إذا قدّر لغزة ان تنهض من تحت الأنقاض والركام التي قدرتها الامم المتحدة بأكثر من ٤٠ مليون طن ، فان الرواية الحقيقية لا يمكن توصيفها باليوم التالي لغزة بعد العدوان ، وانما بالسنوات الطويلة التي سيستغرقها اعمار القطاع الذي تدمر فيه اكثر من نصف المنازل والمنشآت ، حيث يحتاج إلى حوالي ١٥ سنة مع تكلفة اعمار قد تتجاوز ٤٠ مليار دولار ..
تقييم الامم المتحدة الذي صدر بالأمس يسلط الضوء على التحدي الهائل الذي ينتظر مواطني القطاع والمتمثل باعادة بناء وترميم البنية التحتية والمنشآت التي دمرها الهجوم الاسرائيلي الطاحن على مدى عشرة اشهر ، وهو يشير ايضا إلى تراجع الصحة والتعليم والثروة في القطاع إلى مستويات عام ١٩٨٠ ، اي انه يمحو ٤٤ عاما من التنمية ، التي جرت بخطوات بطيئة جراء الحصار والحروب والنكبات ..
لقد غير القصف الاسرائيلي وجه ومعالم وتضاريس قطاع غزة ، وفي مقدمتها المسجد العمري الكبير ومسجد السيد هاشم في حي الدرج وكنيسة القديس برفيريوس وحمام السمرة في حي الزيتون وقصر الباشا في الدرج ومقبرة دير البلح والكنيسة البيزنطية في جباليا ودار السقا الأثرية في الشجاعية والمدرسة الكاميلية في غزة ومقام الخضر في دير البلح ، وغيرها من المقامات الأثرية والتاريخية ، التي يصعب ترميمها وإعادتها إلى وضعها السابق ، إضافة إلى حملة الهدم المبرمجة ضد المدارس والمستشفيات ومقرات النزوح للاجئين ، حيث ان تطهير هذه المنشآت والتجمعات يحتاج إلى وقت طويل نظرا لخطورة الوضع ، وامكانية وجود تهديدات ناجمة عن بقايا القذائف والصواريخ التي وصلت إلى عمق الارض ..
تحتاج غزة إلى سنوات طويلة لاعادة الإعمار والترميم ، ولكن بعض معالمها لن يعود كما كان عليه الحال ، واذا قدر لعدد من المواطنين الذين عايشوا هذا العدوان بالبقاء على قيد الحياة لعشرين سنة إلى الامام ، فربما يستطيعون الجلوس امام بيوتهم لاستذكار ما حصل ليرووا ، لأبنائهم وأحفادهم بأن تضاريس ومعالم غزة ومواقعها الأثرية ، كانت هنا ، وستبقى غزة هنا شاهدة على استحضار الذكريات ، رغم رداء جديد محتمل ، إلا أن الشواهد التاريخية لا تغيب وستبقى محفورة في وجدان الاجداد والآباء ليورثوها للابناء والاحفاد ، الذين سيقبلون تراب غزة نحو عيش كريم ، رغم الالام وسنوات العمر الطويلة التي ستكون شاهدة على ازالة الأنقاض والركام.
غزة ستبقى هنا لتستعيد بساطتها وطيبتها وحكايات حاراتها الضيقة ، وسيعود بحرها ، المتنفس الوحيد ، لتبقى اشهر المدن الساحلية في فلسطين ، رغم غيوم وضباب العدوان ،ليعود اهلها بعد الحصار والدمار لصنع ما تشتهر به غزة لتباهي به العالم بجمالها وسحرها الخلاب .





شارك برأيك
أعوام تحت الركام .. وغزة ستبقى هنا