أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

خطر المستعمرة النووي

وصف الرئيس الأميركي ترمب الخطر النووي الإيراني على أنه: "يستهدف إسرائيل (المستعمرة) والشرق الأوسط (العالم العربي) وأوروبا".

واضح أن الرئيس الأميركي، قلبه واسع، وإحساسه بالمسؤولية كبير، ولكن السؤال لماذا يتناول الخطر النووي الإيراني على المستعمرة الإسرائيلية؟؟ بدون الحديث والاهتمام عن الخطر النووي الإسرائيلي؟؟ لماذا لا يوازي ويساوي الخطر النووي الإيراني بالخطر النووي الإسرائيلي على العالم العربي وعلى الإقليم؟؟ لماذا يسكت عن رفض المستعمرة التوقيع على حظر الانتشار النووي في منطقتنا العربية؟؟ لماذا يتغاضى عن رفض المستعمرة السماح  للوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتفتيش على المفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا لدى صحراء النقب الفلسطينية؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي المبجل أن المستعمرة تحتل كامل خارطة فلسطين؟؟ وتحرم شعبها من حق المساواة في مناطق 48، وفق قيم حقوق الإنسان؟؟ وترفض الانسحاب من مناطق 67، وفق قرارات الأمم المتحدة؟؟؟ وتحرم الشعب الفلسطيني من حقوقه ولا تحترم قرارات الأمم المتحدة المتضمنة لهذه الحقوق: حق الدولة وفق القرار 181، حق العودة وفق القرار 194، والانسحاب وفق القرار 242 ؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي الحريص على أمن المستعمرة أنها تحتل أراضي جنوب لبنان وتتوسع فيه إلى حدود نهر الليطاني وتطمع إلى ما بعده؟؟ وتحتل الأراضي السورية في الجولان وتوسعت في محافظتي القنيطرة ودرعا؟؟.

ألا يعرف الرئيس الأميركي أن المستعمرة قامت بالهجوم على سوريا بعد سقوط النظام السابق يوم 9/12/2024، ودمرت كافة قدرات الجيش السوري البرية والبحرية والجوية؟؟، فالنظام السابق المفترض أنه في حالة حرب مع المستعمرة تم إسقاطه، فلماذا يتم تدمير الجيش السوري طالما تم تغيير النظام وسياساته؟؟ هذا يعني أن الهدف المطلوب هو خلو بلدان الشرق العربي من أي قدرة على حماية حقوقها واستقلالها وسيادتها، ومقابل ذلك تعمل المستعمرة على الهيمنة والسيطرة المنفردة على منطقتنا العربية!!.

الادعاء الأميركي خال من المصداقية، وقد ثبت أن الوجود الأميركي هو فقط حماية المستعمرة ودعمها وإسنادها في مواصلة الاحتلال والتوسع، فقد أعلن الرئيس ترمب يوم 6/12/2017، إعترافه بالقدس الموحدة عاصمة للمستعمرة، وأعلن يوم 25/3/2019 اعترافه أن الجولان السوري جزء من خارطة المستعمرة، وأعلن يوم 28/1/2020، صفقة القرن لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وصفقة القرن هذه تتضمن: إلغاء حق العودة، وإيجاد البديل بالتوطين خارج فلسطين، أو الاستيعاب في حدود الدولة الفلسطينية الضيقة المحدودة، وتتضمن الاعتراف الفلسطيني أن المستعمرة هي "دولة اليهود"، وتتضمن ضم القدس الشرقية لتكون موحدة عاصمة للمستعمرة، وإعطاء المستعمرة حق السيطرة على كامل فلسطين مما يجعل الدولة المقترحة معازل أو كانتونات غير متصلة بعد ضم المستوطنات والغور الفلسطيني لحدود المستعمرة وجغرافيتها، وخلاصة خطة ترمب تجعل من الدولة الفلسطينية خاضعة لسيادة المستعمرة أمنياً وعسكرياً، وتلغي مقومات الدولة المستقلة ذات السيادة.

وبذلك لا يمكن للولايات المتحدة أن تكون وسيطاً محايداً، بل هي عنوان الدعم لبقاء المستعمرة وهيمنتها، على منطقة الشرق العربي، وبذلك تفقد مكانتها كدولة كبرى تحترم قيم حقوق الإنسان والديمقراطية وتقرير المصير حيث كانت تُنادي بها.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح: من شرعية الصندوق إلى اختبار الفعل

عندما تُغلق صناديق الاقتراع، وتنتهي عملية إعلان النتائج النهائية، يبدو المشهد للوهلة الأولى وكأنه لحظة حسم. أسماء تُعلن، مواقع تُوزع، وخرائط تنظيمية جديدة تتشكل على الورق. لكن في التجارب الحركية الكبرى، لا تكون هذه اللحظة نهاية الحدث، بل بداية السؤال الحقيقي: ماذا بعد؟

ففي الحركات التي تحمل مشروعًا وطنيًا ممتدًا، لا تُقاس النتائج فقط بميزان الأرقام، بل بقدرتها على إنتاج فعل جديد، ورؤية جديدة، وسلوك تنظيمي أكثر كفاءة وانسجامًا مع حجم التحديات.

أولًا: شرعية النتائج لا تكفي وحدها

الانتخابات في أي تنظيم سياسي تمنح شرعية إجرائية، لكنها لا تمنح تلقائيًا شرعية الفعل أو الكفاءة أو القدرة على الإنجاز. فالفارق دائمًا يبقى بين "الشرعية التنظيمية" "والفعالية الحركية"

إن السؤال الذي يفرض نفسه بعد إعلان النتائج ليس: من فاز؟
بل: هل تغيّر شيء في طريقة العمل؟ في منطق القرار؟ في جودة الأداء؟

ثانيًا: من التمثيل إلى المسؤولية

المواقع التنظيمية ليست امتيازًا، بل عبء مسؤولية. ومع إعلان النتائج، ينتقل الفائزون من موقع التنافس إلى موقع الاختبار الحقيقي: اختبار القدرة على تحويل الثقة التنظيمية إلى فعل ملموس يخدم المشروع الوطني.

فالموقع لا يصنع الفاعل، بل الفاعل هو من يصنع معنى الموقع.

ثالثًا: خطر إعادة إنتاج الأزمة

أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي انتخابات تنظيمية هو أن تتحول النتائج إلى مجرد إعادة تدوير للواقع نفسه: نفس أنماط التفكير، نفس أدوات الإدارة، ونفس منطق التعامل مع التحديات.

حينها تصبح الانتخابات تغييرًا في الأشخاص لا في البنية، وتتحول اللحظة المفصلية إلى فرصة ضائعة لإعادة البناء.

رابعًا: بين التغيير الشكلي والتغيير الحقيقي

التغيير الحقيقي لا يُقاس بوجوه جديدة فقط، بل بقدرة هذه الوجوه على:

كسر الجمود التنظيمي، إعادة تعريف الأولويات، استعادة الثقة الداخلية والخارجية، وتحويل القرار إلى فعل.

أما التغيير الشكلي، فهو أن تتغير المواقع ويبقى المنطق كما هو.

خامسًا: السؤال المؤجل دائمًا

بعد كل مؤتمر، يبقى السؤال الذي لا يمكن تأجيله طويلًا:
هل نحن أمام مرحلة تجديد حقيقي، أم أمام دورة جديدة من إدارة الأزمة بأدوات مختلفة؟

هذا السؤال لا تجيب عليه البيانات الرسمية، بل يجيب عليه الزمن، والممارسة، وسلوك القيادة في الميدان.

خاتمة: الاختبار يبدأ الآن

إن إعلان النتائج ليس نهاية المرحلة، بل بداية اختبارها الحقيقي. فالقيمة ليست في لحظة الانتخاب، بل فيما يتبعها من قدرة على تحويل الشرعية إلى إنجاز، والموقع إلى مسؤولية، والتنظيم إلى فعل حيّ قادر على مواجهة الواقع.

وفي النهاية، لا تحكم التجارب السياسية بما تعلنه صناديقها، بل بما تصنعه في وعيها وسلوكها ومستقبلها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس

مبنى البلدية القديم في الخليل… قراءة في أخطر مراحل الاستهداف

لم يكن ما جرى فوق سطح مبنى بلدية الخليل التاريخي حدثًا عابرًا أو تفصيلًا هندسيًا يمكن المرور عليه بصمت، بل هو مشهد يحمل في داخله رسائل سياسية خطيرة، ويعكس مرحلة جديدة من محاولات فرض السيطرة على البلدة القديمة ومؤسساتها الوطنية الفلسطينية.

فالاحتلال حين يقتحم مبنى بلدية تاريخيًا، ويغلقه بقرار عسكري، ثم يسمح لاحقًا للمستوطنين بالصعود إلى سطحه والبناء فوقه تحت حماية قواته، فهو لا يتعامل مع المكان باعتباره مجرد عقار أو مبنى إداري، بل باعتباره هدفًا سياسيًا ورمزيًا يسعى للسيطرة عليه وإعادة تشكيل هويته ووظيفته وواقعه.

ما يجري اليوم ليس قضية “سطح مبنى”، بل محاولة بناء فوق السيادة الفلسطينية، وفوق الذاكرة الوطنية، وفوق حضور المدينة التاريخي والمؤسساتي داخل البلدة القديمة.

الاحتلال يدرك جيدًا أن البلدة القديمة في الخليل ليست مجرد أحياء سكنية، بل عنوان للوجود الفلسطيني المتجذر، وأن مبنى البلدية التاريخي يمثل رمزًا للهوية الإدارية والوطنية والخدماتية للمدينة، ولذلك فإن استهدافه بهذا الشكل يحمل أبعادًا تتجاوز المكان نفسه.

في السنوات الأخيرة، لم تعد أدوات السيطرة تقتصر على الحواجز العسكرية والإغلاقات، بل انتقلت إلى مرحلة أخطر تقوم على فرض الوقائع التدريجية:

حفريات هنا، ومصادرة هناك، واستيلاء على بيت، ثم السيطرة على سطح أو نقطة مرتفعة، إلى أن يتحول الأمر الواقع المؤقت إلى وجود دائم تحرسه القوة العسكرية وتحاول السياسة شرعنته لاحقًا.

والأخطر من ذلك أن الاحتلال يختبر دائمًا رد الفعل الفلسطيني:

هل سيكون صامتًا؟

هل سيبقى في حدود البيانات؟

هل سيتحول الاعتياد على الانتهاك إلى أمر طبيعي؟

لذلك فإن المعركة اليوم ليست فقط على مبنى بلدية، بل على الإرادة السياسية والوطنية في الدفاع عن المدينة ومؤسساتها وحقها في البقاء.

إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ ضعفًا فقط، بل يُستغل كمساحة إضافية للتوسع وفرض السيطرة، بينما المطلوب هو موقف وطني ومؤسساتي جامع يؤكد أن الخليل ليست مدينة بلا أصحاب، وأن مؤسساتها ليست متروكة للاستباحة.

ومن هنا، فإن المواجهة لا يجب أن تكون انفعالية أو موسمية، بل منظمة ومستمرة، تبدأ بالمسار القانوني عبر ملاحقة هذا الاعتداء أمام كافة الجهات الممكنة، وتمر عبر التوثيق الإعلامي والحقوقي، ولا تنتهي عند بناء حالة شعبية ووطنية تحمي البلدة القديمة وتعزز صمود أهلها ومؤسساتها.

كما أن إعادة فتح مبنى البلدية القديم وإعادة الخدمات البلدية إليه يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومؤسساتية، لأن بقاء المؤسسات الفلسطينية داخل البلدة القديمة هو جزء أساسي من معركة الصمود والوجود.

إن الاحتلال لا يبني فقط فوق سطح مبنى…

بل يحاول البناء فوق الرواية الفلسطينية نفسها.

لكن الخليل التي حافظت على هويتها رغم الحصار والاستيطان والاقتحامات، قادرة أيضًا على حماية ذاكرتها ومؤسساتها وحقها التاريخي في مدينتها.

فالمعركة على البلدة القديمة ليست معركة حجارة وأسقف فقط، بل معركة وجود وهوية وسيادة ووعي وطني يجب أن يبقى حاضرًا في كل مرحلة من مراحل الصراع المفتوح.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل والفاشية القانونية... إعدام الفلسطيني تحت غطاء القضاء

بدخول قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” حيّز التنفيذ، تكون إسرائيل قد انتقلت إلى مرحلة جديدة من التشريعات العنصرية التي تحاول منح القتل صفة قانونية وقضائية في نظرها، فالقانون الذي دفع به وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير لا يتعلق فقط بتشديد العقوبات، بل يؤسس عملياً لسياسة إعدامات رسمية تستهدف الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال.

وينص القانون على أن المحاكم العسكرية الإسرائيلية ستتعامل مع عقوبة الإعدام باعتبارها العقوبة الأساسية بحق الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات ضد الإسرائيليين، مع تقليص فرص استبدال الحكم بالسجن المؤبد إلا في “ظروف استثنائية”، كما يمنع القانون طلب العفو أو تخفيف العقوبة، ويلغي الحاجة إلى إجماع القضاة لإصدار حكم الإعدام، ما يعني تسهيل تنفيذ الأحكام وتحويل المحاكم العسكرية إلى أدوات جاهزة لإصدار قرارات القتل.

خطورة هذا القانون تكمن في أنه يُطبق ضمن منظومة الاحتلال العسكري، أي على شعب واقع تحت الاحتلال وليس داخل دولة ذات سيادة، فإسرائيل تستخدم محاكمها العسكرية لفرض قوانين استثنائية على الفلسطينيين، بينما يتمتع المستوطن الإسرائيلي بقضاء مدني مختلف حتى عندما يرتكب جرائم بحق الفلسطينيين، وهذا يكشف الطبيعة العنصرية للقانون الذي يقوم على التمييز بين الإنسان الفلسطيني والإسرائيلي أمام القضاء والعقوبة.

كما أن القانون يحمل بعداً انتقامياً واضحاً، خاصة مع تضمينه بند تنفيذ الإعدام شنقاً خلال فترة محددة، فالمسألة لم تعد مرتبطة بما تسميه إسرائيل “الأمن”، بل بمحاولة ترهيب الفلسطينيين عبر تشريع القتل العلني وإضفاء الشرعية عليه، ويأتي ذلك في ظل تصاعد الخطاب الفاشي داخل المجتمع الإسرائيلي، وتنامي نفوذ اليمين المتطرف الذي بات يدفع باتجاه مزيد من القوانين القائمة على الكراهية والعنف.

وفي الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل إلى تسويق نفسها كـ“دولة ديمقراطية”، يكشف هذا القانون حقيقة النظام الإسرائيلي الذي يعتمد المحاكم العسكرية والإعدامات والتمييز العرقي كأدوات لإدارة الاحتلال، لذلك لم يكن مستغرباً أن يثير القانون انتقادات حقوقية ودولية واسعة، باعتباره انتهاكاً للقانون الدولي واتفاقيات جنيف التي تحظر على قوة الاحتلال استخدام قوانينها لقمع السكان الواقعين تحت الاحتلال بهذه الطريقة.

لكن التاريخ يؤكد أيضاً أن سياسة الإعدامات لم تنجح يوماً في كسر إرادة الشعوب، فالمشانق والسجون لم تنه حركات التحرر، بل غالباً ما تحولت إلى دليل على وحشية الاحتلال وعجزه عن فرض الاستسلام بالقوة، ولهذا فإن قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لا يعكس قوة إسرائيل بقدر ما يكشف حجم تطرفها وأزمتها الأخلاقية والسياسية، في وقت تتزايد فيه عزلتها الدولية وتتآكل صورتها أمام العالم بعد سنوات طويلة من القتل والقمع والحروب المفتوحة ضد الشعب الفلسطيني.

في النهاية، لا تكشف قوانين الإعدام عن قوة الاحتلال بقدر ما تكشف خوفه وأزمته العميقة، فالدولة التي تلجأ إلى المشانق والمحاكم العسكرية لإخضاع شعب بأكمله، تعترف عملياً بفشلها في كسر إرادته رغم عقود القتل والسجون والحصار، وما تحاول إسرائيل فرضه اليوم تحت اسم “القانون” ليس عدالة، بل شرعنة للانتقام وتحويل القضاء إلى أداة قتل سياسي، لكن الشعوب لا تُهزم بالمشانق، والدم الفلسطيني الذي حاول الاحتلال مراراً إسكات صوته، كان دائماً يولد مزيداً من التمسك بالحق والحرية، وبينما تتجه إسرائيل أكثر نحو الفاشية والعنصرية، تتساقط آخر الأقنعة التي حاولت إخفاء حقيقة مشروع قائم على القمع والإبادة، في وقت بات فيه العالم يرى بوضوح أن الاحتلال الذي يكتب قوانينه بالحبال والسجون، إنما يكتب أيضاً بداية سقوطه الأخلاقي والسياسي أمام الإنسانية والتاريخ.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة: من الوعد إلى النكبة فالنكسة فالفخ فالطوفان

 ما الذي يمكن أن نراه بوضوح في ذكرى إقامة دولة إسرائيل على أنقاض الشعب الفلسطيني بعد ثمانية وسبعين سنة، من الوعد الوعيد الذي مهّد النكبة إلى النكسة إلى الفخ السلامي "أوسلو" إلى الطوفان؟ وعلى الجانب الآخر الإسرائيلي، من الوعد التبشيري، إلى الدولة، إلى استكمال "التحرير" في ستة أيام، إلى سلام الذئب مع الخروف، إلى المحرقة "هولوكوست 2". 

 هذه هي المراحل الأساسية الخمسة التي عبرنا خلالها– نحن وهم بمسميات مختلفة لكل مرحلة- قرناً كاملاً تقريباً، بين كل مرحلة وأخرى تلتها 20 إلى 30 سنة. ولن نغوص بما فعلنا وبما فعلوا خلال كل مرحلة، فهذا لم يعد ملكنا ولا ملكهم، بل ملك التاريخ، "العلم الوحيد الذي نعترف به" وفق كارل ماركس، لأنه حدث وانتهى الأمر، قد نقرأه بعينين مختلفتين، فيروا في نكبتنا استقلالهم، ونرى في استقلالهم نكبتنا، قد يروا في "أوسلو" انهم أعطونا أكثر من حقنا وأكثر مما نستحق، وقد نراه فخا وقعنا فيه كما أسرّ صاحبه ياسر عرفات قبل رحيله مسموماً، قد يروا في طوفاننا هولوكوست، ونرى في هولوكوستهم نضالا مشروعا ضد الاحتلال، لكن كل هذا ليس له علاقة بالتاريخ وأحداث التاريخ. 

 نحن اليوم شعب حقيقي قوامه نحو ستة عشر مليونا، نسبة الأمية فيه تكاد تكون صفرية، المرأة نصفنا، غادرت المطبخ مع سبق إصرار وتعمد، تعمل جنبا إلى جنب مع الرجل، ومع تخوفنا حلول قوى دينية ان تطبق على طاقتها وإمكانياتها الإنسانية الهائلة، من باب التحليل والتحريم والتكفير، كما يفعل بعض جيراننا بمن فيهم الدولة المعادية التي تدعي العلمانية، الا ان هذه القوى حسمت نفسها على انها جزء لا يتجزأ من حركات التحرر الوطني، وقد أغلق هذا الباب تقريبا ونتطلع ان يكون اغلاقا مطبقا إلى الابد، وهذا انتصار لا يمكن رؤيته بالعين المجردة من قبل قصّار النظر، وهم بالمناسبة كثيرون، بعضهم تأثر بما يحدث داخل بعض الفصائل الكبيرة، وراهنوا ان تنجح في التصحيح والتصويب والتطهير ورأب الصدع فالتحرير، لكن من قال إن مجيء ترمب إلى البيت الأبيض لن يسهم إسهاما محسوما في تسويده، بل من كان غيره يستطيع فعل ذلك في زمن قياسي لم يتجاوز السنة. 

 لقد انتفضت الأرض بكل شعوبها ولغاتها وآرائها وأجناسها وألوانها تتنتصر لفلسطين وتحررها من نير مغتصبيها، انظروا اسبانيا، فرنسا، إيطاليا، هولندا، بلجيكا، كندا، حتى بريطانيا، التي بدأت تنبش "بلفور"؛ وعده وربما قبره. 

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس

الجنائية الدولية وجناية عدم التسلح بها

من دون خطوات فلسطينية وعربية، مكملة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ورفدها بملفات جرائم تتضخم كل ساعة، فإن مذكرات التوقيف الصادرة ضد مسئولين إسرائيليين عن المحكمة، بتهم ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية، ستبقى فاعليتها محدودة ومعنوية، وتعيد طرح النقاش المتعلق بالاهتمام الفلسطيني الرسمي بالتواصل مع الجهات العربية والدولية الفاعلة بهذا الشأن، مع تراجع الخطاب الفلسطيني أيضا المتعلق بالتركيز على هذا الملف الهام، والذي يعد عملياً آخر الأسلحة المتبقية في الجعبة الفلسطينية النازفة، فبعد كل قرار مماثل عن المنظمات الدولية والمحاكم، نواكب ترحيب فلسطيني بها، سرعان ما يختفي ويتم نسيان ما قبله، أي لا يتحول لبرنامج عمل يومي ضروري وهام. وهنا السؤال عن الفاعلية المرجوة، إذا كان التوجه النضالي " السلمي والقانوني "على هذا النحو القاتل والمجهض لجملة التراكمات النضالية من حركات مقاطعة إسرائيل على مستوى العالم وقرارات المحاكم الدولية التي تدين جرائم الاحتلال، لا تستنفر الجهود الذاتية، لأداء الدبلوماسية الفلسطينية التي تتبعها العربية بالطبع، فمصيرها الإجهاض.

 وعليه نتذكر أن ما يجعل التمييز بين العدالة والظلم ليس فقط بالتذكير المستمر بواجب وفاء المحاكم الدولية لنظامها الأساسي، وولايتها بإقامة العدل على مبادئ العدالة الدولية، بل التمسك بذلك باعتباره اختبار مباشر للمصداقية الذاتية للنضال القانوني والسلمي، وامتحان لمصداقية حماية الضحايا وحقوقهم في وطنهم. لم يعد أحد يطرح قرار محكمة لاهاي بخصوص إزالة جدار الفصل العنصري ولا تقرير " غولدستون  ووليم شاباس "، مع أنهم بشرا بولادة جديدة للعدالة الدولية عند صدورهما بين عامي 2009-2014، وكذلك فعلت المحكمة الجنائية الدولية بتصنيف نتنياهو ووزير حربه السابق غالانت، كمجرمي حرب وإبادة جماعية وأصدرت مذكرات توقيف ضدهم، ويقال في أخبار اليومين الماضيين أن هناك مذكرات توقيف سرية أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق خمسة مسئولين إسرائيليين، وهناك تحرك متململ في الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على إسرائيل، وتعليق التجارة معها ومعاقبة عصابات المستوطنين عقاباً لها على سياسات العدوان والفصل العنصري، لكن هذا التململ بحاجة لتصليب بمواقف حاشدة فلسطينيا وعربياً، لكن للأسف تبدل واقع العرب والفلسطينيين منذ ترك مفاتيح العدالة الدولية، ولم يعد هناك إجماع لا بفرض عقوبات على إسرائيل ومقاطعتها، ولا بمواجهة جرائمها التي تعاظمت بفعل التراخي المخزي معها.

فكل مرة يسجل فيها الضحايا الفلسطينيون انتصاراً بمعركة قانونية ودبلوماسية، يتم الالتفاف والتآمر عليها، لإفلات اسرائيل من العقاب، وتتم تسوية من نوع ما بين وكلاء الضحايا وبين جلادهم، وهذا حصل بوقائع كثيرة ويحصل كل يوم، وملف الجدار وتقرير غولستون شاهدين نافرين على ذلك، مع متابعة ملف مذكرات الجنائية الدولية أو دعم بعض المواقف الدولية المطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل واتخاذها خطوة قطع العلاقات معها.

باب العدالة لن يغلق، والشكوى من نفوذ أمريكا وتغلغل لوبيات المؤسسة الصهيونية، كُسر مع سردية صهيونية في شوارع القارات الخمس، لسبب بسيط أن حاجة الشعب الفلسطيني للعدالة اقترنت بوعي عالمي يتشكل بفضح جرائم الاحتلال لنفسها، لكن تسليط الضوء على هذه الحاجة يبقى منقوصاً بجناية عدم التسلح بها فلسطينياً وعربياً، وتصطدم امنياتنا كل مرة ومع كل موقف وقرار يناصر عدالة قضية وشعب، بواقع سياسي يمنح المجرم أشكال متعددة للإفلات من العقاب تتعارض كل مرة مع واقع سياسي يُظهر أشكال متعددة للإفلات من العقاب، بعد أن أصبحت الإشارة للقانون الدولي، أحد المكونات الأساسية للعبة سياسية وجيوسياسية، والسياق الحالي ليس سياق الإقرار بعدالة قضايا الشعب الفلسطيني كما يراها البعض العربي والفلسطيني، على أهمية مقاضاته في المحاكم الدولية، بل سياق توسيع إرهاب وعدوان إسرائيل في المنطقة وهو ما يعيد ويلزم الجميع الإقلاع عن التلعثم والتردد والتمييع والامتثال للضغوط، لأن فاشية وجرائم الاحتلال ومستعمريه تمنح الضحايا فرص لا تنضب في إعادة فتح ملفات جرائمه ، قبل أن يغلق عليها باب المساومة  وتلك جناية لا يغفرها الضحايا.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

ميلادينوف وأموال المقاصة محاولات لا تتوقف!!

كنت أول من كتب عن الجهود الأمريكية لتحويل أموال المقاصة المحجوزة لدى إسرائيل الى مجلس السلام وذلك في مقال منشور في وكالة وطن  للأنباء ووكالة مدى للأخبار، واستمرارا لمحاولات الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية للقبول بمبدأ تقاسم الأموال الفلسطينية خاصة وان الكل يعلم ان السلطة تعاني من أزمة مالية وجودية لم تعد تخفى على احد، واستكمالا لمحاولات الضغط على السلطة الوطنية عقد  لقاء جمع يوم الجمعة الماضي الموافق 15 5 2026  بين ميلادينوف ورئيس الحكومة الفلسطينية  الدكتور محمد مصطفى حول ملف المقاصة وإعادة الإعمار في قطاع غزة.

ان الجهود الأمريكية من خلال ميلادينوف تتخلص بالمسائل التالية:

1. الضغط للحصول على الموافقة الفلسطينية لرصد مليار دولار من اموال المقاصة لصالح مجلس السلام واللجنة الادارية مما يعني ان اخر خيط يربط قطاع غزة بالضفة الغربية سيقطع بموافقة فلسطينية، وهذا ما رفضه رئيس الوزراء وتمسك بحق الحكومة بأموال المقاصة كاملة على ان يتم اجراء ترتيبات مع مجلس السلام بخصوص طريقة تحويل اي اموال لقطاع غزة لضمان الاستمرار بدفع الرواتب والمساهمة في عملية الاعمار من خلال الحكومة الفلسطينية، اي ان مجلس السلام يريد ان يبدأ أعماله ويسدد التزاماته بأموال الشعب الفلسطيني اي ان العاملين فيه سيكلفون الخزينة العامة الفلسطينية بدل أعمالهم!


2. ان الحصول على موافقة السلطة الفلسطينية يعني ان اسرائيل ستبدأ بتقسيم الاموال كما ترغب وستصبح مصادرة الاموال جزءا من امر واقع، كما ان مجلس السلام بدلا من ان يكون اضافة نوعية للتخفيف من معاناة الناس اصبح عبئا على جيوب الفلسطينيين، بل ان الموظفين في قطاع غزة سيحصلون على رواتبهم من خلال مجلس السلام ومن اموال الشعب الفلسطيني وليس من المليارات التي رصدت او اعلن عنها من خلال مجلس السلام.


3. ان حركة حماس وبعد اجتماعها الاخير مع ميلادينوف رفضت الصيغ المقدمه لها لنزع السلاح وقدم لها الاخير خطة معدلة لذلك وامهل ميلادينوف حركة حماس ليوم الثلاثاء الموافق 19 5 2026 للرد على مقترحه، وعلى ما يبدو انه وفي حال رفض حركة حماس للمقترح الجديد فان مجلس السلام سيبدأ العمل بمنطقة المواصي كبداية لاعادة الاعمال محاولا تجاوز عقبة تجريد حماس من سلاحها.


المطلوب من السلطة الوطنية والحكومة الفلسطينية ان تقوم بعدد من الخطوات بهذا الشأن:

1. الإعلان عن طبيعة الضغوطات الممارسة عليها للناس ومشاركة الجمهور للعروض المقدمة، مع العلم ان الولايات المتحدة قد تقوم بخطوة السيطرة على اموال المقاصة دون موافقة السلطة عليها، ان رفض السلطة او تقديم بديل هو امر هام وحيوي ولا يمنح شرعية لأحد للحصول على الاموال الخاصة بالشعب الفلسطيني.

2. يجب ان يتم الإعلان عن الصيغة المستقبلية لطبيعة العلاقة الوظيفية بين مجلس السلام والسلطة الوطنية بخصوص رواتب الموظفين في غزة وعدم تركها للتطورات الميدانية والضغوط السياسية.

3. يجب على السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس والدول الضامنة من مصر وتركيا وقطر والسعودية ان يجدوا أرضية لضمان وجود دور تمثيلي للسلطة في ادارة قطاع غزة وعدم ترك الملف في يد ميلادينوف ومجلس السلام فقط.

لا نعلم ان كانت ستصمد السلطة الفلسطينية امام كل هذه الضغوطات ام انها ستقبل بحل وسط يضمن تدفق اموال المقاصة لحين حدوث انفراجة ما، أم انها ستصمم على الحفاظ على كافة الأموال كما هو موقفها لغاية الآن، لننتظر ونرى!

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:18 صباحًا - بتوقيت القدس

بين نكبة الأمس وتيه اليوم: هل تتحول المأساة إلى مسخرة؟

في الخامس عشر من أيار/مايو 1948، لم يدخل الفلسطينيون النكبة مجردين من السلاح ومسلوبي الأرض فقط، بل، ومجردين أيضًا من بنية وطنية قادرة على حماية مجتمعهم من الانهيار. فقد وقعت الكارثة فيما كانت الهيمنة التقليدية، العائلية والإقطاعية، تمسك بالمجتمع الفلسطيني، عاجزة عن بناء مشروع تحرر حديث يوحّد الناس حول رؤية وطنية جامعة. أما الأنظمة العربية، التي رفعت رايات الإنقاذ والتحرير، فقد دخلت الحرب بإرادات متناقضة وصراعات نفوذ جعلت فلسطين ساحة أكثر منها قضية. وحين وقعت الهزيمة، لم يُترك الفلسطينيون فقط بين اللجوء والمنفى والخذلان، بل جرى العمل على احتواء قضيتهم وإخضاعها لمنطق الوصاية والتذويب والطمس السياسي والوطني.

وبعد نحو ثمانية عقود، ورغم مسيرة طويلة من النضال منذ انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، والانتفاضات الشعبية الكبرى، والتضحيات الهائلة التي قدمها الشعب الفلسطيني، وآخرها ما يتعرض له أهل غزة من حرب إبادة وتجويع وتدمير شامل، يبدو المشهد وكأنه يعود بأسماء وأدوات مختلفة. فالحركة الوطنية التي نشأت أصلًا لتجاوز ذلك العجز التاريخي، وصون الهوية الوطنية من الطمس والتمزيق، واستعادة مكانته كشعب موحد، أخذت هي الأخرى تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الانقسام، وصراعات السلطة، والمصالح الفئوية، وتفكك البنية السياسية والأخلاقية التي كان يفترض أن تحمل المشروع الوطني.

والأخطر أن هذا التآكل يحدث في اللحظة الأكثر خطورة منذ النكبة الأولى، حيث لم تعد الصهيونية اليمينية تخفي مشروعها القائم على الحسم النهائي للقضية الفلسطينية، عبر التهجير، والتطهير، وتحويل الوجود الفلسطيني نفسه إلى عبء قابل للإزالة. فما يطرحه اليمين الفاشي في إسرائيل اليوم ليس مجرد احتلال دائم، بل استكمال متدرج للنكبة، عبر دفع الفلسطينيين إلى اليأس، وكسر قدرتهم على البقاء، وتحويل غزة خصوصًا إلى منطقة غير قابلة للحياة.


ما أشبه اليوم بالبارحة!


فكما اختُزل الوطن يومًا في زعامات تقليدية عاجزة، يجري اليوم اختزال القضية في هياكل وقيادات فقد جزء كبير منها الصلة الحية بالناس وبالهدف الوطني الجامع وبالواقع نفسه، بل إن ضجيج الحديث عن "الشرعيات" و"المؤسسات" و"الممارسة الديمقراطية" بات، في كثير من الأحيان، مجرد غطاء لإعادة إنتاج الهيمنة ذاتها داخل بنية سياسية متآكلة. إذ تُستدعى الديمقراطية لا بوصفها أداة لتجديد الإرادة الشعبية، بل كآلية شكلية لترسيخ حكم الفرد والهيمنة والإقصاء، وإعادة توزيع الحصص داخل الحلقة المغلقة نفسها، بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية أو مراجعة وطنية جدية وشاملة.وفي الوقت الذي تتعرض فيه غزة لحرب وجودية مفتوحة، تبدو قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الفلسطينية غارقة في حسابات المواقع، والمحاصصة، وترتيبات الخلافة، والصراع على التمثيل، وكأن القضية الأساسية لم تعد كيف نوقف الكارثة وننقذ الناس والوطن؟ بل؛ من يملك حق التحدث باسمهم بعد الكارثة؟

هنا تكمن المعضلة الأخطر. إذ لم يعد الانقسام مجرد خلاف سياسي، بل تحول إلى نمط حكم وإدارة وهيمنة، يعيش على استدامة الأزمة بدل حلها. ولذلك تبدو بعض البنى السياسية وكأنها تستهلك التضحيات الفلسطينية سياسيًا وإعلاميًا وتنظيميًا، دون أن تقدم إجابة واضحة عن السؤال الجوهري: لماذا يضحي الناس؟ وما المشروع الوطني الذي تُدفع من أجله هذه الأثمان الهائلة؟

ولعل هذا الفراغ بالذات هو ما يفسر التآكل المتزايد في ثقة الناس بالبنية السياسية القائمة، وتعاظم الشعور بالعزلة والغضب وفقدان المعنى. فالشعوب تستطيع احتمال الألم، لكنها لا تستطيع احتمال العبث بتضحياتها أو تحويل دمائها إلى مادة للاستثمار السياسي أو الرمزي.

ومع ذلك، فإن ما يمنع الانهيار الكامل حتى الآن، ليس كفاءة النظام السياسي ولا حكمة النخب، بل بقاء الفلسطيني نفسه حيًا داخل قضيته، وصامدًا فوق أرضه. فالشعب الذي واجه النكبة، والمنافي، والحصار، والحروب المتكررة، ما زال يمتلك قدرة استثنائية على البقاء والتمسك بالوطن، حتى حين تتآكل المؤسسات التي يُفترض أن تجسد هذا المعنى وتحميه.

ولهذا، فإن أولوية اللحظة الراهنة لا ينبغي أن تكون إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام السياسي المتداعي، بل إنقاذ ما تبقى من المشروع الوطني نفسه. وأي حديث عن انتخابات، أو شرعيات، أو إعادة تشكيل للمؤسسات، يفقد معناه إذا لم يكن جزءًا من توافق وطني شامل يعيد تعريف الأولويات على أساس واضح وفي مقدمتها وقف الابادة والعدوان، وإنقاذ غزة، وحماية وحدة الشعب، وتجديد الشرعية الوطنية الجامعة، لا تكريس الهيمنة الفردية والإقصاء .

فالمطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تدوير السلطة، بل إعادة بناء فكرة القيادة الوطنية نفسها؛ قيادة تعتبر أن وظيفتها الأولى حماية الناس وتعزيز صمودهم وقدرتهم على البقاء، لا إدارة الانقسام أو التنافس على النفوذ. كما أن المطلوب ليس فقط تجديد المؤسسات، بل تأسيس بنية حكم شفافة وخاضعة للمساءلة، تستمد شرعيتها من خدمة الناس والدفاع عن حقوقهم الوطنية، لا من احتكار التمثيل أو امتلاك أدوات القوة.

وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة من مجرد مقارنة تاريخية؛ هل يعيد التاريخ نفسه فعلًا؟

أم أن المأساة، حين تعجز النخب عن التعلم منها، تتحول تدريجيًا إلى شكل من أشكال الكوميديا السوداء؛ حيث يستمر الناس في دفع أثمان وجودهم، بينما تنشغل البنى السياسية بإدارة خرائبها؟

وربما يكون التحدي الأعمق في هذه اللحظة التاريخية، ونحن نعيد استخلاص دروس النكبة هو: كيف يُعاد بناء الحركة الوطنية باعتبارها أداة لتحرير الإنسان الفلسطيني وصون بقائه، لا عبئًا يُعتاش على تضحياته؟ وكيف يُستعاد القرار الوطني الموحد ليعود فعلًا إلى الشعب الذي دفع، وما يزال يدفع، أغلى الأثمان دفاعًا عن حقه في البقاء والحياة والحرية والكرامة الوطنية؟


أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:17 صباحًا - بتوقيت القدس

6 أشهر صعبة… هل نملك خطة إنقاذ اقتصادي حقيقية؟



عندما قال رئيس الحكومة إننا مقبلون على "6 أشهر صعبة"، لم يكن يقول شيئاً جديداً، لكنه كان يقول الحقيقة بصراحة. والحقيقة اليوم أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه مجرد أزمة سيولة مؤقتة، بل معادلة معقدة تجمع بين أموال مقاصة متعثرة، ودين عام يقترب من 47 مليار شيكل، وارتفاع حاد في أسعار المحروقات، وتقلبات في أسعار الصرف، ورواتب حكومية تُدفع بنسب جزئية لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات. وفوق كل هذا، هناك سؤال يشغل المواطن أكثر من أي شيء آخر: هل لدينا خطة حقيقية لعبور هذه الأزمة؟

الواقع الاقتصادي الفلسطيني يكشف هشاشة تراكمت على مدار سنوات طويلة. فقد تشكل الاقتصاد حول دورة تعتمد بصورة كبيرة على المقاصة والإنفاق الحكومي والاستهلاك المحلي، دون بناء قاعدة إنتاجية قوية قادرة على امتصاص الصدمات السياسية والمالية المتكررة. وعندما تتعثر المقاصة، لا تتوقف الأزمة عند حدود وزارة المالية، بل تنتقل مباشرة إلى الأسواق، والبنوك، والقطاع الخاص، والأسر الفلسطينية التي باتت تعيش في حالة إدارة بقاء من شهر إلى آخر.

والخطر الحقيقي اليوم أن الضغوط لا تأتي من اتجاه واحد.
 فأسعار السولار تجاوزت 8 شواكل للتر في بعض الفترات، مدفوعة بالتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط عالميًا، فيما انعكس ارتفاع البنزين مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج وأسعار السلع الأساسية. وفي اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستيراد، فإن أي ارتفاع في الوقود يتحول تلقائيًا إلى موجة تضخم يشعر بها المواطن في كل تفاصيل حياته اليومية.

وفي الوقت ذاته، شهد الدولار والدينار تقلبات واضحة أمام الشيكل خلال الفترات الأخيرة،حيث تخطى حاجز 3 شواكل لل بينما بقيت أسعار السلع مرتفعة في السوق المحلي. وهذا يعني أن المواطن خسر جزءًا من قدرته الشرائية حتى في الفترات التي تحسن فيها الشيكل نسبيًا، نتيجة ما يعرف اقتصاديًا بـ”جمود الأسعار”، حيث ترتفع الأسعار سريعًا مع الأزمات لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عند تحسن بعض المؤشرات.

في الأسواق اليوم، لا تحتاج إلى تقارير اقتصادية معقدة لترى الأزمة.
 حركة الشراء أضعف، الطلب على السلع غير الأساسية تراجع، والمواطن بات يعيد ترتيب أولوياته وفق قاعدة واحدة: كيف أنهي الشهر بأقل الخسائر الممكنة؟

الموظف الحكومي يتقاضى أحيانًا بين 40% و50% من راتبه فقط. الأسرة تقترض لسد النقص، والتاجر يقلل من طلبياته، والبنك يراقب الديون المتأخرة وهي ترتفع تدريجيًا. لكن الأزمة لا تتعلق فقط بنحو 150 ألف موظف حكومي، بل تمتد إلى ملايين الفلسطينيين الذين تتأثر حياتهم مباشرة بأي تراجع في السيولة وحركة السوق.

ومع اقتراب المواسم والأعياد، يصبح المشهد أكثر حساسية. كثير من العائلات الفلسطينية لم تعد تسأل عن تحسين مستوى الحياة، بل عن القدرة على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والمواد الغذائية وتراجع القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة.

لكن هناك جزءًا من الأزمة أكثر خطورة من كل ما سبق.
 فالقلق اليوم لا يرتبط فقط باستمرار الاقتطاعات أو تأخير تحويل أموال المقاصة، بل أيضًا بتصاعد أحاديث سياسية حول إمكانية إعادة توجيه جزء من هذه الأموال أو ربطها بترتيبات إدارية وتمويلية جديدة مرتبطة بإعادة إعمار غزة أو بأجسام سياسية يجري الحديث عنها في المرحلة المقبلة.

وهنا تكمن المخاوف الاقتصادية الحقيقية.

فالمقاصة ليست مجرد بند مالي للحكومة، بل العمود الفقري للتدفقات النقدية في الاقتصاد الفلسطيني. وأي تغيير في آلية توزيعها أو توظيفها سياسيًا سيؤثر مباشرة على قدرة السلطة الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها في الضفة الغربية، وسيضاعف الضغوط على الرواتب، والبنوك، والقطاع الخاص، والاستقرار الاجتماعي بشكل عام.

إذاً، ما الحل؟

الحقيقة أن المرحلة الحالية تتطلب أكثر من مجرد إدارة شهرية للأزمة. نحن بحاجة إلى خطة إنقاذ اقتصادي وطنية واضحة، تشارك فيها الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية، وتقوم على الشفافية والواقعية وإعادة ترتيب الأولويات.

أولى خطوات هذه الخطة يجب أن تكون المصارحة الكاملة مع المواطنين، لأن الثقة عنصر أساسي في استقرار أي اقتصاد. كما أن إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل، عبر توجيه الموارد نحو القطاعات الأكثر ارتباطًا بصمود المجتمع، مثل الصحة، والتعليم، والأمن الغذائي، والطاقة، مع تقليص أي نفقات غير ضرورية.

وفي المقابل، لا يمكن الاستمرار في اقتصاد يعتمد على الاستهلاك والقروض والتحويلات فقط. المرحلة الحالية تتطلب تحفيز القطاعات الإنتاجية بصورة عاجلة، خاصة الزراعة، والصناعات الغذائية، والطاقة البديلة، والمشاريع الصغيرة القادرة على خلق فرص عمل وتحريك عجلة السوق محليًا.

كما أن الاقتصاد الرقمي لم يعد رفاهية أو خيارًا ثانويًا. ففي عالم يقوده الذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد، تستطيع فلسطين خلق فرص حقيقية للشباب في البرمجة والخدمات الرقمية والعمل الحر، بعيدًا عن القيود التقليدية المرتبطة بالحركة والمعابر.

أما ملف الدين العام، فقد أصبح يحتاج إلى معالجة أكثر جرأة وواقعية. فالوصول إلى قرابة 47 مليار شيكل يعني أن أي تأخير في الإصلاحات سيزيد كلفة المعالجة مستقبلًا. ولذلك، فإن إعادة هيكلة الالتزامات المالية وتخفيف كلفة الاقتراض أصبحت خطوات ضرورية وليست رفاهية اقتصادية.

ورغم كل هذه الضغوط، ما زال الفلسطيني يمتلك قدرة استثنائية على الصمود والتكيف. لكن الصمود وحده لا يكفي إلى الأبد. فالشعوب لا تستطيع بناء مستقبلها على إدارة الأزمات فقط، بل تحتاج إلى رؤية اقتصادية واضحة تعيد الثقة والأمل والإنتاج.

الأشهر الستة القادمة ستكون صعبة فعلًا، وربما تحمل ضغوطًا اقتصادية وسياسية أكبر مما نتوقع. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في ارتفاع أسعار النفط أو تقلبات الدولار أو أزمة المقاصة، بل في أن تدخل فلسطين مرحلة اقتصادية تُدار فيها الأزمات بمسكنات مؤقتة، بينما يتآكل تدريجيًا ما تبقى من قدرة الاقتصاد على الصمود والإنتاج والاستقرار.

فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى إدارة أزمة مالية، بل إلى مشروع إنقاذ اقتصادي وطني شامل، يجمع بين الشفافية والتخطيط، وبين إدارة الأزمة الحالية وبناء أساس اقتصادي أكثر قوة واستدامة للمستقبل.

فالاقتصادات لا تنهار فقط عندما تنفد الأموال… بل عندما تغيب الرؤية.


اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس

بتحسن ملحوظ في النتائج مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي .. الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك) تحقق 900 ألف دولار كصافي الربح العائد لمساهمي الشركة في الربع الأول 2026


أعلنت الشركة العربية الفلسطينية للاستثمار (أيبك) عن نتائجها أعمالها للربع الأول من العام 2026. وصرح السيد طارق العقاد، رئيس مجلس إدارة الشركة ورئيسها التنفيذي عن تحقيق أيبك لمجمل ايرادات بقيمة 324.7 مليون دولار، بنمو نسبته %11 مقارنة مع نفس الفترة من العام 2025، وبلغت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاكات والإطفاءات 16.9 مليون دولار بنمو نسبته %38.7، وارتفع الربح من العمليات بنسبة %41 وبلغ 14.1 مليون دولار، فيما بلغت صافي الربح العائد لمساهمي الشركة 900 ألف دولار أمريكي في الربع الاول من العام 2026، مقارنة مع صافي خسائر بقيمة 320 ألف دولار لنفس الفترة من العام 2025.


وبلغت إجمالي الموجودات 1,028.2 مليون دولار بنمو نسبته %2.7 عن نهاية العام 2025، وبلغت اجمالي المطلوبات 761.3 مليون دولار بارتفاع نسبته %3.8. فيما بلغت حقوق ملكية مساهمي أيبك 229 مليون دولار محافظة على استقرار نسبي مع انخفاض طفيف بنسبة 0.1% مقارنة بنهاية عام 2025.


وعبر العقاد عن ارتياحه للتحسن الملحوظ في نتائج الربع الأول من العام الجاري مقارنة مع نفس الفترة من العام الماضي على الرغم من استمرار التحديات المحلية والاقليمية التي تواجهها شركات المجموعة، وأهمها التباطؤ الاقتصادي العميق بسبب حجز الاحتلال لأموال السلطة ومــا نتــج عنــه مــن عجــز الحكومــة الفلســطينية عــن دفــع كامل رواتــب موظفيهـا أو الوفـاء بالتزاماتهـا الماليـة للقطـاع الخـاص، مما أثر بشكل كبير على أداء الشركات التابعة،  حيث وصلت قيمة المديونية المتأخرة على السلطة الفلسطينية لشركات المجموعة بشكل مباشر وغير مباشر لمستويات غير مسبوقة وبلغت حوالي 158 مليون دولار وبمتوسط تكلفة تمويل سنوية بحوالي 7.5 مليون دولار. بالإضافة الى التحديات الخارجية المستمرة في تركيا نتيجة تطبيق المعيار المحاسبي الدولي رقم 29 مما كبّد الشركة خسائر غير نقدية تُقدّر بحوالي 2.5 مليون دولار أمريكي خلال الربع الأول من العام 2026.


وأيبك هي شركة استثمارية مساهمة عامة مدرجة في بورصة فلسطين (PEX:APIC). تتنوع استثماراتها في قطاعات التصنيع والتجارة والتوزيع والخدمات في فلسطين، والأردن، والسعودية، والإمارات والعراق وتركيا من خلال مجموعة شركاتها تابعة وهي: شركة سنيورة للصناعات الغذائية، شركة يونيبال للتجارة العامة، الشركة الفلسطينية للسيارات، شركة التوريدات والخدمات الطبية، الشركة الوطنية لصناعة الألمنيوم والبروفيلات (نابكو)، شركة ريما للورق الصحي، شركة سكاي للدعاية والإعلان والترويج، الشركة العربية للتأجير التمويلي، الشركة الفلسطينية للتخزين والتبريد. وتسعى الشركة الى تحقيق التنويع الاستثماري والجغرافي خارج فلسطين وعلى مستوى الأسواق الإقليمية والعالمية من خلال ذراعها الاستثماري  أيبك كابيتال التي تدير محفظة استثمارية تجمع بين حصص مباشرة في شركات خاصة وشركات مساهمة عامة مدرجة، الى جانب استثمارات في نخبة من صناديق الأسهم الخاصة وصناديق رأس المال الاستثماري الرائدة. وتوظف أيبك ما يزيد عن 3,400 كادر في شركات المجموعة. للمزيد من المعلومات: https://apic.ps/



اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد توقف دام 80 يوماً.. إيران تستأنف تداولات سوق الأسهم تحت رقابة مشددة

أفادت مصادر رسمية إيرانية، اليوم الثلاثاء، بصدور قرار يقضي بإعادة تشغيل سوق الأسهم وتفعيل منصات التداول بعد فترة انقطاع ناهزت الثمانين يوماً. وجاءت هذه الخطوة عقب سلسلة من الاضطرابات المالية التي عصفت بالبلاد نتيجة تصاعد حدة التوترات العسكرية في المنطقة، مما دفع الهيئات التنظيمية للتدخل المباشر.

وبدأت الهيئة المشرفة على سوق الأوراق المالية في طهران بتنفيذ خطة تشغيل تدريجية انطلقت مع الجلسة الصباحية، وسط تدابير رقابية وصفت بالصارمة. وتهدف هذه الإجراءات إلى كبح جماح أي تقلبات سعرية حادة قد تضر بالمؤسسات المالية الكبرى أو تتبخر معها مدخرات صغار المستثمرين الذين واجهوا ضغوطاً قاسية خلال الأشهر الماضية.

وكانت هيئة الأوراق المالية والبورصات قد اتخذت قراراً استثنائياً بتجميد العمليات المالية في بورصة العاصمة، في محاولة استباقية للحد من الانهيارات المتوقعة. وأرجعت السلطات ذلك القرار إلى حالة عدم اليقين التي سادت أسواق الطاقة والنقل والمال في عموم الإقليم، مما جعل من استمرار التداول مخاطرة غير محسوبة العواقب.

من جانبه، أكد حميد ياري، نائب المشرف على منظمة البورصة أن قرار التعليق الذي اتخذ منذ اندلاع المواجهات كان ضرورياً لتوفير بيئة تسعير عادلة وشفافة بعيداً عن قرارات البيع الناتجة عن الهلع. وأشار ياري إلى أن المرحلة الحالية ستشهد عودة النشاط بشكل كامل وشامل لكافة القطاعات المدرجة ضمن سوق رأس المال الإيراني.

وتأتي هذه العودة في وقت لا تزال فيه الأجواء الإقليمية مشحونة بالتوترات والمواجهات المتبادلة، والتي تركت أثراً عميقاً على قيمة العملة المحلية والمؤشرات الاقتصادية الداخلية. وتسعى الحكومة الإيرانية من خلال استئناف العمل في البورصة إلى إرسال رسائل استقرار للداخل والخارج، رغم استمرار الرقابة الحكومية اللصيقة على كافة التحركات المالية.

اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الطاقة تلاحق إدارة ترامب: خيار وحيد لخفض أسعار الوقود وتوقعات بوصول البرميل لـ 150 دولاراً

تواجه الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب تحديات اقتصادية وسياسية متفاقمة، حيث تحولت أزمة الطاقة إلى كابوس مالي يهدد استقرار الأسواق المحلية. ومع عودة معدلات التضخم للارتفاع وتراجع الأجور الحقيقية، بدأ الناخبون الأمريكيون في تحميل البيت الأبيض مسؤولية القفزات المتتالية في أسعار المحروقات.

أفادت مصادر إعلامية بأن سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة لامس عتبة 4.50 دولار، وهو ما يضع ترامب أمام اختبار حاسم لمنع الأسعار من تجاوز الأرقام القياسية التي سُجلت في عهد سلفه جو بايدن. وتشير التحليلات إلى أن الإدارة استنفدت العديد من أوراقها التقليدية للسيطرة على هذا الارتفاع الجنوني.

اتخذت واشنطن بالفعل سلسلة من الإجراءات الطارئة، شملت استنزاف المخزون الاستراتيجي للنفط بوتيرة غير مسبوقة، ورفع القيود المفروضة على عمليات الشحن البحري. كما لجأت الإدارة إلى تخفيف بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على دول مثل روسيا وفنزويلا في محاولة لزيادة المعروض العالمي.

رغم هذه التحركات، يرى خبراء اقتصاد أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لخفض الأسعار بشكل ملموس تتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز. ويُعد هذا الممر المائي شرياناً حيوياً للإمدادات العالمية، حيث يؤدي إغلاقه إلى اختناقات حادة ترفع التكاليف على المستهلك النهائي في أمريكا.

توقعت جان ستيوارت، خبيرة استراتيجيات الطاقة في شركة 'بايبر ساندلر' أن تتفاقم الأزمة خلال فصلي الربيع والصيف المقبلين. وأشارت إلى أن سعر غالون البنزين قد يصل إلى 5 دولارات قريباً، مؤكدة أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تملك خيارات واسعة للمناورة في ظل الظروف الراهنة.

في سياق متصل، تشير التوقعات إلى أن متوسط أسعار خام برنت قد يبلغ 130 دولاراً للبرميل خلال الربع القادم من العام. ومن المرجح أن تظل الأسعار قريبة من حاجز 100 دولار طوال العام المقبل، مما يعزز المخاوف من ركود تضخمي طويل الأمد يؤثر على القوة الشرائية.

من جانبه، دافع البيت الأبيض عن سياساته، مشيراً إلى منح إعفاءات مؤقتة من 'قانون جونز' للسماح للسفن الأجنبية بنقل البضائع بين الموانئ الأمريكية. وصرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، تايلور روجرز، بأن الرئيس ترامب يرى هذه الاضطرابات كمرحلة عابرة ستنتهي بعودة الملاحة الطبيعية.

على صعيد آخر، يدور جدل واسع حول مقترح تعليق الضريبة الفيدرالية على الوقود البالغة 18.4 سنتاً للغالون كحل لتخفيف العبء عن المواطنين. إلا أن تحليلات مالية من مركز 'بن وارتون' حذرت من أن هذه الخطوة ستكلف خزينة الدولة مليارات الدولارات دون تقديم وفورات حقيقية للمستهلك.

أوضح التقرير أن تعبئة خزان وقود بسعة متوسطة لن توفر للمواطن سوى مبالغ زهيدة لا تتجاوز 35 دولاراً على مدار أربعة أشهر. وفي المقابل، سيؤدي هذا الإجراء إلى خسارة صندوق الطرق السريعة لنحو 11.5 مليار دولار، مما يضعف القدرة على صيانة البنية التحتية.

يرى جيسون بوردوف، مدير مركز سياسات الطاقة بجامعة كولومبيا أن خفض الضرائب قد يؤدي لنتائج عكسية عبر زيادة الطلب في سوق يعاني أصلاً من نقص الإمدادات. وحذر من أن أي زيادة في الاستهلاك في هذا التوقيت ستؤدي حتماً إلى موجة غلاء جديدة في أسعار النفط الخام.

بالنسبة للإنتاج المحلي، لم ينجح شعار 'احفر يا عزيزي احفر' الذي رفعه ترامب في تحقيق قفزات نوعية في معدلات استخراج النفط الأمريكي. ووفقاً لبيانات إدارة معلومات الطاقة، استقر الإنتاج عند 13.7 مليون برميل يومياً، وهو رقم لم يتغير كثيراً منذ نهاية العام الماضي.

تشير التقديرات الرسمية إلى أن إنتاج النفط الخام الأمريكي سيظل مستقراً عند مستوياته الحالية طوال العام الجاري مع زيادات طفيفة فقط في العام المقبل. ويعزو المحللون ذلك إلى حذر شركات الطاقة من التوسع في الاستثمارات الرأسمالية رغم تجاوز سعر البرميل حاجز الـ 100 دولار.

تطرق التحليل أيضاً إلى تراجع الدور التقليدي للسعودية في موازنة الأسواق، حيث كان المسؤولون الأمريكيون يعتمدون سابقاً على الرياض لزيادة الضخ. وأوضح بوب ماكنالي، المستشار السابق للطاقة أن هذا الخيار أصبح معقداً للغاية بسبب تعطل الصادرات السعودية نتيجة التوترات في مضيق هرمز.

ختاماً، تلوح في الأفق بوادر مواجهة متجددة مع إيران، حيث تشير التقديرات إلى ضآلة فرص الحل الدبلوماسي لفتح المضيق. وحذر ماكنالي من أن استمرار الانسداد قد يدفع أسعار خام برنت للوصول إلى 150 دولاراً، وهو مستوى يقترب من القمة التاريخية المسجلة في عام 2008.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

عمدة نيويورك زهران ممداني يتحدى إرث ريغان: 'عملت طوال اليوم ولا أستطيع إطعام عائلتي' هي الكلمات الأكثر رعباً

قدم عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، رؤية سياسية واقتصادية مغايرة للإرث الرأسمالي التقليدي، رداً على المقولة الشهيرة للرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان حول دور الحكومة. وخلال فعالية رسمية، استذكر ممداني تصريح ريغان الصادر عام 1986، والذي اعتبر فيه أن أكثر الكلمات إثارة للرعب هي 'أنا من الحكومة وأنا هنا لمساعدتك'، ليعلن العمدة معارضته الصريحة لهذا النهج الذي يقلص دور الدولة في حياة المواطنين.

واعتبر ممداني أن الرعب الحقيقي لا يكمن في تدخل الحكومة، بل في عجز الكادحين عن تأمين لقمة العيش رغم العمل الشاق، صياغاً مقولة بديلة تتألف من تسع كلمات: 'عملت طوال اليوم ولا أستطيع إطعام عائلتي'. وأكد العمدة أن إدارته ستسخر قوة القانون وموارد المدينة لخفض الأسعار المرتفعة، وضمان وصول سكان نيويورك إلى الغذاء بكرامة وسهولة، مشدداً على أن هذا هو الواجب الأساسي للسلطة المحلية.

وأوضح العمدة في حديثه أن الحكومة عندما تدرك أن هدفها الأسمى هو خدمة الطبقة العاملة التي تعرضت للتهميش طويلاً، فإنها تصبح قادرة على إحداث تغيير جذري وملموس. وأشار إلى أن التحديات الإلحاحية التي تواجه نيويورك اليوم تتطلب تدخلاً مباشراً، مؤكداً أن الأمر لا يتوقف عند قدرة الحكومة على المساعدة، بل يتعداه إلى كون المساعدة واجباً أخلاقياً وسياسياً ستلتزم به إدارته بشكل كامل.

وفي سياق الخطوات العملية، كشف ممداني عن خطة المدينة لافتتاح متجر بقالة ضخم تديره السلطات المحلية بمساحة تصل إلى 20 ألف قدم مربع في حي برونكس. ومن المقرر أن يقع هذا المتجر ضمن مشروع 'Peninsula' التنموي، حيث تستهدف الإدارة تدشينه رسمياً قبل نهاية العام المقبل، ليكون ركيزة أساسية في توفير السلع الغذائية بأسعار مدعومة ومنافسة للسوق التقليدي.

ويعد هذا المتجر هو الموقع الثاني الذي تعلن عنه المدينة ضمن سلسلة المتاجر الحكومية، بعد الكشف سابقاً عن مشروع مماثل في منطقة إيست هارلم من المتوقع أن يفتح أبوابه في عام 2029. وتهدف هذه المبادرة إلى كسر احتكار السلاسل الكبرى وتوفير بدائل حقيقية لسكان المناطق التي تعاني من نقص في الخيارات الغذائية الصحية والأسعار المعقولة، مما يعزز الأمن الغذائي في الأحياء الفقيرة.

وشدد ممداني على أن ضمان قدرة كل مواطن في نيويورك على شراء طعام طازج وبأسعار معقولة داخل حيه السكني هو جزء لا يتجزأ من خطة أوسع لتحسين القدرة على تحمل تكاليف المعيشة. وأعرب عن فخره ببدء هذا المشروع من جنوب برونكس، مؤكداً التزام إدارته بافتتاح متجر بقالة حكومي في كل حي من أحياء المدينة الخمسة قبل انقضاء ولايته الأولى كعمدة للمدينة.

تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المدن الأمريكية الكبرى ضغوطاً تضخمية أثرت بشكل مباشر على القوة الشرائية للعائلات، مما دفع بعض المسؤولين المحليين لتبني سياسات أكثر تقدمية. وبحسب مصادر مطلعة، فإن تجربة نيويورك في إدارة متاجر التجزئة ستكون تحت المجهر، لتقييم مدى نجاح القطاع العام في سد الفجوات التي خلفها القطاع الخاص في تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

ازدواجية المعايير الإسرائيلية: غضب من تعنيف 'كلبة' وصمت مطبق تجاه إبادة الفلسطينيين

رصد مراقبون ومحللون حالة من التناقض الصارخ داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي ضجت منصاته مؤخراً بموجة غضب عارمة إثر توثيق اعتداء مستوطن على كلبة في قرية فلسطينية. وفي المقابل، يسود صمت مطبق وتجاهل تام تجاه الجرائم الممنهجة وعمليات القتل الجماعي التي يرتكبها جيش الاحتلال والمستوطنون بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وحذر الكاتب الصحافي بن درور يميني، في مقال نشرته صحيفة 'يديعوت أحرونوت'، من تداعيات ما وصفه بـ'الإرهاب اليهودي' الذي يغذي كراهية إسرائيل عالمياً. وأشار يميني إلى أن الاستمرار في هذا النهج القائم على المصالح الضيقة بعيداً عن الأخلاق سيؤدي حتماً إلى عزلة دولية شاملة ومقاطعة لا تستثني أحداً.

من جانبه، انتقد المحلل السياسي ناحوم بارنياع السقوط الأخلاقي المتمثل في عمليات السلب والنهب والقتل التي تجري في الضفة الغربية تحت غطاء حكومي. واتهم بارنياع الحكومة بتقديم دعم مباشر لهذه الانتهاكات، كما انتقد صمت المعارضة التي تفضل الحسابات الانتخابية على اتخاذ موقف إنساني واضح.

وفي سياق متصل، وصفت الناشطة الفلسطينية حنين مجادلة شفقة الإسرائيليين على الكلبة 'لوسي' بأنها كشفت حدود الضمير الإسرائيلي المشوه. وأكدت مجادلة أن المجتمع الذي ينتفض لأجل حيوان هو نفسه الذي يشيطن الفلسطينيين منذ عقود ويعاملهم كأرقام بلا قيمة، متجاهلاً آلاف الأطفال الذين استشهدوا في غزة.

وتشير التقارير إلى أن هذا العنف الموجه ضد الفلسطينيين بدأ يرتد إلى داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث تفاقمت عدوى العدوانية بين الشباب. وتؤكد مصادر مطلعة أن تجاهل 'الإرهاب اليهودي' في الأرياف الفلسطينية ساهم في خلق مناخ من الفوضى وعدم احترام القانون داخل المدن الإسرائيلية.

وعقدت لجان برلمانية في الكنيست جلسات طارئة لمناقشة تصاعد حوادث القتل والعنف بين الفتية الإسرائيليين، واصفة الوضع بأنه 'أزمة وطنية'. ومع ذلك، تجنبت هذه اللجان الإشارة إلى الحرب المتواصلة أو ثقافة الاحتلال كأسباب جوهرية لهذا التدهور السلوكي الحاد.

وكشفت بيانات مركز الأبحاث في الكنيست عن ارتفاع حاد في القضايا الجنائية المفتوحة ضد المراهقين خلال العام الماضي، حيث بلغت أكثر من 6200 قضية. وأوضحت الأرقام أن نحو 20% من هذه المخالفات تتعلق بعنف جسدي مباشر، مما يعكس حالة من التفكك القيمي داخل جيل الشباب.

ودعت رئيسة اللجنة الخاصة لحقوق الطفل إلى تشديد العقوبات على القاصرين المتورطين في جرائم القتل، مطالبة بخطة حكومية شاملة لمواجهة هذه الظاهرة. ورغم هذه المطالبات، لا تزال وزارة المالية تماطل في تخصيص الميزانيات اللازمة لتنفيذ برامج الوقاية والتدخل النفسي المبكر.

وانتقد تقرير صادر عن مركز 'مدار' الفلسطيني للشؤون الإسرائيلية غياب أي ذكر لتأثير المناخ السياسي العنيف على سلوك الشباب خلال المداولات البرلمانية. وأشار التقرير إلى أن المؤسسات الإسرائيلية تتعامل مع النتائج فقط دون الجرأة على تشخيص الأسباب المرتبطة بالاحتلال والتحريض العنصري.

وفي إطار تشخيص الأزمة، اعتبرت وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية أن المدرسة لا تعمل بمعزل عن الواقع المحيط المشبع بالعنف. وأكدت نائبة المدير العام للوزارة أن المسؤولية مشتركة بين الأهل والمجتمع والفضاء الرقمي الذي بات يشكل وعي الأطفال بعيداً عن القيم الإنسانية.

ويرى مختصون نفسيون أن السياسة الإسرائيلية تركز فقط على تطبيق القانون بعد وقوع الجريمة، بينما يغيب التدخل الوقائي بشكل شبه كامل. ويعاني القطاع العام من نقص حاد في المختصين النفسيين، مما يؤدي إلى وصول العديد من الشباب لحالات حرجة من التطرف دون علاج.

ونقلت مصادر عن أحد مديري المدارس قوله إن تجربة الحروب السابقة أثبتت أن التطرف السياسي يظهر بوضوح حتى لدى طلاب المدارس الابتدائية. وأضاف أن الأطفال باتوا يرددون عبارات تمنّي الموت لجميع العرب في غزة، وهي ظاهرة لم تكن بهذا الوضوح قبل التصعيد العسكري الأخير.

واتهمت عضو الكنيست نعاما لزيمي الائتلاف الحاكم بنزع الشرعية عن مؤسسات الدولة وتمجيد المجرمين، مما خلق جيلاً يعتقد أنه فوق القانون. وقالت لزيمي إن التفكك الاجتماعي الحالي ليس مجرد خطأ عابر، بل هو سياسة ممنهجة تتبعها الحكومة لإنتاج فوضى مخطط لها.

وخلص مراقبون إلى أن نبوءة المفكر يشعياهو لايفوفيتش بدأت تتحقق، حيث أن العنف الممارس ضد الفلسطينيين لم يبقَ محصوراً خلف الجدار. إن ارتدادات الاحتلال باتت تضرب عمق المجتمع الإسرائيلي، محولةً ثقافة القتل والتحريض إلى سكين تهدد النسيج الداخلي لمنظومة الاحتلال نفسها.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل على بُعد انتخابات واحدة من السلام


لأول مرة منذ سنوات طويلة، أعتقد أن السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين قد يكون أقرب بكثير مما يتخيّله معظم الناس. ليس لأن حماس تغيّرت، ولا لأن الاحتلال انتهى، بل لأن المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط قد تغيّر بصورة جذرية.

قد تكون إسرائيل على بُعد انتخابات واحدة فقط من السلام.

بعد السابع من أكتوبر، وبعد قضية الرهائن، والحرب في غزة، والتوسع الاستيطاني الهائل والتطهير العرقي الجاري في الضفة الغربية، يبدو هذا الكلام بالنسبة لكثير من الإسرائيليين والفلسطينيين ضرباً من الخيال. فمعظم الإسرائيليين لم يعودوا يؤمنون بأن الفلسطينيين شركاء حقيقيون للسلام، ومعظم الفلسطينيين لم يعودوا يعتقدون أن إسرائيل تنوي إنهاء الاحتلال أو السماح بقيام استقلال فلسطيني حقيقي. ومع ذلك، فخلف الصدمة واليأس، أصبحت أسس التسوية السياسية الإقليمية أكثر نضجاً اليوم مما كانت عليه في أي وقت منذ سنوات أوسلو.

إن معالم السلام معروفة منذ زمن طويل: دولتان على أساس حدود عام 1967 مع تبادل متفق عليه للأراضي، وترتيبات أمنية تضمن أمن إسرائيل وسيادة فلسطين، والقدس عاصمة للدولتين، وضمانات إقليمية. نحن لا نعاني من نقص في المعرفة الدبلوماسية، بل من نقص في الشجاعة السياسية.

إن شرق أوسط عام 2026 ليس هو شرق أوسط الماضي. فالسعودية ودول الخليج ومصر والأردن ولبنان وسوريا والمغرب، جميعها تمتلك مصالح استراتيجية في التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتعاون الأمني. وهناك إدراك متزايد بأن إعادة إعمار غزة وتحقيق الاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا من دون أفق سياسي للفلسطينيين.

القوة العسكرية وحدها لا تستطيع حل هذا الصراع. تستطيع إسرائيل تدمير البنية العسكرية لحماس واحتلال غزة بالكامل، لكنها لا تستطيع تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية وتطلعات شعب بأكمله إلى الحرية، تماماً كما لم يستطع الفلسطينيون تدمير إسرائيل عبر الإرهاب والعنف. وكل حرب جديدة تنتهي بالأسئلة السياسية نفسها من دون حل.

ولهذا السبب تحديداً، فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تحمل أهمية استثنائية.

في ظل حكومة إسرائيلية مختلفة، قد تصبح أمور تبدو اليوم مستحيلة ممكنة سياسياً بصورة مفاجئة: مبادرة إقليمية جدية بمشاركة السعودية، دعم دولي لإعادة إعمار غزة، استئناف المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، ووصول تدريجي إلى تطبيع كامل بين إسرائيل والعالم العربي بأسره.

وفي قلب هذه الإمكانية يقف الرئيس دونالد ترامب.

قد يجد كثير من القراء هذا الكلام مفاجئاً صادراً عن شخص أمضى عقوداً يدافع عن حل الدولتين عبر التفاوض. لكن ترامب قد يكون في موقع فريد لتحقيق ما عجز عنه الرؤساء الأمريكيون السابقون.

فكل رئيس أمريكي منذ جيمي كارتر تعامل مع السلام الفلسطيني الإسرائيلي باعتباره عملية دبلوماسية. أما ترامب فيتعامل معه باعتباره صفقة استراتيجية إقليمية. وعلى خلاف الرؤساء السابقين، يمتلك ترامب مصداقية لدى اليمين الإسرائيلي، ولا يستطيع أي رئيس وزراء إسرائيلي تصويره على أنه معادٍ لإسرائيل أو ضعيف في قضايا الأمن.

كما يدرك ترامب أن هذا الصراع لا يمكن حله بمعزل عن الشرق الأوسط الأوسع. فالسعودية ودول الخليج الأخرى ومصر والأردن والمغرب ليست مجرد أطراف مراقبة، بل شركاء أساسيون في إعادة الإعمار، والترتيبات الأمنية الإقليمية، ودمج إسرائيل في إطار إقليمي أوسع.

هذا ليس إحياءً لاتفاق أوسلو.

لقد حاول أوسلو بناء السلام عبر خلق الثقة تدريجياً بين الإسرائيليين والفلسطينيين وحدهم. لكن أوسلو لم يفشل لأن السلام كان مستحيلاً، بل لأن خصومه على الجانبين عملوا بصورة منهجية على إفشاله.

فعلى الجانب الفلسطيني، نفذت حماس وجماعات رافضة أخرى عمليات تفجير انتحارية هدفت تحديداً إلى تدمير الدعم الإسرائيلي لعملية السلام. وعلى الجانب الإسرائيلي، عمل بنيامين نتنياهو ومعظم اليمين الإسرائيلي باستمرار على إضعاف أوسلو منذ أيامه الأولى. فقد بنى نتنياهو جزءاً كبيراً من مسيرته السياسية على معارضة الاتفاقات وإقناع الإسرائيليين بأن أي تسوية إقليمية ستجلب الإرهاب والخطر.

وبعد اغتيال إسحق رابين، أصبح إرهاب حماس ومعارضة اليمين الإسرائيلي يغذي كل منهما الآخر. فكل عملية تفجير نفذتها حماس كانت تقوي اليمين الإسرائيلي سياسياً، وكل توسع استيطاني كان يقوي الرافضين الفلسطينيين. وهكذا أصبح المتطرفون على الجانبين شركاء في تدمير الثقة.

والمأساة أن أوسلو أثبت فعلياً أن الإسرائيليين والفلسطينيين قادرون على التفاوض المباشر والاعتراف المتبادل والتنسيق الأمني وبناء أسس للتعايش. وما كان ينقص أوسلو لم يكن الإمكانية، بل القيادة القادرة على حماية العملية من أعدائها.

أما ما قد ينشأ اليوم فهو، إلى حد كبير، عكس أوسلو: إطار إقليمي من الأعلى إلى الأسفل، تدفعه المصالح الاستراتيجية المشتركة بين الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل والفلسطينيين البراغماتيين. وفي هذا الإطار يصبح التطبيع مع السعودية، وإعادة إعمار غزة، والضمانات الأمنية، وقيام الدولة الفلسطينية، أجزاء مترابطة من اتفاق أكبر.

لكن شيئاً من هذا لن يحدث ما لم يبدأ السياسيون الإسرائيليون في إعداد الرأي العام الإسرائيلي للسلام خلال الحملة الانتخابية المقبلة.

لقد هيمن على السياسة الإسرائيلية لسنوات طويلة خطاب الخوف، والوهم بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على ضمان المستقبل. وتنافس السياسيون على من يبدو أكثر تشدداً، وعلى من يستطيع إقناع الإسرائيليين بأنه “لا يوجد شريك”، وبالتالي لا يوجد بديل عن الصراع الدائم.

على القيادة المسؤولة أن تبدأ بقول الحقيقة للإسرائيليين: لا تستطيع إسرائيل أن تبقى إلى الأبد دولة ديمقراطية ويهودية وآمنة ومزدهرة، بينما تواصل السيطرة الدائمة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم الوطنية.

وفي المقابل، تقع على القيادات الفلسطينية مسؤولية تاريخية مماثلة.

فعلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة أن يثبتوا بوضوح للرأي العام الإسرائيلي أنهم مستعدون لإنهاء الكفاح المسلح والسعي نحو تسوية سياسية دائمة مع إسرائيل. ويحتاج الإسرائيليون إلى سماع قادة فلسطينيين يقولون بوضوح إنه لن تكون هناك ميليشيات مسلحة دائمة إلى جانب الدولة الفلسطينية، ولا دعوات مستمرة لتدمير إسرائيل، ولا تمجيد للإرهاب.

وهذا مهم بشكل خاص بعد السابع من أكتوبر. فلا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تتحرك نحو السلام ما لم يقتنع الإسرائيليون بأن الفلسطينيين أيضاً مستعدون للانتقال نحو التعايش.

كما أن للعالم العربي دوراً أساسياً لم يسبق له مثيل في أي مرحلة سابقة.

فعلى مدى عقود، جرى تعليم الإسرائيليين أن السلام مع الفلسطينيين لن يجلب سوى انعدام الأمن والعزلة. أما اليوم، فبإمكان الدول العربية أن تثبت العكس: أن حل الصراع يمكن أن يفتح الباب أمام اندماج إسرائيل الكامل في الشرق الأوسط.

وتلعب السعودية الدور المركزي في هذا التحول.

فإذا التزمت السعودية علناً بالتطبيع مع إسرائيل ضمن إطار عملية سياسية جدية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية، فسيفهم معظم الإسرائيليين فوراً أن السلام لم يعد مجرد إنهاء للصراع مع الفلسطينيين، بل تحول إسرائيل إلى شريك شرعي ومرحب به في العالمين العربي والإسلامي.

تخيلوا إسرائيل مندمجة اقتصادياً ودبلوماسياً مع السعودية ودول الخليج ومصر والأردن وسوريا ولبنان والمغرب. تخيلوا مشاريع بنية تحتية إقليمية، وشراكات في الطاقة، وسياحة، وتعاوناً تكنولوجياً، وترتيبات أمنية مشتركة ضد التطرف وإيران.

إن الدول العربية تستطيع أن تساعد الإسرائيليين على فهم أن السلام ليس تنازلاً يقود إلى الضعف، بل بوابة نحو الشرعية الإقليمية والازدهار والأمن والتطبيع على نطاق لم تعرفه إسرائيل من قبل.

لا شيء من هذا يضمن النجاح. فما زالت حماس موجودة، وما زال المتطرفون الإسرائيليون يرفضون الدولة الفلسطينية، وما زالت السياسة الفلسطينية منقسمة. لكن رغم كل شيء، لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولم يوجد يوماً.

هناك مستقبل واحد فقط في هذه الأرض: دولتان تعيشان في تعاون وتنسيق أمني وشراكة اقتصادية واعتراف متبادل — أو حرب لا تنتهي.

لقد عرف الإسرائيليون والفلسطينيون منذ زمن طويل ملامح السلام. والسؤال الحقيقي هو: هل سينتخب الإسرائيليون قادة مستعدين للسير نحوه؟ وهل سيُعِدّ القادة الفلسطينيون شعبهم للتعايش؟ وهل سيساعد العالم العربي والولايات المتحدة في جعل هذا المستقبل ممكناً سياسياً؟

قد لا تكون المسافة بين الحرب والسلام في الشرق الأوسط تُقاس بالسنوات، بل بانتخابات واحدة فقط.


عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

صحفي بريطاني: يهود المملكة المتحدة يبحثون 'خطة رحيل' وسط تصاعد التوترات

أفاد الصحفي والمذيع البريطاني جوناثان ساساردوتي بأن الجالية اليهودية في المملكة المتحدة تمر بمرحلة مفصلية من القلق الوجودي. وأوضح في تصريحات صحفية أن النقاشات الداخلية لم تعد تقتصر على تقييم الأوضاع، بل انتقلت إلى مرحلة التخطيط العملي للهجرة والبحث عن وجهات بديلة توفر الأمان.

ورسم ساساردوتي صورة قاتمة للواقع الحالي، مشيراً إلى أن الشعور بعدم الاستقرار بات يهيمن على قطاعات واسعة من اليهود البريطانيين. واعتبر أن تصاعد ما وصفه بمظاهر العداء قد دفع الكثيرين لإعادة النظر في مستقبلهم داخل البلاد بشكل جدي وغير مسبوق.

وانتقد الصحفي بشدة الطريقة التي يتم بها تناول قضايا الجالية في الفضاء العام، مؤكداً أن أي حديث عن الاعتداءات التي يتعرضون لها يتم تحويله فوراً نحو الصراع في غزة. ويرى ساساردوتي أن هذا الربط المتعمد يضع الأفراد في موقف دفاعي دائم عن سياسات إسرائيل قبل السماح لهم بالتعبير عن مخاوفهم الشخصية.

وتطرق في حديثه إلى كواليس مشاركته في برامج تلفزيونية بريطانية، حيث وصف الأجواء بالعدائية والمشحونة. وزعم أنه تعرض لمقاطعات مستمرة واتهامات مباشرة بالمسؤولية عن أحداث غزة، وهو ما اعتبره خروجاً عن سياق النقاش المفترض حول أمن المواطنين البريطانيين.

وأشار ساساردوتي إلى حادثة الطعن التي وقعت في حي غولدرز غرين شمال لندن كدليل على تدهور الوضع الأمني الميداني. وأوضح أن استهداف أفراد من الجالية في وضح النهار يعزز القناعة لدى الكثيرين بأن إجراءات الحماية الحالية لم تعد كافية لردع الهجمات.

كما لفت إلى وقوع سلسلة من الحوادث التخريبية التي استهدفت مؤسسات حيوية، بما في ذلك محاولات إضرام النيران في مراكز مجتمعية. وذكر أن سيارات إسعاف تابعة لمنظمات إغاثية يهودية تعرضت هي الأخرى للاعتداء، مما أثار موجة من الذعر في صفوف العاملين والمتطوعين.

ووجه ساساردوتي انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام البريطانية، واصفاً أداء بعضها بالمنحاز والمضلل في تغطية أحداث الشرق الأوسط وتداعياتها المحلية. واعتبر أن طريقة عرض الأخبار تساهم في تأجيج المشاعر العامة ضد الجالية اليهودية من خلال تبني روايات غير دقيقة حسب وصفه.

وخص بالذكر هيئة الإذاعة البريطانية، معتبراً إياها من أكثر المصادر التي تفتقر للموضوعية عند التعامل مع الملف الإسرائيلي. وادعى أن التغطية الإعلامية تتجاهل في كثير من الأحيان سياقات هامة، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الذهنية لدى المشاهد العالمي والمحلي على حد سواء.

واستشهد بمواقف إعلامية أثارت جدلاً واسعاً، مثل المواجهة التي حدثت مع المعلقة مارينا فوركيس بشأن الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة. وأوضح أن التركيز على لقطات معينة وحصدها ملايين المشاهدات يعكس رغبة في الإثارة على حساب النقاش الجاد حول أمن الأقليات.

ويرى الصحفي أن المشكلة تكمن أيضاً في استضافة معلقين يفتقرون للخلفية المعرفية العميقة بالصراع، مما يحول المنصات الإعلامية إلى ساحات للمزايدة. وأكد أن هذا النهج يساهم في تغييب الحقائق واستبدالها بآراء عاطفية تزيد من حدة الانقسام المجتمعي.

وفيما يتعلق بمستقبل الجالية، أعرب ساساردوتي عن تشاؤمه العميق تجاه إمكانية استعادة الشعور الطبيعي بالحياة في بريطانيا. وأشار إلى أنه بات ينصح المقربين منه بضرورة امتلاك 'خطة بديلة' تشمل نقل الأعمال والوظائف إلى خارج الحدود البريطانية إذا لزم الأمر.

وأكد أن الفعاليات الاجتماعية والدينية لليهود في بريطانيا باتت تشهد حديثاً متكرراً عن 'موعد الرحيل'. وأضاف أن هذا الشعور بالارتحال لم يعد مجرد فكرة عابرة، بل تحول إلى هاجس يومي يؤثر على قرارات الاستثمار والتعليم وتربية الأطفال.

وشدد على أن الجيل الحالي يختلف عن الأجيال السابقة بامتلاكه خيارات أوسع للجوء إلى أماكن أخرى يراها أكثر أماناً. واعتبر أن وجود 'ملاذ' بديل يجعل قرار المغادرة أسهل تنفيذاً مما كان عليه الوضع في عقود ماضية شهدت أزمات مشابهة.

وختم ساساردوتي حديثه بالتأكيد على أن بريطانيا قد لا تكون المكان الأمثل لتربية أجيال يهودية جديدة في ظل الظروف الراهنة. ودعا السلطات البريطانية إلى مراجعة سياساتها تجاه حماية الأقليات وضمان فصل النقاش السياسي الدولي عن الحقوق المدنية للمواطنين في الداخل.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بوتين في بكين: قمة روسية صينية لتعزيز التنسيق في ملفات إيران وأوكرانيا والطاقة

وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الصينية بكين في استهلال لزيارة رسمية تمتد ليومين، تهدف إلى تعزيز التنسيق المشترك حيال الأزمات الدولية المتصاعدة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تشهد فيه الساحة العالمية تحولات كبرى، حيث يسعى الطرفان لترسيخ جبهة موحدة لمواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة.

وقبيل انطلاق المباحثات الرسمية، صرح الرئيس بوتين بأن الروابط التي تجمع موسكو وبكين بلغت مستوى تاريخياً غير مسبوق من القوة والمتانة. وقد قوبلت هذه التصريحات بترحيب رسمي من وزارة الخارجية الصينية، التي أكدت أن الشراكة بين البلدين تعيش حالياً أوج ازدهارها في المجالات السياسية والإستراتيجية.

ومن المقرر أن يعقد بوتين اجتماعاً رفيع المستوى مع نظيره الصيني شي جينبينغ، لمناقشة ملفات إقليمية ودولية شائكة تتصدرها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. وتبحث القمة سبل احتواء التصعيد العسكري في المنطقة ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة قد تؤثر على استقرار إمدادات الطاقة العالمية.

كما تبرز الحرب الروسية الأوكرانية كبند رئيسي على جدول الأعمال، خاصة مع تزايد الحراك الدبلوماسي الدولي الرامي لإيجاد صيغة لوقف القتال. وتسعى موسكو من خلال هذه الزيارة إلى ضمان دعم بكين لرؤيتها السياسية في أي مفاوضات مستقبلية تتعلق بالأمن الأوروبي وتوازنات القوى.

وعلى الصعيد الاقتصادي، أفادت مصادر بأن المباحثات ستتطرق بشكل معمق إلى تعزيز الشراكة في قطاع الطاقة والغاز الطبيعي. ويركز الجانبان على تسريع وتيرة العمل في مشروع خط أنابيب 'قوة سيبيريا 2'، الذي يهدف إلى زيادة تدفقات النفط والغاز الروسي نحو الأسواق الصينية المتعطشة للطاقة.

وتكتسب زيارة بوتين أهمية مضاعفة لكونها تأتي بعد أيام قليلة من مغادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للعاصمة الصينية. ويرى مراقبون أن توقيت الزيارة يعكس تنامي الثقل السياسي لبكين كمركز لإدارة التوازنات العالمية الكبرى والوساطة في النزاعات الدولية الأكثر تعقيداً.

وبالرغم من الجهود الدبلوماسية التي بذلها الرئيس الأمريكي خلال زيارته الأخيرة، إلا أن مصادر مطلعة أشارت إلى فشله في تحقيق اختراقات ملموسة في ملفي أوكرانيا وإيران. وهذا الفشل يمنح القمة الروسية الصينية زخماً إضافياً لرسم ملامح المرحلة المقبلة بعيداً عن الرؤية الأمريكية المنفردة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:38 صباحًا - بتوقيت القدس

فورين أفيرز: القواعد الأمريكية عبء أمني على الخليج ودعوات لنظام إقليمي جديد

أكدت مجلة "فورين أفيرز" في تحليل استراتيجي موسع أن المظلة الأمنية الأمريكية التي اعتمدت عليها دول الخليج لعقود طويلة لم تعد توفر الحماية المطلوبة، بل أصبحت عبئاً يضع المنطقة في مرمى النيران. وأشار الباحث ديفيد بي. روبرتس إلى أن القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تحولت إلى أهداف محتملة تجعل البنية التحتية والمنشآت النفطية الخليجية عرضة لهجمات انتقامية في أي مواجهة بين واشنطن وطهران.

وأوضح التحليل أن الواقع الأمني الجديد بات يفرض على قادة دول الخليج التوقف عن انتظار الحلول من واشنطن، والبدء في رسم مستقبل المنطقة بأنفسهم. واعتبرت المجلة أن استمرار الرهان على الحماية الخارجية يغفل حقيقة أن المصالح الأمريكية قد تتبدل، مما يترك الحلفاء الإقليميين في مواجهة سيناريوهات غير محسوبة سواء عبر التصعيد العسكري أو التفاهمات المنفردة.

ورغم التراجع النسبي في بعض القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن طهران لا تزال تمتلك أدوات ردع مؤثرة وقدرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز. ويرى المقال أن هذه القدرات تجعل من الضروري البحث عن صيغة تعايش إقليمي تنهي حالة الاستنزاف المستمرة، وتنتقل بالمنطقة من عقلية المواجهة بالوكالة إلى بناء توازنات داخلية مستدامة.

واقترحت المجلة صياغة معاهدة أمنية شاملة تقوم على مبدأ الانسحاب التدريجي والمنظم للقوات الأمريكية من القواعد الرئيسية في قطر والبحرين والإمارات والسعودية والكويت خلال خمس سنوات. وفي المقابل، تلتزم إيران بتقديم تنازلات جوهرية تشمل قيوداً صارمة على برامجها النووية والصاروخية، ووقف سياسات التصعيد الإقليمي تجاه جيرانها.

وشدد التحليل على أن هذا الانسحاب لا ينبغي أن يُفهم كضعف أو هزيمة استراتيجية، بل كخطوة مدروسة لإزالة الذرائع التي تستخدمها طهران لتبرير عقيدتها الردعية. فإزالة الوجود العسكري الأجنبي، الذي تعتبره إيران تهديداً وجودياً، قد يفتح الباب أمام تفاهمات دبلوماسية أكثر استقراراً وشفافية تحت إشراف إقليمي ودولي.

واستعرضت المجلة سوابق تاريخية تؤكد محدودية الاعتماد على القوى الكبرى، مشيرة إلى تخلي بريطانيا عن التزاماتها في القرن الماضي، وصمت واشنطن تجاه أحداث مفصلية مثل سقوط شاه إيران أو الهجمات على منشآت أرامكو في 2019. هذه الدروس تؤكد أن القوى الخارجية تتحرك دائماً وفق حسابات مصالحها القومية الضيقة، وليس بناءً على التزامات دائمة تجاه الحلفاء.

ولفت التقرير إلى واقعة تعرض قطر لهجمات في عام 2025 كدليل إضافي على أن التحالفات العسكرية التقليدية لا تمنع وقوع الضربات في ظل التوترات المتصاعدة. واعتبرت المجلة أن المثال الوحيد الناجح للتدخل الأمريكي في حرب تحرير الكويت عام 1991 كان مرتبطاً بلحظة تاريخية فريدة من الهيمنة الأحادية، ولا يمكن تعميمه كقاعدة أمنية دائمة.

ودعت "فورين أفيرز" دول الخليج إلى ضرورة تطوير قدراتها العسكرية الذاتية، خاصة في مجالات كشف الألغام البحرية والدفاع الجوي والحروب الإلكترونية. وأشارت إلى أن الاعتماد الطويل على الشركاء الدوليين أدى إلى ترهل في العقائد العسكرية المحلية، مما جعل الجيوش تركز على الرسائل الدبلوماسية أكثر من الكفاءة القتالية الفعلية في الميدان.

وأشاد التحليل ببعض النماذج الناجحة مثل عملية الإنزال البرمائي الإماراتية في عدن عام 2015، معتبراً إياها دليلاً على قدرة الجيوش الخليجية على تنفيذ مهام معقدة. ويرى الباحث أن تعميم هذه الكفاءة وتطوير أنظمة اعتراض الطائرات المسيّرة، المستوحاة من التجربة الأوكرانية، يمثلان حجر الزاوية في بناء قوة ردع خليجية مستقلة.

وفيما يخص الملف النووي، اقترح المقال إنشاء إطار إقليمي للتفتيش المتبادل وبناء الثقة، يضم البرامج النووية المدنية الخليجية والإيرانية على حد سواء. هذا التوجه قد يساهم في الحد من العمليات الأحادية ويقلل من دوافع طهران لامتلاك السلاح النووي إذا شعرت بزوال التهديد الوجودي المباشر من القواعد الأجنبية المحيطة بها.

أما بشأن الطائرات المسيّرة، فأوضح التحليل أن الحل يكمن في منظومة تفتيش متعددة الأطراف تفرض قيوداً على المدى والحمولة وتمنع نقل التكنولوجيا للجماعات المسلحة. ويرتبط نجاح هذا المسار بمنطق "الخطوات المتبادلة"، حيث يقابل كل التزام إيراني تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية وتقدم في جدول الانسحاب الأمريكي.

وأكدت المجلة أن إيران، رغم أيديولوجيتها، أظهرت براغماتية في محطات تاريخية عديدة عندما كانت الحوافز كافية، مثل اتفاقها مع السعودية في 2023. لذا، فإن الهدف من النظام الأمني المقترح هو جعل تكلفة الحرب مرتفعة على الجميع عبر تحويل الخليج إلى منطقة تكامل اقتصادي تمتلك فيها كافة الأطراف مصالح مباشرة.

وشددت المجلة على ضرورة أن تكون دول الخليج أطرافاً أصيلة في أي مفاوضات مستقبلية، لا مجرد مراقبين، لضمان عدم تحول الاتفاقات إلى تفاهمات ثنائية بين واشنطن وطهران. إن منح الدول الإقليمية دوراً مباشراً في إدارة آليات التحقق والتعاون الاقتصادي هو الضمانة الوحيدة لاستدامة أي معاهدة أمنية قادمة.

وخلص التحليل إلى أن غريزة الاحتماء بالمظلة الأمريكية هي نتاج عادات سياسية قديمة يجب تجاوزها لصالح بناء أمن ينبع من الداخل. فالولايات المتحدة سترحل في نهاية المطاف، والتحدي الحقيقي أمام دول المنطقة هو النجاح في صياغة شروط هذا الرحيل وترتيبات ما بعده، بدلاً من الاضطرار للتكيف مع واقع يفرضه الآخرون.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يؤجل ضربة عسكرية ضد إيران استجابة لوساطات خليجية ويحذر من خيارات شاملة

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن اتخاذه قراراً بتأجيل عملية عسكرية كانت مقررة ضد أهداف إيرانية يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أن هذا التراجع المؤقت جاء بناءً على رغبة قادة دول خليجية. وأوضح ترمب أن واشنطن لا تزال تحتفظ بجاهزية قتالية عالية لتنفيذ هجوم واسع النطاق في حال أخفقت الجهود الدبلوماسية الرامية لاحتواء الطموحات النووية لطهران.

وأشار ترمب عبر منصته 'تروث سوشال' إلى أن قادة كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر والإمارات العربية المتحدة تواصلوا معه لطلب تعليق العمل العسكري، معربين عن اعتقادهم بأن هناك فرصة حقيقية لا تزال قائمة للتوصل إلى تسوية سياسية. وشدد الرئيس الأمريكي على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يكون حازماً ويضمن بشكل قطعي تجريد إيران من القدرة على امتلاك سلاح نووي.

على الصعيد الدبلوماسي، أكدت طهران أنها سلمت ردها على مقترح أمريكي جديد يهدف إلى وضع حد لحالة التوتر الراهنة وإنهاء الحرب. وصرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، بأن القنوات الدبلوماسية مع واشنطن لا تزال مفتوحة وتعمل بانتظام عبر الوسيط الباكستاني الذي ينقل الرسائل بين الطرفين.

وتتمسك الحكومة الإيرانية في مفاوضاتها الحالية بضرورة رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها بشكل كامل، بالإضافة إلى المطالبة بالإفراج عن كافة الأصول المالية المجمدة في الخارج. كما تصر طهران على إدراج بند التعويضات المالية عن الأضرار التي لحقت ببنيتها التحتية واقتصادها نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة كشرط أساسي للحل.

من جانبها، أفادت مصادر إعلامية بأن استمرار الحشود العسكرية الأمريكية الضخمة في منطقة الخليج يعكس جدية واشنطن في استخدام القوة إذا لزم الأمر. ويرى مراقبون أن ترمب يواجه ضغوطاً زمنية، حيث لا يمكنه إبقاء القوات في حالة استنفار قصوى لفترات طويلة دون تحقيق نتائج ملموسة، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية.

وتشير التقارير إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية 'البنتاغون' طلبت ميزانية إضافية تقدر بنحو 25 مليار دولار لتغطية تكاليف العمليات العسكرية والحشود لمدة ستة أسابيع فقط. هذه الكلفة الاقتصادية الباهظة تزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية لاتخاذ قرار حاسم، إما بالتوصل لاتفاق سريع أو المضي قدماً في الخيار العسكري لتجنب الاستنزاف المالي.

وحذر محللون من أن فشل المسار التفاوضي قد يدفع الرئيس الأمريكي نحو 'خيارات جنونية' وغير مسبوقة في التعامل مع الملف الإيراني. ومن بين هذه السيناريوهات المطروحة، فرض سيطرة عسكرية كاملة على مضيق هرمز لقطع شريان الطاقة العالمي، أو اللجوء إلى استخدام ضربات نووية تكتيكية محدودة لتعطيل المنشآت الحصينة.

كما تشمل بنك الأهداف المحتملة في حال اندلاع المواجهة الشاملة، استهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة ومحطات تحلية المياه، مما قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية في المنطقة. ويرى خبراء أن هذه التهديدات تندرج ضمن استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي يتبعها ترمب لانتزاع تنازلات كبرى من القيادة الإيرانية في اللحظات الأخيرة.

وتظل معضلة البرنامج النووي، وتحديداً مصير كميات اليورانيوم المخصب، هي العقدة الأبرز في منشار المفاوضات الجارية بين الطرفين. فبينما تطالب واشنطن بضمانات صارمة وآليات تفتيش دولية لا تقبل التأويل، تبحث طهران عن ضمانات قانونية تمنع الولايات المتحدة من الانسحاب من أي اتفاق مستقبلي كما حدث في السابق.

وفي نهاية المطاف، يسعى ترمب لتحقيق اختراق سياسي يتيح له إعلان 'نصر تاريخي' أمام ناخبيه دون الانزلاق في أتون حرب إقليمية طويلة الأمد قد تستنزف موارد بلاده. ومع ذلك، يبقى شبح المواجهة العسكرية مخيماً على المنطقة طالما لم يوقع الطرفان على وثيقة تنهي واحدة من أعقد الأزمات الدولية في العصر الحديث.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 9:07 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يرجئ ضربة عسكرية واسعة ضد إيران بطلب من دول عربية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الإثنين، عن صدور أوامر رئاسية تقضي بوقف هجوم عسكري كان من المقرر تنفيذه ضد أهداف إيرانية يوم الثلاثاء. وأوضح ترامب أن هذا القرار لا يعني إلغاء الخيار العسكري بشكل نهائي، بل هو إرجاء مشروط بمدى التقدم في المسار الدبلوماسي.

وأشار الرئيس الأمريكي إلى أنه وجه تعليمات صريحة لقيادات الجيش بالبقاء في حالة تأهب قصوى للاستعداد لشن عملية عسكرية شاملة وواسعة النطاق. وأكد أن القوات الأمريكية جاهزة للتحرك في أي لحظة إذا لم يتم التوصل إلى صيغة اتفاق تلبي الشروط والمتطلبات التي وضعتها واشنطن.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة أن دولاً عربية شملت قطر والسعودية والإمارات تقدمت بطلبات رسمية لإدارة ترامب تدعوها لتأجيل العمل العسكري المخطط له. وتأتي هذه التحركات الإقليمية في إطار السعي لتجنب انفجار مواجهة شاملة قد تطال تداعياتها أمن المنطقة واستقرار إمدادات الطاقة العالمية.

على الصعيد الدبلوماسي، قدمت طهران مقترح سلام جديداً إلى الولايات المتحدة يتضمن بنوداً وصفت بأنها مشابهة لعروض سابقة كانت واشنطن قد رفضتها. ومع ذلك، أفادت مصادر بأن الجانب الأمريكي أظهر هذه المرة نوعاً من المرونة تجاه بعض القضايا العالقة، مما قد يفتح نافذة ضيقة للحوار.

وتلعب باكستان دوراً محورياً في نقل الرسائل بين الطرفين، حيث أكدت مصادر دبلوماسية في إسلام آباد مشاركة أحدث المقترحات الإيرانية مع الإدارة الأمريكية. ورغم هذا التحرك، وصفت المصادر عملية إحراز تقدم حقيقي بأنها صعبة ومعقدة نظراً لضيق الوقت المتاح وتغيير الطرفين لشروطهما باستمرار.

من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي أن وجهات نظر طهران الرسمية تم إيصالها إلى الجانب الأمريكي عبر القنوات الباكستانية. ولم يخض بقائي في التفاصيل الدقيقة للمقترح، في حين التزمت واشنطن الصمت ولم تصدر تعليقاً رسمياً فورياً على هذه المراسلات.

ويركز المقترح الإيراني الجديد، بحسب تسريبات من مصادر مطلعة، على أولويات تشمل إنهاء العمليات العدائية بشكل فوري وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. كما يطالب المقترح برفع العقوبات البحرية المفروضة على السفن الإيرانية كخطوة أولى لبناء الثقة بين الجانبين.

وتضمن العرض الإيراني تأجيل النقاش في الملفات الأكثر تعقيداً، مثل برنامج تخصيب اليورانيوم والتفاصيل التقنية للنشاط النووي، إلى جولات تفاوضية لاحقة. ويهدف هذا التوجه إلى معالجة الأزمات الاقتصادية والملاحية العاجلة قبل الدخول في القضايا الاستراتيجية التي كانت سبباً في تعثر المحادثات السابقة.

وفي مؤشر على تراجع حدة التصلب الأمريكي، ذكرت مصادر أن واشنطن وافقت مبدئياً على الإفراج عن نحو 25% من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. ورغم أن طهران تطالب باستعادة كافة أصولها التي تقدر بعشرات المليارات، إلا أن هذه الخطوة اعتبرت إشارة إيجابية نحو إمكانية التوصل لتسوية مؤقتة تشمل أيضاً رفع عقوبات النفط.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 8:52 صباحًا - بتوقيت القدس

وثيقة مسربة لـ "مجلس السلام" تقر بتعثر خريطة الطريق في غزة وتكشف حجم العراقيل

أفادت مصادر مطلعة بأن وثيقة رسمية صادرة عن "مجلس السلام" في غزة أقرت بشكل صريح بتعثر تنفيذ بنود خريطة الطريق الخاصة بالقطاع. وأوضحت المصادر أن مجلس الأمن الدولي تلقى لائحة مفصلة بالعراقيل التي تحول دون إحراز تقدم ملموس، مشيرة إلى أن التحديات تتجاوز الجوانب اللوجستية لتصل إلى عمق الملفات السياسية والأمنية الشائكة.

وتصدر ملف سلاح حركة حماس قائمة العقبات التي أدت إلى تجميد المسارات السياسية، حيث يرفض المجلس والجهات الدولية المضي قدماً دون حسم هذه القضية. كما أشارت الوثيقة إلى صعوبات بالغة في آليات تمكين "المجلس الوطني" من ممارسة مهامه، بالإضافة إلى أزمات حادة في ملفات المساعدات الإنسانية وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار.

وأكد التقرير المرفوع لمجلس الأمن أن هناك فجوة هائلة بين الوعود المالية التي أطلقها المجتمع الدولي وبين ما تم صرفه فعلياً على أرض الواقع. هذا النقص في التمويل أدى إلى تفاقم الأزمات المعيشية، حيث لا تزال الاحتياجات الإنسانية في قطاع غزة توصف بأنها "هائلة" ولا تتناسب مع حجم التدفق الحالي للمساعدات.

وفيما يخص الوضع الميداني، كشف مجلس السلام عن وقوع انتهاكات يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر الماضي، واصفاً بعض تلك الخروقات بأنها جسيمة. وتأتي هذه الاعترافات في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف مناطق متفرقة من القطاع، مما يهدد بانهيار التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها سابقاً.

يُذكر أن "مجلس السلام" كان قد دُشن في يناير الماضي بمدينة دافوس السويسرية بمبادرة من الإدارة الأمريكية، وبقيادة الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف. ومنذ تأسيسه، واجه المجلس انتقادات واسعة من فصائل فلسطينية اتهمته بالانحياز للرؤية الإسرائيلية ومحاولة فرض ترتيبات أمنية تحت غطاء المساعدات الإنسانية.

وأشارت مصادر قيادية في الفصائل إلى أن ملادينوف مارس ضغوطاً سياسية مباشرة بهدف تمرير خريطة طريق جديدة تخدم مصالح الاحتلال. وتعتبر هذه القوى أن ربط إعادة الإعمار بنزع سلاح المقاومة هو نوع من الابتزاز السياسي الذي ترفضه الحاضنة الشعبية والسياسية في قطاع غزة بشكل قاطع.

من جانبها، رصدت تقارير إعلامية وجود تناقض صارخ بين التصورات الأمريكية لإنهاء الحرب وبين الوقائع التي تفرضها حكومة بنيامين نتنياهو على الأرض. وظهر هذا التباين بوضوح بعد اجتماعات ملادينوف مع نتنياهو، حيث تم التركيز على شروط تعجيزية تتعلق بنزع السلاح مقابل السماح ببدء عمليات الإعمار الكبرى.

وتواجه الخطة الأمريكية، التي وعدت بضخ نحو 10 مليارات دولار على مدار عقد من الزمن، مأزقاً حقيقياً في ظل غياب أدوات ضغط فعلية على سلطات الاحتلال. وتستمر إسرائيل في تقييد دخول المواد الأساسية واستخدام ملف الإعمار كأداة ضغط سياسي وأمني، مما أدى إلى شلل شبه كامل في تنفيذ الوعود الدولية.

وعلى الصعيد الإنساني، لا تزال وزارة الصحة في غزة تسجل أرقاماً مفجعة للضحايا رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ العاشر من أكتوبر 2025. فقد أسفرت الخروقات الإسرائيلية المستمرة عن استشهاد 877 فلسطينياً وإصابة أكثر من 2600 آخرين، في إشارة واضحة إلى عدم التزام الاحتلال بالتهدئة.

وتأتي هذه التطورات بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل بدعم أمريكي واسع، والتي خلفت دماراً طال 90% من البنية التحتية المدنية في القطاع. وقد تجاوزت حصيلة الشهداء منذ أكتوبر 2023 حاجز 72 ألف شهيد، فيما لا يزال آلاف الجرحى يعانون من نقص حاد في الأدوية والغذاء الصحي.

ويرى مراقبون أن اعتراف مجلس السلام بتعثر خريطة الطريق يعكس فشل المقاربة الدولية التي تحاول القفز فوق الحقوق الفلسطينية الأساسية. فالفجوة بين التعهدات والواقع الميداني تزداد اتساعاً، مما يضع مصداقية المؤسسات الدولية والمبادرات السياسية على المحك أمام استمرار العدوان والحصار.

ختاماً، يبقى ملف إعادة إعمار غزة رهينة للتجاذبات السياسية والشروط الأمنية التي يفرضها الاحتلال وحلفاؤه، بينما يدفع المدنيون الثمن الأكبر. ومع استمرار الانتهاكات الجسيمة لوقف إطلاق النار، تظل احتمالات انفجار الأوضاع مجدداً قائمة ما لم يتم تغيير الآلية التي تدار بها الأزمة الإنسانية والسياسية في القطاع.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 7:37 صباحًا - بتوقيت القدس

بين واشنطن وبكين: هل تحولت إيران إلى ورقة تفاوض في قمة العظماء؟

تعتبر مؤتمرات القمة الذروة في العمل الدبلوماسي الدولي، حيث ينتقل القرار من الأروقة البيروقراطية إلى المواجهة المباشرة بين رؤساء السلطة. ولا تقتصر هذه اللقاءات على توقيع الاتفاقيات فحسب، بل تمتد لإعادة رسم خارطة العلاقات الدولية وتحديد الأجندات الاستراتيجية، خاصة في أوقات الأزمات الكبرى التي تتطلب وضوحاً في التوجهات السياسية.

شغل العالم مؤخراً بلقاء القمة الذي جمع الزعيم الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، وسط ترقب لمصير المواجهة الأمريكية الإيرانية. ورغم التوقعات، لم يكن الملف الإيراني هو الحاضر الأبرز، إذ تقدمت عليه ملفات التجارة وتايوان، وهو ما عكسه خطاب الزعيمين الذي ركز على الشراكة الاقتصادية والازدهار المشترك.

أظهرت تركيبة الوفد الأمريكي المرافق لترامب، والذي ضم رؤساء شركات كبرى أن المحرك الأساسي للسياسة الخارجية الحالية هو الاقتصاد. وفي عالم تحكمه مصالح الأمن القومي، تدرك واشنطن وبكين أن التنازلات لا تُقدم مجاناً، بل تخضع لتوافقات دقيقة تضمن مكاسب استراتيجية لكل طرف دون المساس بثوابته السيادية.

فيما يخص الملف الإيراني، حافظت بكين على موقفها التقليدي لكن بصياغة دبلوماسية جديدة تتقاطع مع الرغبة الأمريكية في منع طهران من امتلاك سلاح نووي. وبينما تشدد واشنطن على الحظر المطلق، تفضل الصين الإشادة بتعهدات طهران السلمية، محاولةً لعب دور الوسيط المستتر الذي يتجنب الانخراط المباشر في أي صراع عسكري.

تستفيد الصين جيوسياسياً من استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، حيث ترى فيه وسيلة لاستنزاف القدرات الأمريكية بعيداً عن منطقة المحيطين الهادئ والهندي. هذا الانشغال الأمريكي يمنح بكين مساحة أوسع لتعزيز نفوذها العالمي، بينما تدير هي علاقتها مع إيران بهدوء بعيداً عن لغة التهديد والعقوبات التي ينتهجها ترامب.

على الجانب الآخر، يدرك الرئيس الأمريكي أن الوصول إلى انفراجة في الملف الإيراني يتطلب تعاوناً صينياً وثيقاً، رغم تصريحاته السابقة بعدم الحاجة للمساعدة. فالصين هي الطرف الوحيد الذي تملك طهران سبباً للإصغاء إليه، باعتبارها المشتري الأول لنفطها والمورد الرئيسي للتكنولوجيا العسكرية والمدنية إليها.

يرى مراقبون أن التوافقات التجارية الأخيرة بين القطبين قد لا تكون مرتبطة مباشرة بالمقايضة على الملف الإيراني، بل هي نتاج ضرورة اقتصادية متبادلة. ومع ذلك، تظل الجغرافيا الإيرانية وموقعها في منطقة الخليج العربي هي الأهم بالنسبة للصين، التي تعطي الأولوية لتدفق التجارة والطاقة عبر الممرات المائية الدولية.

تراقب طهران بقلق نتائج هذه القمم، حيث تخشى أن يتحول حليفها الصيني إلى أداة ضغط سياسي استجابةً للمصالح المشتركة مع واشنطن. وما يفاقم هذا القلق هو التباين الواضح في وجهات النظر حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث ترفض بكين بشكل قاطع أي تهديد يعيق حركة صادراتها ووارداتها الحيوية.

في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً حول مدى استعداد القوى الكبرى للتضحية بالأطراف الإقليمية مقابل استقرار مصالحها الكبرى. إن صانع القرار في طهران يدرك تماماً أن الموازنة الصينية بين دعم الحلفاء وحماية الاقتصاد قد تميل كفتها للأخير، مما قد يجبر إيران على خفض التصعيد وفق شروط دولية جديدة.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 7:07 صباحًا - بتوقيت القدس

قانون 'سلطة آثار الضفة': ذراع إسرائيلية جديدة لشرعنة الضم وسرقة التاريخ الفلسطيني

تأتي مصادقة الكنيست الإسرائيلي بالقراءة الأولى على مشروع قانون إقامة ما يسمى 'سلطة آثار يهودا والسامرة' كخطوة تصعيدية جديدة ضمن سياسات الضم الاستعماري الزاحف في الضفة الغربية المحتلة. ويهدف هذا التشريع الباطل إلى توظيف علم الآثار والتراث كأداة سياسية لفرض السيادة الإسرائيلية المطلقة، مما يعد انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تحظر تغيير معالم الأراضي المحتلة.

ويمنح القانون الجديد هذه السلطة صلاحيات واسعة تشمل الاستيلاء والتنقيب وفرض السيطرة الكاملة ليس فقط في المناطق المصنفة (C) بل تمتد لتشمل المناطق (B) أيضاً، مما يمثل اعتداءً مباشراً على الحقوق السيادية الفلسطينية. إن هذا التحرك يسعى لتكريس واقع استعماري متكامل يهدف إلى تهجير الفلسطينيين وتحويل مدنهم وقراهم إلى كانتونات معزولة ومحاصرة بالمواقع الأثرية المزعومة والمستوطنات.

وتشير المعطيات إلى أن سلطة الآثار الإسرائيلية تمارس دوراً محورياً في تزوير الثقافة والموروث الحضاري الفلسطيني عبر إضفاء طابع يهودي مصطنع على المواقع التاريخية ونشر هذه الرواية المضللة في المحافل الدولية والعواصم الأوروبية. ويجري هذا التزييف بتوجيه مباشر من جماعات الضغط الصهيونية لضمان إزالة اسم فلسطين من الخرائط التاريخية المعتمدة واستبدالها برواية احتلالية تخدم المشروع الاستيطاني.

إن هذه الممارسات لا تقتصر على سرقة الأرض فحسب، بل تمتد لتشمل حرباً على الذاكرة والهوية الوطنية، حيث يتم استغلال الحفريات لتبرير التوسع الاستيطاني وطمس المعالم العربية والإسلامية والمسيحية. ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية من أبعادها التاريخية والقانونية، مما يستوجب رداً وطنياً ودولياً حازماً لمواجهة هذا التغول الإسرائيلي.

وفي ظل هذا التسارع في سياسات التطهير العرقي والضم، بات من الضروري أن يتحرك المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية لوقف هذه الجرائم ومحاسبة سلطات الاحتلال على خروقاتها المستمرة. إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد كافياً أمام واقع يفرض بالقوة على الأرض، مما يتطلب إجراءات فعلية لحماية التراث الفلسطيني باعتباره إرثاً إنسانياً عالمياً يقع تحت طائلة الاستهداف الممنهج.

اسرائيليات

الثّلاثاء 19 مايو 2026 5:52 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس الموساد الأسبق: إسرائيل فقدت سيادتها وتحولت إلى محمية تابعة لواشنطن

تتصاعد التحذيرات داخل الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب من ارتهان القرار الإسرائيلي بشكل كامل للإدارة الأمريكية، حيث باتت القناعات تزداد بأن الاحتلال فقد سيادته في إدارة ملفات الحرب الدائرة في غزة ولبنان. ويرى مراقبون أن البيت الأبيض أصبح هو الجهة التي ترسم الحدود والمسارات الميدانية والسياسية، في ظل غياب استراتيجية واضحة للحكومة الحالية.

وفي هذا السياق، شن رئيس جهاز الموساد الأسبق، تامير باردو، هجوماً لاذعاً على القيادة السياسية، معتبراً أن الجيل الحالي من القادة فشل فشلاً ذريعاً في قراءة الواقع. وأكد باردو أن الحكومة اختارت طوعاً عدم معالجة القضايا الجوهرية، واكتفت بتأجيل القرارات المصيرية بدافع الخوف والرعب، مما جلب كارثة غير مسبوقة على الدولة.

وأوضح باردو في تصريحات نقلتها مصادر إعلامية أن الحكومة الإسرائيلية تتألف في معظمها من سياسيين يضعون مصالحهم الشخصية والبقاء في السلطة فوق مصلحة الشعب. وأشار إلى أن هذا السلوك أدى إلى وصول الدولة إلى حضيض غير مسبوق، حيث يتم استخدام خطاب زائف يحاول تحويل الفشل الميداني إلى نصر وهمي عبر كلمات مضللة.

وكشف رئيس الموساد الأسبق أن الحكومة قررت، لأول مرة في تاريخها، التخلي عن أقدس ما تملكه وهو حرية التصرف في قضايا الأمن القومي، وإسنادها للولايات المتحدة. واعتبر أن هذا التنازل يمثل تحولاً خطيراً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تقوم دائماً على استقلالية القرار العسكري والسياسي.

وفي تفاصيل الإدارة الميدانية، أشار باردو إلى أن قضية غزة أُسندت بالكامل للولايات المتحدة لإدارتها من مقرها في 'كريات جات'. وأكد أنه منذ أحداث السابع من أكتوبر، عهدت إسرائيل بملف القطاع إلى جنرال أمريكي، مما يعكس حجم التبعية العسكرية المباشرة لواشنطن في إدارة العمليات.

أما على الجبهة الشمالية، فقد أكد باردو أن البيت الأبيض هو من يحدد بشكل كامل حرية تصرف الجيش الإسرائيلي ويضع المعايير الأمنية لسكان تلك المناطق. ويرى أن هذا التدخل الأمريكي سلب إسرائيل قدرتها على المبادرة أو الرد بشكل مستقل بما يتوافق مع رؤيتها الأمنية الخاصة.

وتطرق باردو إلى الملف الإيراني، مؤكداً أنه انتُزع من يد إسرائيل بعد مواجهات سابقة، وصولاً إلى ميناء إيلات الذي لا يزال مغلقاً بانتظار قرار أمريكي. وأوضح أن السفن الأمريكية تعبر مضيق باب المندب بينما تظل المصالح الاقتصادية والأمنية الإسرائيلية في الميناء معطلة ومرهونة بالتوافقات الدولية.

وانتقد باردو بشدة مقاييس النصر التي تروج لها الحكومة، مؤكداً أن النجاح لا يُقاس بعدد عمليات الاغتيال أو القدرة على توجيه صواريخ دقيقة لمسافات بعيدة. وأشار إلى أنه رغم القدرات الاستخباراتية المذهلة، إلا أن إسرائيل لم تحقق أي إنجاز حقيقي على الأرض بعد أشهر طويلة من القتال المستمر.

وحذر من الحالة التي وصل إليها الجيش الإسرائيلي، واصفاً إياه بأنه 'مُنهك لأقصى حد' ويعاني من نقص حاد في القوى البشرية القتالية. كما نبه إلى وجود تهديد جدي بانهيار قوات الاحتياط التي تشكل العمود الفقري للمؤسسة العسكرية، نتيجة الاستنزاف الطويل وغياب الأفق السياسي.

وفيما يخص تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول انفراده بمسؤولية أمن الدولة، وصف باردو هذا الادعاء بأنه يجمع بين الحقيقة والكذب. فبينما ينص القانون على مسؤوليته، إلا أنه اتهمه بتناسي هذه الحقيقة عملياً وتهميش الشركاء في الأجهزة الأمنية الذين يجب أن يكونوا شركاء في صياغة الاستراتيجية.

وتناول باردو ما وصفها بـ'فضيحة قطر-غيت'، معتبراً إياها من أخطر الأحداث التي تشير إلى تغلغل الفساد في مفاصل الدولة. وأكد أن وجود أشخاص يعملون لصالح قوى خارجية داخل مكتب رئيس الوزراء يعد جريمة خطيرة، وفي دول أخرى قد تُصنف ضمن بنود الخيانة العظمى.

وأوضح أن الحكومة الإسرائيلية هي التي توسلت في السابق لتمويل حركة حماس عبر قنوات معينة، ثم حاولت التنصل من المسؤولية عند انكشاف الحقائق. واعتبر أن هذا السلوك المتناقض يعكس غياب الرؤية الأخلاقية والسياسية لدى القيادة الحالية التي تضحي بالمصالح الوطنية من أجل تكتيكات مؤقتة.

وفي ختام رؤيته التحليلية، شدد باردو على أن التهديد الوجودي لإسرائيل لا يأتي من حماس أو حزب الله، بل من داخلها. ورأى أن مصادرة السيادة والقرار الوطني هو التهديد المميت للحلم الصهيوني، مما يتطلب مراجعة شاملة وفورية لكافة السياسات المتبعة.

تؤكد هذه الاعترافات الصادرة عن شخصية أمنية رفيعة المستوى أن إسرائيل تمر بأزمة هوية سياسية وأمنية عميقة، حيث تحولت من دولة تدعي الاستقلال إلى 'محمية' تابعة. وهذا التحول يضع مستقبل المنطقة أمام سيناريوهات معقدة، في ظل ارتهان القرار العسكري الإسرائيلي بالأجندات الانتخابية والسياسية في واشنطن.

تحليل

الثّلاثاء 19 مايو 2026 5:39 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب بين شبح الحرب وإغراء الصفقة: لماذا تبدو المواجهة مع إيران مؤجلة لا ملغاة؟



واشنطن – سعيد عريقات-  19/5/2026


تحليل إخباري


لم يكن قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتأجيل ضربة عسكرية ضد إيران مجرد خطوة تكتيكية عابرة، بل مؤشرًا على تعقيد غير مسبوق يحيط بالمواجهة المفتوحة في الشرق الأوسط. فالإدارة الأميركية التي لوّحت طوال الأسابيع الماضية بخيار الحرب الشاملة، وجدت نفسها فجأة أمام معادلة أكثر تعقيدًا: كيف يمكن الضغط على طهران من دون الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة قد تُربك الاقتصاد العالمي وتنعكس مباشرة على الداخل الأميركي؟


قرار التأجيل جاء بعد حديث ترمب عن “مقترح جديد” من إيران، وعقب ضغوط خليجية واضحة مارستها كل من المملكة العربية السعودية والأمارات لمنع تنفيذ ضربة كانت واشنطن تستعد لها. لكن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في تأجيل الحرب، بل في الاعتراف الضمني بأن كلفة المواجهة أصبحت أعلى من قدرة جميع الأطراف على تحملها.


فالشرق الأوسط اليوم ليس كما كان قبل عقدين. أي صدام مباشر مع إيران لم يعد يعني مجرد حملة جوية خاطفة، بل احتمال انفجار إقليمي متعدد الجبهات، يمتد من مضيق هرمز إلى جنوب لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا. لهذا يبدو أن واشنطن انتقلت من استراتيجية “الحسم العسكري” إلى سياسة “إدارة التصعيد”، أي إبقاء التهديد بالحرب قائمًا من دون الذهاب الكامل إليها.


ورغم الخطاب التصعيدي لترمب، فإن سلوك الإدارة الأميركية يكشف عن حذر عميق. فالبيت الأبيض يدرك أن أي تعطيل طويل للملاحة في مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بصورة حادة، ما سيؤثر مباشرة على الناخب الأميركي الذي يعاني أصلًا من التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة. كما أن المؤسسة العسكرية الأميركية لا تبدو متحمسة لخوض حرب طويلة جديدة في المنطقة، خصوصًا بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان.


هدنة طويلة بلا اتفاق حقيقي


السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" خلال الأشهر المقبلة. فقد تتواصل المفاوضات غير المباشرة عبر وسطاء إقليميين ودوليين، مع تبادل رسائل التهدئة والتصعيد في آن واحد. هذا المسار يسمح لجميع الأطراف بشراء الوقت: ترمب يتجنب حربًا مكلفة انتخابيًا، وإيران تتفادى ضربة واسعة قد تهدد استقرار النظام، بينما تمنع دول الخليج انهيارًا أمنيًا يضر بمصالحها الاقتصادية. لكن هذا النوع من الهدن يبقى هشًا للغاية، لأن أي خطأ ميداني أو هجوم غير محسوب قد يعيد المنطقة بسرعة إلى حافة الانفجار.


في المقابل، تبدو إيران نفسها أمام مأزق مزدوج. فمن جهة، تحاول القيادة الإيرانية إظهار الصمود وعدم الرضوخ للضغوط الأميركية والإسرائيلية، ومن جهة أخرى تواجه أزمة اقتصادية خانقة تهدد الاستقرار الداخلي. العقوبات المستمرة، وتراجع البنية النفطية، واتساع دائرة الاحتجاجات الشعبية، كلها عوامل تدفع طهران للبحث عن متنفس اقتصادي ولو مؤقت.


لكن المشكلة الأساسية أن النظام الإيراني لا يستطيع تقديم تنازلات كبيرة من دون أن يبدو ضعيفًا أمام الداخل. ولذلك تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى عملية مساومة على الوقت، لا إلى محاولة فعلية لبناء تسوية تاريخية. فواشنطن تريد تقليص البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، بينما ترى إيران أن التخلي عن أدوات قوتها يعني تعريض النظام نفسه للخطر.


وفي هذا السياق، يعود مضيق هرمز إلى قلب الصراع بوصفه نقطة الضغط الأكثر حساسية. فإيران تدرك أن قدرتها على تهديد الملاحة الدولية تمثل أحد أهم عناصر الردع لديها. أما واشنطن، فترى أن أي مساس بحرية الملاحة يمثل تحديًا مباشرًا للهيمنة الأميركية وللاقتصاد العالمي في آن معًا.


من الواضح أنه رغم التهدئة الحالية، تبقى إسرائيل الطرف الأقل قبولا بجدوى أي اتفاق مع إيران. فالحكومة الإسرائيلية ترى أن أي هدنة تمنح طهران "فرصة لإعادة ترميم قدراتها العسكرية والنووية تدريجيًا" وفق ما يدعيه رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، الذي أقر أن إسرائيل تسعى إلى إفشال المسار التفاوضي عبر عمليات أمنية أو ضربات محدودة تستفز إيران وتعيد التصعيد إلى الواجهة. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يدرك أن استمرار التوتر الإقليمي يمنحه مساحة سياسية داخلية أوسع، خصوصًا في ظل أزمات إسرائيل الداخلية المتفاقمة والانقسام المتزايد حول الحرب وسياساتها الإقليمية.


ومن الواضح أيضًا أن دول الخليج بدأت تنظر إلى الأزمة بمنطق مختلف عن السنوات السابقة. فالسعودية والإمارات وقطر باتت ترى أن استقرار المنطقة شرط أساسي لاستمرار مشاريعها الاقتصادية الكبرى. لذلك لم تعد هذه الدول متحمسة لسياسات المواجهة المفتوحة، بل أصبحت تضغط باتجاه احتواء الصراع حتى لو تطلب ذلك التفاهم مع إيران نفسها.


هذا التحول الخليجي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد قادرة على إعادة تشكيل المنطقة كما حدث في العقود الماضية. كما أن التجارب السابقة أظهرت أن الحروب الطويلة تؤدي غالبًا إلى فوضى إقليمية لا يمكن السيطرة عليها، وتفتح المجال أمام أزمات اقتصادية وأمنية عابرة للحدود.


وفي الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة أقل استعدادًا لتحمل أعباء الهيمنة التقليدية في الشرق الأوسط. فواشنطن باتت أكثر تركيزًا على التنافس مع الصين، وأكثر قلقًا من الانخراط في صراعات تستنزف مواردها العسكرية والاقتصادية. لهذا فإن إدارة ترمب تحاول الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية القسرية، أي استخدام التهديد بالحرب لدفع إيران إلى التفاوض من دون الوصول إلى مواجهة شاملة.


لبنان والبحر الأحمر قد يتحولان إلى ساحات البديل


حتى إذا نجحت واشنطن وطهران في منع الحرب المباشرة، فإن ساحات الاشتباك غير المباشر ستظل مفتوحة. جنوب لبنان  ، والبحر الأحمر، وربما العراق وسوريا، قد تتحول إلى ميادين لاستعار الصراع ، حيث أن الأطراف الإقليمية تمتلك شبكات نفوذ وحلفاء قادرين على إبقاء الضغط قائمًا دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. وهذا يعني أن المنطقة قد تدخل مرحلة استنزاف طويلة منخفضة الحدة، تتخللها هدن مؤقتة وانفجارات متقطعة، بدل حرب كبرى واحدة فاصلة.


وفي النهاية، لا يبدو أن قرار ترمب بتأجيل الضربة يعكس تحولًا جذريًا نحو السلام، بقدر ما يكشف عن إدراك أميركي متزايد لصعوبة فرض حلول عسكرية حاسمة في الشرق الأوسط. فالحرب لم تعد خيارًا سهلًا، لكن التسوية الشاملة ما تزال بعيدة أيضًا. وبين هذين الخيارين، تستمر المنطقة في العيش داخل مساحة رمادية خطرة، حيث يمكن لأي حادث صغير أن يعيد إشعال مواجهة كبرى في أي لحظة.

تحليل

الثّلاثاء 19 مايو 2026 5:37 صباحًا - بتوقيت القدس

هجوم كراهية على المركز الإسلامي في سان دياغو يؤدي لمقتل 3 وإصابة آخرين



واشنطن – سعيد عريقات – 18/5/2026


شهدت مدينة سان دييغو الأميركية، الاثنين، هجوماً دامياً استهدف المركز الإسلامي في المدينة، وأسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص على الأقل، في حادثة تعيد تسليط الضوء على تصاعد خطاب الكراهية المعادي للمسلمين في الولايات المتحدة، وسط مخاوف متزايدة من تأثير المناخ السياسي والإعلامي المحرض على العنف.


وقالت الشرطة الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي إن مسلحين، تبيّن لاحقاً أنهما شابان يبلغان 17 و19 عاماً، أطلقا النار قرب المركز الإسلامي قبل أن يُعثر عليهما داخل سيارة قريبة وقد فارقا الحياة متأثرين بما وصفته السلطات بأنه “إطلاق نار على النفس”.


ويضم المركز الإسلامي في سان دييغو مسجداً ومدرسة دينية، فيما أكد إمام المركز طه حسّان، عبر رسالة مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، أن جميع الطلاب والمعلمين والعاملين داخل المدرسة بخير ولم يصابوا بأذى.


وبحسب مسؤولين في أجهزة إنفاذ القانون، عثر المحققون داخل سيارة المهاجمين على كتابات معادية للإسلام، كما وُجدت عبارة “خطاب كراهية” مكتوبة على أحد الأسلحة المستخدمة في الهجوم. وأشارت التحقيقات الأولية إلى أن أحد المنفذين أخذ السلاح من منزل والديه وترك رسالة انتحار قبل تنفيذ العملية.


وقال رئيس المركز الإسلامي أحمد شبّيك إن أحد القتلى كان يعمل حارس أمن في المسجد، فيما هرعت قوات كبيرة من الشرطة إلى الموقع وقامت بعمليات تفتيش واسعة داخل المبنى وسط حالة من الفوضى والذعر.


وأدان مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير) الهجوم، مشيراً إلى أنه يأتي في ظل تصاعد الشكاوى المتعلقة بالتمييز والتحريض ضد المسلمين في الولايات المتحدة. وقال المدير التنفيذي للمجلس في سان دييغو، تزهين نظام: “لا ينبغي لأي شخص أن يخشى على حياته أثناء الصلاة أو الدراسة”.


وفي أعقاب الهجوم، أعلنت شرطة لوس أنجلوس تعزيز الدوريات الأمنية حول المساجد والمراكز الإسلامية ودور العبادة، تحسباً لأي اعتداءات محتملة، بينما قال حاكم ولاية كاليفورنيا غافين نيوسوم إنه يتابع تطورات الحادث بشكل مباشر.


ويأتي هذا الهجوم في وقت تشهد فيه المؤسسات الدينية في الولايات المتحدة تهديدات متزايدة وأعمال عنف متكررة، ما دفع العديد منها إلى تشديد الإجراءات الأمنية.


ويكشف الهجوم على المركز الإسلامي في سان دييغو عن مدى خطورة تصاعد الخطاب المعادي للمسلمين داخل الولايات المتحدة، خصوصاً عندما يتحول التحريض السياسي والإعلامي إلى بيئة تسمح بتبرير العنف ضد الأقليات الدينية. وخلال السنوات الماضية، ساهمت تصريحات ومواقف للرئيس الأميركي دونالد ترمب، سواء خلال حملاته الانتخابية أو بعد عودته إلى المشهد السياسي، في تكريس صورة سلبية عن المسلمين والمهاجرين، عبر ربطهم المتكرر بالإرهاب أو تهديد “الهوية الأميركية”. هذا النوع من الخطاب لا يبقى في إطار السياسة فقط، بل ينتقل إلى الشارع ويغذي مشاعر الكراهية لدى بعض المتطرفين الذين يرون في العنف وسيلة “مشروعة” للتعبير عن أفكارهم العنصرية.


وتزداد خطورة الحوادث المعادية للمسلمين عندما تأتي في سياق سياسي يبدو فيه خطاب الكراهية مقبولاً أو غير مدان بشكل واضح من شخصيات نافذة. فالرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب استخدم مراراً خطاباً حاداً تجاه المسلمين، بدءاً من الدعوة إلى حظر دخولهم إلى الولايات المتحدة، وصولاً إلى التلميحات التي تربط الإسلام بالعنف والتطرف. ومع أن هذه التصريحات تُقدَّم أحياناً باعتبارها مواقف سياسية أو أمنية، فإن أثرها الاجتماعي يتجاوز ذلك بكثير، إذ تمنح الجماعات المتطرفة شعوراً بأن أفكارها تجد صدى داخل أعلى مستويات السلطة. لذلك يرى مراقبون أن مواجهة جرائم الكراهية لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تبدأ أيضاً من ضبط الخطاب السياسي والإعلامي.


ويعكي الهجوم في سان دييغو أزمة أعمق تتعلق بتنامي التطرف الداخلي في الولايات المتحدة، حيث باتت الكراهية الدينية والعنصرية أحد أبرز مصادر العنف. وتشير تقارير حقوقية إلى ارتفاع ملحوظ في الاعتداءات اللفظية والجسدية ضد المسلمين منذ صعود الخطاب الشعبوي اليميني في السنوات الأخيرة. ويخشى كثيرون من أن يؤدي استمرار هذا المناخ إلى مزيد من الهجمات على المساجد والمراكز الإسلامية، خصوصاً في ظل الانتشار الواسع للمحتوى التحريضي على الإنترنت. كما أن غياب الإدانة الحاسمة من بعض القيادات السياسية، أو استخدام خطاب يميز بين المواطنين على أساس الدين أو الأصل، يساهم في تعميق الانقسام المجتمعي ويقوض قيم التعددية التي تقوم عليها الديمقراطية الأميركية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 5:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد أمريكي جديد: عقوبات تستهدف استخبارات كوبا ووزراء في الحكومة

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، يوم الإثنين، عن حزمة عقوبات جديدة استهدفت وكالة الاستخبارات الرئيسية في كوبا ومجموعة من كبار القادة والوزراء. وتأتي هذه الخطوة في سياق استراتيجية واشنطن المتصاعدة لزيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على النظام في الجزيرة الكاريبية، مما يعمق الفجوة الدبلوماسية بين البلدين.

وأوضح بيان صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (أوفاك) أن القائمة شملت تسعة مسؤولين كوبيين بارزين، من بينهم وزراء الاتصالات والطاقة والعدل. كما طالت الإجراءات العقابية عدداً من القيادات الرفيعة في الحزب الشيوعي الحاكم، بالإضافة إلى ثلاثة جنرالات على الأقل في المؤسسة العسكرية الكوبية.

وتشهد الضغوط الأمريكية تكثيفاً ملحوظاً منذ مطلع العام الجاري، حيث لوحت الإدارة الأمريكية باحتمالية السعي لتغيير القيادة في هافانا. وتتزامن هذه التحركات مع إجراءات مماثلة اتخذتها واشنطن تجاه حلفاء كوبا في المنطقة، لا سيما في فنزويلا، لتقويض نفوذ القوى اليسارية.

وفي إطار التضييق الاقتصادي، نجحت الولايات المتحدة في قطع إمدادات النفط الفنزويلي التي كانت تعتمد عليها كوبا لتأمين نحو نصف احتياجاتها من الوقود. ويفرض البيت الأبيض حصاراً نفطياً مشدداً منذ يناير الماضي، مبرراً ذلك بأن كوبا تمثل تهديداً استثنائياً للأمن القومي الأمريكي نظراً لموقعها الجغرافي.

وتمتد التهديدات الأمريكية لتشمل أطرافاً دولية أخرى، حيث حذرت واشنطن من فرض رسوم جمركية وعقوبات ثانوية على أي دولة تحاول مساعدة هافانا. وتهدف هذه السياسة إلى منع الالتفاف على العقوبات وضمان العزلة التامة للاقتصاد الكوبي عن الأسواق العالمية ومصادر الطاقة البديلة.

وأدى الحصار النفطي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية والخدمية داخل كوبا، حيث باتت البلاد تعاني من انقطاعات كهربائية واسعة النطاق ومستمرة. وأكدت تقارير محلية أن محطات الطاقة المتهالكة لم تعد قادرة على تلبية الطلب المتزايد في ظل النقص الحاد في الوقود اللازم لتشغيلها.

من جانبه، صرح الرئيس الكوبي ميغيل دياز-كانيل بأن بلاده تمتلك الحق الكامل في الدفاع عن سيادتها في حال تعرضت لأي عدوان عسكري مباشر. واتهم دياز-كانيل الإدارة الأمريكية بالبحث عن ذرائع واهية للتدخل العسكري بعد فشل محاولات خنق الاقتصاد عبر الحصار الجائر.

وحذر الرئيس الكوبي من أن أي مغامرة عسكرية أمريكية في المنطقة ستؤدي إلى عواقب كارثية ودموية لا يمكن التنبؤ بمدى تأثيرها. وشدد في خطابه على أن كوبا تظل دولة مسالمة ولا تشكل أي نوع من التهديد للولايات المتحدة أو جيرانها في القارة الأمريكية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الحكومة الكوبية استنفدت بالفعل معظم مخزونها الاستراتيجي من وقود الديزل والفيول المخصص للمولدات الطارئة. وتواجه السلطات تحديات جسيمة في تأمين البدائل، مما يضع البلاد أمام منعطف خطير قد يؤدي إلى انهيار كامل في شبكة الخدمات الأساسية.

اقتصاد

الثّلاثاء 19 مايو 2026 5:22 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة العمل الدولية تحذر من فقدان ملايين الوظائف وتراجع الأجور بسبب حرب الشرق الأوسط

أطلقت منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة تحذيرات شديدة اللهجة بشأن مستقبل سوق العمل العالمي، مؤكدة أن الحرب المستعرة في منطقة الشرق الأوسط بدأت بتقويض مستويات الأجور وظروف العمل بشكل ملموس. وأوضح تقرير حديث للمنظمة أن آثار هذا النزاع لن تقتصر على مناطق المواجهة المباشرة، بل ستمتد لتشمل اقتصادات بعيدة عبر قنوات اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الطاقة العالمية.

ورجح التقرير الذي أعده كبير الاقتصاديين في المنظمة، سانجهيون لي أن يشهد العالمان 2026 و2027 تراجعاً حاداً في الأجور الحقيقية وفقدان ملايين الوظائف، مما يضع ضغوطاً غير مسبوقة على العمال المهاجرين. وأشارت المصادر إلى أن استمرار التوترات الجيوسياسية يؤدي بالضرورة إلى انكماش في قطاعات حيوية مثل السياحة والنقل الدولي، وهو ما ينعكس سلباً على استقرار العمالة في مختلف القارات.

وفي سيناريو قاتم، توقعت المنظمة أنه في حال قفزت أسعار النفط بنسبة 50% فوق مستوياتها التي سبقت اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير الماضي، فإن ساعات العمل العالمية ستنخفض بنسبة 1.1% بحلول عام 2027. هذا الانخفاض يترجم عملياً إلى خسارة هائلة في الإنتاجية العالمية وزيادة مطردة في معدلات الفقر بين الطبقات العاملة التي تعاني أصلاً من التضخم.

وتشير الأرقام الصادرة عن المنظمة إلى فقدان نحو 14 مليون وظيفة بدوام كامل خلال العام الجاري، مع توقعات صادمة بوصول هذا الرقم إلى 43 مليون وظيفة في العام المقبل. كما يتوقع الخبراء ارتفاع معدل البطالة العالمي بمقدار 0.5 نقطة مئوية في عام 2027، مما يعكس حجم الفجوة التي ستخلفها الحرب في هيكلية الاقتصاد الدولي وقدرته على توليد فرص عمل جديدة.

وعلى صعيد الدخول، توقعت منظمة العمل الدولية تراجع القوة الشرائية والدخول الحقيقية للعمال بنسبة تصل إلى 3% في غضون عامين، وهي نسبة تعد مرتفعة جداً في ظل الظروف الراهنة. وأكدت المنظمة أن مناطق الشرق الأوسط ودول الخليج وآسيا والمحيط الهادئ ستكون في طليعة المتضررين، حيث تتركز هناك قطاعات اقتصادية حساسة تتأثر بشكل مباشر بتقلبات أسعار الطاقة وطرق الملاحة.

وفيما يخص المنطقة العربية، ذكر التقرير أن العمال المهاجرين سيتحملون العبء الأكبر من هذه الأزمة، خاصة وأن 40% من الوظائف تتركز في قطاعات عالية المخاطر مثل الإنشاءات والتصنيع والتجارة. وحذرت المنظمة من أن أي تراجع في اعتماد دول الخليج على العمالة الواحدة سيؤدي إلى تجفيف منابع التحويلات المالية الحيوية التي تعتمد عليها ملايين الأسر في جنوب وجنوب شرق آسيا.

وخلصت المنظمة الدولية إلى أن حجم التحديات الراهنة قد يتجاوز في قسوته ما واجهه العالم إبان جائحة كوفيد-19، نظراً لتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية معاً. وشدد التقرير على أن مدى وعمق هذه التأثيرات سيبقى رهناً بتطورات الأوضاع الميدانية في المنطقة، محذراً من أن التأخير في إيجاد حلول سياسية سيعمق من جراح سوق العمل العالمي لسنوات طويلة قادمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 19 مايو 2026 4:22 صباحًا - بتوقيت القدس

مجزرة في مركز إسلامي بكاليفورنيا: 5 قتلى والشرطة تحقق في دوافع كراهية

استيقظت مدينة سان دييغو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية على وقع فاجعة دموية، بعدما أعلنت الشرطة المحلية مقتل خمسة أشخاص في هجوم مسلح استهدف المركز الإسلامي بالمدينة. وأوضحت السلطات أن من بين القتلى المهاجمين اللذين نفذا العملية، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية وضعت الحادث في إطار جرائم الكراهية المستهدفة للمجتمعات الدينية.

وكشف قائد شرطة سان دييغو، سكوت وال، عن تفاصيل مروعة حول الحادثة، مؤكداً أن من بين الضحايا حارس أمن كان يتولى حماية المسجد وقت وقوع الهجوم. وأشار وال إلى أن المهاجمين، وهما في سن المراهقة، قتلا ثلاثة أشخاص بدم بارد قبل أن يفروا من موقع الجريمة ويقدما على الانتحار داخل مركبة كانت تقلهما.

من جانبه، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتعليق على الحادثة، معرباً عن أسفه الشديد لما وصفه بـ 'الوضع المروّع' الذي شهدته الولاية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه البلاد نقاشات حادة حول تصاعد خطاب الكراهية وتأثيره على أمن الأقليات والمراكز الدينية في مختلف الولايات الأمريكية.

وكان تود غلوريا، رئيس بلدية سان دييغو، أول من أعلن عن تفاصيل الهجوم عبر منشور على منصة 'إكس'، موضحاً أن إطلاق النار وقع في حي كليرمونت السكني. وأكد غلوريا أنه على تواصل دائم مع قيادات إنفاذ القانون لمتابعة التطورات الميدانية، مشدداً على أن فرق الطوارئ تعمل بكامل طاقتها لتأمين المنطقة وحماية المدنيين.

وأفادت مصادر ميدانية بأن عناصر مسلحة من الشرطة وقوات التدخل السريع شوهدت وهي تقتحم المجمع الإسلامي لتطهيره والتأكد من عدم وجود تهديدات إضافية. كما طوقت عشرات الدوريات الأمنية الجسور والطرق السريعة المحيطة بالمركز، مما أدى إلى حالة من الاستنفار الأمني الواسع في المنطقة التي تضم كثافة سكانية وتجارية.

وأظهرت لقطات مصورة بثتها وسائل إعلام محلية انتشاراً كثيفاً لمركبات الإسعاف والشرطة بجوار المركز الإسلامي، بينما كان المحققون يجمعون الأدلة من مسرح الجريمة. وتعتبر منطقة كليرمونت من المناطق الحيوية في سان دييغو، حيث يمثل المركز المستهدف نقطة تجمّع رئيسية للمسلمين في المقاطعة كونه يضم أكبر مسجد فيها.

وفي سياق متصل، ذكرت مصادر أمنية أن المهاجمين المراهقين عُثر عليهما جثتين هامدتين داخل سيارة قريبة من الموقع، مما يرجح فرضية الانتحار بعد تنفيذ الهجوم مباشرة. وتعمل المختبرات الجنائية حالياً على فحص الأسلحة المستخدمة وتتبع السجل الرقمي للمهاجمين للوقوف على الدوافع الحقيقية وراء هذا العمل العدائي.

ويعد هذا المركز الإسلامي معلماً بارزاً في مقاطعة سان دييغو، حيث يقدم خدمات دينية واجتماعية واسعة لآلاف المسلمين، وفقاً لبيانات موقعه الإلكتروني الرسمي. وقد أثار الحادث موجة من القلق والتضامن الواسع، وسط مطالبات بضرورة تعزيز الحماية حول دور العبادة لمواجهة التهديدات المتزايدة التي تستهدف الأقليات.

فلسطين

الثّلاثاء 19 مايو 2026 3:37 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة المقابر في غزة: رحلة البحث عن مستقر أخير وسط الركام والحصار

يعيش سكان قطاع غزة أزمة إنسانية غير مسبوقة تتجاوز حدود الموت لتصل إلى البحث عن موطئ قدم للراحلين تحت التراب. فقد ضاقت الأرض بالمشيعين بعد أن امتلأت المقابر تماماً، وزاد من حدة الأزمة قيام الآلة العسكرية الإسرائيلية بتجريف عشرات المدافن خلال العمليات المستمرة، مما دفع الأهالي قسراً نحو خيارات مؤلمة تتمثل في الدفن الجماعي والعشوائي في الساحات والممرات الضيقة.

وفي مشهد يجسد هذه المأساة، خرج جثمان الشهيد محمد عنابة من مستشفى ناصر الطبي محاطاً بتساؤلات ذويه القلقة حول مكان مواراته الثرى. وقد اضطر شقيقه محمود لخوض رحلة بحث شاقة ومضنية للعثور على مساحة صغيرة تؤوي الفقيد، في ظل واقع مرير أصبحت فيه القبور الجماعية هي البديل الوحيد المتاح الذي يفي بالغرض رغم قسوته على قلوب المودعين.

من جانب آخر، تبرز المعاناة المادية كعائق إضافي أمام العائلات المكلومة، حيث يروي المواطن هاشم إبراهيم تفاصيل رحلة البحث عن قبر لشقيقه وسط ارتفاع فاحش في تكاليف التجهيز. هذه المبالغ الباهظة لا تقوى غالبية الأسر النازحة والفقيرة على تأمينها، مما يضطرهم في نهاية المطاف إلى اللجوء للدفن في أماكن غير مخصصة أو فوق قبور قديمة لانتزاع مساحة تكاد تخرج من العدم.

وتتقاطع شهادات العاملين في مهنة الدفن مع تحذيرات رسمية أطلقتها وزارة الأوقاف، والتي نبهت مبكراً إلى خطورة الوضع الكارثي للمقابر في القطاع. وأكدت مصادر محلية أن نقص أماكن الدفن تحول إلى معضلة يومية تؤرق المواطنين، لا سيما مع تعمد الاحتلال استهداف البنية التحتية للمقابر وتدمير حرمة الموتى خلال الاجتياحات البرية المتكررة لمختلف المناطق.

ويزيد الحصار المتواصل من تعقيد المشهد، حيث يمنع دخول مواد البناء الأساسية مثل الإسمنت والحجارة اللازمة لتشييد القبور وتجهيزها بشكل لائق. هذا النقص الحاد جعل من رحلة الموت في غزة ملحمة مستمرة لا تنتهي بمفارقة الحياة، بل تبدأ بفصل جديد من المعاناة للبحث عن مستقر أخير يحفظ كرامة الشهداء في ظل واقع يضيق فيه كل شيء حتى التراب.