لم تكن عودة القصف الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة فجر السبت حدثاً مفاجئاً أو طارئاً يمكن عزله عن سياقه السياسي والعسكري، بل جاءت كحلقة جديدة في مسار متصل من العدوان المنظم الذي لم يتوقف فعلياً منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، فالمجازر التي أسفرت عن عشرات الشهداء والجرحى، واستهداف خيام النازحين ومناطق اللجوء، تؤكد أن الاحتلال لم ينظر يوماً إلى الهدنة بوصفها التزاماً سياسياً أو أخلاقياً، بل كأداة لإدارة النار والتحكم بإيقاع القتل وفق حساباته الخاصة.
الرواية الإسرائيلية التي رافقت هذا التصعيد، والتي ادعت أن الغارات جاءت رداً على خروقات فلسطينية، ليست سوى نسخة مكررة من خطاب تبريري اعتادت تل أبيب استخدامه لتغطية جرائمها، فادعاء استهداف قادة وبنى عسكرية لا يفسر قصف الأحياء السكنية ولا إحراق خيام النازحين ولا سقوط الأطفال والنساء، كما لا يبرر توسيع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق يُفترض أنها آمنة وفق أي منطق إنساني أو قانوني.
في جوهر هذا التصعيد تكمن أزمة إسرائيلية داخلية تتعلق بفشل تحقيق أهداف الحرب، فوقف إطلاق النار فُرض على حكومة بنيامين نتنياهو بضغط دولي قبل أن تنجح في تصفية قيادات المقاومة أو نزع سلاحها أو فرض معادلة استسلام سياسي، ومع دخول الهدنة مرحلة الجمود بين مرحلتها الأولى والثانية، تصاعدت المخاوف داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من أن تكون المقاومة قد استفادت من هذا الوقت لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز حضورها، وهو ما جعل خيار التصعيد يبدو بالنسبة لتل أبيب وسيلة لاستعادة زمام المبادرة وكسر ما تعتبره حالة مريحة للمقاومة.
الأخطر أن القصف تركز في المناطق الواقعة خارج السيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، والتي باتت تضم الكثافة السكانية الأكبر بعد موجات الإخلاء القسري، وهذا يعكس سياسة واضحة تهدف إلى تحويل هذه المناطق إلى ساحات غير قابلة للحياة، ودفع السكان نحو مزيد من النزوح والتهجير، في انسجام كامل مع رؤية حكومة نتنياهو التي لم تتخل يوماً عن فكرة تفريغ غزة من سكانها أو تقسيمها جغرافياً وبشرياً.
يتزامن هذا التصعيد مع لحظة سياسية دولية حساسة، إذ يأتي في وقت يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى تسويق خطته لغزة عبر الحديث عن مجلس سلام أو قوة استقرار دولية، في ظل انشغال إدارته بالحشد ضد إيران. وفي هذا التوقيت تحديداً، تبدو إسرائيل كمن يحاول فرض وقائع ميدانية جديدة قبل بلورة أي ترتيبات سياسية، بحيث تدخل أي مسار قادم من موقع القوة، لا من موقع الفشل الذي أفرزته الحرب.
أما الحديث عن خروقات متبادلة، فيسقط أمام حقيقة أن الاحتلال ارتكب منذ إعلان الهدنة أكثر من ألف وأربعمئة خرق، ما يؤكد أن وقف إطلاق النار لم يكن سوى عنوان فارغ، استخدمه الاحتلال لتخفيف الضغط الدولي، دون أي نية حقيقية لوقف العدوان، فالقصف لم يتوقف يوماً، وإنما تغيرت شدته وأدواته، فيما بقي الهدف ثابتاً وهو إنهاك المجتمع الفلسطيني وكسر إرادته.
في المقابل، يقتصر دور الوسطاء الإقليميين والدوليين على بيانات الإدانة والدعوة إلى ضبط النفس، وهي مواقف باتت مألوفة ولا تشكل رادعاً حقيقياً للاحتلال. فغياب أدوات الضغط، وترك إسرائيل بلا كلفة سياسية أو قانونية، يمنحها ضوءاً أخضر للاستمرار في التصعيد، ويحوّل الوساطة من دور فاعل إلى وظيفة شكلية لإدارة الأزمة لا حلها.
في المحصلة، ما يجري في غزة اليوم ليس خرقاً عابراً لوقف إطلاق النار، بل تأكيد على أن الاحتلال يستخدم الهدنة كسلاح إضافي في حربه، وأن الحديث عن سلام أو استقرار في ظل القصف والتهجير والحصار ليس سوى وهم سياسي، غزة لا تُقصف لأنها خرقت الاتفاق، بل لأنها صمدت ولم تُهزم، ولأن إسرائيل لم تتعلم بعد أن القوة وحدها لا تصنع أمناً ولا تلغي شعباً يرفض الاستسلام.
أقلام وأراء
الإثنين 02 فبراير 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
غزة بين وهم التهدئة وواقع الإبادة المستمرة