراتها التكتيكية لم تحقق نصرا استراتيجيا حتى الآن في أي من الجبهات التي هاجمتها.
الحقيقة أتفق مع ووالت بأن الحروب باتت بلا جدوى أو تغيب عنها الأسباب التقليدية كما كان قديما، لكن السؤال لماذا لا تنتهي؟ فالحرب ليست حدثا تحليليا فحسب بل فاجعة تصيب البلاد والعباد. هل من المعقول أن من يشعل هذه الحروب لا يرى تداعياتها الكارثية؟
وبعيداً عن التحليلات المنطقية لأسباب الحروب وعدم انتهائها كالسيطرة والنفوذ ومصالح مصانع الأسلحة ورجال الأعمال وأمراء الحروب. أعتقد أن جزءا كبيرا من عدم انتهاء الحروب يرتبط بزعماء الدول والكيانات المستهدِفة والمستهدَفة:
فمنهم من يعتنق نظرية "الرجل المجنون" مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فهو سيد الايحاء بالفوضى وعدم اليقين في قراراته. يغرق العالم بتفاصيل وآراء متناقضة لا يستطيع أحد أن يعتمد عليها ليتوقع ماذا سيحدث. بمعنى أنه يواجه التحديات بأسلوب " كونوا حذرين ومتأهبين، لا يمكن أن تتوقعوا ماذا سوف أفعل!" لكن المشكلة ماذا لو كان عدوه المقابل أكثر جنونا؟ منذ بدأت الحرب الأمريكية على إيران تم نشر جملة من الأسباب. يتساقط منها الواحد تلو الآخر مع الأيام. كانت البداية لمناصرة المتظاهرين في إيران وطبعا لم يحدث، ثم القضاء على المشروع النووي الإيراني (الذي هو كذبة اسرائيلية متضخمة جدا)، ثم فشل الاتفاق على اتفاق رغم أن الرئيس السابق أوباما قد عقد اتفاقا مع الإيرانيين بعد سنوات طويلة من المفاوضات الصعبة لكن تم الغاؤه بمجرد صعود ترامب على السلطة في ولايته الاولى. وكأن المسألة ليست في فحوى الاتفاق وإنما فيمن يعقده؟ اليوم تم خلق مشكلة جديدة لم تكن موجودة من قبل هي فتح مضيق هرمز . لم يكن المضيق أبدا مشكلة بين إيران والولايات المتحدة طوال سنوات العداء التاريخي بين البلدين فهو كان مفتوحا لأنه مصلحة عالمية. لكنه أصبح مصدر خلاف وأحد أسباب استمرار الحرب. في المقابل خسرت إيران جيرانها الخليجيين فهي ترد على الهجمات الأمريكية بضرب دول الخليج . ما هذا المنطق المجنون؟ لماذا لا تلتزم بمبادئ حسن الجوار؟ لكن كما قلت أحيانا يكون العدو أكثر جنونا.
سبب آخر لعدم انتهاء الحروب يتعلق أيضا بالزعماء ومصالحهم الشخصية وأطماعهم وعقائدهم حيث تصبح الحرب مصلحة للمتحاربين ووسيلة للبقاء، دون اعتبار للتكلفة الهائلة بشريا واجتماعيا واقتصاديا. إسرائيل ماذا تفعل حتى اليوم بغزة التي لم يعد بها شيء. هي تعلم ان حماس فقدت معظم قوتها البشرية والعسكرية. لكن نتنياهو وزمرته الذي رفض وجود السلطة الفلسطينية في غزة، ويرفض تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، ويقتل كل يوم مزيدا من الناس والاطفال والنساء بحجة القضاء على حماس، لا يريد انهاء الحرب. وكيف ينهيها وهي وسيلة لبقائه وورقة يلعب بها كيف يشاء في الموسم الانتخابي. في المقابل وللأسف ما تزال حماس تعطي إسرائيل هذه الورقة لتلعب بها. أحيانا يكون العدو أكثر جنونا.
أقلام وأراء
الأربعاء 22 يوليو 2026 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
حروب بلا جدوى.. وزعماء مجانين!