اختلف المسلمون، كما هي العادة في كل عام، على رؤية هلال شهر رمضان الفضيل، وهذه سمة من سمات الأمة التي وصل تفككها إلى ما هو أبعد من مواقفها السياسية، حتى بلغ شعائرها الدينية.
هذه الأمة التي قال عنها الرسول الكريم إن من سماتها أنها كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسدِ بالسهرِ والحمّى.
تشتّت شمل الأمة وهي تعيش سنوات التيه، ليس هذا العام فقط، بل منذ قرون عصفت بها رياح الخلاف، فتفرّقت الأمة الواحدة، وصار لكل جماعة سلطانٌ وطَبّالٌ، ولكل مجموعةٍ مفتيً وحاكمٌ ومضطهِدٌ وجلّادٌ، وباتت تختلف على كل شيء: في السياسة والاقتصاد والعلوم، وفي إقامة الشعائر الدينية والفرائض والعبادة، ومختلفةً في الرأي والرأي الآخر، وفي تعريف مصالحها القومية، والحفاظ على ثرواتها الطبيعية، وحياتها الإنسانية.
ويُبرّر البعض طقسَ الاختلاف هذا بالخلاف بين ما اتفق عليه علماء الفقه وعلم الفلك الحديث؛ فبين الرؤية الشرعية بالعين المجرّدة والرؤية الحديثة بأجهزة الرصد الفلكي يكون الفارق يومًا. وربما في الأمر وجهة نظر، بيد أنّ في دهاليزه خفايا مواقف دولٍ لا تتبع دولًا أخرى، ودور إفتاء لا تتبع هذا المفتي أو ذاك. وفي أحوالنا فإن هذا الاختلاف شائع، ولعل الأمر كان متوقَّعًا، فقد جرت العادة أن يحدث كل عام.
إن وحدة الأمة لا تعني تطابق الرؤى، بل تعني أن نجعل من تنوّع اجتهاداتنا سبيلًا للتكامل لا للتنازع، ومن تعدّد آرائنا جسرًا للحوار لا ساحةً للخصام، فإذا صدقت النيات والمقاصد، أمكن للاختلاف أن يتحوّل من عبءٍ يُثقِل كاهل الأمة إلى طاقةٍ تدفعنا نحو مزيدٍ من الوعي والوحدة ونبذ الخلافات.
لم يتفق المسلمون هذا العام على ميقات صوم واحد، فصامت دولٌ الأربعاء وتصوم دولٌ الخميس، وبين الرؤيا بالعين المجردة وعلم الفلك، اختلف العلماء ورجال الإفتاء وتشتت الصائمون في احتساب يوم الصيام الأول، فهل سيكون العيد أيضًا بذات الاختلاف، أم سيكون العيد متفق على يومه في مشارق الأرض ومغاربها.





شارك برأيك
بين هلالين.. خلافات تمتد إلى الشعائر الدينية