احتضن مركز أوزدمير بيرقدار الوطني للتكنولوجيا في مدينة إسطنبول، السبت الماضي، العرض الخاص للفيلم الوثائقي 'أوزدمير بيرقدار- مغوار مر من هذا العالم'. ويتناول العمل السينمائي السيرة الذاتية والمهنية لمؤسس شركة 'بايكار' التركية الرائدة في مجال الدفاع والطيران، مستعرضاً محطات فارقة في حياته.
شهد العرض حضوراً عائلياً ورسمياً لافتاً، تقدمته أرملة الراحل السيدة نجلا أوزدمير بيرقدار، ونجلاه خلوق بيرقدار المدير التنفيذي للشركة، وسلجوق بيرقدار رئيس مجلس الإدارة. ويعكس الفيلم حجم الجهود المضنية التي بُذلت لتحقيق القفزة النوعية التي تشهدها تركيا حالياً في تكنولوجيا الطائرات المسيرة.
أعلنت شركة 'بايكار' في بيان رسمي أن الوثائقي بات متاحاً للجمهور مع ترجمة نصية بعدة لغات تشمل العربية والإنجليزية والروسية والأوكرانية. ومن المقرر أن تبث قناة 'تي آر تي وثائقية' الفيلم خلال الأيام المقبلة، على أن يتبع ذلك عرضه عبر مختلف المنصات الرقمية العالمية.
يركز الفيلم على الصراع الذي خاضه بيرقدار ضد 'عقلية تركيا القديمة' التي كانت تعرقل الإنتاج الوطني وتفضل الاعتماد على الشركات الأجنبية. ويشير العمل إلى محاولات إفشال مشاريع وطنية سابقة لإنتاج طائرات وسيارات ومحركات بأيدي مهندسين أتراك، وهو ما واجهه بيرقدار بإصرار كبير.
روى خلوق بيرقدار خلال الوثائقي واقعة تعود لعام 2009، حين نجحت طائرة مسيرة في الهبوط ذاتياً خلال اختبار بمحافظة سينوب. ورغم هذا الإنجاز الذي لم تكن تملكه المسيرات الأمريكية أو الإسرائيلية حينها، رفض ضابط برتبة رائد تسجيل النجاح في تقريره الرسمي، قبل أن يستقيل لاحقاً للعمل في شركة منافسة.
انطلقت رحلة شركة 'بايكار' في عام 1984 كورشة صغيرة لإنتاج قطع غيار السيارات، لكن رؤية أوزدمير بيرقدار دفعتها للتحول نحو الطيران. وخلال أربعة عقود، تمكنت الشركة من قطع شوط مذهل جعلها اليوم واحدة من أهم عشر شركات دفاعية تركية من حيث حجم التصدير.
حققت الشركة إنجازاً تاريخياً في عام 2024، حيث تصدرت سوق الطائرات المسيرة عالمياً بعائدات تصديرية بلغت 1.8 مليار دولار. وبهذه الأرقام، تمكنت تركيا من تجاوز دول كبرى في هذا المجال مثل الولايات المتحدة وإسرائيل والصين، خاصة في قطاع المسيرات المسلحة.
إن أهمية هذا الفيلم تكمن في تسليطه الضوء على العقلية التي كانت تحكم تركيا القديمة، وتعادي الإنتاج الوطني لصالح الشركات الأجنبية.
لا يقتصر النجاح التركي على 'بايكار' وحدها، بل يمتد ليشمل منظومة متكاملة من الشركات الدفاعية التي تحظى بدعم حكومي واسع. وقد أثمر هذا الدعم عن بروز شركات مثل 'أسلسان' و'توساش' و'روكيتسان' و'آسفات'، بالإضافة إلى مؤسسة الصناعات الميكانيكية والكيميائية.
أدرجت مجلة 'ديفنس نيوز' الأمريكية خمس شركات تركية ضمن قائمتها السنوية لأقوى مائة شركة دفاعية في العالم لعام 2025. ويعزو الخبراء هذا التفوق إلى غياب العراقيل البيروقراطية التي كانت تعيق المشاريع الوطنية في العقود الماضية، مما سمح بالإبداع والتنافسية.
جسد أوزدمير بيرقدار نموذجاً للمهندس الوطني الذي رفض الرفاهية الشخصية واختار طريق النضال لتعزيز السيادة الدفاعية. وكان هدفه الأساسي تقديم بديل وطني للطائرات المسيرة الإسرائيلية التي كان يعتمد عليها الجيش التركي في عملياته ضد التنظيمات المسلحة آنذاك.
لم يكتفِ بيرقدار بالإشراف من مكتبه، بل كان يشارك الضباط والجنود في الميدان خلال العمليات العسكرية الخطيرة لاختبار تصاميمه. هذا الالتزام الميداني ساهم بشكل مباشر في تطوير تقنيات أثبتت كفاءتها في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود التركية.
تزامن صعود هذه الصناعات مع فترة شهدت توترات في العلاقات بين القوى التقليدية في تركيا والكيان الصهيوني، مما جعل الاستقلال الدفاعي ضرورة استراتيجية. وقد أثبت بيرقدار أن الكفاءات المحلية قادرة على التفوق إذا ما توفرت لها البيئة الحاضنة والإرادة السياسية.
رغم أن العديد من هذه الشركات تأسست قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، إلا أن القفزات الكبرى حدثت في ظله. ويؤكد مراقبون أن الحماية السياسية والدعم المباشر من الرئيس أردوغان كانا حاسمين في حماية هذه الشركات من الضغوط الخارجية والداخلية.
يختتم الوثائقي بطرح تساؤلات حول مستقبل هذه القلاع الصناعية في ظل التجاذبات السياسية والانتخابات المقبلة. ويبقى السؤال المطروح في أذهان المشاهدين: هل ستستمر هذه النهضة التكنولوجية بنفس الزخم إذا ما تغيرت الخارطة السياسية في البلاد؟





شارك برأيك
أوزدمير بيرقدار.. وثائقي يروي رحلة التحدي من قطع غيار السيارات إلى ريادة المسيرات عالمياً