تجد الدراما السورية نفسها اليوم أمام استحقاق تاريخي ومادة واقعية تفوق في قسوتها حدود الخيال، وذلك بعد سقوط نظام بشار الأسد وانفتاح ملفات شائكة كالسجون والمنفى. ويشكل موسم رمضان الحالي نقطة انطلاق جديدة لمحاولة استعادة هوية الفن السوري الذي عانى من الاحتضار والتحايل الإنتاجي على مدار أربعة عشر عاماً مضت.
خلال سنوات الحرب، تذبذبت الإنتاجات السورية بين ما عُرف بـ 'التتريك' وبين دراما 'الفقاعات الطبقية' التي انفصلت عن الواقع المعاش، مما أدى لغياب الملامح الكبرى التي ميزت المشهد الدرامي في التسعينيات. واليوم، يسعى صنّاع الدراما للعودة إلى القضايا الاجتماعية العميقة ورصد التحولات الجذرية التي طرأت على المجتمع الشامي بذكاء فني ومقاربات أكثر جرأة.
لقد استيقظ السوريون في الثامن من ديسمبر 2024 على واقع جديد بفرار الأسد، مما أدى لتدفق مئات الآلاف من القصص المؤلمة التي كانت حبيسة الزنازين والصدور. هذه القصص تشكل اليوم العمود الفقري لدراما الواقع التي تتناول تمزق العائلات، وقصص اللجوء المريرة في دول الجوار وأوروبا، وصولاً إلى الثقب الأسود المتمثل في سجن صيدنايا.
يبرز تساؤل جوهري حول قدرة الفن على مجاراة هذا الواقع الخشن الذي تجاوز كل السقوف المتخيلة، وكيفية النهوض مجدداً بعد عقود من التابوهات والرقابة الصارمة. التحدي لا يقتصر على المضمون فحسب، بل يمتد ليشمل الحفاظ على المستوى الفني الرفيع دون السقوط في فخ التحريض المباشر أو التبسيط الذي قد يسيء للقضايا الإنسانية الكبرى.
رغم الصعوبات، بدأت الدراما السورية في تحقيق قطيعة تدريجية مع الأنماط التجارية السطحية التي سادت مؤخراً، مثل قصص 'القبضايات' وأوكار المخدرات غير الواقعية. التوجه الجديد يركز على الوعي السوري الجريح والتشوهات النفسية التي خلفتها سنوات القمع، محاولاً تقديم مراجعة فنية قاسية وشاملة للمرحلة الماضية.
كان من المفترض أن يكون مسلسل 'السوريون الأعداء' واجهة لهذا التحول، حيث يستند لنص روائي للكاتب فواز حداد ويخرجه الليث حجو. العمل الذي يتناول تحولات المجتمع منذ الستينيات وصولاً إلى الثورة السورية، خرج من السباق الرمضاني بسبب عوائق إنتاجية، لكنه يظل مؤشراً على الرغبة في تقديم قراءات تاريخية متأنية.
أثار مسلسل 'السوريون الأعداء' لغطاً واسعاً بسبب مشاركة فنانين اعتبرهم البعض جزءاً من منظومة النظام السابقة أو متواطئين معها بصمتهم. هذا الجدل يفتح باب النقاش حول 'العدالة الانتقالية' في الوسط الفني، ومدى قدرة الممثلين الذين دافعوا عن السلطة على تجسيد آلام ضحاياها بمصداقية فنية وأخلاقية.
الدراما السورية اليوم تحدق للمرة الأولى في الوعي الجريح والمنكسر خلال سنوات القمع المديدة وما خلفته من تشوهات نفسية جماعية.
في سياق متصل، يأتي مسلسل 'سجون الشيطان' للمخرج صفوان نعمو ليوثق شهادات حقيقية لمعتقلين عاشوا أهوال السجون، معتمداً على مواقع تصوير واقعية لتعزيز المصداقية. المخرج أكد أن العمل ليس مجرد دراما تقليدية، بل هو وثيقة تاريخية تهدف لنقل أصوات الذين عانوا في غياهب المعتقلات إلى العالم.
واجه بطل العمل غسان مسعود انتقادات حادة بسبب مواقفه السياسية السابقة التي وصفت بأنها مؤيدة للنظام، خاصة تصريحاته حول 'بواسل الجيش'. ورد مسعود على هذه الانتقادات معتبراً مشاركته مسؤولية أخلاقية لتوثيق مرحلة مفصلية، مؤكداً أن الشخصيات التي يؤديها تمثل أصواتاً حقيقية واجهت مصيراً قاسياً.
يتناول مسلسل 'الخروج إلى البئر' زاوية أخرى من انتهاكات النظام، حيث يسلط الضوء على أساليب الابتزاز وتوظيف المعتقلين في مهام أمنية قذرة خارج الحدود. العمل من تأليف سامر رضوان وبطولة جمال سليمان، ويناقش كيف استغل النظام نقاط الضعف الإنسانية للسجناء لإجبارهم على تنفيذ أجنداته السياسية.
على صعيد آخر، يقدم مسلسل 'عيلة الملك' للمخرج محمد عبد العزيز قصة صعود تاجر ارتبطت ثروته بالنفوذ الأمني والفساد السلطوي. العمل يصور كيف تنقلب حياة هؤلاء المستفيدين رأساً على عقب مع تغير الموازين الأمنية، وهو ما يعكس جانباً من التفكك الذي أصاب الطبقة المرتبطة بالنظام قبيل سقوطه.
يشهد الموسم الرمضاني أيضاً عودة قوية لنجوم الصف الأول في أعمال متنوعة، حيث تطل كاريس بشار وقصي خولي في مسلسل 'بخمس أرواح'. كما يشارك تيم حسن في عمل بعنوان 'مولانا' إلى جانب الفنانة القديرة منى واصف، مما يعزز الآمال بعودة الإنتاج السوري الضخم إلى الصدارة العربية.
تستمر المنافسة الدرامية بوجود ثنائيات فنية بارزة، مثل سلافة معمار وعابد فهد في 'سعادة المجنون'، وسامر المصري وديمة قندلفت في 'النويلاتي'. هذه الأعمال تحاول الموازنة بين القيمة الفنية والجاذبية الجماهيرية، في محاولة لإعادة بناء صناعة الدراما التي دمرتها سنوات الحرب والتهجير.
ختاماً، تمثل هذه المرحلة مخاضاً عسيراً للدراما السورية التي تحاول التحرر من إرث ثقيل من الرقابة والتبعية السياسية. إن النجاح في توثيق مأساة السوريين بصدق فني بعيداً عن الاستقطاب سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة هذا الفن على البقاء كذاكرة حية للشعوب ومرآة تعكس تطلعاتها نحو الحرية والعدالة.





شارك برأيك
الدراما السورية بعد سقوط الأسد: محاولات لتوثيق حقبة 'صيدنايا' واستعادة الأمجاد الضائعة