عربي ودولي

الخميس 18 ديسمبر 2025 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

اجتماعات الدوحة... تضارب المواقف وغموض المرحلة الثانية

رام الله - خاص بـ "القدس" دوت كوم



د. حسين الديك: الولايات المتحدة تتجه عملياً إلى تكريس سياسة الأمر الواقع بحيث تُبقي نحو 60% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية
د. أحمد رفيق عوض: تل أبيب تريد انتقاء ما يخدمها من القرار 2803 وتوسيع المرحلة الأولى بدلاً من الالتزام باستحقاقات سياسية لا ترغب فيها
د. عمر رحال: الهدف من هذه الخطوات تثبيت خطة ترمب وإظهارها بمظهر الاستجابة الإنسانية بعيداً عن الحقوق السياسية والحقوقية للفلسطينيين
د. دلال عريقات: غزة لا يمكن اختزالها في ملف إنساني أو أمني بل هي جزء من القضية الفلسطينية وأي محاولة لفصلها عن هذا السياق محكوم عليها بالفشل
د. سعد نمر: العقبة الأساسية تبقى إسرائيل بتنصلها من الاتفاق وبشكلٍ خاص في ظل رفض القوة الدولية أداء دور نزع سلاح المقاومة
د. عبد المجيد سويلم: المقترحات الأمريكية بشأن الإعمار تتجه نحو إجراءات إغاثية مؤقتة تفتقر لميزانيات واضحة أو مؤتمرات دولية أو قرارات ملزمة



على وقع الاجتماعات المغلقة في العاصمة القطرية الدوحة بشأن تشكيل قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، يزداد الغموض حول مصير المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، في ظل تضارب المواقف بشأن إظهار تقدم سياسي وإنساني محدود.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث مع "ے"، أن ما يجري لا يقتصر على إجراءات فنية لتشكيل "قوة الاستقرار الدولية"، بل يعكس خلافات جوهرية حول مهام هذه القوة، ومرجعيتها، وطبيعة انتشارها، إضافة إلى التباين حول دورها في نزع سلاح المقاومة والتعامل مع مناطق سيطرة "حماس".
ويبرز ضمن التعقيدات بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، استمرار إسرائيل في السيطرة على نحو 60% من مساحة قطاع غزة، ورفضها تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح، فيما تُستَخدم المناقصات الخاصة بالكرفانات والمساكن المؤقتة كحافز جزئي للفلسطينيين للقبول بالمرحلة الثانية.
هذه الممارسات تعكس، بحسب الكتاب والمختصين وأساتذة الجامعات، سياسة الأمر الواقع الأمريكية الإسرائيلية، مع التركيز على استقرار محدود وإغاثة إنسانية دون معالجة الجذور السياسية للصراع.
وتتراوح السيناريوهات المرتقبة بين تثبيت الوضع الحالي كحل مرحلي مع استمرار سيطرة إسرائيل، أو ضغط أمريكي على تل أبيب لتخفيف القيود، في حين يظل الخطر الأكبر مرتبطاً بتحويل غزة إلى ملف إنساني وأمني منفصل عن سياقها الوطني، ما قد يؤدي إلى تأجيل إعادة الإعمار وتكريس واقع الفصل عن المشروع الوطني الفلسطيني، مع استمرار غياب أفق سياسي واضح لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الفلسطينية.

تعقيدات تجعل مستقبل خطة ترمب غامضاً وهشّاً

يؤكد أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمختص بالشأن الأمريكي، د. حسين الديك، أن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة تواجه تعقيدات متزايدة تجعل مستقبلها غامضاً وهشّاً، في ظل تضارب المواقف الإسرائيلية وشروط حركة "حماس"، إضافة إلى مستجدات إقليمية ودولية تؤثر في مسار الاتفاق ومآلاته.
ويوضح الديك أن التعقيدات تنقسم إلى شقين أساسيين؛ الأول يتمثل في موقف الحكومة الإسرائيلية الرافض للانسحاب الكامل من قطاع غزة إلى ما وراء "الخط الأصفر" والعودة إلى حدود ما قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والثاني مرتبط بموقف حركة "حماس" من قضية السلاح، سواء فيما يتعلق بتسليمه أو تنظيمه أو جمعه أو نزعه، وهو ما يشكل عقدة مركزية في أي ترتيبات مستقبلية.
ويشير الديك إلى أن إسرائيل فرضت (فيتو) على مشاركة بعض الدول في القوات المقترحة، وفي مقدمتها تركيا، التي كان يُنظر إليها سابقاً كدولة إقليمية وازنة ذات دور محوري ومباشر. ويعتبر الديك أن استثناء تركيا، وهي طرف ضامن وموقع على التفاهمات في شرم الشيخ، سيترك آثاراً سلبية عميقة على فاعلية هذه القوات وعلى طبيعة تعامل حركة "حماس" معها، بما ينعكس سلباً على مستقبل الاتفاق ككل.
ويلفت إلى وجود حديث غير رسمي وتسريبات إعلامية حول تعديلات محتملة على خطة ترمب، تتضمن بقاء حركة "حماس" وجزء من سلاحها، مقابل استمرار الوجود الإسرائيلي داخل قطاع غزة، إلا أن هذه الروايات لم تؤكدها حتى الآن أي مصادر أمريكية أو عربية رسمية.
ويبيّن أن الهدف الأساسي الذي سعى إليه ترمب تحقق، والمتمثل في استعادة الأسرى الإسرائيليين الأحياء والرفات، مع بقاء رفات شرطي إسرائيلي واحد لم يُعثر عليه حتى اللحظة.
فلسطينياً، يعتبر الديك أن وقف الحرب والمجازر اليومية شكّل إنجازاً مهماً، إلى جانب إسقاط بند التهجير القسري لسكان قطاع غزة، لكنه يشدد على أن الاتفاق لا يزال يعاني من ضبابية وهشاشة بنيوية.
ويؤكد الديك أن الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق يبدو صعباً عملياً، في ظل عدم التزام إسرائيل باستحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها إدخال المساعدات الإنسانية، ورفع الحصار، وفتح معبر رفح، ووقف العمليات العسكرية التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين بشكل يومي.
ويوضح أن الولايات المتحدة تتجه عملياً إلى تكريس سياسة الأمر الواقع، بحيث تبقى نحو 60% من مساحة قطاع غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، مقابل 40% تحت سيطرة "حماس"، مع بدء ترتيبات لإعادة الإعمار وإسكان الفلسطينيين في مناطق جنوب القطاع، خاصة رفح، عبر بيوت متنقلة ومشاريع تنفذها شركات أمريكية وإسرائيلية، كحل مرحلي للأزمة الإنسانية.
ويشير الديك إلى وجود أربعة سيناريوهات لمستقبل خطة ترمب، مرجحاً أن أكثرها قابلية للتحقق هو تثبيت الخط الأصفر كحد فاصل، وإعادة الإعمار في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مقابل محاصرة مناطق سيطرة "حماس"، فيما تبقى بقية السيناريوهات، بما فيها التنفيذ الكامل للخطة أو فشلها التام، أقل ترجيحاً في المرحلة الراهنة.

إشكالات سياسية عميقة

يعتبر الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن الغموض الذي يلف اجتماعات الدوحة بشأن تشكيل "قوة الاستقرار الدولية" ليس تقنياً أو إجرائياً فحسب، بل يعكس إشكالات سياسية عميقة تتعلق بطبيعة هذه القوة، ومرجعيتها، ومهامها، وعلاقتها بالمرحلة الانتقالية في قطاع غزة.
ويوضح أن الاجتماعات، وفق ما يُتداول، تهدف إلى فحص المشاركين المحتملين من حيث مرجعياتهم، وتدريبهم، وقواعد الاشتباك، وآليات التمويل، إلا أن جوهر المسألة يتجاوز هذه الجوانب الفنية، ليطرح تساؤلات أساسية حول ماهية القوة نفسها: هل ستكون قوة حماية وتسهيل وتنسيق ومراقبة وتدريب، أم قوة وصاية ذات صلاحيات تنفيذية تشمل الاشتباك ونزع السلاح والسيطرة الميدانية دون توافق سياسي؟ ويرجّح عوض أن الخيار الأخير غير مطروح، في ظل غياب أي اتفاق أو إطار سياسي جامع.
ويشير عوض إلى أن أي قوة من هذا النوع تحتاج إلى ضمانات واضحة، أولها ضمانات أمنية تحول دون عودة إسرائيل إلى العدوان، وثانيها ضمانات سياسية تؤكد أن وجود هذه القوة مؤقت ومرتبط بمرحلة انتقالية تقود إلى تسوية سياسية حقيقية.
ويلفت عوض إلى أن هذين الشرطين غير متوافرين حالياً، إذ لا توجد التزامات تمنع الاعتداءات الإسرائيلية، ولا إطار ملموس لتسوية سياسية، فضلاً عن غياب مرجعية واضحة تحكم عمل هذه القوة.
ويشير عوض إلى أن الدول أو الجهات المرشحة للمشاركة لا ترغب في تنفيذ مهام عجزت إسرائيل نفسها عن إنجازها.
ويؤكد أن استمرار التعامل مع الاجتماعات بوصفها لقاءات فنية فقط، دون رؤية سياسية شاملة، قد يرسّخ واقع الظلم ويُبقي القضية الفلسطينية بلا أفق سياسي، ما يجعل الغموض القائم غموضاً "غير طبيعي" قد يعرقل تشكيل القوة أو يغيّر طبيعتها جذرياً. ويتوقع عوض أن تشهد المرحلة المقبلة تعديلات متكررة على تركيبة القوة ومهامها وانتشارها، خاصة في ظل الاعتراضات الإسرائيلية على بعض المشاركين وعلى نطاق وصلاحيات الانتشار.
وفي ما يتعلق بالسيناريوهات المرتقبة، يشير عوض إلى أن إسرائيل تلوّح علناً بخيارات العودة إلى الحرب ونزع سلاح حركة "حماس"، سواء بهدف الضغط أو التخويف أو التأثير على المشاركين في الاجتماعات وعلى الإدارة الأميركية.
ويبيّن عوض أن السيناريو الأول يتمثل في تطبيق الخطة كما وردت في القرار 2803، فيما يقوم السيناريو البديل، في حال فشل القرار، على إنشاء مدن مؤقتة لإسكان الفلسطينيين، خاصة في رفح، لجذبهم من المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس" إلى مناطق تسيطر عليها إسرائيل، وهو ما يفسر الحديث عن رفع الأنقاض وتجهيز كرفانات لهذا الغرض.
ويؤكد عوض أن إسرائيل لا تبدي رغبة حقيقية في الانتقال إلى المرحلة الثانية، لأنها استفادت إلى أقصى حد من المرحلة الأولى عبر استعادة أسراها، وتعزيز سيطرتها على نحو 60% من قطاع غزة، والتحكم بالمساعدات والمعابر. لذلك، يتوقع عوض أن تسعى تل أبيب إلى انتقاء ما يخدمها من القرار 2803، وتوسيع المرحلة الأولى بما يتلاءم مع مصالحها، بدلاً من الالتزام باستحقاقات سياسية لا ترغب بها.

 انعكاس مباشر لتعدد الأجندات وتضارب المصالح

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عمر رحال أن الغموض الذي يلف اجتماعات الدوحة الجارية حول مستقبل قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة وكذلك خطة ترمب ليس ناتجًا عن غياب المعلومات بقدر ما هو انعكاس مباشر لتعدد الأجندات وتضارب المصالح بين الأطراف المنخرطة في المشهد، معتبرًا أن ما يجري هو محاولة مدروسة لإنتاج صيغة جديدة لإدارة مرحلة سياسية وأمنية مختلفة في القطاع.
ويوضح أن الحديث المتداول حول تشكيل ما يُسمّى بـ"قوة الاستقرار الدولية" يفتقر حتى اللحظة إلى تعريف واضح، سواء من حيث طبيعتها القانونية أو مهامها السياسية والأمنية، متسائلًا عمّا إذا كانت هذه القوة ستعمل كقوة حفظ سلام، أو إدارة انتقالية، أو بعثة أمنية، أو حتى كقوة لحماية الاحتلال أو لتحل محل الجيش الإسرائيلي.
ويشير رحال إلى أن غياب التوافق بين الأطراف حول الإطار القانوني والسياسي لهذه القوة هو سبب رئيسي في تضارب التسريبات وشح المعلومات المتداولة.
ويلفت إلى أن الإدارة الأمريكية تتعمد إبقاء المفاوضات التي تُدار في الغرف المغلقة بعيدًا عن الإعلام والرأي العام، في إطار ما وصفه بـ"الطبخ على نار هادئة"، وذلك لتفادي أي ضغوط قد تؤدي إلى تعقيد المسار التفاوضي أو انسحاب أحد الأطراف، بما يضمن في نهاية المطاف الخروج بقرارات تتلاءم مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية دون تأثيرات خارجية.
وفي ما يتعلق بالحديث عن إدخال كرفانات وأمور ذات طابع إنساني، أو إدخال تعديلات على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يشدد رحال على أن هذه التعديلات لا تمس جوهر الخطة، بل تمثل عملية تسويق سياسي، خاصة بعد موجة البرد القارس التي شهدها القطاع وما رافقها من تحرك عالمي بسبب الكارثة الإنسانية.
ويعتبر رحال أن الهدف من هذه الخطوات هو تثبيت خطة ترمب وإظهارها بمظهر الاستجابة الإنسانية، مع تحويل القضية الفلسطينية من قضية سياسية وحقوقية إلى مسألة إغاثية بحتة.
ويحذّر من خطورة القبول بالحلول المؤقتة، لافتًا إلى أنها قد تتحول إلى حلول دائمة، كما حدث في تجارب سابقة، الأمر الذي قد يؤدي إلى إبطاء ملف الإعمار الحقيقي وتأجيل عقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار ورفع الأنقاض.
ويلفت رحال إلى أن تحسين الظروف المعيشية نسبيًا عبر الكرفانات قد يُستخدم ذريعة لتخفيف الضغط الدولي للمطالبة بإعمار فوري وشامل، ما يحوّل سكان القطاع من أصحاب حق إلى متلقّي مساعدات إنسانية.
وبشأن السيناريوهات المحتملة لخطة ترمب في غزة، يتحدث رحال عن أكثر من احتمال، من بينها نشر قوة دولية تضم عشرات الدول –كما أعلن ترمب– لإدارة الأمن في القطاع لفترة محددة، أو إنشاء إدارة انتقالية قد تمتد لسنوات طويلة دون أفق سياسي واضح، مستشهدًا بتجربة المرحلة الانتقالية لاتفاق أوسلو التي طال أمدها لعقود.
ويعتبر أن السيناريو الأخطر يتمثل في تكريس فصل قطاع غزة عن باقي الأراضي الفلسطينية، مع حلول جزئية تفتقر إلى مسار سياسي شامل ينهي الاحتلال ويحقق تطلعات الشعب الفلسطيني.
ويشير رحال إلى أن تصريحات ترمب المتكررة حول وجود مفاجآت مرتقبة تندرج في إطار الخطاب الشعبوي ولغة التجارة التي يعتمدها، مؤكدًا أن ترمب يفتقر إلى استخدام المصطلحات السياسية الدقيقة، وغالبًا ما يطلق توصيفات فضفاضة لا تحمل بالضرورة مضمونًا سياسيًا عميقًا، بقدر ما تهدف إلى إثارة الانتباه وإضفاء طابع استعراضي على قراراته.


غموض مقصود وتوجه لتدويل إدارة الأزمة

تعتبر أستاذة الدبلوماسية وحل الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية د.دلال عريقات أن الغموض الذي يكتنف اجتماعات الدوحة بشأن مستقبل قطاع غزة ليس عارضاً أو تقنياً، بل هو غموض مقصود يشكّل جزءاً من أسلوب إدارة تقوده مقاربات أمريكية معروفة، تهدف إلى التعامل مع غزة بوصفها مشكلة أمنية–إنسانية يجب احتواؤها وإدارتها برؤية استثمارية، لا كقضية سياسية تستدعي معالجة جذرية قائمة على إنهاء الاحتلال واستعادة الحقوق الفلسطينية.
وتوضح أن هذا الغموض قد يكون ناتجاً عن محاولات لاحتواء الفواعل غير الرسمية في إدارة غزة، مشيرة إلى أن الحديث عن "قوة استقرار دولية" يجري دون أي تحديد لمرجعية سياسية واضحة، أو سقف زمني محدد، أو ارتباط صريح بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، ما يعكس توجهاً لتدويل إدارة الأزمة بدلاً من حلها.
ولم تستبعد عريقات، أن تكون حركة "حماس" جزءاً من هذه الإدارة، في إطار ترتيبات مبهمة تُبقي جوهر الأزمة دون معالجة.
وتحذّر عريقات من أن التسريبات حول "تعديلات" على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا تتجاوز كونها إعادة تدوير للمضمون نفسه، عبر تحسينات لغوية وتجميلية مرتبطة بالبعد الإنساني، خاصة في ظل ظروف الشتاء، بينما يبقى الجوهر ثابتاً: فصل غزة عن سياقها الوطني الفلسطيني، وتحويلها إلى كيان خاضع للوصاية.
وترى أن الإعلان عن مناقصات لجلب كرفانات يحمل دلالات خطيرة، إذ يعكس تعاملاً مع الدمار الهائل في غزة كفرصة استثمارية، في ظل صعود "تجار الحروب" الذين يفضّلون الحلول المؤقتة على الاستراتيجيات بعيدة المدى، ولا يرغبون بمرحلة انتقالية تقود إلى إعادة إعمار فلسطينية سيادية.
وتشير عريقات إلى أن الكرفانات ليست مجرد حل إنساني طارئ، بل رمز لرؤية تسعى إلى احتواء غزة بدلاً من حل أزمتها.
وترى عريقات المشهد القائم بأنه صراع بين مسارين: الأول يهدف إلى تثبيت واقع ما بعد الحرب بوجود "حماس" ودون مساءلة سياسية لإسرائيل، والثاني مسار فلسطيني مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، يقوم على معادلة واضحة مفادها بأنه لا استقرار من دون سيادة، ولا إعادة إعمار من دون إنهاء الاحتلال.
وعن السيناريوهات المرتقبة لخطة ترمب، تعرض عريقات ثلاثة احتمالات رئيسية: أولها فرض الخطة بصيغة معدلة وأكثر دبلوماسية، مع الحفاظ على جوهرها القائم على إدارة أمنية دولية أو إقليمية لغزة وفصلها عملياً عن المشروع الوطني الفلسطيني.
أما السيناريو الثاني، والأخطر، وفق عريقات، فيتمثل في إدارة أزمة طويلة الأمد عبر خطوات متدرجة تخلق واقعاً دائماً دون إعلان سياسي واضح، ما يفتح الباب أمام التهجير التدريجي وتقويض أي أفق لحق تقرير المصير، بينما يبقى السيناريو الثالث، وهو إفشال الخطة وفرض بديل فلسطيني–دولي، مرهوناً بوحدة فلسطينية حقيقية ورؤية سياسية تقود الإعمار وتربطه بالقانون الدولي وإنهاء الاحتلال.
وتؤكد عريقات أن أي صيغة لخطة ترمب ستفشل ما لم تعالج جذور الصراع، مشددة على أن غزة لا يمكن اختزالها في ملف إنساني أو أمني، بل هي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية، وأي محاولة لفصلها عن هذا السياق محكوم عليها بالفشل مهما طال الزمن.

تعقيدات تتعلق بالفهم المتباين لطبيعة القوة ودورها

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د.سعد نمر أن ما يجري في اجتماعات الدوحة لا يمكن اختزاله في إطار الغموض فقط، بل يعكس تعقيدات حقيقية تتعلق بالفهم المتباين لطبيعة القوة الدولية ودورها في قطاع غزة، في ظل تضارب واضح بين الرؤية الأميركية، والمواقف العربية والإسلامية، والمطالب الإسرائيلية.
ويوضح أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعى بقوة إلى تشكيل قوة دولية تضمن الأمن والاستقرار لخطة وقف إطلاق النار التي يطرحها، بينما ترى الدول العربية والإسلامية والوسطاء أن وظيفة هذه القوة يجب أن تقتصر على حفظ السلام، من دون أن تكون لها علاقة مباشرة بملف نزع سلاح المقاومة، في المقابل، تضغط إسرائيل على الإدارة الأميركية، وعلى ترمب شخصياً، باتجاه أن تتولى هذه القوة مهمة نزع سلاح غزة بالكامل، وتحويلها إلى منطقة منزوعة السلاح إلى حين عودة السلطة الفلسطينية وتشكيل قوة أمنية داخلية، وهو ما رفضته غالبية الدول العربية والإسلامية بشكل قاطع.
ويبيّن نمر أن هذا التناقض يشكل جوهر الخلاف والغموض المحيط بتشكيل القوة الدولية، سواء من حيث طبيعتها أو مهامها أو آلية عملها وتعاملها مع الواقع في قطاع غزة، مشيراً إلى أن رفض ربط القوة الدولية بملف نزع السلاح هو السبب الأساسي لتعثر التفاهمات حتى الآن.
ويشير إلى قضية المناقصات الخاصة بالكرفانات، حيث أنها استحقاق كان من المفترض تنفيذه ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، إذ أن وقف إطلاق النار الذي بدأ في كانون الثاني/يناير الماضي، واستمر قرابة شهرين، نصّ على إدخال الكرفانات والخيام، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بذلك، وواصلت التدمير الممنهج للمباني في قطاع غزة، خصوصاً في مدينة غزة وبقية المحافظات، من دون السماح بإدخال أي من هذه المساكن المؤقتة.
ويؤكد أن ضغوطاً تمارس حالياً من قبل الوسطاء، استجابة للضغط الفلسطيني، على خلفية إخفاق إسرائيل في تنفيذ التزامات المرحلة الأولى، ما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الانتقال إلى المرحلة الثانية في ظل هذا السلوك.
ويشير نمر إلى أن الولايات المتحدة تجد نفسها في موقف محرج نتيجة عدم التزام إسرائيل بالاتفاق، رغم رغبة ترمب في التقدم نحو المرحلة الثانية لتسجيل إنجاز سياسي.
ويرى أن واشنطن قد تدفع باتجاه إدخال الكرفانات في المرحلة الثانية كحافز للفلسطينيين، غير أن العقبة الأساسية تبقى إسرائيل التي تحاول التنصل من الاتفاق، خصوصاً في ظل رفض القوة الدولية أداء الدور الذي تريده تل أبيب والمتعلق بنزع سلاح المقاومة.
ويشير نمر إلى أن المشهد الحالي يضع خطة ترمب أمام سيناريوهين: إما فشل الاتفاق والعودة إلى الحرب، أو ممارسة ضغوط أميركية حقيقية على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خاصة قبيل اللقاء المرتقب بينهما في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، للتوصل إلى حل وسط يفتح الباب أمام المرحلة الثانية، وهو خيار تصطدم به إسرائيل ما لم يُحسم ملف نزع السلاح وفق شروطها.

مسار إغاثي طارئ أكثر منه مساراً سياسياً متكاملاً

يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن اجتماعات الدوحة المتعلقة ببحث تشكيل ما يُسمى بـ"قوة الاستقرار الدولية" ما زالت يلفّها قدر كبير من الغموض، بالتوازي مع حديث متزايد عن تعديلات على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، شملت الإعلان عن مناقصات لشركات تتولى إدخال كرافانات ومساكن مؤقتة، في مؤشر على مسار إغاثي طارئ أكثر منه مساراً سياسياً متكاملاً.
ويوضح أن تفاصيل المرحلة الثانية من الخطة لا تزال غير واضحة، رغم وجود مصلحة أمريكية حقيقية -من حيث المبدأ- في الدفع نحو هذه المرحلة، إلا أن هذه الرغبة تصطدم بمحاولة دائمة لإرضاء إسرائيل بالحد الأقصى الممكن.
ويشير سويلم إلى أن إسرائيل تضع ثلاثة أو أربعة تحفظات مركزية، أبرزها ما يتعلق بملف السلاح، وطبيعة المنطقة التي ستنتشر فيها القوات الدولية، وهوية هذه القوات وانتماء الدول المشاركة فيها، لافتاً إلى أن مسألة استبعاد تركيا حُسمت عملياً بفعل الفيتو الإسرائيلي.
ويبيّن أن تموضع هذه القوات ومهامها لا تزال محل نقاش، إلا أن المؤشر الأوضح حتى الآن هو أن الولايات المتحدة تسعى إلى دفع الأمور قدماً مع مراعاة ما تسميه "الاحتياجات الإسرائيلية"، في مقابل غياب شبه كامل لأي نقاش جدي حول الاحتياجات الفلسطينية، سواء من الزاوية الأمنية أو السياسية أو حتى في ما يتعلق بكيفية التعامل مع ملف السلاح.
ويشير سويلم إلى أن التراجع الأمريكي عن الإصرار على إخراج حركة "حماس" من مناطق سيطرتها في هذه المرحلة يعكس حجم المأزق الأمريكي، معتبراً أن واشنطن تتحمل المسؤولية الأساسية عن حالة التعثر الراهنة، لأنها لا تريد إغضاب إسرائيل أو رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، لأن الولايات المتحدة تخشى أن يؤدي أي صدام مع نتنياهو إلى تحميلها مسؤولية فشل الاتفاق، وهو ما تسعى لتجنبه بأي ثمن.
ويلفت إلى أن معظم الحلول المطروحة تأتي على حساب الفلسطينيين، بما في ذلك مهام القوات الدولية، التي يُرجّح أن تتركز في مناطق تعتبرها إسرائيل مناطق سيطرة لـ"حماس"، ولا سيما المنطقة الحدودية الثلاثية، مؤكداً أن هذه القوات ستكون أقرب إلى أداة للسيطرة لا للإشراف على الانسحاب الإسرائيلي أو على إعادة إعمار حقيقية.
وفي ما يخص الإعمار، يرى سويلم أن المقترحات الأمريكية تتجه نحو إجراءات إغاثية مؤقتة تفتقر إلى ميزانيات واضحة أو مؤتمرات دولية أو قرارات ملزمة، وهو ما يفسر احتجاج حركة "حماس" العلني على طريقة إدارة المرحلة الثانية.
ولا يرى سويلم سيناريوهات بديلة حقيقية عن خطة ترمب، في ظل انشغال الرئيس ترمب بملفات دولية أخرى، معتبراً أن ما يجري هو ضغوط أمريكية لفرض تعديلات على المرحلة الثانية ترضي إسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب جوهر الخطة وإمكانية تقدمها الفعلي.

دلالات

شارك برأيك

اجتماعات الدوحة... تضارب المواقف وغموض المرحلة الثانية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.