أقلام وأراء

الثّلاثاء 09 ديسمبر 2025 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

المسيحية الصهيونية.. لاهوت سياسي يُشرعن القتل باسم السماء

لم تولد المسيحية الصهيونية من رحم الإيمان، بل من رحم السياسة، ومن لحظة احتاجت فيها القوى الاستعمارية إلى غطاء روحي يبرّر مشاريعها التوسعية في الشرق، فهي ليست امتداداً للمسيحية الأولى التي بشّر بها المسيح، الذي حمل رسالة المحبة والرحمة والمساواة ورفضاً للظلم، بل هي انقلاب كامل على تلك الرسالة، انقلاب يحوّل الإنجيل إلى وثيقة تفويض بالقتل ويحوّل الله إلى إله قبيلة منحازة، ويحوّل فلسطين إلى مسرح لأساطير الدم التي لا علاقة لها باللاهوت ولا بالأخلاق.

في جذورها اللاهوتية المختلقة، تتعامل المسيحية الصهيونية مع الشعب اليهودي على أنه "شعب الله المختار" وفق قراءة حرفية وأسطرية لنصوص العهد القديم، قراءة تعيد إحياء أكثر الأفكار عنصرية في تاريخ الأديان، ثم ترفعها إلى مرتبة العقيدة السياسية الملزمة، ليس الأمر مجرد تعاطف ديني، بل مشروع عقدي يرى في قيام إسرائيل شرطاً لعودة المسيح، ويعتبر كل ما تفعله إسرائيل خطوة في مسار الخلاص، وبالتالي يتحوّل القتل والتدمير والتهجير إلى أفعال مقدسة في سبيل نبوءة مُتصوَّرة، ويصبح الدم الفلسطيني تفصيلاً عابراً في سيناريو الخلاص الأعظم.

هذا الانحراف يضع المسيحية الصهيونية في تناقض صارخ مع جوهر الإنجيل الذي علّم أن الله يحب جميع البشر دون تفاضل، وأن الظلم لا يبرره دين ولا يجيزه إيمان، وأن قتل الأبرياء جريمة لا يمكن تبريرها باسم السماء، فالإنجيل الذي تحدث عن "طوبى لصانعي السلام" صار في هذه القراءة المشوهة إنجيلاً يبارك الحرب، والوصايا التي تحرّم القتل صارت تفويضاً بالقتل، والرحمة التي تشكل قلب رسالة المسيح تحولت إلى جفاف أخلاقي يبرّر الإبادة لأن الضحية ليست من "القبيلة المختارة".

المسيحية الصهيونية ليست مجرد تيار متعصب، بل مشروع سياسي كامل لعب دوراً مركزياً في صياغة السياسات الأمريكية والغربية تجاه فلسطين، ملايين المسيحيين الإنجيليين الذين آمنوا بهذا الخطاب أصبحوا قوة انتخابية تدعم الحروب والسياسات العدوانية، وتمنح إسرائيل شيكاً مفتوحاً على الدم، وتضغط على حكوماتهم كي تكون أكثر تطرفاً حتى من إسرائيل نفسها، وهكذا يجد الاحتلال نفسه محاطاً بغطاء لاهوتي يعتبره جزءاً من إرادة إلهية، فيتضاعف العنف ويتسع مدى الجرائم التي تُرتكب بحق الفلسطينيين تحت مظلة “تحقيق النبوءة”.

وهنا يظهر التناقض الجوهري، فالمسيحية الأولى لم تعلّم يوماً أن شعباً أفضل من شعب، بل جعلت الإنسانية قاعدة الإيمان، وجعلت العدالة طريق الخلاص، وجعلت المحبة فوق كل اختلافات الهويات، أما المسيحية الصهيونية فربطت الإيمان بالدم والعرق والجغرافيا، وأعادت إحياء فكرة التفوق الديني والعرقي التي تتناقض مع جوهر المسيحية وروحها وتعاليمها.

ومن هذا التناقض وُلدت السادية الدينية التي نراها اليوم في خطابات القساوسة الصهاينة الذين يقفون أمام الشاشات ليبرروا قتل الأطفال في غزة، ويشرحون كيف أن القنابل التي تنزل على رؤوس المدنيين هي "إرادة ربانية"، وكيف أن فلسطين ليست سوى مسرح لظهور المسيح من جديد، وكيف أن الدم الفلسطيني شرط لعودة الخلاص، هذه ليست مسيحية، بل وثنية سياسية ترتدي ثوب المسيح وتبشر بقيامة على جماجم الأبرياء.

إن أخطر ما في المسيحية الصهيونية أنها تفصل الإيمان عن الأخلاق، وتفصل الدين عن رسالته، وتحوّل السياسة إلى لاهوت، وتحول الحروب إلى فصول كتاب مقدس، وتحوّل الإنسان الفلسطيني إلى عقبة يجب إزالتها من الطريق كي تكتمل قصة الخلاص، بهذا الشكل، يصبح الظلم قدراً، والقتل شريعة، والتهجير ضرورة، والإبادة واجباً، ما دام ذلك يخدم الرواية الكبرى التي صنعها السياسيون وصدّقها المؤمنون.

ومع ذلك، لا تزال المسيحية الأصيلة حاضرة في أصوات لاهوتيين ومفكرين حول العالم يرفضون هذا التحريف، ويعيدون التذكير بأن الله ليس طرفاً في نزاع، وأن العدالة ليست خياراً ثانوياً، وأن الإيمان الذي لا يوقف الظلم يتحول إلى أداة ظلم، هؤلاء يعيدون المسيحية إلى مكانها الطبيعي، منهجاً يرفض القهر ويقف إلى جانب المظلوم، ويعلّم أن الإنسان قيمة لا تُقاس بانتمائه أو قوميته أو دينه.

المسيحية الصهيونية اليوم ليست أزمة لاهوتية فقط، بل أزمة أخلاق عالمية، لأنها تمنح الغزاة رخصة "إلهية" للقتل، وتغطّي الإبادة بمفردات الخلاص، وتحوّل الضحية إلى عائق أمام مشيئة الرب، وهذا الانحراف هو الذي يضعها في مواجهة ليس فقط مع الفلسطينيين، بل مع جوهر المسيحية ذاتها، ومع ضمير الإنسانية كلها.

دلالات

شارك برأيك

المسيحية الصهيونية.. لاهوت سياسي يُشرعن القتل باسم السماء

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.