في كل عام، ومع اقتراب شهر رمضان، تتبدل ملامح الطريق إلى القدس، لا يعود المشهد مجرد حركة عابرة لمصلين يتجهون إلى الصلاة، بل يتحول إلى اختبار يومي للكرامة والإرادة، المدينة التي يفترض أن تكون فضاءً للعبادة تُحاط بإجراءات أمنية مشددة، وتتحول إلى ما يشبه الثكنة العسكرية، فيما يُترك الفلسطيني أمام معادلة قاسية: إما أن يقبل بشروط العبور المذلة، أو يُحرم من الوصول إلى قبلته الأولى.
على أبواب المسجد الأقصى، تتكثف صورة المشهد كله، قيود على الأعمار، حواجز تفتيش متحركة وثابتة، إبعاد لمقدسيين بقرارات إدارية، وتشديدات تجعل الطريق محفوفاً بالانتظار والقلق، الفلسطيني القادم من الضفة الغربية لا يسير نحو صلاة فحسب، بل يخوض رحلة عبور محكومة بتصريح مؤقت، وبمزاج جندي، وبإجراءات قد تتغير في اللحظة الأخيرة، يصبح الحق في العبادة مشروطاً، والوجود في المدينة مؤقتاً، والانتماء نفسه خاضعاً للفحص الأمني.
المشهد في الحواجز لا يحتاج إلى مبالغة، صائمون يقفون ساعات طويلة، رجال مسنون يتكئون على الجدران الإسمنتية، نساء يحملن سجاداتهن وأدعيتهن، وشبان يُعادون أدراجهم لأن أعمارهم لا تتطابق مع القرار العسكري لذلك اليوم، قهر وإذلال وتعب يتراكم فوق إرهاق الصيام، وكأن الطريق إلى الصلاة يجب أن يمر عبر امتحان جسدي ونفسي متكامل، في الأعوام الماضية كان الحر يزيد المشقة، أما هذا العام فقد جاء رمضان في الشتاء، فكان الطقس أخف وطأة، لكن الوجع أشد قسوة، البرد يمكن احتماله، أما شعور المنع والانتقاص من الكرامة فلا يخففه فصل.
ليست القضية في تفاصيل إجراء هنا أو تشديد هناك، بل في الرسالة السياسية الكامنة خلفها، تحويل القدس إلى مساحة مضبوطة أمنياً في أكثر الشهور قداسة لدى المسلمين يعكس محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الفلسطيني ومدينته، بين المؤمن ومسجده، الأمر يتجاوز تنظيم الحشود أو إدارة الحركة، ليصل إلى إعادة هندسة الوعي، بحيث يصبح الوصول إلى الأقصى امتيازاً يُمنح، لا حقاً أصيلاً، وهنا يكمن جوهر الإشكال: حين يتحول الحق إلى منحة، تصبح الكرامة رهينة القرار.
ومع ذلك، لا يخلو المشهد من دلالة معاكسة، فالإصرار السنوي على شدّ الرحال، رغم القيود، يعكس تمسكاً عميقاً بالهوية وبالمعنى، الفلسطيني الذي ينتظر ساعات عند الحاجز لا يفعل ذلك بدافع العادة، بل بدافع الانتماء، كل خطوة نحو القدس، مهما تعثرت، هي إعلان ضمني بأن العلاقة مع المدينة ليست علاقة ظرف سياسي عابر، بل رابطة وجود، الحواجز قد تؤخر الوصول، لكنها لا تلغي القصد.
رمضان في القدس هذا العام ليس مجرد موسم عبادة، بل صورة مكثفة للصراع على المكان والإنسان معاً، هو صراع بين من يريد تحويل المدينة إلى فضاء خاضع بالكامل للسيطرة، ومن يتمسك بها بوصفها قلباً نابضاً للهوية والروح، وبين برد الشتاء وبرودة الإجراءات، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يبقى الطريق إلى الصلاة محفوفاً بالإذلال؟
في نهاية المطاف، لا تختصر الحكاية في حاجزٍ يُفتح أو يُغلق، ولا في قرارٍ يحدد الأعمار أو يمدد الإبعاد، الحكاية أعمق من ذلك؛ إنها صراعٌ على معنى القدس في وعي أهلها، وعلى بقاء العلاقة بينها وبينهم علاقة حق لا إذن، وانتماء لا تصريح، قد تُثقِل القيودُ الأقدام، وقد تُرهق ساعات الانتظار الأجساد الصائمة، لكن ما يعبر الحواجز كل يوم ليس مجرد أفراد، بل إرادة شعب يرفض أن يُختزل إيمانه في ورقةٍ أمنية، فكل خطوة نحو الأقصى، مهما طال انتظارها، هي إعلان بأن القهر لا يصنع قناعة، وأن الإذلال لا يُنتج خضوعاً دائماً، سيبقى الطريق إلى القدس محفوفاً بالتعب، لكن ما دام هناك من يسلكه رغم كل شيء، فإن المدينة لم تُعزل عن أهلها، ولم تُنتزع من قلوبهم، وفي هذا الإصرار تحديداً، يكمن المعنى الأعمق للصمود.
===============================
رمضان في القدس هذا العام ليس مجرد موسم عبادة، بل صورة مكثفة للصراع على المكان والإنسان معاً، هو صراع بين من يريد تحويل المدينة إلى فضاء خاضع بالكامل للسيطرة، ومن يتمسك بها بوصفها قلباً نابضاً للهوية والروح، وبين برد الشتاء وبرودة الإجراءات، يبقى السؤال مفتوحاً: إلى متى يبقى الطريق إلى الصلاة محفوفاً بالإذلال؟





شارك برأيك
طريق القدس في رمضان… اختبار للإيمان وامتحان للكرامة