في ردٍّ قاطع، نفت وزارة الخارجية الأميركية صحة تقرير إعلامي زعم أن الولايات المتحدة وإسرائيل "تعملان بنشاط" على إنهاء الوصاية الهاشمية الأردنية على المسجد الأقصى المبارك في القدس. وجاء النفي على لسان متحدث رسمي باسم الوزارة، وصفَ الادعاءات بأنها "عارية عن الصحة بشكل قاطع"، مضيفاً أنه "لم يطرأ أي تغيير على هذا الصعيد، وليس لدينا ما نضيفه في هذا الوقت".
ويأتي هذا التكذيب الصارم ليواجه تقريراً نشرته مواقع إخبارية غربية وإقليمية، أبرزها "ميدل إيست آي"، تحدث عن خطة أميركية-إسرائيلية مزعومة تستهدف استبدال إدارة دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن بهيئة إدارية جديدة. وبحسب تلك المصادر، تستهدف الخطة إعادة تعريف هوية الحرم القدسي ليتحول إلى "مركز متعدد الأديان" تُمنح بموجبه تسهيلات للصلاة اليهودية الجماعية، ويمنح إسرائيل نفوذاً في تعيين مسؤولي المسجد والمصادقة على مضامين خطب الجمعة، وهو ما أثار موجة غضب عربية واسعة .
وقد أفاد التقرير الاستقصائي أن الخطة المزعومة تحظى بدعم شخصيات نافذة في الإدارة الأميركية، أبرزها السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، فيما تحدثت مصادر خليجية عن معارضة سعودية لهذا الطرح . في المقابل، سارعت السلطة الوطنية الفلسطينية إلى التحذير من مغبة المساس بالوصاية الهاشمية، معتبرةً إياها "ضمانة أساسية لحماية الهوية العربية والإسلامية للمسجد الأقصى"، ومؤكدةً أن أي محاولة لتغيير الوضع القائم ستكون "تصعيداً خطيراً" يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي .
ويكتسب التقرير المذكور حساسية بالغة كونه يمس ثوابت تاريخية راسخة، حيث تمتد جذور الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لأكثر من قرن، وتحديداً منذ عام 1924، وقد تم الاعتراف بها رسمياً في معاهدة السلام الأردنية-الإسرائيلية عام 1994 التي نصت على احترام "الدور الخاص" للأردن .
ولطالما شكل المسجد الأقصى جوهر الصراع على الهوية والسيادة في الشرق الأوسط، وما يزيد خطورة التسريبات الأخيرة ليس مضمونها فحسب، بل تزامنها مع حالة الاستقطاب الحادة في المنطقة. نفي واشنطن القاطع يبدو ضرورياً لامتصاص الغضب، لكنه يطرح تساؤلات حول مصدر هذه المعلومات التفصيلية التي تحدثت عن أدوار لأسماء نافذة كالسفير هاكابي. فهل نحن أمام بالون اختبار حقيقي لقياس ردة الفعل العربية والإسلامية، أم أن الأمر مجرد فقاعة إعلامية؟ الواقع يؤكد أن مجرد تسريب هذه السيناريوهات يكفي لإشعال الشارع وضرب الثقة في أي وعود دبلوماسية غربية.
ويمثل إضعاف الدور الأردني في القدس تهديداً وجودياً للدولة الأردنية نفسها، فالهاشميون يستمدون شرعيتهم الدينية والتاريخية من حماية المقدسات. أي مخطط لإنهاء هذا الدور لا يستهدف ترتيبات إدارية فحسب، بل يضرب صميم العقد الاجتماعي في الأردن ويحوله من "راعٍ" للمقدسات إلى مجرد جار مراقب. هذا المساس يهدد بإشعال جبهة داخلية هشة أمنياً، ويقوض الدور الوحيد الذي يجمع عليه الأردنيون، مما يخلق فراغاً روحياً وأمنياً على حدود إسرائيل الغربية لا يمكن لترتيبات أمنية بديلة أن تملأه بسهولة.
بعيداً عن صحة الوثائق من عدمها، يعكس الجدل الدائر فشل المنطق التطبيعي الذي روج لتحويل الصراع من مسار ديني/سياسي إلى مجرد "مشروع سياحي استثماري" في قلب العاصمة المحتلة. الإصرار على إعادة تعريف الأقصى كمركز متعدد الأديان يعكس وهماً بأن الهوية الإسلامية للحرم قابلة للتفاوض أو الشراكة التجارية. هذه العقلية تتجاهل حقيقة أن الأقصى ليس متحفاً أثرياً أو محطة لجذب الزوار، بل هو بؤرة عقائدية مشتعلة. أي مساس بهويته ينسف جوهر القضية الفلسطينية ويحول الصراع على الأرض إلى صدام حضاري ممتد مع ملايين المسلمين.
وإذا كان النفي الأميركي يهدف إلى احتواء التداعيات الآنية، فإن الأثر الاستراتيجي الأعمق سيطال مسار التطبيع الإقليمي برمته. دول خليجية وعربية تسير في ركب الاتفاقات الإبراهيمية توضع اليوم أمام اختبار مصداقية صعب مع شعوبها، فقواعد اللعبة تغيرت، ولم يعد ممكناً فصل ملف التطبيع الاقتصادي عن الثوابت الدينية. استمرار التسريبات حول المسجد الأقصى يمنح خصوم التسوية سلاحاً فتاكاً، وقد يجبر أنظمة حليفة لواشنطن على تجميد علاقاتها أو إعادة التموضع خوفاً من غضب الشارع الذي لم يعد يقبل أنصاف الحلول في حماية "قبلة المسلمين الأولى".




