أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 يناير 2023 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

غروسمان والانتقال من الزمن الاصفر الى الزمن الاسود

بقلم : حمدي فراج


كان من أبرز المتحدثين في المظاهرة الاسبوعية الثالثة ضد حكومة نتنياهو الاديب الاسرائيلي الشهير ديفيد غروسمان البالغ من العمر 69 عاما ، والذي عرف في الاوساط الفلسطينية بأنه صاحب فكرة "الزمن الاصفر" قبل حوالي اربعين سنة ، حين استوحاها من عجوز فلسطيني ، يجلس قبالة بيته في احد مخيمات الضفة ، وأخبره بالريح الصفراء التي سرعان ما ستأتي و تقتلع اسرائيل . كان غروسمان انذاك في ريعان شبابه ، و لم يكن قد فقد ابنه الضابط في الجيش في الحرب على لبنان مع حزب الله عام 2006 ، و مع ذلك تبنى رؤية العجوز الفلسطيني "الزمن الاصفر" ، لكنه اليوم في خطابه الى المتظاهرين ، يتجاوز ذلك الى ما اسماه "الزمن الاسود" الذي يجتاح اسرائيل و ديمقراطيتها و يهوديتها واخلاقها ... الخ ، انها تحترق ، يقول في خطابه ، و هي لم تعد بيتنا الآمن ، معظم من يلتقيهم من الشباب لا يريدون الاستمرار في العيش هنا، إسرائيل كما هي اليوم لم تعد وطنهم ، ولتجنب المعاناة من الشعور بالغربة ، يذهبون إلى نوع من المنفى الداخلي ، و من الواضح أن شيئًا ما يحدث بشكل خاطيء ، إذا أصيبت حالة سيادة القانون بجروح خطيرة ، فإن جميع المعارك المهمة الأخرى ستنهار تدريجياً .
يكبرني صاحب الزمنين الاصفر والاسود بعامين فقط ، ولدت في خيمة بمخيم حديث الانشاء اسمه مخيم الدهيشة ، واعتقد ان فكرة الريح الصفراء التي استلهمها غريسمان كانت من عجوز في نفس المخيم ، كانت ولادتي في شهر شباط بدون اي نوع من التدفئة باستثناء النتش "جمع نتشة" التي كانت شقيقتي الكبرى "ثريا" تجوب الجبل المقابل "مدينة الدوحة اليوم" لتتقتلعه بيديها الطفلتين ، كانت بنت تسع سنوات ، و كانت تتنافس مع العشرات غيرها في الصراع على من يرى النتشة قبل الآخر كي يقتلعها لتحظى خيمته ببعض الدفء . كان هم أختي هو هم أمي ، انا لا أموت من البرد القارس الذي يتربص بالاطفال حديثي الولادة ، و بالامطار التي تحاصر الخيمة من جهاتها الستة ، السماء والارض ايضا ، و كانت "ثريا" تعتقد ان ابقائي على قيد الحياة مرهون بها ان تحصل على النتشة ، و انها لن تسامح نفسها اذا ما عادت بخفي حنين .
هل انتهى زماني الاسود بانتهاء ازمة الدفء يشع في خيمتي ؟ ربما انتهى بالنسبة لجيل النكبة الاول ، جيل جدي عندما مات وانا ابن ثمانية أعوام ، بموته انتهى زمانه الاسود ، إذ كان يحلم في عز النهار ان يعود الى وطنه في قرية زكريا و يجلس تحت جميزته الاثيرة ، أما أنا ، فقد ابتدأ زماني الاسود ؛ الحصول على الطعام ، كانت امي لا تمد يدها في الصحن الا عندما نشبع كلنا ، الطفولة في شوارع مليئة بالطين ، مدارس تفتفقد لكل المقومات ، بيت صغير لعائلة موسعة بدون كهرباء و لا ماء ، العمل منذ نعومة الاظافر وأذكر انني عملت في حوالي عشرين مهنة ، من بيع الجرائد العبرية والاسكمو والعتالة وصناعة الصدف و خشب الزيتون و جلي الصحون في المطاعم وورش البناء ... الخ ، ناهيك عن السجن والاقامات الجبرية ، و ما زال زماني الاسود الذي صنعتموه لنا مستمرا حتى اليوم .

دلالات

شارك برأيك على غروسمان والانتقال من الزمن الاصفر الى الزمن الاسود

شارك دون الحاجة الى التسجيل.

يرجى التعليق باللغة العربية.

فريق عمل القدس دوت كوم

مشاركات القراء

إشترك الآن النشرة البريدية آخر الأخبار من القدس دوت كوم
By signing up, you agree to our Privacy Policy
طقس القدس

الأربعاء

8- 16

الخميس

8- 16

الجمعة

9- 17
أسعار العملات
  • دولار أمريكي / شيكل شراء 3.39 بيع 3.41
  • دينار أردني / شيكل شراء 4.79 بيع 4.81
  • يورو / شيكل شراء 3.69 بيع 3.71

الجمعة 27 يناير 2023 7:47 صباحًا

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً