تكنولوجيا

الجمعة 20 فبراير 2026 3:41 مساءً - بتوقيت القدس

الفجوة الرقمية الجديدة: هل يكرس الذكاء الاصطناعي إقصاء النساء مهنياً؟

تتزامن العودة إلى نقاشات المساواة مع اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، حيث يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيفتح آفاقاً جديدة للنساء أم سيعيد إنتاج الإقصاء التقليدي في قالب تقني. فبينما يُنظر إلى هذه التكنولوجيا كرافعة للنمو، تتبلور في الأفق ملامح أزمة صامتة قد تقوض المكتسبات التي حققتها المرأة في سوق العمل خلال العقود الماضية.

خلف بريق الخوارزميات والوعود الاقتصادية، تظهر فجوة رقمية جديدة لا تكتفي بتهديد الوظائف التقليدية، بل تعيد رسم حدود التهميش المهني بكساء حديث. ويرى خبراء أن المسار الحالي للذكاء الاصطناعي قد يرسخ أشكالاً من عدم المساواة الهيكلية، مما يضع القوى العاملة النسائية في مواجهة مباشرة مع مخاطر الأتمتة والاستبعاد.

تشير البيانات الاقتصادية إلى أن عدم المساواة بين الجنسين يكلف الاقتصاد العالمي ما يزيد عن 7 تريليونات دولار سنوياً. وفي المقابل، يتوقع البنك الدولي أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 19% في حال تحقيق المشاركة الكاملة والفاعلة للمرأة في سوق العمل، وهو ما يجعل القضية ضرورة اقتصادية وليست مجرد مطلب حقوقي.

في الوقت الراهن، تواجه النساء تحديات مضاعفة تتمثل في نقص الدعم المهني وضعف فرص الترقي إلى المناصب القيادية. ورغم الجهود المبذولة، إلا أن تقارير دولية حديثة تؤكد وجود فجوة واضحة في الوصول إلى المسارات القيادية، وهو ما يجعل النساء أكثر هشاشة أمام التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي.

حذرت مصادر بحثية من أن الذكاء الاصطناعي قد يحدث تأثيراً مدمراً يمتد من فرص العمل الحالية وصولاً إلى المشاركة في تطوير قطاع التكنولوجيا مستقبلاً. وتهيمن النساء حالياً على وظائف تعد الأكثر عرضة لخطر الأتمتة، بينما يفتقرن للتمثيل الكافي في الوظائف التقنية التي تعد أقل تأثراً بموجة إلغاء الوظائف الناتجة عن التقنيات الجديدة.

كشفت دراسات مشتركة أن النساء في الدول ذات الدخل المرتفع أكثر عرضة بنحو ثلاثة أضعاف من الرجال لفقدان وظائفهن بسبب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وعلى المستوى العالمي، تندرج نحو 4.7% من وظائف النساء ضمن فئة المخاطر العالية، وهي نسبة تتجاوز ضعف النسبة المسجلة لدى الرجال والتي بلغت 2.4%.

تعاني النساء أيضاً من نقص حاد في الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعزز الإنتاجية في بيئات العمل المختلفة. وتظهر إحصائيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نقصاً في تمثيل النساء ضمن القوى العاملة المتخصصة في تطوير وصيانة هذه الأنظمة، مما يحرمهن من توزيع فوائد هذه التكنولوجيا بشكل عادل.

أفادت مصادر بأن الرجال أكثر تفاؤلاً بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على تحسين ظروف عملهم وزيادة أجورهم في المستقبل. وفي المقابل، تعبر شريحة واسعة من النساء عن قلقهن المتزايد من فقدان وظائفهن خلال العقد المقبل، وهي مخاوف تظل قائمة حتى بعد مراعاة فروق السن والقطاع المهني والموقف العام من التكنولوجيا.

تعود جذور هذه الفجوة إلى عوامل متعددة، منها ترسيخ التنميط الجندري في سن مبكرة، مما يثني الفتيات عن سلوك المسارات العلمية والتقنية. كما يؤدي نقص النماذج الملهمة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات إلى تقليص خيارات الدراسة والعمل المتاحة للنساء في هذه القطاعات الحيوية.

تواجه النساء تمييزاً غير مباشر في عمليات التوظيف داخل قطاعات التكنولوجيا، حتى عند امتلاكهن للمهارات المطلوبة. وتساهم ظروف العمل غير المواتية في هذه القطاعات في دفع العديد من الكفاءات النسائية للانسحاب أو عدم الالتحاق بها من الأساس، مما يفاقم من أزمة نقص المواهب النسائية في المجال الرقمي.

يمتد التأثير السلبي للذكاء الاصطناعي إلى آليات صنع القرار داخل الشركات، حيث تبرز مخاوف جدية بشأن التحيز في منصات التوظيف الرقمية. وتعتمد هذه الأدوات غالباً على بيانات تاريخية تعكس اختلالات سابقة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج التمييز ضد النساء في عمليات تقييم الأداء والترشيح للوظائف.

أظهرت تجارب تقنية حديثة أن النماذج اللغوية الضخمة قد تظهر أنماطاً متفاوتة عند ترشيح المرشحين بناءً على الأسماء، مما يشير إلى تحيز جندري كامن. ويرتبط هذا التحيز بشكل مباشر ببيانات التدريب التي قد تعكس تفضيلات غير عادلة سادت في فترات سابقة، مما يتطلب رقابة صارمة على هذه الخوارزميات.

يؤدي إقصاء النساء من مسار تطوير الذكاء الاصطناعي إلى خسارة الشركات لفرص ابتكار وتنوع في وجهات النظر. ويؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي أن غياب المرأة عن المناصب القيادية يحد من القدرة على حل المشكلات المعقدة، ويعزز من التفاوتات القائمة في المجتمع بدلاً من معالجتها.

يتطلب المستقبل تبني مسارات متلازمة لسد هذه الفجوة، تبدأ بتوسيع وصول النساء إلى المهارات الرقمية وفرض حوكمة واضحة على استخدام التقنية في التوظيف. إن ضمان وجود النساء كمطورات وقائدات في ثورة الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة لضمان ألا يتحول التقدم التقني إلى سقف زجاجي جديد يحجب الطموح.

دلالات

شارك برأيك

الفجوة الرقمية الجديدة: هل يكرس الذكاء الاصطناعي إقصاء النساء مهنياً؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.