عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 3:23 مساءً - بتوقيت القدس

ليبيا: إعلان الطوارئ في مصفاة الزاوية النفطية إثر اشتباكات مسلحة بمحيطها

شهدت مدينة الزاوية الواقعة غربي ليبيا تصعيداً أمنياً خطيراً اليوم الجمعة، حيث أعلنت السلطات المسؤولة عن مصفاة الزاوية النفطية حالة الطوارئ القصوى داخل المنشأة. وجاء هذا القرار عقب اندلاع اشتباكات مسلحة عنيفة في المناطق المحيطة بالمصفاة، مما أدى إلى سقوط قذائف عشوائية داخل الحرم النفطي، وهو ما أثار مخاوف جدية من وقوع كارثة بيئية أو بشرية.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الإجراءات المتخذة تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير الحماية اللازمة للموظفين والمهندسين العاملين داخل المصفاة، بالإضافة إلى تأمين السكان القاطنين في الأحياء المجاورة. وتأتي هذه التطورات في ظل حالة من التوتر الأمني المتصاعد الذي تعيشه المنطقة، حيث تسعى الجهات المعنية لتفادي أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات الحيوية التابعة لقطاع الطاقة.

وحذرت المصادر من أن استمرار هذه الحالة الأمنية المتردية قد يلقي بظلاله الثقيلة على قطاع النفط الليبي برمته، إذ من المتوقع أن تؤدي حالة الطوارئ إلى تعطل جزئي أو كلي في عمليات الإنتاج. وفي حال لم يتم احتواء الموقف سريعاً، فإن عمليات التصدير قد تتوقف، مما سيكبد الدولة خسائر مالية فادحة في ظل اعتمادها الكلي على الموارد النفطية.

وتعتبر مصفاة الزاوية، التي تبعد نحو 40 كيلومتراً عن العاصمة طرابلس، القلب النابض لعمليات التكرير في البلاد، حيث تصل طاقتها الإنتاجية إلى قرابة 120 ألف برميل يومياً. وتكتسب هذه المنشأة أهمية استراتيجية مضاعفة نظراً لارتباطها الوثيق بحقل الشرارة النفطي، الذي يعد من أضخم الحقول الليبية بطاقة إنتاجية تتجاوز 300 ألف برميل يومياً، مما يجعل أي اضطراب فيها تهديداً مباشراً للأمن القومي الاقتصادي.

وتعيش ليبيا منذ سنوات دوامة من الصراعات السياسية والأمنية المعقدة التي جعلت من المنشآت النفطية هدفاً متكرراً للنزاعات المسلحة. وتتداخل في هذه الأزمة الاعتبارات المحلية بالصراعات على النفوذ، مما يجعل الاستقرار في المناطق الغربية هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة، وهو ما يتكرر بوضوح في محيط مدينة الزاوية ذات الثقل الاقتصادي الكبير.

وكانت المنطقة قد شهدت في وقت سابق مواجهات دامية أسفرت عن مقتل أربعة عناصر وإصابة مدني، مما يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها السلطات في السيطرة على الجماعات المسلحة. وتؤكد هذه الأحداث المتلاحقة أن تأمين مرافق الطاقة يظل التحدي الأكبر أمام أي محاولات لاستعادة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في البلاد التي تعاني من انقسامات حادة.

وفي ظل هذا المشهد الضبابي، يترقب المراقبون مدى قدرة الأجهزة الأمنية على فرض تهدئة تضمن عودة العمل إلى طبيعته داخل المصفاة الحيوية. ويخشى الخبراء من أن يؤدي طول أمد الإغلاق أو حالة الطوارئ إلى نقص في إمدادات الوقود محلياً، فضلاً عن التأثير السلبي على سمعة ليبيا كورد رئيسي للطاقة في الأسواق العالمية.

أحدث الأخبار

الجمعة 08 مايو 2026 3:23 مساءً - بتوقيت القدس

زعيم المعارضة التركية يشيد بالصناعات الدفاعية ويقف أمام صاروخ عابر للقارات

أعرب رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي، أوزغور أوزيل، عن تقديره البالغ للتطور الذي تشهده الصناعات الدفاعية في بلاده، واصفاً إياها بالمنجزات التي تستحق الإشادة والاعتزاز. وجاء ذلك خلال جولة تفقدية أجراها في معرض 'ساها 2026' للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء بمدينة إسطنبول، حيث أكد أن ما شاهده يعكس قدرة تركيا على تحقيق قفزات تكنولوجية نوعية.

وشدد أوزيل، الذي يقود أكبر أحزاب المعارضة التركية، على ضرورة الالتفاف حول المشروعات القومية الكبرى، وفي مقدمتها المقاتلة الوطنية من الجيل الخامس 'قآن'. وأوضح أن هذا المشروع يمثل ركيزة استراتيجية للدولة التركية، داعياً إلى عدم التقليل من شأن الجهود المبذولة في تطويرها، معرباً عن تطلعه لرؤيتها تحلق في السماء في أقرب وقت ممكن.

وخلال تصريحاته للصحفيين، أبدى أوزيل رضاه التام عن مستوى المعروضات العسكرية، مشيراً إلى أن التحولات الجيوسياسية والحروب المعاصرة أثبتت أن امتلاك صناعة دفاعية قوية هو ضرورة وجودية. وأضاف أن كل ما عُرض في أجنحة المعرض يثير الإعجاب ويؤكد أن الكوادر التركية قادرة على المنافسة العالمية في أدق المجالات التقنية.

وشهدت الزيارة محطة بارزة عند جناح شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية 'توساش'، حيث اطلع زعيم المعارضة على مروحية 'غوكباي' متعددة المهام. ودخل أوزيل إلى قمرة قيادة المروحية واستمع إلى شرح مفصل من المهندسين حول مراحل الإنتاج والاختبار، والقدرات العملياتية التي ستضيفها هذه المروحية للأسطول الجوي التركي.

كما توقف أوزيل مطولاً أمام الصاروخ الباليستي العابر للقارات 'يلدريم خان'، الذي يُعد مفاجأة المعرض الكبرى حيث كُشف عنه للمرة الأولى أمام الجمهور. ويتميز هذا الصاروخ بمدى يصل إلى 6 آلاف كيلومتر، مما يضعه ضمن فئة الأسلحة الاستراتيجية الرادعة، وقد حرص أوزيل على التقاط صور تذكارية أمام هذه المنظومة العسكرية المتطورة.

ورافق رئيس الحزب في هذه الجولة الميدانية القيادي أوزغور تشيليك، حيث تجولا في أروقة مركز إسطنبول للمعارض الذي يحتضن الفعالية. وتضمنت الجولة زيارة عدة شركات محلية رائدة، حيث جرى التباحث حول سبل دعم الابتكار الوطني بعيداً عن التجاذبات السياسية الحزبية، تأكيداً على أن الأمن القومي يمثل أولوية جامعة.

ويُعتبر معرض 'ساها 2026' الذي ينظمه تجمع 'ساها إسطنبول' واحداً من أضخم التجمعات الصناعية في القارة الأوروبية، حيث يجمع مئات الشركات المتخصصة في الطيران والفضاء. ويشهد المعرض هذا العام مشاركة دولية واسعة، إلا أن التركيز الأكبر ينصب على المنتجات المحلية التي تعكس استراتيجية تركيا في تقليل الاعتماد على الخارج في تأمين احتياجاتها الدفاعية.

وتأتي هذه الزيارة في توقيت حساس تشهد فيه المنطقة صراعات متزايدة، مما يعزز من أهمية الرسائل السياسية التي بعث بها أوزيل حول وحدة الموقف تجاه الصناعات العسكرية. وقد لاقت تصريحاته صدىً واسعاً في الأوساط التركية، كونها تعكس نضجاً في التعاطي مع الملفات السيادية التي تمس قوة الدولة ومكانتها الإقليمية والدولية.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 3:23 مساءً - بتوقيت القدس

الاتحاد الأوروبي: أكثر من نصف سكان لبنان يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء

أطلقت مفوضة إدارة الأزمات في الاتحاد الأوروبي، حجة لحبيب، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن الوضع الإنساني المتدهور في لبنان، مشيرة إلى أن أكثر من نصف السكان باتوا يعتمدون بشكل كلي على المعونات للبقاء على قيد الحياة. وجاءت هذه التصريحات عقب لقاء جمعها بالرئيس اللبناني في العاصمة بيروت، حيث استعرضت حجم المعاناة التي يواجهها المدنيون في ظل الظروف الراهنة.

وأوضحت المسؤولة الأوروبية أن الإحصائيات الحالية تشير إلى وجود ما يزيد عن 3 ملايين شخص في حاجة ماسة للدعم الإغاثي الفوري. وأكدت أن الاتحاد الأوروبي يسعى جاهداً لسد الفجوات التمويلية، حيث قدم منذ مطلع شهر مارس الماضي مساعدات مالية وعينية تجاوزت قيمتها 100 مليون يورو، شملت تسيير جسر جوي إغاثي.

وفي تفاصيل الدعم اللوجستي، كشفت لحبيب عن وصول 6 طائرات محملة بالمواد الإغاثية الأساسية إلى الأراضي اللبنانية حتى الآن، مع التوقعات بوصول طائرة سابعة يوم السبت المقبل. وتأتي هذه الجهود في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة التي عصفت بالبلاد نتيجة التصعيد العسكري المستمر وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية القاسية.

وعلى الصعيد الميداني، تشير بيانات وزارة الصحة اللبنانية إلى حصيلة ثقيلة من الضحايا، حيث استشهد أكثر من 2700 شخص منذ بداية العدوان الإسرائيلي في مارس الماضي. كما تسببت العمليات العسكرية في موجة نزوح واسعة النطاق، طالت أكثر من مليون مواطن اضطروا لترك منازلهم والبحث عن ملاذات آمنة في ظروف معيشية صعبة.

وفيما يتعلق بالتمويل الدولي، يواجه العمل الإنساني تحديات جسيمة، إذ لم تتمكن الأمم المتحدة من جمع سوى 126 مليون دولار من أصل 308 ملايين دولار كانت قد طلبتها في نداء طارئ. هذا العجز التمويلي يهدد استمرارية البرامج الإغاثية الحيوية، خاصة في ظل تزايد أعداد النازحين والاحتياجات الطبية والغذائية المتصاعدة.

وتطرقت المفوضة الأوروبية إلى المسار السياسي، معتبرة أن وقف إطلاق النار الساري منذ منتصف أبريل الماضي يمثل نافذة أمل ضيقة يجب استثمارها لتحقيق استقرار دائم. ودعت في هذا السياق كافة الأطراف إلى ضبط النفس، مطالبة إسرائيل بوقف عمليات القصف، ومشددة على ضرورة توفر الشجاعة السياسية لمعالجة الجذور العميقة للنزاع.

ويعيش لبنان في الوقت الراهن واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية في التاريخ الحديث، حيث يعتمد الاقتصاد بشكل كبير على تحويلات المغتربين التي تقدر بمليارات الدولارات سنوياً. ورغم هذه التدفقات المالية، إلا أن الانهيار المؤسساتي وتوقف الخدمات الأساسية جعل من المساعدات الدولية شريان الحياة الوحيد لملايين العائلات اللبنانية.

اقتصاد

الجمعة 08 مايو 2026 3:23 مساءً - بتوقيت القدس

تحركات تركية لتمديد اتفاقية الغاز مع الجزائر وتصديره نحو أوروبا

أعلنت الحكومة التركية عن بدء تحركات رسمية تهدف إلى ضمان استمرارية تدفقات الغاز الطبيعي المسال من الجزائر، وذلك عبر تمديد الاتفاقية الحالية قبل موعد انقضائها في سبتمبر من عام 2027. وأكد وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار أن المباحثات مع الجانب الجزائري لا تقتصر فقط على التمديد الزمني، بل تشمل تعميق الشراكة في مجالات التنقيب والإنتاج وتجارة الطاقة بصفة عامة.

وتتضمن الرؤية التركية الجديدة رفع سقف الكميات المستوردة سنوياً من 4.4 مليارات متر مكعب إلى مستويات تتراوح بين 6 و6.5 مليارات متر مكعب، وهو ما يعيد الزخم للتعاون الطاقي التاريخي بين البلدين. وأوضح بيرقدار في تصريحات صحفية من العاصمة أنقرة أن المقترح التركي يتضمن تمديد أمد التعاقد لفترة زمنية طويلة تتراوح ما بين خمس إلى عشر سنوات، لضمان استقرار الإمدادات في ظل التحولات العالمية.

وفي خطوة تعزز دور تركيا كمركز إقليمي للطاقة، أشار الوزير إلى إمكانية تحويل جزء من الغاز الجزائري المسال الواصل إلى المنشآت التركية إلى غاز طبيعي، ومن ثم إعادة ضخه وتصديره نحو الأسواق الأوروبية. وتبرز بلغاريا كوجهة رئيسية محتملة لهذا الغاز، مما يساهم في تعزيز أمن الطاقة في دول جنوب شرق أوروبا التي تبحث عن بدائل مستقرة وموثوقة.

وعلى صعيد التعاون الفني والميداني، كشفت مصادر رسمية عن مشاورات متقدمة لدمج قدرات شركة البترول التركية مع خبرات شركة 'سوناطراك' الجزائرية في عمليات التنقيب البحري. وتهدف هذه الشراكة إلى استخدام سفن المسح الزلزالي وأساطيل الحفر التركية الحديثة للبحث عن النفط والغاز في المياه الإقليمية، مما يفتح آفاقاً جديدة للاستثمار المشترك في الثروات الطبيعية الكامنة.

يأتي هذا الحراك الدبلوماسي والاقتصادي في أعقاب انعقاد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، والذي ترأسه الرئيس رجب طيب أردوغان ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون. ويعكس هذا التنسيق رغبة القيادتين في تحويل التوافق السياسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، تضع البلدين في موقع محوري ضمن خارطة الطاقة العالمية الجديدة.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 2:53 مساءً - بتوقيت القدس

تصدعات في النظام العربي: الحرب على إيران تعيد رسم التحالفات الإقليمية

شهدت الساعات الأخيرة بروز بوادر تفاؤل حذر في الأوساط الدولية حيال إمكانية توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق يقضي بمهلة زمنية قصيرة للتفاوض المكثف. وتتركز هذه المفاوضات على نقاط خلافية جوهرية، برز على رأسها ملف فتح مضيق هرمز، وهو التطور الذي وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالمفاجئ نظراً لتأثيره المباشر على حركة التجارة والطاقة العالمية.

لقد كشفت الحرب الجارية عن هشاشة النظام العربي الذي يعاني أصلاً من تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة. وزاد من حدة هذا الانكشاف دخول جبهات مساندة من لبنان واليمن، مما وضع الدول العربية، وخاصة حلفاء واشنطن من خارج ناتو، في مواجهة مباشرة مع أضرار اقتصادية وأمنية جسيمة لم تنجح الضمانات الأمريكية في درئها.

تعد المفاجأة الأبرز في هذا السياق هي إعلان دولة الإمارات انسحابها من منظمتي أوبك وأوبك+، بالتزامن مع انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي في جدة. هذه الخطوة التي حظيت بترحيب واشنطن، كشفت عن فجوة عميقة بين أبوظبي والرياض، وأظهرت رغبة إماراتية في التحلل من الالتزامات النفطية الجماعية التي تقودها السعودية.

لم تتوقف التداعيات عند الملف النفطي، بل امتدت لتشمل تقارير عن احتمال انسحاب الإمارات من جامعة الدول العربية بعد انتقادات حادة وجهها مسؤولون إماراتيون لبطء استجابة الجامعة تجاه التهديدات الإيرانية. وقد استدعى هذا التوتر زيارات مكوكية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لمحاولة احتواء الموقف ومنع انهيار العمل العربي المشترك.

على الصعيد العسكري، كشفت مصادر إعلامية غربية عن تعاون أمني غير مسبوق بين تل أبيب وأبوظبي، شمل إرسال منظومة القبة الحديدية وطواقم إسرائيلية لتشغيلها. كما تضمنت المساعدات العسكرية تزويد الإمارات بأسلحة متطورة لم تدخل الخدمة الفعلية في الجيش الإسرائيلي بعد، مما جعلها هدفاً مباشراً لبعض الهجمات الإيرانية خلال فترة الحرب.

هذه التحولات دفعت دولاً عربية أخرى لإعادة تموضعها الاستراتيجي، حيث برزت مصر كلاعب فاعل في ملفات إقليمية متعددة. وأعلنت القاهرة استعدادها لنشر قوات عسكرية في الصومال، في خطوة تهدف لمواجهة التحركات الإسرائيلية المتزايدة في منطقة 'أرض الصومال' الاستراتيجية، مما يعكس صراع نفوذ محتدم في القرن الأفريقي.

وفي السودان، اتهمت الحكومة التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان كلاً من إثيوبيا والإمارات بالمسؤولية عن هجمات استهدفت مطار الخرطوم الدولي. وتأتي هذه الاتهامات في ظل حالة من الاستقطاب الإقليمي الحاد، حيث تتداخل المصالح العسكرية والسياسية بين القوى المحلية والقوى الإقليمية الداعمة لها.

المشهد الدبلوماسي شهد أيضاً تحركات لافتة تمثلت في تقارب مصري سوري تجسد بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى القاهرة. هذا التقارب يتزامن مع تشكل محور جديد يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، في محاولة لخلق توازن قوى قادر على التعامل مع تداعيات الحرب على إيران وطموحات إسرائيل التوسعية.

يسعى بنيامين نتنياهو من خلال هذه الحرب إلى استكمال تصفية القضية الفلسطينية ورسم حدود جديدة تشمل أجزاء من لبنان وسوريا. ويطمح المشروع الإسرائيلي المعلن إلى تحويل إسرائيل إلى 'قوة عظمى' تقود تحالفاً اقتصادياً وعسكرياً يمتد من شرق أفريقيا عبر الخليج وصولاً إلى الهند، ليكون بديلاً عن المنظومات الإقليمية التقليدية.

إن فشل فكرة الأمن الجماعي التي تأسس بناءً عليها مجلس التعاون الخليجي عام 1981 أصبح حقيقة واقعة بعد الحرب الأخيرة. فقد أثبتت الأحداث أن الاعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية لم يحقق الردع المطلوب، بل أدى إلى استنزاف موارد المنطقة وتركها مكشوفة أمام التهديدات الإقليمية المتزايدة.

ختاماً، يرى مراقبون أن النظام العربي يمر بمرحلة 'رجل مريض' جديدة، حيث تتسارع عمليات التقسيم وإعادة التشكيل. وبينما تحاول بعض القوى العربية استعادة زمام المبادرة، تظل المخاوف قائمة من أن تؤدي أي تسوية بين واشنطن وطهران إلى 'سايكس بيكو' جديدة تكرس النفوذ الأجنبي على حساب المصالح العربية العليا.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 2:39 مساءً - بتوقيت القدس

المؤرخ عومر بارتوف: إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة والصهيونية أيديولوجيا تفوق عرقي

في تحول فكري وتاريخي لافت، أعلن المؤرخ الإسرائيلي الأمريكي عومر بارتوف، أحد أبرز خبراء الهولوكوست والإبادة الجماعية في جامعة براون، استنتاجه بأن إسرائيل ارتكبت فعلياً جريمة إبادة جماعية في قطاع غزة. وجاء هذا الإعلان بعد عامين من التردد والبحث، حيث وثق بارتوف رؤيته في مقالات نشرتها صحيفة نيويورك تايمز، مما أثار ردود فعل واسعة في الأوساط الأكاديمية والسياسية العالمية.

ويرى بارتوف في كتابه الجديد 'إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث' أن ما يجري في غزة ليس مجرد خلل عارض أو انحراف مؤقت عن مسار الدولة، بل هو نتاج أيديولوجيا تتبنى التفوق العرقي والقومي. وأشار إلى أن الصهيونية، بصيغتها الحالية، باتت تشكل عائقاً أمام تحول إسرائيل إلى دولة طبيعية، مؤكداً أن قدرة هذه الأيديولوجيا على إنتاج إبادة جماعية تجعل من استمرارها أمراً مستحيلاً وغير مشروع.

وعلى الرغم من حدة انتقاداته، يواجه بارتوف صراعاً داخلياً في تعريف هويته السياسية، حيث يرفض حتى الآن وصف نفسه بـ 'المناهض للصهيونية' رغم أن طروحاته تقود إلى هذه النتيجة بشكل مباشر. ويعزو مراقبون هذا التردد إلى التنشئة الصهيونية العميقة التي تجعل من التخلي عن هذا المسمى خيانة أو هرطقة في الوعي الإسرائيلي، حتى بالنسبة للمثقفين المقيمين في المنفى.

وتشير القراءات التحليلية لمواقف بارتوف إلى وجود فجوة بين إيمانه بـ 'صهيونية نقية' سابقة وبين الواقع الدموي الحالي، حيث يفترض المؤرخ أن انحرافاً أصاب مسار الدولة التي كانت توصف بـ 'النبيلة'. إلا أن الوقائع التاريخية تشير إلى أن جذور الإقصاء ونزع الملكية بدأت منذ فجر الصهيونية، ولم تكن وليدة اللحظة أو مرتبطة فقط بصعود اليمين المتطرف المتمثل في نتنياهو وبن غفير.

إن جوهر الأزمة يكمن في الإيمان بتفوق مجموعة عرقية أو دينية بين النهر والبحر، وهو ما يجعل الصهيونية تتشابه مع أنظمة أيديولوجية شمولية سابقة لم تقبل التشكيك في مبادئها. ويؤكد بارتوف أن استمرار إسرائيل تحت هذه المظلة سيمنعها من الاندماج في سياق الدول الطبيعية، خاصة وأن ممارساتها في غزة قد حطمت الحواجز الأخلاقية التي كانت تحاول الاختباء خلفها لعقود طويلة.

ختاماً، يمثل موقف بارتوف صرخة من داخل المؤسسة الأكاديمية المرتبطة بالهوية الإسرائيلية، وهي دعوة لتحطيم الحظر المفروض على نقد الصهيونية كفكر سياسي. فالمطالبة باختفاء هذه الأيديولوجيا لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة يفرضها الواقع الإنساني والقانوني بعد ما شهدته غزة من فظائع، مما يضع المجتمع الدولي والأكاديمي أمام استحقاقات جديدة لمواجهة تعريفات التفوق العرقي.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 2:39 مساءً - بتوقيت القدس

هارودز تعوض 75 ضحية من ضحايا محمد الفايد والشرطة البريطانية تحقق مع عناصرها

أعلنت إدارة متاجر هارودز الشهيرة في العاصمة البريطانية لندن عن إتمام إجراءات دفع تعويضات مالية لأكثر من 75 سيدة من ضحايا الاعتداءات الجنسية التي تورط فيها مالك المتجر السابق، رجل الأعمال الراحل محمد الفايد. وتأتي هذه الخطوة ضمن آلية داخلية استحدثتها المؤسسة في مارس 2025 للتعامل مع التبعات القانونية والأخلاقية للانتهاكات التي كُشف عنها مؤخراً.

وأوضحت المتاجر الراقية في بيان رسمي أن إجمالي الطلبات التي تلقتها للحصول على تعويضات بلغ 259 طلباً حتى الآن. وبينما تم تسوية ملفات العشرات، أكدت الإدارة أن هناك نحو 200 ملف إضافي لا تزال تخضع لعمليات مراجعة دقيقة وشاملة لضمان استحقاق المتقدمات للتعويضات المقررة وفق المعايير المتبعة.

بالتوازي مع هذه التطورات، دخلت المؤسسة الشرطية في بريطانيا على خط الأزمة من زاوية المساءلة المهنية. حيث أعلنت هيئة التفتيش المستقلة التابعة للشرطة عن فتح تحقيق موسع يستهدف خمسة من عناصر الأمن، بينهم شرطي لا يزال في الخدمة وأربعة آخرون من المتقاعدين، للاشتباه في تقصيرهم الوظيفي.

ويتركز التحقيق الأمني حول كيفية تعامل هؤلاء العناصر مع بلاغات رسمية قدمتها أربع ضحايا في سنوات سابقة ضد محمد الفايد. وتشير الشبهات إلى أن الشرطيين المعنيين ربما تقاعسوا عن اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة أو تجاهلوا تلك البلاغات بشكل أدى إلى إفلات الجاني من العقاب أثناء حياته.

من جانبها، أكدت شرطة لندن التزامها الكامل بالتعاون مع المحققين المستقلين للوصول إلى الحقيقة وتحديد المسؤوليات. وأشارت المصادر إلى أن فتح هذا التحقيق يعد إجراءً ضرورياً لفحص السلوك المهني، لكنه لا يعني بالضرورة صدور قرارات تأديبية نهائية قبل اكتمال كافة جوانب البحث والتحري.

وكانت قضية محمد الفايد، الذي فارق الحياة في عام 2023 عن عمر ناهز 94 عاماً، قد أحدثت صدمة واسعة في المجتمع البريطاني والدولي. فقد ظل رجل الأعمال المصري لسنوات طويلة بعيداً عن الملاحقة القضائية رغم نفوذه الواسع وامتلاكه لمؤسسات كبرى مثل نادي فولهام الإنكليزي وفندق ريتز باريس.

وبدأت ملامح هذه الجرائم تظهر للعلن بشكل مكثف عقب تحقيق استقصائي بثته مصادر إعلامية في سبتمبر 2024. وتضمن التحقيق شهادات صادمة لنساء كنّ يعملن في متجر هارودز، حيث اتهمن الفايد بارتكاب جرائم اغتصاب واعتداءات جنسية متكررة داخل مقار عملهن.

ولم تتوقف الاتهامات عند حدود محمد الفايد وحده، بل امتدت لتشمل شقيقيه علي وصلاح، حيث وجهت لهما اتهامات مماثلة تتعلق بالاعتداء الجنسي والاتجار بالبشر. هذه المعطيات الجديدة دفعت العديد من الضحايا لكسر حاجز الصمت والمطالبة بالعدالة والتعويض عن الأضرار النفسية والجسدية التي لحقت بهن.

وتواجه إدارة هارودز الحالية ضغوطاً كبيرة لتنظيف إرث المؤسسة من التجاوزات التي حدثت في عهد الإدارة السابقة. وتسعى الآلية التي وضعتها الشركة إلى تقديم جبر ضرر مادي للناجيات، في محاولة لترميم سمعة المتجر الذي يعد واحداً من أبرز المعالم التجارية والسياحية في لندن.

ويرى مراقبون أن هذه القضية تفتح الباب مجدداً أمام تساؤلات حول نفوذ أصحاب الثروات وقدرتهم على حجب الحقائق لسنوات طويلة. كما تسلط الضوء على الثغرات في المنظومة الأمنية التي قد تسمح بتجاهل صرخات الضحايا، مما يجعل التحقيق الحالي مع عناصر الشرطة خطوة مفصلية في مسار العدالة.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 2:39 مساءً - بتوقيت القدس

البحرية الإيرانية تحتجز ناقلة النفط 'أوشن كوي' في بحر عُمان

أعلنت السلطات الرسمية في طهران، اليوم الجمعة، عن تمكن القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني من السيطرة على ناقلة نفط في مياه بحر عُمان. وأوضحت المصادر أن العملية جاءت عقب رصد تحركات للناقلة التي تحمل اسم 'أوشن كوي'، حيث اتُهمت بمحاولة الإضرار بالمصالح الاقتصادية للبلاد أثناء عبورها في منطقة استراتيجية بالقرب من مضيق هرمز.

وبحسب البيانات الصادرة عن التلفزيون الرسمي، فقد جرت مرافقة السفينة المحتجزة إلى السواحل الجنوبية لإيران تحت حراسة مشددة من القطع البحرية. وأكدت التقارير أنه جرى تسليم الناقلة وطاقمها إلى الجهات القضائية المختصة للبدء في التحقيقات القانونية اللازمة، وذلك بتهمة محاولة عرقلة تدفق الصادرات النفطية الإيرانية والمساس بالأمن القومي الاقتصادي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا الإجراء يأتي في سياق تشديد طهران لرقابتها على الممرات المائية الحيوية، مع التأكيد على ضرورة التنسيق المسبق مع السلطات الإيرانية للمرور. وتفرض منظمة الملاحة البحرية في البلاد ضوابط صارمة تتعلق بمعايير الأمن والسلامة، بالإضافة إلى اشتراط دفع رسوم محددة لضمان العبور الآمن للسفن التجارية وناقلات الطاقة عبر مضيق هرمز.

وحتى هذه اللحظة، لم يتم الكشف عن هوية المالك أو الدولة التي ترفع الناقلة 'أوشن كوي' علمها، كما لم تصدر أي بيانات توضيحية حول طبيعة الحمولة أو الوجهة النهائية التي كانت تقصدها. وفي المقابل، يسود صمت دولي حذر تجاه الواقعة، حيث لم تعقب المنظمات البحرية الدولية أو القوى الكبرى المتواجدة في المنطقة على عملية الاحتجاز بشكل رسمي بعد.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس تشهد فيه الممرات البحرية في منطقة الشرق الأوسط توترات متصاعدة، مما يضع أمن الطاقة العالمي على المحك. ويُعد مضيق هرمز وبحر عُمان من أكثر الممرات المائية حيوية في العالم، حيث يمر عبرهما جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، مما يجعل أي احتكاك عسكري أو قانوني فيهما محط أنظار الأسواق الدولية.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 2:38 مساءً - بتوقيت القدس

إرهاب المستوطنين يلاحق مهجري الأغوار: نزوح قسري تحت وطأة التهديد بالترحيل للأردن

لم تكن رحلة النزوح التي خاضتها العائلات البدوية من منطقة رأس العوجا في الأغوار الفلسطينية سوى انتقال من معاناة إلى أخرى أشد قسوة. فبعد أن ظن السكان أن لجوءهم إلى قرية العوسج شمال مدينة أريحا سيوفر لهم الأمان، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع ذات المستوطنين الذين هجروهم من مساكنهم الأصلية، لتبدأ فصول جديدة من الملاحقة والترهيب الممنهج.

يروي المواطن سليمان زايد، أحد المهجرين من تجمع شلال العوجا أن تهديدات المستوطنين لم تتوقف عند حدود الاعتداء الجسدي، بل وصلت إلى توجيه رسائل صريحة تطالبهم بالرحيل النهائي نحو الأردن. وأكد زايد أن المستوطنين يقتحمون منازلهم الجديدة بعد تخريب السياج المحيط بها، مستخدمين طائرات مسيرة لانتهاك خصوصية العائلات وبث الرعب في نفوس الأطفال والنساء.

وتشير الشهادات الميدانية إلى أن الاعتداءات التي يتعرض لها السكان في موقع نزوحهم الحالي تنفذها المجموعات الاستيطانية ذاتها التي كانت تهاجمهم في شلال العوجا. هذا الإصرار على الملاحقة يعكس خطة ممنهجة تهدف إلى تضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار، ودفع السكان نحو هجرات متتالية تنتهي بإخلاء المنطقة بالكامل لصالح التوسع الاستيطاني.

المعاناة لا تقتصر على التهديدات الأمنية، بل تمتد لتشمل تدمير المقومات الاقتصادية لهذه العائلات التي تعتمد بشكل أساسي على تربية الماشية. فقد سجلت المنطقة فقدان نحو 1500 رأس من الأغنام خلال العام الماضي، منها 400 رأس تعود لعائلة زايد وحدها، دون أن تتلقى هذه العائلات أي تعويضات تمكنها من الصمود في وجه سياسات الإفقار المتبعة ضدها.

وفي ظل هذا الواقع المرير، تفتقر قرية العوسج والمناطق المحيطة بها لأبسط الخدمات الأساسية والبنية التحتية الضرورية للحياة الآدمية. وتعاني العائلات من غياب المراكز الصحية وشبكات المياه والكهرباء، مما يجعل العيش في هذه المناطق تحدياً يومياً، خاصة في حالات الطوارئ الطبية التي قد تؤدي إلى الوفاة نتيجة بعد المسافة عن أقرب مستشفى.

ويمثل التعليم عبئاً إضافياً على كاهل العائلات المهجرة، حيث يضطر الأطفال لقطع مسافة تصل إلى 12 كيلومتراً ذهاباً وإياباً للوصول إلى مدارسهم. وخلال هذه الرحلة الشاقة، يتعرض الطلاب لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين الذين يكمنون لهم ويرشقونهم بالحجارة، مما دفع العديد من الأطفال لرفض الذهاب للمدرسة خوفاً على حياتهم.

وتؤكد مصادر محلية أن ما يحدث في الأغوار هو جزء من سياسة أوسع يقودها وزراء متطرفون في حكومة الاحتلال، تهدف إلى تغيير الواقع الديموغرافي في الضفة الغربية. وتتنوع أساليب العنف بين الاعتداء المباشر، وتخريب الممتلكات، ومنع الرعي، وصولاً إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في مراقبة وترهيب التجمعات البدوية المعزولة.

وبحسب معطيات رسمية صادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد شهد شهر أبريل الماضي تصعيداً خطيراً بواقع 1637 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال والمستوطنون. وأوضحت الهيئة أن المستوطنين وحدهم كانوا مسؤولين عن 540 اعتداءً استهدفت بشكل مباشر المواطنين وممتلكاتهم في مختلف مناطق التماس، مع تركيز خاص على التجمعات البدوية.

ومنذ بدء العدوان الأخير في أكتوبر 2023، تسارعت عمليات التهجير القسري لتشمل أكثر من 79 تجمعاً بدوياً فلسطينياً في الضفة الغربية. وأدت هذه الاعتداءات إلى تشريد ما يزيد عن 814 عائلة، تضم أكثر من 4700 مواطن، وجدوا أنفسهم بلا مأوى أو مصدر رزق بعد تدمير تجمعاتهم والاستيلاء على أراضيهم الرعوية.

ويبقى صمود الفلسطينيين في الأغوار معلقاً بمدى توفر الدعم والمساندة من الجهات الرسمية والحقوقية لمواجهة هذه الهجمة الاستيطانية الشرسة. فبدون تعزيز مقومات البقاء وتوفير الحماية الدولية، ستظل هذه العائلات فريسة لمخططات التهجير التي لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تلاحقهم في كل شبر يحاولون الاستقرار فيه.

صحة

الجمعة 08 مايو 2026 2:09 مساءً - بتوقيت القدس

دجاج التسمين بين الكفاءة الإنتاجية والمخاوف الصحية: قراءة في جودة الغذاء الحديث

تحول دجاج التسمين في العقود الأخيرة من مجرد منتج ثانوي إلى الركيزة الأساسية لتأمين البروتين الحيواني لملايين البشر حول العالم. هذا التحول جاء نتيجة ثورة تقنية وعلمية في مجالات الوراثة والتغذية، مما جعل الدواجن المصدر الأرخص والأكثر توفراً في الأسواق العالمية.

شهدت صناعة الدواجن طفرة غير مسبوقة منذ منتصف القرن الماضي، حيث باتت الدجاجة قادرة على بلوغ وزن يتجاوز 2.5 كيلوجرام في غضون 35 يوماً فقط. هذه السرعة الفائقة في الإنتاج قلصت الفجوات الغذائية في الدول النامية، لكنها أثارت تساؤلات جوهرية حول جودة المنتج النهائي.

يؤكد الخبراء أن لحم الدجاج يظل مصدراً ممتازاً للبروتين عالي الجودة، كونه يحتوي على كافة الأحماض الأمينية الضرورية لبناء الجسم. كما يمتاز بسهولة هضمه، مما يجعله خياراً مثالياً للفئات العمرية المختلفة من الأطفال إلى كبار السن.

إلى جانب البروتين، يوفر الدجاج عناصر حيوية مثل فيتامينات المجموعة (B) التي تدعم الجهاز العصبي وعمليات إنتاج الطاقة. كما يمد الجسم بالحديد والزنك، وهما عنصران لا غنى عنهما لتعزيز المناعة والوقاية من أمراض فقر الدم الشائعة.

على الجانب الآخر، تسببت وتيرة النمو المتسارعة في ظهور مشكلات نسيجية لم تكن معهودة من قبل، مثل ظاهرة 'الصدر الخشبي'. هذه التغيرات ليست مجرد عيوب بصرية، بل تؤشر على تحولات في التركيبة الكيميائية للحم تؤثر على جودته الغذائية.

تشير الدراسات العلمية إلى أن هذه الحالات النسيجية تؤدي غالباً إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة الدهون داخل الألياف العضلية للدجاج. هذا الارتفاع يقابله انخفاض في المحتوى البروتيني، مما يعني أن القيمة الغذائية قد لا تكون ثابتة في جميع المنتجات.

يمثل اختلال توازن الأحماض الدهنية تحدياً خفياً في دجاج التسمين الحديث، نتيجة الاعتماد الكثيف على أعلاف الذرة والصويا. هذا النمط الغذائي يرفع نسبة 'أوميجا 6' مقابل 'أوميجا 3'، وهو ما قد يحفز الالتهابات المزمنة في جسم الإنسان.

يرى مختصون أن الاستهلاك المفرط لهذا النوع من الدهون قد يرفع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسكري على المدى البعيد. ورغم أن هذه الآثار لا تظهر بشكل فوري، إلا أنها تندرج ضمن المخاطر الصامتة التي تهدد الصحة العامة في المجتمعات الحديثة.

تعد قضية استخدام المضادات الحيوية في المزارع من أكثر القضايا إثارة للقلق لدى المنظمات الصحية الدولية. فبينما تستخدم للعلاج، فإن سوء استخدامها كمنشطات نمو يؤدي إلى نشوء سلالات بكتيرية مقاومة للعقاقير الطبية البشرية.

انتقال هذه البكتيريا المقاومة إلى الإنسان يمثل تهديداً وجودياً للطب الحديث، حيث تصبح الأمراض البسيطة مستعصية على العلاج. كما أن التعرض المستمر لبقايا هذه المضادات قد يخل بالتوازن الدقيق للبكتيريا النافعة في أمعاء المستهلكين.

في سياق الشائعات، ينفي العلم والواقع الاقتصادي استخدام الهرمونات في تربية الدواجن كما يشاع شعبياً. فالتكلفة العالية لهذه الهرمونات وصعوبة حقن كل طائر على حدة تجعل من هذا الادعاء أمراً غير منطقي من الناحية التجارية والعملية.

أما فيما يخص الربط بين تناول الدجاج والإصابة بالسرطان، فلا توجد أدلة علمية قاطعة تدعم هذا الزعم حتى الآن. المشكلة الحقيقية تكمن عادة في طرق الطهي غير الصحية، مثل القلي العميق أو الحرق، أو في استهلاك اللحوم المصنعة المليئة بالمضافات.

يتطلب التعامل مع دجاج التسمين وعياً استهلاكياً يبدأ من اختيار القطع التي تخلو من الخطوط الدهنية الواضحة. وينصح خبراء التغذية بضرورة إزالة الجلد والدهون الظاهرة قبل عملية الطهي لتقليل السعرات الحرارية والمخاطر المرتبطة بالدهون المشبعة.

ختاماً، يبقى التنويع في مصادر البروتين هو الحل الأمثل لتجنب المخاطر المحتملة لأي نوع غذائي منفرد. فإدخال الأسماك والبقوليات في النظام الغذائي، مع اتباع طرق طهي صحية كالسلق والشوي، يضمن الحصول على الفوائد مع تقليل الأضرار إلى أدنى مستوياتها.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 1:38 مساءً - بتوقيت القدس

مخاوف نسائية في المغرب من 'فيتو' الزمن السياسي على تعديلات مدونة الأسرة

تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة للحكومة المغربية من قبل هيئات ومنظمات نسائية، احتجاجاً على ما وصفته بـ 'التجاهل الممنهج' لإخراج الصيغة المعدلة لمدونة الأسرة. وأعربت 'التنسيقية النسائية من أجل التغيير الشامل والعميق' عن قلقها البالغ من صمت الجهاز التنفيذي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية، مشيرة إلى أن هذا الغموض يضع علامات استفهام حول الإرادة السياسية الحقيقية لتحقيق الإصلاح المنشود قبل انتخابات سبتمبر المقبل.

ووجهت الفعاليات النسائية رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، انتقدت فيها خلو حصيلة عمله الحكومي من أي إشارات واضحة لمصير مشروع إصلاح قانون الأحوال الشخصية. واعتبرت التنسيقية أن هذا المسلك يمثل تراجعاً عن التوجيهات الرسمية التي واكبت انطلاق الورش التشريعي، وتجاهلاً للمقترحات التي قدمتها الحركة الحقوقية والنسائية على مدار أشهر من الترافع والنقاش العمومي.

وأكدت الهيئات الموقعة على الرسالة أن التأخير في عرض المشروع على البرلمان يعد 'تماطلاً غير مقبول' يفاقم المآسي اليومية التي تعاني منها الأسر المغربية جراء نصوص قانونية وصفتها بالتمييزية. وطالبت بضرورة تسريع المسطرة التشريعية لضمان مواءمة القوانين مع التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع المغربي، خاصة في ظل بروز أنماط أسرية جديدة تتطلب حماية قانونية أكثر إنصافاً وعدلاً.

واستندت المنظمات النسائية في مطالبها إلى معطيات إحصائية رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط لعام 2025، والتي كشفت عن تحولات بنيوية في نسيج الأسرة المغربية، من بينها ارتفاع مؤشرات الهشاشة وتزايد عدد الأسر التي تعيلها النساء. وشددت الرسالة على أن هذه التحولات تفرض على الدولة تحمل مسؤوليتها في وضع ترسانة قانونية تتجاوز المفاهيم التقليدية للقوامة والتراتبية، وتكرس مبدأ المساواة في الحقوق والمسؤوليات بين الطرفين.

يُذكر أن مسار تعديل مدونة الأسرة كان قد انطلق بتوجيهات ملكية أواخر عام 2023، حيث رفعت الهيئة المكلفة مقترحاتها التي تجاوزت 100 تعديل إلى العاهل المغربي في مارس 2024. ورغم انتهاء المشاورات مع مختلف الفاعلين السياسيين والدينيين والحقوقيين، إلا أن المشروع لا يزال يراوح مكانه في الردهات الحكومية، مما يفتح الباب أمام سجالات حادة بين التيارات الحداثية والمحافظة حول المرجعية النهائية للتعديلات.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 12:43 مساءً - بتوقيت القدس

مؤتمر حركة فتح: اختبار الشرعية الوطنية وتجديد المشروع

لا يمكن النظر إلى المؤتمر القادم لحركة “فتح” باعتباره مجرد محطة تنظيمية داخلية محكومة بحسابات الأسماء أو التوازنات التقليدية، بل هو لحظة سياسية مفصلية ستحدد ملامح المرحلة الفلسطينية المقبلة، ليس فقط على مستوى الحركة، وإنما على مستوى المشروع الوطني الفلسطيني برمّته. فمخرجات هذا المؤتمر ستكون موضع قراءة دقيقة من الشارع الفلسطيني، كما ستكون محل رصد إقليمي ودولي، باعتبار أن “فتح” ما زالت تشكل العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية.


في هذا السياق، يصبح المؤتمر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحركة على تجديد ذاتها، واستعادة ثقة قواعدها، وتجديد شرعيتها النضالية والتنظيمية في لحظة وطنية بالغة الحساسية.


أولاً: مروان البرغوثي… الرمز والنهج


تبرز قضية انتخاب القادة التاريخيين الذين شكّلوا رموزًا للثبات الوطني، وفي مقدمتهم الأسير القائد مروان البرغوثي. فحضوره في أي استحقاق فتحاوي لا يمكن اختزاله في إطار منافسة شخصية، لأنه بات يمثل حالة سياسية ووطنية تتجاوز حدود الفرد إلى فضاء الرمز الجامع.


إن التصويت له ليس مجرد تأييد لاسم، بل تعبير واضح عن التمسك بخيار وطني مقاوم، وإيمان بقيادة دفعت ثمن مواقفها من حريتها ولم تساوم على الثوابت. كما أن انتخابه بأغلبية واسعة يحمل رسالة سياسية عميقة للاحتلال وللأطراف الدولية، مفادها أن الشرعية الوطنية الحقيقية تنبع من إرادة الشعب وقواه الحية، لا من ترتيبات فوقية أو حسابات ظرفية.


ثانيًا: الأسرى المحررو 

البوصلة الأخلاقية


في السياق ذاته، يبرز حضور الأسرى المحررين المرشحين لانتخابات المجلس الثوري واللجنة المركزية كأحد أهم مرتكزات استعادة هيبة الحركة وتجديد مشروعها.


إن انتخاب هؤلاء المناضلين، الذين خبروا التضحية في أقبية التحقيق وعتمة الزنازين، يمثل بوصلة أخلاقية ووطنية لا تخطئ. فوجودهم في مواقع صنع القرار يشكل ضمانة حقيقية لبقاء قضية الأسرى والتحرر الوطني في قلب البرنامج السياسي للحركة، كما يمثل تكريسًا لشرعية الميدان التي تمنح “فتح” حصانتها المعنوية وثقة قواعدها الشعبية.


ثالثًا: جدلية المحاسبة والإنصاف


يتحمل أعضاء المؤتمر مسؤولية تاريخية تستوجب ممارسة دورهم بوعي وطني عميق، عبر محاسبة كل من كان له دور فعلي في تراجع مكانة الحركة وإضعاف حضورها الوطني.


وفي المقابل، فإن الإنصاف يقتضي التمسك بالقادة الذين شكّلوا صمام أمان للحركة؛ أولئك الذين حاربوا الفساد ودفعوا ثمن مواقفهم، أو الذين قدّموا أبناءهم شهداء على طريق التحرير.


ورغم أي اختلاف في الرؤى أو التقديرات السياسية، فإن الوطنية والإخلاص للحركة والقضية يجب أن يبقيا المعيار الحاكم، لأن استبعاد هذه الكفاءات الوطنية لا يمثل خسارة تنظيمية فحسب، بل إضعافًا للحالة الوطنية الفلسطينية برمتها.


رابعًا: إنصاف قطاع غزة واستعادة التمثيل الحقيقي


يشكل المؤتمر أيضًا فرصة تاريخية لإنصاف أبناء الحركة في قطاع غزة، عبر ضمان تمثيل حقيقي وفاعل للقيادات المتواجدة داخل القطاع، ممن يعيشون معاناة شعبهم اليومية ويخوضون تفاصيل المواجهة الوطنية تحت وطأة العدوان والحصار.


إن تمثيل غزة لا ينبغي أن يكون تمثيلًا شكليًا أو رمزيًا، بل يجب أن يعكس حضورًا سياسيًا وتنظيميًا حقيقيًا. كما أن من يفوز بثقة أبناء القطاع يفترض أن يكون حاضرًا بينهم، قريبًا من نبضهم ومعاناتهم، لأن شرعية التمثيل لا تكتمل إلا بالالتصاق بالميدان وتحمل مسؤولياته المباشرة.


خامسًا: معايير القيادة واستحقاق الإصلاح


المؤتمر لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استفتاء على الأشخاص، بل يجب أن يكون مناسبة لإعادة صياغة معايير القيادة داخل الحركة.


فالمرحلة الراهنة تفرض اختيار قيادات تتمتع بالنزاهة والكفاءة والقدرة على الاشتباك مع التحديات الوطنية الكبرى، بعيدًا عن شبكات المصالح ومراكز النفوذ التقليدية.


المطلوب اليوم قيادة تحمل مشروعًا واضحًا للإصلاح الداخلي، وتعيد الاعتبار لقضايا الشهداء والأسرى والجرحى، وتستعيد ثقة القواعد التنظيمية التي أنهكها الجمود والإحباط.


أخيرًا: لحظة الاختيار


إن الرهان الحقيقي يكمن في قدرة المؤتمر على إنتاج رؤية سياسية وتنظيمية تعيد لـ”فتح” دورها التاريخي كرافعة للمشروع الوطني الفلسطيني.


فالتحديات الراهنة، من العدوان المستمر على غزة إلى محاولات تصفية القضية الوطنية، تتطلب حركة موحدة، متماسكة، وقادرة على استعادة زمام المبادرة.


إن المؤتمر يمثل لحظة اختيار بين مسارين واضحين:

إما مسار استعادة الدور الطليعي وتجديد الشرعية الوطنية،

وإما مسار استمرار الأزمة وإعادة إنتاج الجمود.


وفي هذه اللحظة، لا يكون التصويت مجرد اختيار لأسماء، بل قرارًا يتعلق بمستقبل الحركة، وبمستقبل القضية الفلسطينية ذاتها.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 12:38 مساءً - بتوقيت القدس

انتقادات حقوقية وكنسية لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر

تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، عقب إحالته من الحكومة إلى مجلس النواب لمناقشته. وتركزت الاعتراضات على ما وصفه مراقبون بتعزيز قبضة المؤسسة الدينية على الشؤون المدنية للمواطنين، وسط دعوات ملحة لضرورة إجراء حوار مجتمعي شفاف يضم كافة الأطراف المتضررة والخبراء القانونيين.

وطالب القس عيد صلاح، رئيس المجلس القضائي والدستوري في الكنيسة الإنجيلية، بضرورة الاستماع إلى أصوات المتضررين وعلماء الاجتماع قبل إقرار القانون بصفته النهائية. وأشار صلاح إلى أن واضعي المشروع ليسوا معصومين من الخطأ، مؤكداً أن البرلمان هو الجهة الوحيدة المختصة بالتشريع ولا يجوز فرض وصاية عليه من أي جهة أخرى.

وأثار مشروع القانون تساؤلات قانونية معقدة حول مدى دستورية تحصين قرارات الكنيسة فيما يخص منح تصاريح الزواج الثاني. حيث يمنع القانون بشكل قاطع زواج من طلق لعلة الزنا أو غير انتمائه الطائفي إلا بموافقة كنسية مسبقة، وهو ما يراه البعض تقييداً لحق إنساني أصيل في تكوين أسرة تحت مظلة القانون المدني.

من جانبها، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريراً بعنوان 'أهلية منقوصة'، انتقدت فيه السرية التي أحاطت بعمل لجان صياغة القانون على مدار السنوات الخمس الماضية. واعتبرت المبادرة أن غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين عن جلسات الحوار التي نظمتها وزارة العدل يفرغ العملية التشغيلية من قيمتها الديمقراطية ويجعلها مقتصرة على التوافقات الكنسية الرسمية.

وانتقد التقرير الحقوقي حضور ممثلين عن جهات أمنية وسيادية في جلسات صياغة المسودة النهائية التي تم التوقيع عليها في ديسمبر 2024، في حين غاب ممثلو المجتمع المدني. وأكدت المبادرة أن هذا النهج يعزز المخاوف من تمرير القانون بسرعة استجابة لتوجيهات سياسية دون مراعاة للحساسيات الاجتماعية والدينية العميقة التي يثيرها الملف.

وفيما يخص قضايا الانفصال، أبقى مشروع القانون على سلطات واسعة بيد الكهنة والقيادات الكنسية في مسائل التطليق ومنح تصاريح الزواج الجديد. وترى المنظمات الحقوقية أن حرمان الطرف المخطئ في قضايا الزنا من الزواج مرة أخرى يمثل 'عقوبة أبدية' تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان والشرائع التي تفتح باب التوبة والرجوع.

واقترحت المبادرة المصرية آلية تضمن أحقية الطرفين في الزواج مرة أخرى بقوة القانون بمجرد صدور حكم قضائي بالتطليق أو بطلان الزواج. وشددت على ضرورة أن يقتصر دور الكنيسة على الإخطار بالحكم، أو على الأقل تنظيم آلية واضحة للطعن أمام المحاكم المدنية في حال رفضت الكنيسة منح التصريح الديني.

وعلى صعيد الإجراءات الإدارية، انتقدت القوى الحقوقية اشتراط تقديم 'شهادة خلو موانع' تصدرها الكنيسة كشرط لعقد الخطبة والزواج. وتمنح هذه الشهادة الكهنة سلطة تقييم 'الحياة الروحية' للراغبين في الزواج ومدى مواظبتهم على الطقوس الدينية، وهو ما يعتبر تدخلاً في الخصوصية الشخصية والحرية العقائدية للأفراد.

وطالبت المقترحات البديلة بتحويل شهادة خلو الموانع إلى إجراء إداري بحت يقتصر على التأكد من السن وصلة القرابة والحالة الاجتماعية فقط. ويهدف هذا التعديل إلى منع استخدام الطقوس الدينية كأداة للضغط أو المنع من ممارسة الحقوق المدنية التي كفلها الدستور المصري لجميع المواطنين دون تمييز.

أما في ملف الطلاق، فقد انتقدت المبادرة حصر أسباب التطليق في اتهامات قاسية مثل الخيانة الزوجية أو المثلية الجنسية، لما تسببه من وصم اجتماعي حاد. وأشارت إلى أن هذه البنود تجعل من عملية إثبات الضرر أمام المحاكم أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، مما يطيل أمد النزاعات القضائية لسنوات طويلة.

كما اعتبر الحقوقيون أن مدة السنوات الثلاث التي حددها القانون كفترة فرقة قبل الحصول على الإلغاء المدني للزواج هي مدة مبالغ فيها وتزيد من معاناة الأسر. وطالبوا بتقليص هذه المدة إلى سنة واحدة فقط، مع ضرورة تنظيم الحقوق المترتبة عليها مثل حضانة الأطفال والولاية التعليمية ومسكن الزوجية بشكل واضح.

ورغم الانتقادات، أقر الحقوقيون بوجود مكتسبات هامة في المشروع، أبرزها النص الصريح على المساواة في الميراث بين الرجال والنساء المسيحيين. ويعد هذا المطلب من أبرز القضايا التي ناضلت من أجلها الحركات النسائية المسيحية لسنوات، لإنهاء العمل بقواعد الميراث المستمدة من الشريعة الإسلامية في هذا الجانب.

وفي رد رسمي على هذه المخاوف، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة اجتهدت في إعداد المسودة بالاستعانة بخبراء متخصصين. وأوضح مدبولي أن الحكومة تدرك حالة الجدل التي تثيرها قوانين الأسرة، مؤكداً الانفتاح الكامل على إجراء تعديلات برلمانية تضمن توازن المصالح بين جميع الأطراف المعنية.

وقد أحال رئيس مجلس النواب مشروع القانون إلى اللجان النوعية المختصة لدراسته بشكل مفصل وإعداد تقرير يعرض على الجلسة العامة. ومن المتوقع أن تشهد أروقة البرلمان نقاشات ساخنة حول المواد الخلافية، خاصة في ظل الضغوط التي تمارسها منظمات المجتمع المدني لضمان خروج قانون يحترم الحقوق المدنية والدستورية.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 12:38 مساءً - بتوقيت القدس

المغرب والجزائر يتصدران قائمة الملاذات الآمنة للمطلوبين للعدالة الفرنسية

كشفت تقارير إعلامية فرنسية، استناداً إلى مذكرة سرية صادرة عن المكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة أن المغرب والجزائر يتربعان على عرش الدول التي يلجأ إليها الفارون من العدالة الفرنسية. وأوضحت الوثيقة المؤرخة في مطلع شهر مايو الجاري أن السلطات الأمنية تتابع تحركات مئات المطلوبين الذين اتخذوا من دول شمال أفريقيا ملاذاً للاختباء من الملاحقات القضائية.

وتشير البيانات الرسمية التي أعدتها 'الفرقة الوطنية للبحث عن الفارين' إلى أن المغرب يأتي في المرتبة الأولى عالمياً، حيث يُشتبه بوجود نحو 218 مطلوباً فرنسياً على أراضيه. وتأتي الجزائر في المرتبة الثانية مباشرة بوجود 124 شخصاً ملاحقاً، مما يضع البلدين في صدارة اهتمامات الأجهزة الأمنية الفرنسية الساعية لاسترداد المتورطين في قضايا جنائية مختلفة.

وأكدت المصادر أن تطور شبكات الجريمة المنظمة مكن بعض المجرمين المصنفين كـ 'خطرين جداً' من إدارة عملياتهم غير القانونية من خارج الحدود الفرنسية بكل أريحية. وتعتبر السلطات الفرنسية أن توقيف هؤلاء الأفراد يمثل أولوية قصوى لتقويض شبكات تهريب المخدرات الدولية والجريمة العابرة للحدود التي تهدد الأمن القومي الفرنسي.

وقد اعتمد المحققون في بناء هذا التصنيف على تحليل دقيق لنحو 3600 'نشرة حمراء' صادرة عن منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول). كما شملت الدراسة تقييماً للدول التي توفر بيئة محتملة للاختباء، حيث ضمت القائمة إلى جانب المغرب والجزائر، كلاً من إسرائيل وتونس والإمارات العربية المتحدة بنسب متفاوتة من المطلوبين.

وتكشف المذكرة عن تباين ملحوظ في نوعية الجرائم المرتكبة بناءً على الوجهة التي يختارها الفارون؛ ففي إسرائيل تبلغ نسبة المطلوبين في قضايا مالية واقتصادية نحو 91%. أما في دولة الإمارات، فإن القضايا المالية تشكل 38% من إجمالي الملفات، مما يشير إلى توجه المتورطين في غسيل الأموال والاحتيال الضريبي نحو هذه المناطق.

وفيما يخص المغرب، أظهرت الإحصائيات أن قرابة نصف المطلوبين (49%) ملاحقون في قضايا تتعلق بتهريب وترويج المخدرات. كما يواجه 27% منهم تهماً تتعلق بالانخراط في منظمات إجرامية، بينما تقتصر القضايا المالية والاقتصادية على 11% فقط من مجموع الملاحقين الفرنسيين المتواجدين هناك.

أما في الحالة الجزائرية، فإن النسبة الأكبر من المطلوبين تندرج تحت قضايا 'الحق العام' بنسبة تصل إلى 47%. وتتوزع بقية النسب بين الجريمة المنظمة بنسبة 25%، وجرائم الاتجار بالمخدرات بنسبة 21%، وهو ما يعكس تنوع الخلفيات الجنائية للأشخاص الذين يختارون الجزائر كوجهة للفرار.

ولم تقتصر القائمة على الدول العربية وشمال أفريقيا فحسب، بل شملت أيضاً دولاً مثل تركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والسنغال وصربيا وتايلاند. وتعكس هذه الخارطة الجغرافية الواسعة التحديات الكبيرة التي تواجه القضاء الفرنسي في تعقب المطلوبين الذين يستغلون ثغرات التعاون الدولي للهروب من العقاب.

ويقر المحققون الفرنسيون بوجود عقبات قانونية وسياسية تحول دون استعادة هؤلاء الفارين، لا سيما أن العديد من الدول ترفض مبدأ تسليم مواطنيها إلى دول أخرى. هذا الوضع دفع الشرطة القضائية الفرنسية إلى إعداد قائمة خاصة تحت مسمى 'أهداف ذات أولوية' للتركيز على الرؤوس الكبيرة في عالم الجريمة.

وتهدف هذه الاستراتيجية الجديدة إلى تقليص شعور 'الإفلات من العقاب' لدى المجرمين الذين يعتقدون أن مغادرة الأراضي الفرنسية تعني نهاية الملاحقة. وتكثف فرنسا حالياً اتصالاتها الدبلوماسية والأمنية مع الدول المعنية لتفعيل اتفاقيات تسليم المجرمين وتعزيز التنسيق القضائي المشترك.

وفي سياق متصل، تثير هذه الأرقام تساؤلات حول فعالية الرقابة الحدودية والتعاون الأمني بين ضفتي المتوسط في مواجهة الجريمة المنظمة. ويرى مراقبون أن نشر هذه المعلومات في هذا التوقيت قد يضغط على الحكومات المعنية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المقيمين الأجانب المطلوبين دولياً.

ختاماً، تظل قضية الفارين من العدالة ملفاً شائكاً يؤثر على العلاقات الثنائية بين فرنسا والدول المذكورة في التقرير. ومع تزايد ضغوط الرأي العام الفرنسي لمكافحة الجريمة، يبدو أن باريس تتجه نحو تصعيد إجراءاتها القانونية لملاحقة 'أهدافها ذات الأولوية' أينما وجدوا.

تحليل

الجمعة 08 مايو 2026 12:38 مساءً - بتوقيت القدس

دبلوماسية الحافة: واشنطن وطهران وصراع الإرادات في الشرق الأوسط

تشهد منطقة الشرق الأوسط مع دخول الربع الثاني من عام 2026 تحولات جيوسياسية عميقة تضع القوى الإقليمية والدولية أمام اختبارات قاسية. وتتداخل في هذا المشهد المصالح القومية المتصادمة مع طموحات الهيمنة، مما يعيد للأذهان أزمات دولية كبرى سابقة لكن بأدوات وفواعل معاصرة.

تقف واشنطن وطهران اليوم على مسافة خطوة واحدة من مواجهة شاملة أو انفراجة كبرى قد تعيد رسم خارطة التحالفات في المنطقة بالكامل. وتجري هذه التطورات تحت مظلة ما يعرف بدبلوماسية الحافة، حيث يسعى كل طرف لانتزاع أكبر قدر من المكاسب قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.

أفادت مصادر بأن احتمالات التهدئة الحالية لا تنبع من رغبة في بناء ثقة متبادلة، بل هي نتاج حاجة استراتيجية ماسة لالتقاط الأنفاس من الجانبين. فإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية وبنيوية حادة أعقبت اضطرابات عام 2025، مما يجعل الاستمرار في التصعيد مخاطرة بسلامة الجبهة الداخلية.

في المقابل، تدرك الإدارة الأمريكية أن استمرار عدم الاستقرار في ممرات الطاقة العالمية يستنزف هيبتها كضامن للأمن الملاحي الدولي. كما أن الفراغات الأمنية الناتجة عن هذا التوتر تفتح الباب واسعاً أمام تغلغل نفوذ قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا في المنطقة.

تظل معضلة الضمانات هي العائق الأكبر أمام أي تقدم حقيقي، خاصة وأن الثقة تعاني من شرخ وجودي منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018. والمفاوضات التي تستضيفها إسلام آباد حالياً لا تسعى لترميم الماضي، بل لمحاولة صياغة هندسة أمنية جديدة كلياً.

تتجاوز الطروحات الحالية الملف النووي لتشمل النفوذ الإقليمي والترسانة الصاروخية، وهو ما يجعل الوصول لاتفاق أمراً معقداً للغاية. ويرجح مراقبون أن المخرج الوحيد المتاح حالياً هو الهدنة التقنية التي تضمن تخصيباً محدوداً مقابل تسهيلات مالية وأمن ملاحي.

تحول مضيق هرمز في عام 2026 إلى ما يشبه القنبلة الاقتصادية الموقوتة القادرة على تفجير استقرار الاقتصاد العالمي في أي لحظة. ومع تجاوز أسعار النفط حاجز 120 دولاراً للبرميل، أصبح المضيق الورقة الرابحة التي تستخدمها طهران للضغط على القوى الكبرى.

تدرك طهران أن تهديد تدفق النفط يجبر العواصم الصناعية في آسيا وأوروبا على ممارسة ضغوط مباشرة على البيت الأبيض لتقديم تنازلات ملموسة. ورغم التحول العالمي نحو الطاقة البديلة، إلا أن التبعية للنفط والغاز الخليجي لا تزال تشكل عصب الاقتصاد المعولم.

إن أي إغلاق كلي للمضيق سيعني دخول العالم في نفق الركود التضخمي، وهو سيناريو تخشاه واشنطن وحلفاؤها بشدة في الوقت الراهن. لذا، فإن العرض الإيراني المضمن يرتكز على معادلة الأمن مقابل المرور لكسر الحصار البحري المفروض على موانئها.

تسعى الإدارة الأمريكية الحالية لتحقيق ما تصفه بالصفقة الكبرى التي تنهي الطموح النووي والإقليمي الإيراني بضربة دبلوماسية واحدة. وتريد واشنطن اتفاقاً شاملاً يتجاوز في مكاسبه ما تحقق في عام 2015، ليكون انتصاراً سياسياً مدوياً للإدارة الحالية.

على الجانب الآخر، يعتمد التكتيك الإيراني على سياسة حياكة السجاد، وهي التفاوض بالنقاط وتفكيك الألغام العاجلة مع الاحتفاظ بالمعرفة التقنية. وتناور طهران لكسب الوقت ريثما تتغير الموازين الدولية، مقايضةً انتشارها الإقليمي بالاعتراف السياسي الكامل بنفوذها.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن التوجه نحو اتفاق إطاري هجين هو المسار الأكثر واقعية في ظل الظروف الراهنة والمعقدة. ولن يكون هذا الاتفاق صلحاً تاريخياً ينهي عقود العداء، بل سيكون بمثابة خارطة طريق لخفض التصعيد ومنع الانزلاق نحو الحرب.

تدرك واشنطن أن تكلفة تغيير النظام في إيران بالقوة عام 2026 باهظة جداً ولا يمكن للميزانية الأمريكية تحمل تبعاتها المرهقة. كما تدرك طهران في المقابل أن أي مواجهة مباشرة ومفتوحة قد تعصف بكيان النظام واستقراره السياسي بشكل نهائي.

تفرض العقلانية السياسية على الطرفين السير في مسار الهدنة القلقة، حيث تظل الأصابع على الزناد بينما تستمر لغة التفاوض في الأروقة. إنها مرحلة إعادة تموضع استراتيجي يسعى فيها كل طرف لحماية مصالحه الحيوية دون الدخول في صراع مدمر.

عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 12:24 مساءً - بتوقيت القدس

انتحلا صفة أمراء عرب.. السجن لشقيقين في أمريكا بتهمة احتيال بقيمة 21 مليون دولار

أسدلت محكمة أمريكية الستار على واحدة من أغرب قضايا الاحتيال المالي في ولاية أوهايو، بإصدار أحكام قاسية بالسجن ضد الشقيقين زبير ومزمل الزبير. وقد أدانت المحكمة الشقيقين بإدارة مخطط إجرامي معقد مكنهما من الاستيلاء على مبالغ ضخمة وصلت إلى 21 مليون دولار عبر انتحال شخصيات وهمية.

وقضت المحكمة بسجن زبير الزبير البالغ من العمر 42 عاماً لمدة 24 عاماً، بينما نال شقيقه الأصغر مزمل حكماً بالسجن لمدة 23 عاماً. وجاءت هذه الأحكام بعد ثبوت تورطهما في سلسلة من العمليات الاحتيالية التي استمرت لثلاث سنوات، مستغلين مظاهر الثراء الفاحش لخداع ضحاياهم.

ولم تقتصر القضية على الشقيقين فحسب، بل شملت مايكل سميدلي، رئيس ديوان رئيس بلدية إيست كليفلاند، الذي حُكم عليه بالسجن لأكثر من ثماني سنوات. وأثبتت التحقيقات أن المسؤول المحلي استغل منصبه لتسهيل أنشطة الأخوين مقابل الحصول على رشى وهدايا فاخرة ومدفوعات نقدية.

واعتمد الشقيقان في مخططهما على بناء صورة زائفة من النفوذ الدولي، حيث ادعى زبير كذباً ارتباطه بعلاقة مصاهرة مع عائلة مالكة في الإمارات. وفي المقابل، قدم مزمل نفسه كخبير في إدارة صناديق التحوط، معتمداً على معلومات سطحية استقاها من مشاهدة مقاطع فيديو تعليمية على منصة يوتيوب.

وكشفت مصادر قضائية أن المتهمين عاشا حياة تضاهي حياة الأثرياء الحقيقيين، حيث استخدما أموال الضحايا في استئجار طائرات خاصة لرحلات دولية شملت لندن ومدريد. كما شملت مقتنياتهم سيارات فارهة وساعات ثمينة، بالإضافة إلى بندقية كلاشينكوف مطلية بالذهب تم تصميمها خصيصاً لهما.

وتنوعت قائمة الضحايا لتشمل مستثمرين من جنسيات مختلفة، كان أبرزهم مستثمر صيني تعرض لخسارة فادحة بلغت 18 مليون دولار بعد إقناعه بمشاريع وهمية. كما طالت عمليات الاحتيال صديقة سابقة لأحد الشقيقين في الإمارات، والتي خسرت مئات الآلاف من الدولارات نتيجة وعود استثمارية كاذبة.

ولعب المسؤول الحكومي سميدلي دوراً حاسماً في إضفاء الشرعية على هذه العمليات عبر تزويد الشقيقين بوثائق رسمية تحمل شعار المدينة. بل وذهب الأمر إلى حد إصدار بطاقات هوية شرطية لهما، وتعيين أحدهما في منصب مستشار اقتصادي دولي وهمي للمدينة لتسهيل تحركاتهما المشبوهة.

ووجه القاضي دونالد نوجنت انتقادات لاذعة للمتهمين خلال جلسة النطق بالحكم، واصفاً أفعالهم بأنها ألحقت ضرراً بالغاً بسمعة المدينة وثقة المستثمرين. وأكد القاضي أن التفاخر بالسيارات الفارهة والطائرات الخاصة كان مجرد قناع لإخفاء عمليات سرقة ممنهجة لأموال الناس ومدخراتهم.

وفي ختام المحاكمة التي استمرت أسبوعين، أدانت هيئة المحلفين المتهمين بتهم التآمر لارتكاب رشوة واحتيال إلكتروني وغسل أموال. وتعتبر هذه القضية درساً في مخاطر استغلال النفوذ السياسي وتزوير الهويات الدولية في تنفيذ جرائم مالية عابرة للحدود.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

بشعار 'نركض للحرية'.. انطلاق ماراثون فلسطين الدولي العاشر من بيت لحم وغزة

شهدت مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية المحتلة، صباح الجمعة، انطلاق النسخة العاشرة من ماراثون فلسطين الدولي، الذي يحمل هذا العام شعار 'نركض من أجل الحرية'. وتأتي هذه النسخة بعد توقف قسري دام عامين نتيجة تداعيات الحرب الإسرائيلية المستمرة، ليعود الماراثون كرسالة تحدٍ وإصرار فلسطيني على ممارسة الحياة والرياضة رغم القيود.

وبدأت الفعاليات الرسمية في تمام الساعة السادسة صباحاً بانطلاق السباق الكامل لمسافة 42.195 كيلومتراً من أمام كنيسة المهد التاريخية وسط بيت لحم. وشارك في هذا الحدث آلاف العدائين الفلسطينيين إلى جانب متضامنين أجانب، في تظاهرة رياضية تهدف لتسليط الضوء على تقييد حرية الحركة التي يفرضها الاحتلال على الفلسطينيين.

واتسمت نسخة هذا العام بصبغة وطنية جامعة، حيث أفادت مصادر منظمة بأن سباقاً مماثلاً انطلق بالتزامن في قطاع غزة لمسافة 5 كيلومترات. وبدأ مسار سباق غزة من منطقة جسر وادي غزة باتجاه الشمال، في خطوة رمزية تؤكد على وحدة الجغرافيا الفلسطينية رغم الحصار والدمار الذي خلفه العدوان.

وفي بيت لحم، سلك العداءون مساراً طويلاً يمر بمحاذاة معالم تبرز واقع المعاناة الفلسطينية، حيث مر السباق بجانب مسجد بلال بن رباح وجدار الفصل العنصري شمالي المدينة. كما شمل المسار المرور بمخيم عايدة للاجئين، وشارع القدس-الخليل، وصولاً إلى مخيم الدهيشة والبلدة القديمة في بلدة الخضر، قبل الختام عند منطقة برك سليمان الأثرية.

وصرحت المنسقة العامة للماراثون، اعتدال عبد الغني، بأن عدد المشاركين الإجمالي تجاوز 13 ألف عداء، ما يعكس رغبة واسعة في المشاركة بهذا الحدث الوطني. وأوضحت أن من بين المشاركين 2523 عداءً من قطاع غزة، إضافة إلى نحو ألف مشارك أجنبي قدموا من 75 دولة حول العالم لدعم القضية الفلسطينية.

وإلى جانب السباقات الميدانية، شهد الماراثون تنظيماً افتراضياً واسع النطاق في عدة دول حول العالم خلال الفترة ما بين 17 و21 أبريل نيسان الماضي. وشارك في النسخة الافتراضية أكثر من 5 آلاف شخص من 88 دولة، مما منح الماراثون بعداً دولياً يتجاوز الحدود الجغرافية المفروضة على الأرض.

وتنوعت فئات السباق لتشمل مسافات مختلفة تناسب كافة المستويات، بدءاً من الماراثون الكامل ونصف الماراثون لمسافة 21 كيلومتراً، وصولاً إلى سباق 10 كيلومترات. كما تم تخصيص سباق خاص للعائلات لمسافة 5 كيلومترات، لضمان مشاركة مجتمعية واسعة تشمل الأطفال وكبار السن في هذه التظاهرة.

وعلى الصعيد التنظيمي، أشرف على السباق طاقم تحكيمي مكون من 12 حكماً متخصصاً، مدعومين بغرفة تحكم إلكترونية و12 مراقباً موزعين على طول المسار لضمان الدقة. كما ساهم أكثر من 100 متطوع في عمليات التنظيم اللوجستي، مع توفير 11 محطة مخصصة لتوزيع المياه وتقديم الإسعافات الأولية والمغذيات للمشاركين.

ويأتي تنظيم هذا الحدث بجهود مشتركة بين المجلس الأعلى للشباب والرياضة الفلسطيني، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، وبلدية بيت لحم. ويهدف المنظمون من خلال هذه الفعالية إلى كسر العزلة التي يحاول الاحتلال فرضها على المدن الفلسطينية، وتعزيز الرواية الفلسطينية عبر الرياضة العالمية.

ويعتبر عودة الماراثون هذا العام دليلاً قاطعاً على إصرار الشعب الفلسطيني على البقاء والتنمية رغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب والقيود المشددة. فالماراثون ليس مجرد سباق رياضي، بل هو صرخة احتجاج ضد جدار الفصل والمستوطنات التي تخنق المدن والقرى الفلسطينية وتعيق تطورها الرياضي والاجتماعي.

وتأتي هذه الفعالية في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً غير مسبوق منذ اندلاع حرب الإبادة في قطاع غزة في أكتوبر 2023. حيث تواصل قوات الاحتلال عمليات القتل والاعتقال الممنهجة، إلى جانب التوسع الاستيطاني الذي يلتهم مساحات واسعة من الأراضي التي يمر عبرها مسار الماراثون.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن التصعيد في الضفة الغربية أسفر عن استشهاد ما لا يقل عن 1155 فلسطينياً وإصابة نحو 11 ألفاً و750 آخرين منذ بدء الحرب. كما بلغت حالات الاعتقال أرقاماً قياسية بتجاوزها 22 ألف حالة، مما يجعل من تنظيم فعالية بهذا الحجم إنجازاً وطنياً كبيراً في ظل هذه الظروف.

أما في قطاع غزة، فإن الماراثون الرمزي أقيم فوق ركام الدمار الذي خلفته الإبادة الجماعية التي أدت لاستشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني. ورغم وجود أكثر من 172 ألف جريح، إلا أن مشاركة أكثر من ألفي عداء في غزة بعثت برسالة قوية للعالم حول إرادة الحياة التي لا تقهر.

وفي ختام الفعالية، كرمت الجهات المنظمة الفائزين في مختلف الفئات، مؤكدة أن الفوز الحقيقي يكمن في الوصول إلى خط النهاية رغم كل الحواجز. ويبقى ماراثون فلسطين الدولي منصة سنوية تجمع العالم في قلب بيت لحم، للتأكيد على حق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والحركة دون قيود.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس

الصراع الديموغرافي في فلسطين: قراءة في كتاب يحلل هندسة السكان من النكبة إلى حرب الإبادة

صدر حديثاً عن مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة كتاب بعنوان 'الصراع الديموغرافي في فلسطين، من النكبة إلى حرب الإبادة'، للباحثين جمال البابا وهاني طالب. يقدم الكتاب دراسة تحليلية معمقة تقع في 250 صفحة، متناولاً السياسات السكانية كأداة للتحكم في عدد السكان وتوزيعهم الجغرافي، وكيفية تسخيرها لإعادة ترتيب المجال البشري وفق أهداف سياسية واستراتيجية.

يرى المؤلفان أن الديموغرافيا في الحالة الفلسطينية تتجاوز مجرد الأرقام الإحصائية لتصبح في قلب الصراع على الأرض والسيادة. فالسياسات السكانية تنخرط مباشرة في تثبيت السيطرة عبر التحكم في عناصر الخصوبة والوفيات والهجرة، وهي أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع البشري بما يخدم المشاريع الاستيطانية أو يعزز مشاريع المقاومة والصمود.

يستعرض الكتاب الخلفية التاريخية للتركيب السكاني في فلسطين، موضحاً كيف تحول التوازن من حالة استقرار تاريخية قبل عام 1948 إلى وضع مشحون بالتدخلات الموجهة. فقد ساهم الانتداب البريطاني في توفير إطار قانوني وإداري للهجرة اليهودية المنظمة، مما حولها من حركة فردية إلى أداة لإعادة رسم الخريطة السكانية وامتلاك الأرض.

يشير الباحثان إلى أن الاختلال الديموغرافي الذي تكرس بعد النكبة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة تراكم سياسات استعمارية تفاعلت فيها الهجرة مع عمليات شراء الأراضي. هذا المسار أنتج واقعاً سكانياً جديداً أدى إلى تفكك العديد من التجمعات الفلسطينية تحت ضغط التحولات القسرية وبروز البؤر الاستيطانية المكثفة.

تتوقف الدراسة عند محطة السابع من أكتوبر 2023، معتبرة إياها منعطفاً حاسماً في مسار التحولات الديموغرافية الفلسطينية. فقد أدت العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية إلى موجات نزوح داخلي واسعة النطاق، مما أعاد توزيع السكان داخل قطاع غزة بشكل قسري وغير مسبوق.

يوضح الكتاب أن آثار الحرب تجاوزت المواجهة العسكرية لتطال البنية الاجتماعية العميقة، حيث أدى ارتفاع معدلات الوفيات والنزوح الطويل إلى تغيير في التركيبة العمرية. هذه التحولات، المرتبطة بأفعال القتل والتطهير العرقي، تهدف إلى إضعاف الحضور الفلسطيني في مناطق استراتيجية ومنح السيطرة الميدانية بعداً ديموغرافياً مباشراً.

رغم الظروف الضاغطة، يؤكد المؤلفان أن المجتمع الفلسطيني يمتلك ديناميات صمود تعيد إنتاج الحضور السكاني رغم التهجير. فالعامل الديموغرافي يتحول في هذا السياق إلى عنصر مقاومة، حيث تساهم معدلات الخصوبة المرتفعة والتركيبة الشابة في الحفاظ على طاقة سكانية قادرة على التأثير في المدى الطويل.

تواصل سلطات الاحتلال توظيف أدوات متعددة للهندسة السكانية، يبرز منها الاستيطان كركيزة أساسية لفرض واقع جغرافي يصعب تفكيكه. وتترافق هذه السياسات مع قيود مشددة على البناء والحركة للفلسطينيين، مما يدفع نحو أنماط من النزوح الصامت الذي يعيد تشكيل التوزيع البشري ببطء لصالح المستوطنين.

يتناول الكتاب تباين شروط النمو السكاني الفلسطيني بين الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل المحتل، حيث تؤدي الهجرة الداخلية والخارجية دوراً في إعادة رسم الخريطة. ويشير الباحثان إلى ضعف الأدوات المؤسسية الفلسطينية القادرة على بلورة سياسات سكانية منظمة لمواجهة التحديات الراهنة.

يطرح المؤلفان أربعة سيناريوهات لمستقبل الصراع الديموغرافي، أولها استمرار الاتجاهات الحالية في النمو والتوزيع ضمن نسق تدريجي وبطيء. هذا السيناريو يفترض بقاء العوامل المؤثرة في وضع قريب من الراهن دون حدوث انعطافات حادة في موازين القوى البشرية.

أما السيناريو الثاني فيتوقع مساراً أكثر حدة يرتبط بتصاعد المواجهات العسكرية أو تكثيف السياسات القسرية، مما قد يؤدي إلى نزوح واسع وإعادة توزيع قسري للسكان. هذا المسار من شأنه أن يعمق الاختلالات الديموغرافية في زمن وجيز ويغير معالم الخريطة بشكل جذري.

ويفترض السيناريو الثالث أن استمرار معدلات الخصوبة العالية لدى الفلسطينيين سيؤدي إلى تحول في الميزان العددي لصالحهم على المدى الطويل. هذا الاحتمال يعتمد على القدرة التراكمية للديناميات الداخلية الفلسطينية في تعزيز الحضور السكاني في مختلف المناطق التاريخية.

ويتعلق السيناريو الرابع بإمكانية التوصل إلى تسوية سياسية تعيد تنظيم التوزيع السكاني وتخفف من حدة التوتر القائم. ويرى الباحثان أن هذا المسار يظل رهيناً بإرادات سياسية معقدة وتوازنات دولية وإقليمية يصعب ضبطها في ظل الواقع الميداني الحالي.

في الختام، يثني الكتاب على اعتبار صراع الهيمنة عملية متحركة تتجاوز الميدان العسكري لتطال بنية المجتمع. ورغم بعض الملاحظات النقدية حول تأخر ربط المفاهيم النظرية بالواقع الميداني، يظل العمل إضافة نوعية تضع الديموغرافيا في مركز التفكير الاستراتيجي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي دامٍ في جنوب لبنان واستشهاد مسعف وسط موجة نزوح جديدة

صعّد الجيش الإسرائيلي من عملياته العسكرية في جنوب لبنان صباح اليوم الجمعة، حيث شنت طائراته سلسلة غارات جوية مكثفة ترافقت مع قصف مدفعي طال مناطق واسعة. وأفادت مصادر ميدانية بأن الساعات الماضية كانت الأعنف، إذ تركزت الهجمات على محاور تمتد من مدينة النبطية وصولاً إلى القطاع الغربي في محيط مدينة صور.

وفي تطور ميداني خطير، استشهد عنصر من الدفاع المدني اللبناني جراء استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لسيارة كانت تسلك الطريق الواصل بين بلدتي كفرشوبا وكفرحمام في قضاء حاصبيا. وتأتي هذه الحادثة في سياق استهدافات متكررة تطال الطواقم الإغاثية والطبية العاملة في المناطق الحدودية اللبنانية.

وأصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء قسرية جديدة لسكان بلدات النميرية، وطيرفلسيه، وحلوسية، وطورا، ومعركة، مطالباً إياهم بمغادرة منازلهم فوراً. وتزامن صدور هذه الإنذارات مع قصف مدفعي عنيف استهدف أطراف بلدتي المنصوري وبيوت السياد، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة للسكان باتجاه مناطق أكثر أمناً.

ميدانياً أيضاً، حاولت قوة إسرائيلية مدعومة بآليات عسكرية التقدم فجراً نحو منطقة بيوت السياد قبالة بلدة البياضة تحت غطاء من القصف المدفعي الكثيف. ونفذت المروحيات الإسرائيلية عمليات تمشيط واسعة في محيط المنطقة، في محاولة لتثبيت نقاط عسكرية جديدة وسط مواجهات متقطعة في تلك المحاور.

وفي انتهاك صارخ للمواثيق الدولية، نفذ الطيران الإسرائيلي غارة تحذيرية استهدفت فرق إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني والجيش اللبناني أثناء توجهها لبلدة زبقين. وكانت الفرق تحاول سحب جثامين شهداء وجرحى سقطوا في غارة سابقة، إلا أن القصف الإسرائيلي المباشر أجبرها على الانسحاب من الموقع.

وشهد قضاء النبطية الحصة الأكبر من الغارات الجوية، حيث استهدفت الطائرات الحربية المدينة والقرى المحيطة بها وصولاً إلى الضفة الشمالية لنهر الليطاني. وأكدت مصادر طبية استشهاد 10 أشخاص وإصابة نحو 40 آخرين في ثلاث غارات استهدفت بلدات الدوير وحاروف وحبوش خلال ساعات الليل المتأخرة.

وعلى الصعيد السياسي، يسود لبنان حالة من الترقب الحذر بانتظار جولة مفاوضات مرتقبة مع الجانب الإسرائيلي في واشنطن يومي 14 و15 مايو الحالي. وتشير المعلومات إلى أن سيمون كرم سيرأس الوفد اللبناني، في خطوة تعكس رفع مستوى التمثيل والتنسيق المباشر مع رئاسة الجمهورية لحسم الملفات العالقة.

وفي قطاع غزة، واصلت قوات الاحتلال استهداف المقرات الأمنية والمدنية، حيث استشهد 3 ضباط من وزارة الداخلية في غارة استهدفت نقطة حراسة غربي المدينة. وأسفر الهجوم أيضاً عن إصابة رابع بجروح خطيرة، بالإضافة إلى وقوع إصابات في صفوف المدنيين الذين تواجدوا في محيط موقع الاستهداف.

ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة في غزة، فقد ارتفعت حصيلة الشهداء الإجمالية منذ أكتوبر 2023 إلى 72,628 شهيداً، فيما تجاوز عدد الجرحى 172 ألفاً. وسجلت الساعات الـ 24 الماضية وحدها استشهاد 9 فلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع الذي يعاني من دمار هائل في بنيته التحتية.

وتشير الإحصائيات إلى أن الاحتلال قتل 846 فلسطينياً وأصاب أكثر من 2400 آخرين منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار المفترض في أكتوبر 2025. وتؤكد التقارير أن الدمار طال نحو 90% من المرافق الحيوية والمدنية في غزة، مما يجعل الأوضاع الإنسانية تزداد سوءاً يوماً بعد آخر.

وبالعودة إلى الجبهة اللبنانية، فقد طال القصف الإسرائيلي مرتفعات سجد في قضاء جزين، بالتزامن مع دوي تفجيرات عنيفة داخل بلدة الخيام الحدودية. ورغم تراجع حدة القصف نسبياً بعد منتصف الليل، إلا أن الطيران المسير لم يغادر الأجواء، مستهدفاً مجرى نهر الليطاني ومنطقة بلاط ووادي برغز.

وتحافظ العمليات الميدانية لحزب الله على وتيرتها في استهداف المواقع الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، رداً على التصعيد المستمر في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس يسبق المحادثات الدبلوماسية، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة بين التهدئة والتصعيد الشامل.

فلسطين

الجمعة 08 مايو 2026 10:44 صباحًا - بتوقيت القدس

استنزاف غزة...المأساة تتفاقم والدفع مجدداً بمخططات التهجير للواجهة

عوني المشني: الهدف المركزي للحرب لم يكن فقط مرتبطاً بسلاح "حماس" أو بقدراتها العسكرية وإنما بخلق ظروف تؤدي إلى التهجير من غزة

سامر عنبتاوي: قضية التهجير لا تزال حاضرة بقوة داخل العقلية السياسية للحكومة الإسرائيلية بهدف تقليص الوجود الفلسطيني في القطاع

داود كُتّاب: أزمة نقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض في القطاع تأتي ضمن سياسة ممنهجة تقوم على تشديد الحصار وإضعاف قدرة السكان على البقاء

سليمان بشارات: استمرار الجرائم بحق سكان القطاع يحمل أبعاداً سياسية ومجتمعية واقتصادية لاستنزاف المجتمع الفلسطيني ليبقى هشاً وقابلاً للتأثير والسيطرة

عدنان الصباح: اتفاق وقف إطلاق النار خديعة سياسية هدفها نقل الفلسطينيين من أهوال الحرب المباشرة إلى مرحلة استنزاف المجتمع داخلياً

لبيب طه: الخروج من الأزمة الراهنة يتطلب توافقاً فلسطينياً حقيقياً يقوم على برنامج وطني جامع مع التعامل بواقعية مع التحولات بعد السابع من أكتوبر

رام الله - خاص بـ"القدس"-


على وقع تواصل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يتعمق مشهد المأساة الإنسانية ويزداد تعقيداً يوماً بعد آخر، مع استمرار القصف والحصار وتراجع مقومات الحياة الأساسية في مختلف مناطق القطاع، وسط مخاوف من أن ذلك يأتي في سياق الهدف الأساسي للحرب وهو التهجير.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن إسرائيل تسعى من خلال سياساتها الحالية إلى إبقاء غزة في حالة إنهاك دائم، عبر تعميق الأزمات الإنسانية والاقتصادية وفرض واقع يحد من قدرة الفلسطينيين على الصمود والاستقرار، مشيرين إلى أن الحرب لم تعد مرتبطة فقط بالمواجهة العسكرية، بل باتت جزءاً من معادلة سياسية وإقليمية أوسع تتداخل فيها حسابات الأمن والنفوذ ومستقبل القضية الفلسطينية والمنطقة.

وفي موازاة ذلك، تتفاقم معاناة المدنيين مع اتساع رقعة الفقر والنزوح ونقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على البنية الاجتماعية والاقتصادية للقطاع، كما تتعالى الدعوات إلى تحرك فلسطيني وعربي ودولي أكثر فاعلية لوقف الحرب، وتوحيد الجهود السياسية والإنسانية لإنقاذ غزة من أزمة مفتوحة بلا أفق واضح.



محاولات للدفع نحو التهجير


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الحرب الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة لم تصل بعد، من وجهة النظر الإسرائيلية، إلى تحقيق أهدافها الحقيقية، مشيراً إلى أن استمرار القصف والحصار والتجويع والعمليات العسكرية يرتبط أساساً بمحاولة فرض واقع جديد يقوم على دفع الفلسطينيين نحو التهجير وإخراج حركة حماس من المشهد السياسي والعسكري.

وبحسب المشني، فإن القراءة الإسرائيلية للحرب تقوم على اعتبار أن أهداف العملية العسكرية لم تُنجز بالكامل، موضحاً أن الهدف المركزي للحرب لم يكن فقط مرتبطاً بسلاح حماس أو بقدراتها العسكرية، وإنما بخلق ظروف تؤدي إلى تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، سواء بشكل كامل أو بالحد الأدنى الممكن الذي يسمح بإحداث تغيير ديمغرافي وسياسي في القطاع.

ويشير المشني إلى أن إسرائيل، رغم إدراكها صعوبة تحقيق تهجير شامل للفلسطينيين، ما زالت تسعى إلى استثمار أدوات الحرب المختلفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من هذا الهدف، عبر مواصلة التضييق على السكان، وتصعيد عمليات القتل والقصف، وتعميق الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع منذ بداية الحرب.

ويوضح المشني أن العامل الثاني الذي يفسر استمرار الحرب يتمثل في سعي إسرائيل إلى إنهاء وجود حركة حماس سياسياً وعسكرياً، مشيراً إلى أن تعثر هذا الهدف وبقاء الحركة حاضرة ومتماسكة، رغم حجم الدمار والحصار، جعل الحرب تدخل في حالة من الاستنزاف المفتوح دون حسم واضح.

ويربط المشني بين ما يجري في غزة والتطورات الإقليمية الأوسع، معتبراً أن الحرب في القطاع لا يمكن فصلها عن الصراع الدائر في المنطقة، سواء في لبنان أو إيران، موضحاً أن هناك قاسماً مشتركاً في السياسات الإسرائيلية يقوم على محاولة إنهاء ما يُعرف بمحور المقاومة عبر قضية "نزع السلاح".

ويشير المشني إلى أن الضغوط الإسرائيلية والأمريكية تتخذ أشكالاً متعددة في الساحات المختلفة، ففي لبنان يبرز ملف سلاح حزب الله، وفي إيران تبرز الضغوط المتعلقة بالقدرات العسكرية والتسليحية، وفي غزة يتكرر مطلب نزع سلاح المقاومة، معتبراً أن هذا الترابط يؤكد أن الحرب على القطاع ليست معزولة عن المشهد الإقليمي العام.


إسرائيل ومأزق عدم تحقيق الأهداف


ويرى المشني أن إسرائيل تواجه مأزقاً حقيقياً في تحقيق أهدافها، لافتاً إلى أن حزب الله في لبنان تمكن من إحداث مفاجآت ميدانية أربكت الحسابات الإسرائيلية، كما أن إيران أظهرت، خلال المواجهات الأخيرة، قدرة على الصمود والمناورة، فيما تمكنت حركة حماس في غزة من الاستمرار لأكثر من عامين رغم الحصار والدمار الواسع وعمليات الإبادة الجماعية.

ويؤكد المشني أن مستقبل غزة مرتبط بشكل مباشر بنتائج الصراع الإقليمي ككل، مشدداً على أن أي تسوية أو حل في القطاع لن يكون منفصلاً عن مآلات المواجهة الأوسع في المنطقة.


غياب الدور العربي الفاعل


وفيما يتعلق بسبل وقف المجازر وتفاقم الأوضاع الإنسانية، يعتبر المشني أن الأزمة الأساسية تكمن في غياب الدور العربي الفاعل، إلى جانب حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، موضحاً أن العالم العربي بات ضعيف التأثير في ملفات لبنان وغزة والخليج، في وقت تعاني فيه الساحة الفلسطينية من الانقسام السياسي والتجاذبات الداخلية.

ويشدد المشني على أن وقف الحرب وإنهاء المأساة الإنسانية في غزة يتطلبان موقفاً عربياً داعماً لموقف فلسطيني موحد، يقوم على رؤية سياسية وقيادة فلسطينية موحدة، مؤكداً أن غياب هذين العاملين يشكل جوهر الأزمة الحالية ويمنح الاحتلال فرصة للاستمرار في سياساته داخل القطاع.


إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني


يرى الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن استمرار الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة يؤكد أن الاحتلال لم يوقف حربه على القطاع، ولم يتراجع عن أهدافه السياسية والعسكرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام، معتبراً أن ما يجري في غزة يأتي ضمن مخطط أوسع يستهدف إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني وفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويوضح عنبتاوي أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، بما فيها الاستهدافات والاغتيالات ومنع إدخال المواد الأساسية، إلى جانب توسيع ما يعرف بـ"المنطقة الصفراء" وتعزيز الهيمنة الأمنية، تعكس استمرار سياسة الاحتلال القائمة على تحويل قطاع غزة إلى "بيئة طاردة للحياة"، من خلال التضييق على السكان ودفعهم نحو الهجرة وترك الأرض.

ويشير عنبتاوي إلى أن ما جرى من اغتيالات واستهدافات خلال الأيام الأخيرة يمثل خرقاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الاحتلال لم يلتزم حتى بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، الأمر الذي يعكس غياب أي نية إسرائيلية حقيقية للانتقال إلى مراحل تهدئة أو حلول سياسية لاحقة.

ويلفت عنبتاوي إلى أن قضية التهجير ما تزال حاضرة بقوة داخل العقلية السياسية للحكومة الإسرائيلية، وأن الهدف الأساسي يتمثل في تقليص الوجود الفلسطيني في قطاع غزة ودفع السكان إلى الرحيل، لافتاً إلى أن الاحتلال يحاول استخدام مجموعات مرتبطة به للمساهمة في التضييق على المواطنين داخل القطاع.


ذريعة نزع السلاح


ويبيّن عنبتاوي أن إسرائيل تواصل تبرير سياساتها عبر ربط كل الإجراءات بملف سلاح المقاومة، رغم أنها لم تنسحب من القطاع ولم توقف عدوانها، وفي الوقت ذاته تطالب بنزع السلاح، معتبراً أن هذا الطرح يُستخدم كذريعة لاستمرار العمليات العسكرية والإجراءات العقابية بحق السكان.

ويؤكد عنبتاوي أن الاحتلال يفرض قيوداً مشددة على إدخال المواد الغذائية والأساسية، رغم وجود تفاهمات واتفاقات تحدد الكميات المسموح بدخولها، مشيراً إلى أن عملية إدخال المساعدات تخضع عملياً "للمزاج الإسرائيلي"، كما أن هناك تقييدات كبيرة على حركة المرضى المحتاجين اضطراراً للعلاج في الخارج.

ويلفت عنبتاوي إلى أن إسرائيل تعرقل كذلك عمل لجنة التكنوقراط الخاصة بإدارة قطاع غزة، ولا تسمح لها بالدخول أو ممارسة مهامها، إلى جانب تعطيل أي أدوار لما يسمى "مجلس السلام" الذي طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أن هذه السياسات تهدف إلى تقويض أي مشروع سياسي أو إداري يمكن أن يشكل مدخلاً للحل أو إعادة الإعمار.


إمكانية تصاعد استهداف غزة


وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح عنبتاوي تصاعد عمليات الاستهداف في قطاع غزة بما قد يقود إلى عودة المواجهة العسكرية المباشرة، في ظل شعور الفلسطينيين بانعدام الخيارات الأخرى، محذراً من أن ذلك سيؤدي إلى مزيد من الدمار والمعاناة الإنسانية.

ويشير عنبتاوي إلى أن الاحتلال يستغل انشغال العالم بالحرب الإقليمية وتداعياتها من أجل تمرير مشاريع التهجير في غزة والضفة الغربية، داعياً إلى تحرك عربي وإسلامي ودولي أكثر جدية، خاصة من الدول الضامنة للاتفاق، للضغط على الولايات المتحدة من أجل إلزام إسرائيل بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

ويشدد عنبتاوي على ضرورة تعزيز الموقف الفلسطيني الموحد تجاه قطاع غزة، ووقف المناكفات الداخلية، والعمل على صياغة خطاب فلسطيني جامع يهدف إلى دعم صمود السكان، والضغط لإدخال المساعدات والمواد الأساسية والأموال اللازمة لإعادة إعمار القطاع.


شكل من أشكال العقاب الجماعي


يشدد الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب على أن السياسات الإسرائيلية المتواصلة في قطاع غزة تمثل، وفق القانون الدولي، شكلاً واضحاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور بموجب اتفاقيات جنيف، مؤكداً أن الاحتلال يواصل منذ عام 1967 التنصل من التزاماته القانونية المتعلقة بحماية المدنيين أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.

ويوضح كُتّاب أن اتفاقية جنيف الرابعة تنص بشكل صريح على حماية السكان المدنيين وتجريم سياسة العقاب الجماعي، إلا أن إسرائيل ترفض عملياً الالتزام بهذه المعايير، كما أن المحاكم الإسرائيلية لا تمارس أي ضغط حقيقي لإجبار الحكومات المتعاقبة على احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.


إسرائيل لا تميز بين المدنيين والمقاتلين


ويشير كُتّاب إلى أن إسرائيل تتعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم كتلة واحدة دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين، وهو ما يتيح لها، من وجهة نظرها، تبرير الإجراءات العسكرية والحصار الجماعي والتضييق على السكان تحت ذرائع أمنية، الأمر الذي أدى إلى تفاقم الكارثة الإنسانية في قطاع غزة.

ويبيّن كُتّاب أن أزمة نقص الغذاء والدواء وانتشار الأمراض في القطاع ليست نتائج جانبية للحرب، بل تأتي ضمن سياسة ممنهجة تقوم على تشديد الحصار وإضعاف قدرة السكان على البقاء، لافتاً إلى أن إدخال المواد الغذائية والأدوية عبر تجار يدفعون مبالغ كبيرة لما وصفهم بـ”تجار الحرب” جعل أسعار السلع الأساسية خارج قدرة العائلات العادية.

ويرى كُتّاب أن هذا الواقع خلق حالة من التفاوت الحاد داخل المجتمع الغزي، حيث بات الحصول على الغذاء والدواء مرتبطاً بالقدرة المالية، في وقت تعاني فيه غالبية الأسر من فقدان مصادر الدخل وانهيار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.

ويدعو كُتّاب المسؤولين الفلسطينيين إلى مواصلة التحرك السياسي والإعلامي للمطالبة بإنهاء الحصار بشكل علني ومتواصل، كما يطالب مؤسسات المجتمع المدني بتكثيف الضغط الشعبي والحقوقي، محملاً المجتمع الدولي مسؤولية التحرك لإجبار إسرائيل على الالتزام بالمعاهدات الدولية الخاصة بحماية المدنيين ووقف السياسات التي تزيد من معاناة سكان قطاع غزة.


إبقاء جبهة غزة مفتوحة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن استمرار الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية وانتشار الأمراض ونقص الغذاء، يعكس توجهاً إسرائيلياً قائماً على إبقاء جبهة غزة مفتوحة وفاعلة، وعدم السماح بعودة الاستقرار إلى القطاع في المرحلة الحالية، باعتبار أن غزة ما تزال –من المنظور الإسرائيلي– جزءاً من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل القضية الفلسطينية وترتيبات الشرق الأوسط.

ويوضح بشارات أن إسرائيل خاضت حربها على قطاع غزة ضمن مفهوم "الشرق الأوسط الجديد"، ولذلك فإن رؤيتها تجاه القطاع لا تنفصل عن بقية الملفات الإقليمية المفتوحة، سواء المتعلقة بإيران أو الجبهة الشمالية مع لبنان أو شكل التحالفات السياسية الجديدة في المنطقة.

ويشير بشارات إلى أن إسرائيل تربط أي استقرار محتمل في غزة بنتائج هذه الملفات، الأمر الذي يجعل الحرب، أو حالة "اللا حرب واللا سلم"، خياراً قائماً ومستمراً بالنسبة لها.

ويشير بشارات إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى استثمار عامل الزمن من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال تكريس سيطرته العسكرية على مساحات واسعة من القطاع، بما يتيح له إعادة تشكيل المعادلة السياسية لمستقبل غزة.

ويلفت بشارات إلى أن إسرائيل تعمل، وفق هذا التصور، على تثبيت واقع قد يشمل بقاء الاحتلال العسكري لفترة طويلة، وربما إعادة الاستيطان إلى القطاع، مستشهداً بمحاولة الاحتلال الإبقاء على السيطرة على ما بين 50 إلى 60 بالمئة من مساحة غزة.


منع الفلسطينيين امتلاك كيان متصل جغرافياً


ويبيّن بشارات أن الرؤية الإسرائيلية تقوم أيضاً على منع الفلسطينيين من امتلاك أي كيان سياسي متصل جغرافياً يمكن أن يشكل نواة لنظام سياسي فلسطيني متكامل، موضحاً أن إسرائيل، حتى في حال التوصل إلى وقف للحرب بصيغته الحالية، لا تريد منح الفلسطينيين مساحة جغرافية مستقرة وقابلة للحياة السياسية والإدارية.

ويؤكد بشارات أن استمرار الجرائم بحق سكان القطاع لا يرتبط فقط بالأهداف العسكرية، وإنما يحمل أبعاداً سياسية ومجتمعية واقتصادية، تهدف إلى استنزاف المجتمع الفلسطيني وإضعاف قدراته وبنيته الاقتصادية والاجتماعية، بحيث يبقى هشاً وقابلاً للتأثير والسيطرة مستقبلاً وفق الرؤية الإسرائيلية.


إنهاك الطاقات الفلسطينية


ويشير بشارات إلى أن حالة عدم الاستقرار المستمرة تؤدي إلى إنهاك الطاقات الفلسطينية واستنزاف الاقتصاد والدخل والبنية التحتية، إلى جانب استهداف البيئة الحاضنة للمقاومة الفلسطينية، معتبراً أن إسرائيل تسعى من خلال ذلك إلى منع إعادة تشكل أي قوة فلسطينية قد تمثل تهديداً مستقبلياً لها انطلاقاً من قطاع غزة.

وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح بشارات استمرار بقاء ملف غزة مفتوحاً ما لم تتضح الرؤية الإسرائيلية المرتبطة بالحرب على إيران والجبهة الشمالية مع لبنان، إضافة إلى مشروع إسرائيل في الضفة الغربية، معتبراً أن هذا السيناريو هو الأقرب في المرحلة الحالية.

ويشير بشارات إلى وجود سيناريو آخر يتمثل بإمكانية التوصل إلى صفقة سياسية شاملة تضم الولايات المتحدة وإيران وعدداً من دول المنطقة، الأمر الذي قد يفتح الباب لاحقاً أمام بلورة تصور جديد لمستقبل قطاع غزة، إلا أنه يشدد على أن هذا المسار ما يزال غير واضح المعالم والنتائج، وقد يحتاج إلى وقت طويل حتى ينضج سياسياً.


خديعة سياسية


يوضح الكاتب والمحلل السياسي عدنان الصباح أن ما جرى الترويج له منذ اتفاق وقف إطلاق النار في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لم يكن سوى "خديعة سياسية" هدفت إلى نقل الفلسطينيين من أهوال الحرب المباشرة إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على الحصار والتجويع واستنزاف المجتمع الفلسطيني داخلياً، محذراً من أن استمرار الواقع الحالي يقود القطاع إلى مزيد من الانهيار والفوضى والصراع البيني.

ويشير الصباح إلى أن التحركات السياسية التي رافقت "خطة ترمب"، إلى جانب القرارات الدولية والاتفاقات التي جرى توقيعها ضمن أجواء احتفالية، لم تنجح في وقف الحرب فعلياً، بل أسهمت في إعادة تشكيل أدواتها، بحيث انتقلت من القصف الواسع والمجازر المباشرة إلى سياسة تقوم على الخنق التدريجي للسكان عبر الحصار ومنع مقومات الحياة الأساسية.


تراجع حضور القضية الفلسطينية


ويلفت الصباح إلى أن الحرب على إيران وما رافقها من تصعيد إقليمي في لبنان والمنطقة، أدى إلى تراجع حضور القضية الفلسطينية، وخصوصاً ما يجري في غزة، عن صدارة الاهتمام الدولي والإعلامي، مؤكداً أن العديد من وسائل الإعلام الدولية باتت تتعامل مع القطاع باعتباره ملفاً هامشياً، فيما انشغل العالم بالأزمات الجديدة والتوترات الإقليمية المتسارعة.

وبيّن الصباح أن الاحتلال، منذ تلك المرحلة، انتهج سياسة مختلفة في إدارة الحرب على غزة، تقوم على استمرار القصف وإطلاق النار بشكل متواصل، إلى جانب تعميق الحصار والتجويع والتعطيش وتوسيع دائرة المرض وانعدام الإيواء، فضلاً عن استهداف عناصر الشرطة والأجهزة التي يمكن أن تسهم في الحد الأدنى من الاستقرار الداخلي.


حالة دائمة من انعدام الأمن والفوضى والخوف


ويؤكد الصباح أن هذه السياسات تهدف إلى إبقاء المجتمع الفلسطيني في حالة دائمة من انعدام الأمن والفوضى والخوف، مشيراً إلى أن الاحتلال يعمل كذلك على تشجيع مجموعات وعصابات داخل القطاع للقيام بأعمال من شأنها ضرب حالة التماسك المجتمعي وإضعاف المقاومة وإرباك المواطنين.

ويرى الصباح أن الهدف النهائي لهذه الإجراءات يتمثل في دفع الفلسطينيين، تحت ضغط الجوع والخوف والظروف الإنسانية القاسية، إلى القبول بالإملاءات السياسية المفروضة عليهم، مؤكداً أن استمرار العزلة الدولية والانشغال العالمي بملفات أخرى سيمنح الاحتلال مساحة أوسع لتنفيذ مشاريعه وإطالة أمد الأزمة.


استعادة الوحدة وتعزيز التماسك الداخلي


ويحذر الصباح من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصاعداً في حالة الصراع الداخلي الفلسطيني إذا استمرت الأوضاع الحالية، حيث أن الاحتلال يسعى إلى خلق واقع من الانقسامات والمواجهات البينية بما يضعف القضية الفلسطينية ويمنح إسرائيل وقتاً إضافياً لترسيخ سياساتها على الأرض.

ويؤكد الصباح أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب استعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز التماسك الداخلي، إلى جانب إعادة بناء حالة التضامن العربي والإسلامي والدولي مع غزة والقضية الفلسطينية، مشدداً على أن غياب موقف فلسطيني موحد سيقود إلى "كارثة حقيقية" تهدد الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.


الاحتلال بات "مطلق اليد"


يوضح الكاتب والمحلل السياسي لبيب طه أن استمرار الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة يعود بالدرجة الأولى إلى غياب أي قوة قادرة على ردع إسرائيل أو فرض أثمان عليها، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو السياسي، مشيراً إلى أن الاحتلال بات "مطلق اليد" في فلسطين والمنطقة، الأمر الذي سمح باستمرار عمليات القتل والتدمير والإبادة دون وجود ما يحدّ منها أو يوقفها.

ويؤكد طه أن حرب الإبادة على قطاع غزة لم تنتهِ حتى الآن، وإنما تغيرت وتيرتها فقط، لافتاً إلى أن أهالي القطاع دخلوا في "متاهة" لا تبدو لها نهاية قريبة في ظل غياب مؤشرات حقيقية على قرب انتهاء المأساة الإنسانية المتفاقمة.

 

الانشغال الإقليمي والدولي بملفات أُخرى


ويشدد طه على أن الانشغال الإقليمي والدولي بملفات أخرى ساهم في تراجع الاهتمام بما يجري في غزة، موضحاً أن الولايات المتحدة منشغلة بقضايا إقليمية أخرى، أبرزها الملف الإيراني، فيما تعاني الدول العربية من أزماتها الداخلية، الأمر الذي انعكس على حجم التحرك السياسي تجاه الحرب.

ويرى طه أن الخروج من الأزمة الراهنة يتطلب توافقاً فلسطينياً حقيقياً يقوم على برنامج وطني جامع يهدف إلى إنهاء الاحتلال والتخلص من آثار الدمار والحرب، داعياً إلى التعامل بواقعية مع التحولات السياسية والجيوسياسية التي شهدتها المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023.


تغيّر كبير في العالم والمنطقة


ويشير طه إلى أن العالم والمنطقة تغيرا بصورة كبيرة، وأن أولويات القوى الدولية والإقليمية لم تعد كما كانت في السابق، ما يستدعي مراجعة الخطاب السياسي الفلسطيني وآليات العمل الوطني، بعيداً عن التمسك بالشعارات التقليدية أو تغليب المصالح الفصائلية والشخصية على المصلحة الوطنية العليا.

ويؤكد أن استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني يخدم أطرافاً متعددة تستفيد من بقاء الوضع القائم، موضحاً أن إسرائيل تعد من أبرز المستفيدين من حالة التشتت الفلسطيني وتعارض البرامج السياسية الداخلية.

ويشير طه إلى وجود جهات وفئات داخل غزة تستفيد من استمرار الأزمة، من بينها تجار ومحتكرون وجهات أخرى، معتبراً أن تشابك المصالح واستمرار حالة الانقسام يسهمان في إطالة أمد المأساة الإنسانية التي يعيشها المواطنون في القطاع منذ سنوات، في ظل ظروف غير مسبوقة على المستوى الإنساني.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:42 صباحًا - بتوقيت القدس

حيفا بتحكي عربي


المشكلة ليست لافتة تجارية ولا قراراً إدارياً يتعلق بلغة اليافطات. كانت المسألة أبسط في ظاهرها، وأكثر خطورة في عمقها: امرأة تحدثت بلغتها الأم.

خلال جلسة المجلس البلدي، وقفت عضوة البلدية سالي عبد لتتحدث بالعربية، اللغة التي يتحدث بها عشرات آلاف من سكان المدينة، والتي سبقت كل تعريف لاحق للهوية فيها. لكن ما جرى بعدها كشف أن النقاش لم يكن حول السياسة، بل حول اللغة نفسها.

لم يُناقش أحد مضمون حديثها، ولم يُواجهها أحد بحجج إدارية أو بلدية. بدلا من ذلك، تحولت العربية إلى هدف مباشر للهجوم. صرخ أحد الأعضاء مطالبا إياها بالذهاب إلى غزة، وطالبها آخرون بإثبات ولائها عبر الخدمة العسكرية، وكأن اللغة أصبحت دليل اتهام لا وسيلة تواصل.

هكذا، وفي دقائق قليلة، انتقلت الجلسة من نقاش إداري إلى محاكمة غير معلنة للهوية.

اللغة التي تُخيف

ليست هذه الحادثة الأولى في حيفا، لكنها من أكثرها وضوحا. فالمدينة التي تُقدَّم غالبًا كنموذج للتعايش، تكشف في لحظات كهذه أن هذا التعايش مشروط: مقبول ما دام الصوت العربي منخفضا، أو مؤجلا، أو مترجما إلى لغة أخرى.

في هذا السياق، لا تُستخدم اللغة كأداة تواصل، بل كإعلان وجود. وعندما تتحدث العربية داخل مؤسسة رسمية، فهي لا تنقل فكرة فقط، بل تؤكد حقيقة بسيطة: أن أصحابها ليسوا ضيوفا عابرين. ولهذا تحديدا يصبح الصوت مزعجا.

من نقاش اللافتات إلى سؤال الانتماء

المفارقة أن الجلسة كانت تناقش موضوع اللافتات في المدينة، أي اللغة المكتوبة في الفضاء العام. لكن الجدل الحقيقي انزلق سريعًا من الحروف إلى البشر: من يحق له أن يظهر أصلا في المجال العام؟

حين تتحول العربية من لغة رسمية معترف بها إلى مادة توتر وغضب، فهذا يعني أن الصراع لم يعد على الشكل، بل على المكان نفسه. الرسالة الضمنية كانت واضحة: يمكنك العيش هنا، لكن لا تتحدث بلغتك كثيرًا.

حيفا التي نعرفها...

حيفا ليست مدينة أحادية. هي مدينة طبقات: عربية، عبرية، متوسطية، عمّالية وثقافية. وفي تاريخها، لم تكن العربية هامشا، بل جزءًا من صوتها اليومي.

لذلك، لا يمكن قراءة ما حدث كحادثة فردية، بل كلحظة كاشفة لطريقة عمل التعايش حين يتحول إلى خطاب بلا مضمون. فالمدن تُقاس أيضا بقدرتها على استيعاب اختلافاتها، لا على إنكارها.

لم تُهاجم عضوة المجلس لأنها خالفت قرارا، بل لأنها كسرت قاعدة غير مكتوبة: العربي المقبول هو العربي الصامت. وحين يتحول الكلام بالعربية داخل مؤسسة رسمية إلى فعل مُستنكر، يصبح الصوت نفسه موضع مساءلة، لا الموقف السياسي.

لماذا هذه اللحظة مهمة؟

لأن ما جرى في المجلس البلدي يتجاوز حيفا. إنه يعكس سؤالا أوسع تعيشه المدن المختلطة: هل التعددية مجرد شعار جمالي؟ أم عقد اجتماعي يسمح لكل فرد أن يكون نفسه دون تبرير؟

إذا كانت اللغة تحتاج إلى شجاعة كي تُقال، فالمشكلة ليست في المتحدث، بل في المكان الذي يخاف سماعها.

حيفا لا تتكلم لغة واحدة، ولم تفعل ذلك يومًا. والمدينة التي تُخيفها العربية ليست حيفا التي يعرفها أهلها، بل نسخة متوترة من نفسها.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

الأقصى وفرض الوقائع التهويدية

واضح بأن الإستراتيجية الإسرائيلية للتعامل مع المسجد الأقصى، قد غادرت الإستراتيجية القديمة، السعي للهدم والتفجير، لكونها لها تداعيات خطيرة، وتخلق مواجهة مع العالمين العربي والإسلامي، قد تخرج عن السيطرة، نحو استراتيجية التفكيك الصامت للوضع التاريخي والقانوني والديني للمسجد الأقصى، فهذا الوضع يشكل التوازن الدقيق ما بين السياسة والأمن والسيادة، وهذه الإستراتيجية أكثر عمقاً وأكثر خطورةً من الإستراتيجية السابقة، فهي تعيد تشكيل السيادة الدينية والرمزية على الأقصى بالانتقال من إدارة الصراع بشكل تدريجي إلى  حسم الصراع بشكل نهائي بأدوات قانونية وأمنية، وخاصة ان حكومة اليمين المتطرف وعبر ما يعرف بوزير أمنها القومي ايتمار بن غفير، وقائد الشرطة العام داني ليفي وقائد شرطة القدس افشاليم بيلد، أحد اصدقاء وأتباع بن غفير الموثوقين، يقدم كل التسهيلات للمقتحمين، من أجل فرض وقائع تهويدية في الأقصى، وفي الوقت الذي كانت فيه شرطة الاحتلال تطارد من يقومون برفع الأعلام الإسرائيلية داخل الأقصى، شاهدنا مجندات إسرائيل يات يشاركن المستوطنين في ذكرى ما يعرف باستقلال إسرائيل ، بالتلويح بالأعلام الإسرائيلية من فوق الرواق الغربي للأٌقصى، وضمن احتفالات صاخبة.

 هناك تطورات متلاحقة على صعيد تركيم عمليات التهويد للأقصى بشكل تدريجي، لنقله من زمنه الإسلامي الخالص في البداية إلى الزمن اليهودي الإسلامي المشترك، مقابل المصلي المسلم مصل يهودي ومقابل الطفل الفلسطيني طفل يهودي ومقابل الشيخ المسلم حاخام يهودي، وصولاً للعبور به إلى  الزمن اليهودي الكامل واقامة الهيكل الثالث بدل مسجد قبة الصخرة.

 وعلى هذا الصعيد، في خطوة تصعيدية جديدة،  وجّه ثلاثة عشر سياسيًا من قوى اليمين الصهيوني عريضة مفتوحة إلى قيادة شرطة الاحتلال، طالبوا فيها بتأمين اقتحام المستعمرين للمسجد الأقصى يوم الجمعة الموافق 16-5-2026، ما يعرف بذكرى يوم توحيد القدس يصادف الذكرى التاسعة والخمسين لاحتلالها وفق التقويم العبري،  أو بديلًا عن ذلك فتحه مساء الخميس 15-5.

 العريضة شملت ثلاثة وزراء وعشرة أعضاء كنيست، وُجّهت إلى قائد شرطة الاحتلال داني ليفي، وقائدها في القدس أفشالوم بيليد، حيث دعوا إلى فتح المسجد الأقصى أمام اليهود فيما يُسمّى "يوم القدس"،  رغم تزامنه هذا العام مع يوم الجمعة الذي يُغلق فيه الأقصى عادة أمام اقتحامات المستعمرين.

 وطالب الموقعون شرطة الاحتلال باتخاذ ما وصفوه بـ"استجابة مناسبة" تعبّر عن "السيادة الإسرائيلية على القدس"،  مقترحين في حال تعذّر تنفيذ الاقتحام يوم الجمعة، تعويض ذلك بتمديد ساعات الاقتحام مساء الخميس، بما يضمن عدم مرور هذه الذكرى دون فرض واقع جديد في المسجد الأقصى.

 وتعكس هذه الدعوات محاولة واضحة لتكريس اقتحامات تمتد إلى ساعات المساء، وفتح الباب أمام تغيير قواعد الاقتحام المعمول بها، ضمن سياسة فرض التقسيم الزماني والمكاني في المسجد.

 ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع من الإجراءات التي تنتهجها شرطة الاحتلال بقيادة أفشالوم بيليد، المعروف بتبنيه أجندات منظمات "الهيكل"،  حيث شهدت الفترة الماضية تسهيلات غير مسبوقة للمقتحمين، شملت إدخال مواد دينية وتسريع وتيرة الاقتحامات، بالتوازي مع محاولات فرض السيطرة على إدارة المسجد، خاصة خلال شهر رمضان،  وصولًا إلى إغلاقه لفترات طويلة.

 ويقف خلف هذه السياسات دعم سياسي مباشر من وزير الأمن القومي الصهيوني إيتمار بن غفير، الذي يقود توجهات تهدف إلى تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى وفرض وقائع تهويدية جديدة.

 يُذكر أن غالبية الموقعين على هذه العريضة كانوا قد وجّهوا في آذار 2025 رسالة إلى الكونغرس الأمريكي، طالبوا فيها بالاعتراف بما أسموه "الحقوق اليهودية" في المسجد الأقصى، بالتعاون مع منظمة متطرفة تُدعى "البوق في صهيون"،  التي تتخذ من فرض طقوس نفخ البوق داخل الأقصى رمزًا لمشروعها بإقامة "الهيكل" المزعوم.

 وتيرة الاقتحامات للأقصى ستزداد كماً ونوعاً، وهي لن تقتصر على الطقوس التي يجري القيام بها من سجود ملحمي وقراءة علنية وجماعية من كتب التوراة وأوراق الصلاة، والصلاة بلباس الكهنة البيضاء وارتداء لباس "الطاليت" و" التفليت"، بل يجرى العمل على اضعاف الحاضنتين الشعبية والرسمية والعربية والإسلامية للأقصى، فهم يعتقدون بأن ما يجري من انشغالات دولية بما يحدث على صعيد الحرب الإيرانية – الأمريكية وتطوراتها، وكذلك حالة "الموات" العربي والإسلامي، التي لا تتعدى في ردود فعلها، على كل ما تقوم به إسرائيل من فرض وقائع تهويدية جديدة، سوى بيانات شجب واستنكار ومطالبات للمجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته ولجم إسرائيل، وهم يدركون بأن تلك البيانات لا تساوي قيمة الحبر الذي تكتب به، وإسرائيل  اختبرت العرب والمسلمين منذ حرق الأقصى في 21 / أب/ 1969، بأنهم ليسوا أكثر من ظاهرة صوتية "جعجعة" و"بعبعة".

 إسرائيل ما زالت مستمرة في ضرب البنيتين الإدارية والإعلامية، لكي يجري ازاحاتهما من وجهها، بحيث أفعالها التهودية، تمر بدون ضجيج وتصعيد خطير للوضع في المنطقة، ولذلك هي تواصل استهداف دائرة الأوقاف الإسلامية، بإضعاف سلطتها الإدارية على الأقصى، تمهيداً لسحبها بشكل كامل، ووصولاً لشطب الوصاية الأردنية، وبالمقابل عشرات الإعلاميين جرى إبعادهم عن الأقصى واعتقال العديد منهم، وإغلاق المنصات الإعلامية الأوسع انتشاراً وفضحا لممارسة الاحتلال ونقلاً للحقائق، حيث جرى إغلاق منصات القدس بلس والمعراج والبوصلة والعاصمة والميدان وغيرها.

 بلدية الاحتلال تخطط لرفع القدسية عن ساحة المسجد الأقصى وكذلك نزع الطابعين التعليمي والاجتماعي عنه، بحيث يجري العمل على إخراج مدارس الأقصى من المسجد الأقصى، وبما يمس كافة المدارس التابعة للسلطة الفلسطينية المستظلة بالأوقاف الإسلامية، وكذلك سيمنع الأهالي من إقامة أنشطة ثقافية واجتماعية ودينية في ساحات الأقصى.

 هي تطورات عاصفة ومتسارعة تهويدية لا تتوقف، وتحظى بدعم حكومي وسياسي، وسباق على كسب أصوات المتطرفين في الانتخابات التشريعية الإٍسرائيلية العامة في شهر تشرين أول القادم، فمن يسهل للمتطرفين الاقتحامات ويشاركهم تلك الاقتحامات، ويويسع من مداها، ويزيد من عدد ساعاتها صباحاً ومساءً، ويغير قواعدها، كما هو مطلوب في احياء ذكرى ما يعرف بتوحيد القدس التاسعة والخمسين، يحصل على أصوات ومقاعد أكثر في الكنيست الإسرائيلي.

 أما حول ردود الفعل العربية والإسلامية، فنكثفها بما قاله وزير الأوقاف في النظام السوري الجديد، بأن الأقصى هو مسجد كبير وله قدسيته، ولكنه ليس بمستوى ورمزية مكة والمدينة، ولذلك لا تلقوا بأنفسكم إلى  التهلكة في سبيل ذلك، وهذا التصريح تعبير عن حالة الردود الرسمية العربية والإسلامية.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

من بار إيلان إلى غزة ولبنان: كيف أصبحت الحرب عقيدة الليكود؟

في هذه المنطقة، لا تبدأ الحروب فجأة، ولا تنتهي فعلًا. إنها تتراكم مثل طبقات الغبار فوق الذاكرة، ثم يكفي شرخ صغير في الجدار حتى ينهار كل شيء دفعة واحدة. ومنذ عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم عام 2009، بدا وكأن إسرائيل تدخل طورًا جديدًا من تاريخها السياسي: طور لم يعد يرى في السلام ضرورة، ولا حتى خدعة دبلوماسية مؤقتة، بل يرى في القوة المجردة اللغة الوحيدة الممكنة لإدارة الشرق الأوسط.

حين وقف نتنياهو في جامعة بار إيلان وألقى خطابه الشهير، حاول أن يبدو رجل دولة واقعيًا، مستعدًا ـ نظريًا ـ للقبول بدولة فلسطينية. يومها، تنفس الغرب الصعداء. باراك أوباما كان في بدايات عهده، والعالم أراد أن يصدق أن شيئًا ما يتغير داخل إسرائيل. لكن الفلسطيني الذي كان يرى التلال تُبتلع بالمستوطنات كل صباح، لم يكن بحاجة إلى كثير من الذكاء ليفهم أن الكلمات كانت تُقال للاستهلاك الدولي، بينما الحقيقة تُكتب بالجرافات والخرسانة العسكرية على الأرض.

لم يكن خطاب بار إيلان لحظة تحول تاريخية، بل لحظة إعادة تموضع سياسية.

فالليكود، الذي قام تاريخيًا على فكرة "أرض إسرائيل الكبرى"، لم يكن مستعدًا يومًا للاعتراف الحقيقي بفلسطين، بل فقط بإدارة الفلسطينيين داخل شروط أمنية تجعل وجودهم أقرب إلى حكم ذاتي محاصر منه إلى دولة. لقد كان نتنياهو أكثر ذكاءً من اليمين التقليدي؛ لم يرفض العالم بصوت مرتفع، بل تعلم كيف يبتسم له فيما يواصل تقويض كل ما يطالب به.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت إسرائيل تتحول تدريجيًا من دولة تدّعي السعي إلى تسوية، إلى دولة تبني هويتها السياسية على إدارة الصراع الدائم. لم يعد الأمن مجرد ملف حكومي، بل صار العقيدة المركزية التي يُعاد تشكيل المجتمع الإسرائيلي حولها: الخوف من الفلسطيني، الخوف من إيران، الخوف من الحدود، الخوف حتى من المستقبل نفسه.

وحين يتحول الخوف إلى هوية قومية، تصبح الحرب ضرورة نفسية وسياسية معًا.

في عهد الليكود الجديد، لم تعد إسرائيل تحتاج إلى "السلام" كي تشعر بالشرعية، بل إلى عدو دائم يبرر استمرار التعبئة. ولهذا لم يكن التصعيد المستمر مجرد خيار عسكري، بل جزءًا من بنية الحكم نفسها. فالمجتمعات التي تعيش تحت القلق المستمر تصبح أكثر استعدادًا للتنازل عن الأسئلة الأخلاقية مقابل الشعور بالأمان، حتى لو كان هذا الأمان وهميًا ومؤقتًا.

هكذا تمدد اليمين الديني والقومي داخل إسرائيل بصورة غير مسبوقة.

تراجعت اللغة السياسية المدنية، وصعد خطاب يعتبر القوة قيمة أخلاقية بحد ذاتها. الفلسطيني لم يعد "خصمًا سياسيًا" بل تهديدًا ديموغرافيًا وأمنيًا وثقافيًا. وحتى فكرة التعايش نفسها بدأت تبدو داخل المزاج الإسرائيلي العام نوعًا من السذاجة أو الضعف.

ثم جاءت إيران لتصبح العنوان الأكبر في مشروع نتنياهو السياسي.

لم تكن طهران مجرد خصم إقليمي، بل صورة مثالية لعدو قادر على توحيد الداخل الإسرائيلي، وإعادة إنتاج منطق "الخطر الوجودي". لهذا خاض نتنياهو معركة مفتوحة ضد الاتفاق النووي الإيراني، ليس فقط لأسباب أمنية، بل لأن بقاء المنطقة في حالة توتر دائم يخدم طبيعة المشروع الذي يقوده.

لكن المفارقة المرعبة أن إسرائيل، التي تقول إنها تبحث عن الأمن، تبدو اليوم أقل شعورًا بالأمن من أي وقت مضى.

فالردع العسكري الهائل لم يمنع السابع من أكتوبر، والتفوق التكنولوجي لم يمنع الخوف الجماعي، والحروب المتكررة لم تنتج استقرارًا، بل مزيدًا من الانفجار.

لقد تحولت غزة، خلال السنوات الأخيرة، إلى المرآة الأكثر قسوة لهذا التحول الإسرائيلي.

مكان محاصر، مكتظ بالبؤس واليأس، يُدار بمنطق أمني بحت، وكأن مليوني إنسان مجرد "ملف خطر" لا حياة بشرية كاملة. ثم جاء الانفجار الكبير بعد السابع من أكتوبر، لتدخل المنطقة كلها مرحلة غير مسبوقة من العنف المفتوح.

غزة تُسحق بصورة تكاد تتجاوز قدرة اللغة على الوصف.

أحياء كاملة تختفي، وأطفال يُنتشلون من تحت الركام، وأمهات يبحثن عن ملامح أبنائهن بين الغبار والدم. وفي المقابل، يعيش الإسرائيلي العادي خوفًا حقيقيًا من الصواريخ والحرب الطويلة والعزلة المتزايدة. الجميع هنا خائف، والجميع يدفع الثمن، لكن آلة الحرب تواصل العمل كأنها قدر لا يمكن إيقافه.

أما لبنان، فقد عاد مجددًا إلى واجهة النار.

الحدود الجنوبية لم تعد مجرد منطقة توتر، بل جبهة مفتوحة على احتمالات كارثية. إسرائيل ترى في حزب الله التهديد العسكري الأكثر خطورة على جبهتها الشمالية، وحزب الله يرى نفسه جزءًا من معركة إقليمية أوسع. وبين الطرفين يقف اللبناني العادي، الذي يعرف أن أي حرب جديدة قد تعني انهيار ما تبقى من وطن متعب أصلًا بالانهيارات والأزمات.

ولا يمكن فهم هذا المشهد بعيدًا عن التحولات الكبرى في النظام الدولي نفسه.

فالعالم الذي كان يتحدث يومًا عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، يبدو اليوم أكثر انتقائية وبرودة. الغرب الذي قدّم نفسه طويلًا باعتباره حارس "القيم الديمقراطية"، وقف في كثير من اللحظات عاجزًا أو متواطئًا أو خائفًا من مساءلة إسرائيل، حتى وهي تدفع المنطقة نحو مزيد من الانفجار. وهكذا، لم يعد الفلسطيني يشعر فقط بأنه يواجه قوة عسكرية هائلة، بل أيضًا نظامًا دوليًا فقد كثيرًا من صدقيته الأخلاقية.

المشكلة أن المنطقة كلها باتت تعيش داخل منطق الحرب المستدامة.

لم تعد القوة وسيلة للوصول إلى السياسة، بل أصبحت هي السياسة نفسها. وكلما تعمقت الأزمات الداخلية في إسرائيل، بدا اللجوء إلى الخطاب الأمني أكثر حضورًا. فالحروب، في كثير من الأحيان، لا تُستخدم فقط لهزيمة الخصوم، بل أيضًا لإعادة ترتيب الداخل، وتأجيل الأسئلة الثقيلة المتعلقة بالفساد والانقسام وفشل المشروع السياسي نفسه.

وربما هنا تكمن المأساة الأعمق.

فالشرق الأوسط لم يعد يُدار باعتباره فضاءً لشعوب تريد الحياة، بل كساحة أمنية ضخمة تُقاس فيها قيمة البشر بموقعهم داخل خرائط التهديد. الفلسطيني يُختزل في رقم أمني، واللبناني في احتمال صاروخ، والإيراني في ملف نووي، وحتى الإسرائيلي نفسه يُختزل في خوف دائم يحتاج إلى من يحرسه ويغذيه في الوقت ذاته.

لقد انتقل الليكود، منذ خطاب بار إيلان حتى حرب غزة وتهديدات لبنان وإيران، من محاولة تسويق "سلام مشروط" إلى تكريس عقيدة سياسية ترى في الحرب حالة طبيعية، وربما ضرورية. وهذه ليست أزمة الفلسطينيين وحدهم، بل أزمة المنطقة كلها، بل وربما أزمة إسرائيل نفسها أيضًا.

لأن الدول التي تعيش طويلًا على القوة وحدها، تنجح أحيانًا في إخضاع الآخرين، لكنها تفشل غالبًا في هزيمة خوفها الداخلي.

وفي النهاية، تبدو المأساة الكبرى أن الشرق الأوسط لم يعد يسأل كيف يصنع السلام، بل كيف ينجو من حرب لا يبدو أن أحدًا يريد لها أن تنتهي.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يعيق تنفيذ خطة ترمب لإنهاء الحرب في غزة لأجل خطة إسرائيلية بديلة

 شهد الاسبوع الماضي عملية مد وجذر في المفاوضات بالقاهرة بين الفصائل الفلسطينية وممثل مجلس السلام (نيكولاي ميلادينوف) بوساطة المخابرات المصرية وقطر وتركيا. هذه المفاوضات كانت تبعث أشكالا من التفاؤل حينا وأشكالا من التشاؤم حينا آخر، لدرجة أننا كمراقبين  بتنا لا نعرف ما إذا كانت هذه المفاوضات ستنجح ويحدث اختراق يتم على أساسه استكمال تطبيق خطة ترمب أم لا. كان محور المفاوضات المركزي تسوية سلاح حماس في غزة واستكمال تنفيذ بنود  المرحلة والأولى وبدء تنفيذ بنود المرحلة الثانية من خطة الرئىيس ترمب لإنهاء الحرب في غزة والتى تم إعلانها في أكتوبر العام الماضي والتي يفترض أن تكون قد انتهت مرحلتها الثانية على الاقل بعد حوالي ثمانية شهور بدء مرحلتها الاولى.

 الملاحظ أن الخطة تراوح مكانها ولا تتقدم بعد أن استعادت إسرائيل  أسراها من حماس، والملاحظ أن إسرائيل تدعي الآن لآن المعيق هوسلاح الفصائل وعدم موافقة الفصائل في غزة على ذلك، مع العلم أن الفصائل كانت قد أبدت موافقتها على تسوية السلاح في إطار لجنة محايدة وإشراف دولي وهذا ما تم بحثه في القاهرة الفترة الأخيرة وتم تقديم وثيقة من قبل الوسطاء بهذا المعني( خارطة طريق ) تنص على  أنه يتم تسليم السلاح الي الشرطة الفلسطينية التي ستنتشر في غزة وبإشراف لجنة دولية على  أن يتم نقل السلاح الي طرف ثالث واقترحوا أن تكون مصر على  أن تقوم إسرائيل  في ذات الوقت بتفكيك المليشيات التي شكلتها  وتسيلم  سلاحها الي اللجنة الدولية  المشرفة على  نزع سلاح حماس   بذات الآلية التى تتسلم فيها سلاح الفصائل ويتم تنفيذ ما تبقي من بنود في المرحلة الأولي وتنفيذ خطوات المرحلة الثانية من خطة الرئىيس ترمب لإنهاء الحرب وتوسيع ادخال المساعدات وأدوات الايواء استعدادا لبدء عملية الإعمار بإشراف اللجنة الوطنية التي تم تشكيلها من قبل مجلس السلام قبل أربعة شهور تقريبا ولم تتمكن حتي الآن من دخول غزة بسبب المنع الإسرائيلي.

 صحيفة الشرق الأوسط كانت قد ذكرت أن الفصائل الفلسطينية ردت بالايجاب على الخطة لكن سلمت الفصائل الوسطاء ورقه بخمس بنود أهمها أن الفصائل يريدوا ضمانات دولية بأن توقف إسرائيل إطلاق النار عمليا وان تنسحب من الخط الاصفر وتسمح إسرائيل  بدخول اللجنة الوطنية لإدارة القطاع لتتسلم الحكم من حركة حماس وتدير القطاع وتحقق مبدأ السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد وبالتالى تبدأ عملية إعادة إعمار القطاع. ذات الصحيفة ذكرت أن رد إسرائيل  كان سلبيا على  وثيقة ( خارطة الطريق ) إلا أن السيد ( نيكولاي ميلادينوف) والوسطاء قالوا إن إسرائيل وافقت على الوثيقة لكنها رفضت تقديم أي ضمانات بوقف كامل لإطلاق  النارفي غزة  أوالانسحاب من الخط الاصفر وتريد قبل كل شيء نزع سلاح حركة حماس ومن ثم التفاوض على  تطبيق باقى بنود الخطة. هنا  تعقد الموقف وبدأ المشهد يوحي بعودة الحرب على غزة بكثافة بعد أن تحدث الإعلام العبري اليوم التالي بأن حماس رفضت نزع سلاحها وان إسرائيل  تجري استعداداتها للقتال من جديد في غزة . كل هذا يجري والقطاع يشهد عمليا تغيير ممنهج لوضع الخط الاصفر كل يوم يتم تقديمه وتغيير مكانة وأصبح يشكل تهديدا لحياة السكان وكثير منهم اضطر إلى النزوح من جديد. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل بدأنا نشاهد هجمات ممنهجة للمليشيات في مناطق متعددة  داخل المدن بغطاء جوي إسرائيل ي وكأن لدى إسرائيل  خطة أخري مقابل خطة الرئيس ترمب تريد تطبيقها  وهي تسلم المليشيات الحكم في القطاع وبالتالي تقويض خطة الرئيس ترمب . لهذا نلاحظ أن إسرائيل لا تدخر جهدا في إعاقة تنفيذ أي بند من مراحل خطة الرئيس ترمب وكان الخطة أصبحت غطاء لتنفيذ إسرائيل خطة تولي المليشيات السيطرة على غزة في غياب تام عن كثير من التفاصيل الإدارية لإدارة الشؤون المدنية في غزة.

 الملاحظ في التقارير العبرية أن إسرائيل تضخم في قوة حماس بالقطاع وكأنها تعتبرها قوة تتجدد لتتذرع باستمرار الحرب بل واستمرار بقاء الخط الأصفر، وهذا يعني بقاء الوضع على ما هو عليه لتقول إن ما بعد الخط الاصفر تحكمة حماس وما قبل الخط الاصفر تحكمة المليشيات وتسيطر عليه أمنيا بغطاء ودعم  إسرائيلي وهذا بالطبع يفشل خطة الرئيس ترمب . مجلس السلام أوفد (نيكولاي ميلادينوف) مع فريق  على  وجه السرعة لتل أبيب لانه بأت يدرك أن إسرائيل  تعيق تنفيذ بنود خطة ترمب وتدعي بأن الفصائل ترفض خطة خارطة الطريق. ميلادينوف اجتمع مع نتنياهو وبحث استكمال تنفيذ المرحلة الأولي وتنفيذ المرحلة الثانية على أساس خارطة الطريق المقترحة وطلب رسميا بان توقف إسرائيل التهديد بالعودة للحرب في غزة وبحث قضية انتشار قوة الاستقرار في غزة وتسمح بتولي اللجنة الوطنية إدارة القطاع بعد تسلم الحكم من حماس. الا اننا نعتقد ان إسرائيل قد تمتنع عن تنفيذ ذلك وتستمر في إعاقة خطة ترمب.

 السؤال الان الذي يطرح هل ستسمح إدارة الرئيس ترمب بان تستمر إسرائيل في تقوض خطتها وتنفذ الخطة البديلة التي تحبك خيوطها الآن؟ وإذا كانت لا تسمح بذلك لماذا تتغاضى إدارة ترمب عن كل الإجراءات الإسرائيلية العملية على الارض في القطاع والتي يقصد بها تخريب خطة الرىئيس ترمب؟ وهل هذا بسبب انشغال مستشاري ترمب في الموضوع الإيراني؟ الحقيقة أن إسرائيل تستغل الانشغال الامريكي الى أبعد حدود في الموضوع الايراني وتريد فرض خطة أحادية الجانب بديلة لخطة الرئيس ترمب في غزة وهي تسير في تطبيقها بمنهجية مخيفة وان لم يسارع مستشاري ترمب بوقف هذا  المسار عبر الضغط على  نتنياهو ليقبل بتنفيذ كافة بنود المرحلة الثانية واهمها انسحاب إسرائيل من الخط الاصفر والقبول بنشر قوة الاستقرار الدولي والسماح بوصول اللجنة الوطنية لإدارة القطاع وتحقيق الأمن والاستقرار والضغط على إسرائيل لقبول التعاطي مع وثيقة الوسطاء (خارطة الطريق).

فأنا أعتقد أن خطة الرئيس ترمب في طريقها للفشل على يد إسرائيل لتفتح الطريق أمام خطتها البديلة، لكن اعتقد أن تفريط إدارة ترمب في خطة إنهاء الحرب وتجاهل تطبيقها بالضغط على إسرائيل سيكون له تداعيات خطيرة تصيب مكانة الولايات المتحدة في مقتل بالمنطقة, فكيف سيحقق ترمب السلام مع إيران وتنتصر إدارته وهي غير قادرة على تحقيق السلام في غزة؟ وهنا لن يكون لترمب الذي يرأس مجلس السلام المعني بتحقيق السلام في غزة اي هيبة ويبقي كالطرطور في يد نتنياهو الذي يرسم المشهد الذي تريده إسرائيل في معظم ملفات المنطقة. لعلي أشك أن يسمح ترمب بذلك لأن مستقبله السياسي ومستقبل الجمهوريين معلق ومرهون بتحقيق السلام في غزة ولبنان والتوصل لاتفاق ينهي الحرب مع إيران لصالح الولايات المتحدة وأجندتها في الإقليم.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

تقويض الإعمار وعزل سكان غزة

ألغيت جلسة المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية لدى الاحتلال "الكابينيت"، واستعيض عنها بعقد مشاورات محدودة برئاسة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، دون توضيح رسمي لأسباب القرار، بحسب ما أوردته تقارير إسرائيلية، وتم إلغاء الجلسة رغم أنها كانت مخصصة لبحث مستقبل الحرب على قطاع غزة.

إنه وفي ظل استمرار وقف إطلاق النار الهش، وتزايد الحديث داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن إمكانية استئناف العمليات العسكرية في القطاع، فإن نقاشات داخل هيئة الأركان العامة تدفع باتجاه استئناف الحرب على غزة، حيث نقلت وسائل إعلاممسؤولين عسكريين قولهم في محادثات مغلقة إن "الوقت الأنسب لحسم المعركة هو الآن معتبرين أن المهمة في قطاع غزة "لم تستكمل بعد".

ووفقاً لتقديرات عسكرية إسرائيلية، فإن الحرب التي توقفت في أكتوبر الماضي انتهت دون تحقيق أهدفها، فيما يعتقد مسؤولون في جيش الاحتلال أنه يجب مواصلة الحرب على قطاع غزة، وفي ظل هذه المعادلة، لا تبدو عودة الحرب قراراً إسرائيلياً داخلياً صرفاً فإسرائيل تواجه قيوداً أمريكية ودولية، وجبهات مفتوحة أو قابلة للاشتعال في لبنان وإيران، ومأزقاً ميدانياً داخل غزة، وتبقى غزة عالقة بين وقف إطلاق نار هش واحتمال تصعيد جديد قد يعيد القطاع إلى دائرة الحرب المفتوحة.

وتشير التقارير الإعلامية إلى ارتفاع نسبة سيطرة جيش الاحتلال على قطاع غزة من 53% مع بداية وقف إطلاق النار إلى نحو 59% حالياً، بعد دفع ما يعرف بـ"الخط الأصفر" غرباً بشكل تدريجي، عبر عمليات ميدانية وخروقات إسرائيلية متواصلة، ويأتي إلغاء جلسة الكابينيت في سياق الجدل الإسرائيلي المتصاعد بشأن استئناف الحرب على غزة، بالتزامن مع استمرار الخروقات الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار، وتعثر تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق، لا سيما ما يتعلق بالملف الإنساني، مقابل إصرار الاحتلال على ربط أي تقدم في الاتفاق بمسألة نزع السلاح من قطاع غزة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من قطاع غزة، فقد كشفت تقارير إعلامية عن خرائط إسرائيلية حديثة، وكشفت مناطق السيطرة أو التقييد العسكري الإسرائيلي التي توسعت داخل القطاع، بما يضع ما يقارب ثلثي غزة ضمن نطاق سيطرة أو قيود عسكرية إسرائيلية مباشرة وأثار ذلك مخاوف فلسطينية ودولية من تكريس واقع ميداني جديد يعزل السكان في شريط ساحلي ضيق ويقوض فرص قيام إدارة فلسطينية مستقرة أو إعادة إعمار فعلية.

وتبقى جرائم الاحتلال بما فيها عمليات القتل والاستهداف المباشر، تشكل جزءا من نمط خطير من الجرائم التي تستهدف أبناء الشعب الفلسطيني، ولا بد من فتح تحقيقات دولية مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها باعتبارها جرائم لا تسقط بالتقادم.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل ومأزق القوة: من وهم النصر إلى استنزاف الحروب المفتوح

في لحظة نادرة من المكاشفة داخل الخطاب الإسرائيلي، يخرج المحلل السياسي ميشكا بن دافيد ليقول ما يحاول كثيرون تجاهله أو الالتفاف عليه: النصر المطلق الذي يُسوَّق للجمهور الإسرائيلي لن يتحقق، حتى لو دُمّرت غزة ولبنان وقُتل الآلاف، وفي اعتراف ضمني بأن إسرائيل، بكل ما تمتلكه من تفوق عسكري، تصطدم اليوم بحدود القوة، وبفشل عميق في تحويل هذا التفوق إلى إنجاز سياسي حاسم.

لقد بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على فرضية واضحة: غطرسة القوة، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وكسر إرادته في خلال زمن قصير، لكن ما تكشف في السنوات الأخيرة، وبلغ ذروته في الحروب الأخيرة على غزة والتوترات مع لبنان والتصعيد والحرب مع إيران، وهو أن هذه الفرضية لم تعد صالحة فالحروب لم تعد تقليدية، والخصوم لم يعودوا جيوشًا نظامية يمكن هزيمتها بضربة قاصمة، بل شبكات مقاومة مرنة، قادرة على امتصاص الضربات وإعادة تشكيل نفسها.

في غزة، وعلى الرغم من حجم الدمار الهائل والآلة العسكرية غير المسبوقة التي استُخدمت، لم يتحقق الهدف المعلن بالقضاء على المقاومة، بل إن الواقع الميداني أظهر أن الحرب تحولت إلى حالة استنزاف طويلة، تستنزف إسرائيل سياسيًا وأمنيًا وأخلاقيًا، دون أن تمنحها صورة "النصر" التي سعت إليها، الدمار لم يُنهِ الفكرة، والقتل لم يكسر الإرادة، بل أعاد إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيدًا.

أما في لبنان، فإن ميزان الردع بقي حاضرًا بقوة، لم تستطع إسرائيل فرض معادلة جديدة دون المخاطرة بانفجار شامل قد لا تستطيع التحكم في نتائجه، الجبهة الشمالية تحولت إلى مصدر تهديد دائم، لا إلى ساحة يمكن حسمها، وهذا بحد ذاته فشل في تحقيق أحد أبرز أهداف العقيدة الأمنية: إزالة التهديدات أو تحييدها بشكل نهائي.

وفي ما يتعلق بإيران، فإن المشهد أكثر تعقيدًا وتشابكًا، فإسرائيل، رغم كل الضغوط والتهديدات، لم تنجح في كبح النفوذ الإيراني في المنطقة، بل وجدت نفسها أمام محور إقليمي متماسك نسبيًا، قادر على فرض معادلات ردع متعددة المستويات، وهنا يتجلى الفشل ليس فقط في النتائج، بل في فهم طبيعة الصراع ذاته.

إن المشكلة التي يلمّح إليها بن دافيد لا تتعلق فقط بإخفاق عسكري في هذه الجبهة أو تلك، بل بأزمة أعمق في تعريف "النصر" نفسه، فحين يصبح النصر مرادفًا للتدمير الشامل، دون تحقيق أهداف سياسية واضحة، فإنه يتحول إلى عبء استراتيجي، لا إلى إنجاز، القوة في هذه الحالة، تفقد معناها حين تعجز عن فرض واقع جديد مستقر، أو حين تخلق بيئات أكثر عداءً وتفجرًا.

ما نشهده اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي لا يزال يتحدث بلغة الحسم والنصر، وبين الواقع الميداني الذي يعكس حالة من التعثر وإدارة الأزمات المفتوحة ، وهذه الفجوة ليست مجرد خلل إعلامي، بل مؤشر على أزمة بنيوية في التفكير الاستراتيجي.

 لم تفشل إسرائيل فقط في غزة أو لبنان أو في مواجهة إيران، بل فشلت في تحقيق المعادلة التي قامت عليها استراتيجيتها لعقود: تحويل القوة العسكرية إلى نصر سياسي نهائي ، وما لم تُراجع هذه العقيدة من جذورها، فإن كل جولة قادمة لن تكون سوى إعادة إنتاج للفشل ذاته، ولكن بتكاليف أعلى، ونتائج أكثر تعقيدًا.

في النهاية، لا تقف الأزمة عند حدود جبهة هنا أو إخفاق هناك، بل تتجاوز ذلك إلى مأزق وجودي في فهم القوة وحدودها، فحين تتحول الحروب إلى غاية بحد ذاتها، ويُستبدل النصر الحقيقي بصورة إعلامية هشة، تصبح كل جولة جديدة اعترافًا غير مباشر بالفشل السابق، ما كشفته غزة ولبنان، وما تؤكده معادلة الصراع مع إيران، هو أن القوة التي لا تُترجم إلى استقرار ولا تُنتج حلًا سياسيًا، إنما تعيد تدوير العنف وتُعمّق المأزق.

إن الإصرار على وهم "النصر المطلق" لم يعد مجرد خطاب دعائي، بل أصبح عبئًا استراتيجيًا يجرّ إسرائيل إلى حروب مفتوحة بلا أفق، وفي لحظة كهذه، لا يكون السؤال كم تستطيع إسرائيل أن تدمر، بل إلى متى تستطيع أن تتحمل نتائج ما تدمره، هنا تحديدًا يتكشّف المعنى الحقيقي للفشل: ليس في عجز القوة عن الحسم فقط، بل في عجزها عن إنهاء الصراع.

=‫====================================

ما نشهده اليوم هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي الإسرائيلي، الذي لا يزال يتحدث بلغة الحسم والنصر، وبين الواقع الميداني الذي يعكس حالة من التعثر وإدارة الأزمات المفتوحة ، وهذه الفجوة ليست مجرد خلل إعلامي، بل مؤشر على أزمة بنيوية في التفكير الاستراتيجي.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

المثقف العربي: مرآة التخلف أم مطرقة التغيير؟

لطالما استمرأنا كأدباء ومثقفين عرب دور "الضحية"؛ ضحية الاستعمار الذي قسم المقسم وضحية الأنظمة التي كممت الأفواه وضحية المنظومة والإطار المجتمعي. لكن، ألم يحن الوقت لنقف أمام أنفسنا ونكف عن الإشارة بأصابع الاتهام إلى الخارج؟ لعل ما تعانيه الثقافة العربية اليوم ليس مجرد إرث استعماري أو نتاج فقر مادي، بل هو في جوهره نابع في معظمه من عامل ذاتي يتعلق بأولئك (المتنورين والمثقفين) المأسورين خلف جدران المقولات الغربية الجاهزة دون تمحيص بعيداً عن الواقع.


خطيئة التبرير وانفصام الفاعلية

تبدأ المشكلة الحقيقية برأيي عندما يتحول المثقف من فاعل إلى مفسر يبرع في تنظير الأزمات وتشخيص أزمة الثقافة دون اجتراح سبل التحرر من هذه الأزمات ووضع الحلول، بل في أغلب الأحوال يعمل على تصديرها ويعزي المشكلة لعامل خارجي هربًا من المواجهة.

هل يمتلك المثقف العربي شجاعة الاعتراف بأنه فقد البوصلة؟

في الحقيقة أن غالبية المثقفين  يعيشون حالة من التعالي النخبوي؛ مثقفون نخبويون كما وصفهم (غرامشي)غير عضويين؛ نخبويون يكتبون بلغة لا يفهمها الشارع، ويطرحون قضايا لا تلمس هموم الإنسان البسيط.


هل تُنتج المعاناة والبيئة المأزومة مثقفاً حقيقياً؟

هذا السؤال هو حجر الزاوية إذ قد يظن البعض أن البيئة المأزومة تُحبط الإبداع، لكن التاريخ يُعلمنا أن أعظم المثقفين والمفكرين وُلدوا من رحم المعاناة فالمثقف العضوي والمنتمي لخط الشعب لم يكن نتاج رفاهية ثقافية، بل هو صرخة احتجاج ضد الواقع. مثقفٌ يمتلك وعياً ثوريًا يرفض القوالب الجاهزة ولا يقبل بدور المثقف النخبوي أو كما اصطلح على تسميته مثقف البلاط. ولكي لا نعمد إلى جلد الذات أرى أن مواجهة المثقف لذاته والاعتراف ببعض المسؤولية الذاتية عن الواقع لهو أول مدماك في بناء وعي وثقافة ثورية ملتزمة وغير مرتهنة لأي أجندة غير خط الشعب.

في هذا السياق نرى أن تأهيل المثقف لنفسه يبدأ بالمكاشفة الذاتية والوقوف على الإخفاقات أسبابها وعلاجها، والإنجازات وتعزيزها والبناء عليها. ولعل التأثير يبدأ من الرواية التي تعيد صياغة الوعي ومن المقال الصحفي الذي يفكك ويعري الأوهام لا الذي يكرسها. كما أن  التحرر من دائرة الطباشير -كما وصفها بريخت- والاستقلال الفكري والكف عن لعب دور التابع والتحرر من الثقافة الغربية، والبدء بإنتاج معرفة نابعة من موروثنا الحضاري، واحتياجات ولسان حال المجتمع هو أهم الادوات للبدء في حركة ثقافية فكرية نهضوية تجابه السرديات الزائفة وتواجه سردية الاحتلال الصهيوني الضلّيلة.

إن مسيرتنا الثقافية ما زالت تدور في حلقة مفرغة من النرجسية الثقافية تحكمها الشللية وتعاني في بعض مفاصلها من التبعية وتخبط وتشظي الخطاب عمومًا والوطني على وجه الخصوص.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

هل اخترنا حياتنا فعلًا؟ قراءة في رواية "ثمرة النار" لحنين الصايغ

صدرت رواية ثمرة النار عن دار الآداب عام 2025، وتأتي بوصفها امتدادًا سرديًا لرواية ميثاق النساء، لا بمعنى الاستكمال المباشر للأحداث، بل من خلال تعميق العالم الاجتماعي والنسائي نفسه، وإعادة تفكيكه من زاوية أكثر اتساعًا وتشابكًا. يبلغ عدد صفحاتها قرابة 368 صفحة، وتتشكل كمساحة سردية تمتد عبر أجيال متعددة من النساء داخل بيئة ريفية درزية في لبنان.

عنوان الرواية "ثمرة النار" لا يأتي كصورة عابرة، بل يحمل معنى عميقًا ومكثفًا. فـ"الثمرة" تشير إلى ما ينضج مع الوقت ويتكوّن بصبر وتراكم، بينما "النار" ترمز إلى الألم والتجربة القاسية. وبين هذين المعنيين، تتشكّل حياة شخصيات الرواية: حياة لا تنمو بهدوء، بل تنضج ببطء عبر احتراق داخلي مستمر.

أما الغلاف، فلا يكتفي بأن يكون صورة، بل يبدو كامتداد لروح الرواية نفسها. يستند في ملامحه إلى عالم "مكرم" الفني داخل النص، حيث تظهر النساء بملابسهن الداكنة وحضورهن الصامت، كما في لوحاته التي تلتقط ما لا يُقال بوضوح. هناك هدوء ظاهري، لكن خلفه توتر مكتوم، كأن اللون نفسه يخفي أكثر مما يكشف.

الغلاف، بهذا المعنى، لا يشرح الرواية، بل يلمّح إليها: ما نراه ليس الحكاية كاملة، بل سطحها فقط، أما ما تحتها فطبقات من التجربة والهشاشة والصلابة التي تتجاور دون أن تفصح عن نفسها بسهولة.

ليست المشكلة في الخوف حين يحدث، بل حين لا نعود نراه…

حين يصبح جزءًا من ترتيب الأشياء، ومن طريقة الكلام، وحتى من شكل الصمت نفسه.

في هذه الرواية، لا يبدأ الخوف من لحظة واضحة يمكن الإشارة إليها، ولا ينتهي عند قرار شجاع يمكن الاحتفاء به. هو لا يأتي فجأة، بل يكون حاضرًا منذ البداية، يتسلّل بهدوء إلى بنية الحياة، حتى يغدو مألوفًا. عندها نتعامل معه كأنه أمر طبيعي، كأنه خيار… لا إرث.

ما تكتبه حنين الصايغ لا يتوقف عند سرد معاناة النساء، ولا يكتفي بإظهار الظلم بوصفه نتيجة جاهزة. بل يتجه إلى مكان أعمق: إلى الطريقة التي يتكوّن بها هذا الواقع أصلًا، وكيف يتسلّل إلى التربية، وإلى اللغة اليومية، وإلى ما نعتبره عاديًا ولا يستدعي السؤال.

في الرواية، لا يبدو القيد دائمًا كقوة مفروضة من الخارج، بل كشيء نشأ مع الزمن وتكرّس حتى صار جزءًا من شكل الحياة نفسها. وهنا تكمن القسوة: حين لا نحتاج إلى من يفرض علينا الحدود، لأننا تعلّمنا أن نعيش داخلها دون مقاومة.

تمثّل "مهيبة" الجذر الأول لهذا التكوين. ليست شخصية قاسية، بل نتاج بنية اجتماعية ودينية تجعل من الخوف وسيلة لتنظيم الحياة. تتحوّل السلطة هنا إلى تربية، والطاعة إلى شكل من أشكال النجاة، حتى تصبح العلاقة بين الحب والخوف غير قابلة للفصل.

ثم تأتي "نبيلة"، وهي المركز الأكثر كثافة في النص. ليست بطلة تقليدية، ولا ضحية مكتملة الصورة، بل مساحة وسط بين الانكسار والاستمرار. تعيش داخل حدودها، لكنها تعيد تشكيل تلك الحدود يوميًا. تفهم الواقع دون أن تملك القدرة على تغييره جذريًا، لذلك تلجأ إلى أشكال صغيرة من النجاة: العمل، الكتابة، وصناعة عالم داخلي موازٍ.

حبّ نبيلة الذي لم يكتمل لا يتحوّل إلى حدث مأساوي مباشر، بل إلى حضور بطيء وممتد. لا ينتهي، بل يتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى يصبح جزءًا من إيقاعها. وهذا ما يجعل الألم في الرواية غير مرئي بالكامل، لكنه مستمر.

محاولاتها لا تبدو ثورة، بل إعادة توزيع للألم. كل فعل صغير هو محاولة لتقليل الانكسار لا لإلغائه. وهنا تكمن قوة الشخصية: في وعيها بأن الخلاص الكامل غير متاح، ومع ذلك تستمر في خلق احتمالات للعيش.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح في علاقتها بالخبز. العجين الذي تعجنه بيديها ليس مجرد عمل يومي، بل مساحة تأمل ومحاولة لإقناع الذات بأن ما يبدو قاسيًا يمكن تليينه، وأن الحياة، مثل العجين، قابلة للتشكيل. حين تمنح الأطفال قطعًا منه ليشكّلوها كما يريدون، فهي لا تعلّمهم اللعب فقط، بل تهمس لهم بفكرة أعمق: أن الحياة مهما ضاقت، يمكن إعادة تشكيلها.

تنتقل الرواية بعد ذلك إلى "أمل"، حيث يتخذ الصراع شكلًا أكثر وضوحًا: مواجهة مباشرة مع البنية، ورغبة في كسر ما تراكم. لكنها تكتشف أن المواجهة لا تعني الانتصار، لأن ما نواجهه في الخارج يسكننا في الداخل أيضًا.

أما "رحمة"، فهي امتداد لجيل أكثر وعيًا، لكنه ما زال يحمل أثر ما سبقه. الأسئلة هنا أكثر وضوحًا وأقل خوفًا، لكن الثقل لم يختفِ تمامًا. وهذا ما يجعل الرواية لا تقدّم قطيعة، بل تحوّلًا بطيئًا غير مكتمل.

الرجال في النص لا يُقدَّمون كأطراف شريرة مباشرة. "علي" مثال على سلطة غير مكتملة؛ يمارسها، لكنه خاضع لها في الوقت نفسه. يعيش ازدواجية بين واقعه الجامد وحضوره المختلف في الفضاء الافتراضي، ما يكشف أن الأزمة ليست فردية بل بنيوية.

وتظهر شخصيات أخرى مثل "مهنّد"، الذي يمثّل حبًا لم يكتمل، و"ذوقان"، الذي يدفع ثمن خروجه عن الجماعة، لتؤكد الرواية أن القيد لا يطال النساء وحدهن، بل يمتد ليشكّل الجميع، كلٌّ بطريقته.

تقوم الرواية على فكرة مركزية قاسية: القيد لا يُفرض فقط من الخارج، بل يُعاد إنتاجه داخل الرغبة نفسها. قد يصل الإنسان إلى مرحلة لا يحتاج فيها إلى من يمنعه، لأنه لم يعد يريد أن يخرج.

لغة الرواية هادئة ومكثّفة، تميل إلى الاقتصاد في التعبير، لكنها محمّلة بثقل داخلي واضح. لا تشرح كل شيء، بل تترك مساحات صامتة وتجعل القارئ شريكًا في ملئها.

وفي النهاية، لا تقدّم الرواية إجابة، بل تفتح سؤالًا أكثر إزعاجًا:

كيف يمكن للإنسان أن يتحرّر من شيء صار جزءًا من تعريفه لنفسه؟

لهذا، لا تنتهي الرواية عند آخر سطر،

بل تبدأ هناك…

في اللحظة التي ندرك فيها أن ما قرأناه لم يكن بعيدًا عنا كما تخيّلنا.


أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

اعتدل في كل شيء.. إلا في عزّة نفسك

في عالمٍ يطالبك فيه الجميع بالاعتدال، بالتنازل، بالمرونة التي قد تنزلق أحياناً إلى حدّ التلاشي، يقف هذا المبدأ كصرخةٍ وجودية تعيد ترتيب أولويات الروح: اعتدل في كل شيء… إلا في عزّة نفسك، فاطغَ بها. ليس الطغيان هنا جبروتاً أعمى، ولا تعالياً أجوف، بل هو ذاك الامتلاء النبيل الذي يرفض أن يُكسر، أو يُختزل، أو يُساوَم عليه تحت أي ظرف.

الاعتدال قيمة عظيمة، به تستقيم الحياة وتعتدل كفّتا الميزان؛ نعتدل في الحب فلا نذوب حدّ الفناء، ونعتدل في العطاء فلا نستنزف حتى الفراغ، ونعتدل في الغضب فلا نحترق قبل أن نحرق. لكن ثمة مساحة لا يصلح فيها الاعتدال، ولا يُقبل فيها التفاوض، ولا يُسمح فيها بالحلول الوسطى… إنها عزّة النفس. تلك المنطقة المقدسة في داخلك، التي إن تخلّيت عنها مرة، لن تعود كما كانت أبداً.

عزّة النفس ليست صلابةً باردة، ولا قسوةً في التعامل، بل هي ذلك الوعي العميق بقيمتك، إدراكك أنك لست هامشًا في حياة أحد، ولا خياراً مؤجلاً، ولا احتمالاً قابلاً للاستبدال. هي أن تعرف متى تصمت لأن الكلام سيهينك، ومتى ترحل لأن البقاء يُفقدك نفسك، ومتى ترفض لأن القبول يُشعرك بالانكسار.

وأن تطغى بعزّة نفسك، يعني أيضاً أن تتقن واحدة من أصعب المهارات التي يغفل عنها كثيرون: أن تقول "لا". لا لكل ما لا يرضي الله، ولا يرضي مبادئك التي شكّلتك، وصاغت وعيك، ومنحتك هويتك. فـ"لا" هنا ليست رفضاً عابراً ، بل موقف أخلاقي، وانحياز صادق لما تؤمن به. هي درعك حين تتزاحم المغريات، وبوصلتك حين تختلط الطرق. أن تقول "لا" حين يُطلب منك أن تتنازل عن قيمك، هو في حقيقته قولٌ عميقٌ لـ"نعم" لذاتك، لضميرك، ولصلتك بربك. فليست كل الفرص تستحق أن تُغتنم، ولا كل الطرق تستحق أن تُسلك، وبعض الرفض نجاة، وبعض القبول هلاك. ومن امتلك شجاعة "لا" في وجه ما لا يرضي الله، امتلك حرية لا تُشترى، وعزّة لا تُكسر.

أن تطغى بعزّة نفسك، يعني أن تضع حدوداً واضحة، لا تُرسم بالاعتذار، بل تُحفر بالكرامة. يعني أن تقول "لا" حين تُطلب منك التضحية بما لا يجب التضحية به، وأن تختار نفسك حين تُوضع في معادلة خاسرة، وأن تدرك أن خسارة الآخرين أهون بكثير من خسارة ذاتك.

كم من العلاقات انهارت لا بسبب غياب الحب، بل بسبب غياب الكرامة! وكم من القلوب تآكلت لأنها قدّمت التنازلات على هيئة فضائل، حتى لم يتبقَّ منها شيء يُحترم. إن من يعتاد أن يراك تتنازل، سيعتاد أن يطلب المزيد، ومن يراك تقبل بالقليل، سيقنعك أنك لا تستحق الكثير.

الطغيان في عزّة النفس ليس إعلان حرب، بل إعلان سلام داخلي. هو أن تعيش متصالحاً مع نفسك، لا تنتظر تقديراً من أحد لأنك قدّرت نفسك أولاً، ولا تستجدي حضوراً لأنك مكتفٍ بوجودك، ولا تخشى الفقد لأنك لم تُفرّط في ذاتك يوماً.

إنها فلسفة حياة تقول: كن ليناً حيث يجب اللين، ومرناً حيث تنفع المرونة، لكن حين يصل الأمر إلى كرامتك، كن جبلاً لا تهزه الرياح، ولا تنال منه العواصف. فالعالم قد يغفر لك ضعفك، لكنه لن يحترمه، أما أنت… فلن تغفر لنفسك يوماً أنك خذلتها.

وفي النهاية، تذكّر: ليست القوة في أن تتحمّل كل شيء، بل في أن ترفض ما لا يليق بك. وليست الحكمة في أن تُرضي الجميع، بل في ألا تخسر نفسك وأنت تحاول ذلك.

اعتدل كما شئت… لكن حين تصل إلى عزّة نفسك، لا تعتدل… بل ارتفع، واطغَ بها حدّ النجاة.

أقلام وأراء

الجمعة 08 مايو 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

بورصة الضمير.. قيمة الدمعة في سوق الأخبار العالمية

 كاتبة وباحثة قانونية وحقوقية مغربية، سفيرة عالمية للنوايا الحسنة لحقوق الإنسان لدى منظمة FAAVM الكندية


هناك، عند حافة الانتظار، تتشكل القصص الصامتة: يدٌ تبحث عن فرصة، وقلبٌ يتعلّم تأجيل خيبته دون أن يفقد إيمانه. وما بين خطوةٍ وأخرى، يكتشف الإنسان أن الوصول ليس نهاية الرحلة، بل بداية امتحانٍ أشدّ قسوة.. امتحان أن تبقى إنساناً حين تصبح شاهداً على ما يفوق الاحتمال.

كانت المدينة تبدو مكتملة الملامح، هادئة أكثر مما ينبغي؛ شرفات تتكئ على الياسمين، وطرقات تمشي عليها الخطوات بلا استعجال، ومقاهٍ تحفظ وجوه روادها كذاكرة الأحبة. في هذا المشهد، كان “صامد” يعيش يومه بإيقاع عادي، بين أوراق تتراكم في مكتبه وعدسة تلتقط تفاصيل الحياة الصغيرة. قاطع رنين هاتفه ذلك النسق المألوف. لم يكن الاتصال طويلاً، ولا الكلمات كثيرة، لكنها كانت كافية لتُحدث ارتجاجاً في داخله: مهمة جديدة، برنامج وثائقي، وجهة لا تشبه أي وجهة.. منطقة حرب.

لم يكن يدرك أن عدسته ستقع في قلب العاصفة؛ لتفصل بين عالمين: عالمٍ يغفو على طمأنينته، وآخرَ يصحو على دمعةٍ استحالت بين السطور.. مجرد خبر.

توقف الزمن للحظة، أو هكذا خُيّل إليه. بقي الهاتف في يده كأنه يحمل وزن القرار كله. فكرة السفر لم تكن غريبة عليه، لكنه هذه المرة لم يكن ذاهباً لتوثيق حياةٍ تُروى، بل واقعٍ يُطوى. بين طموحٍ يتقدم بخطى واثقة نحو ترقيةٍ طال انتظارها، وخوفٍ يتسلل من زاويةٍ معتمة في وجدانه، وقف متردداً. هل يذهب ليصعد مهنياً، أم يتراجع ليحفظ ما تبقى من طمأنينته؟ لم تكن الإجابة سهلة، لكنها جاءت في صمتٍ طويل. شيءٌ داخله دفعه للموافقة، لا بوصفها فرصة، بل بوصفها اختباراً. اختبارٌ لما يعنيه أن يواجه، وأن يشهد، وأن يبقى إنساناً في قلب ما يُفقد الإنسانية.

في الطائرة، لم يكن جسده وحده من يعبر المسافات، بل أفكاره أيضاً. كانت السماء تبدو صافية على غير عادتها، كأنها تخفي تحت زرقتها حكاياتٍ تغيب تفاصيلها بعيداً. كان يتخيل ما ينتظره: شوارع مهدمة، وجوه متعبة، وصراخٌ يخرج من عمق الألم، لكن كل صورة كانت تتبدد أمام أخرى أكثر غموضاً.

كيف يمكن للكاميرا أن تحتمل هذا الثقل؟ وكيف للصوت أن يحمل بقايا الصمت؟

تداخلت في داخله مبادئ تعلمها عن النزاهة والكرامة وحدود النشر، لكنها بدأت تفقد يقينها أمام واقعٍ لم يلمسه بعد، كأن القواعد نفسها تدخل منطقة لا تعترف بالثبات. وحين لامست عجلات الطائرة أرض الواقع، أدرك أن ما تخيله لم يكن سوى ظلٍ باهتٍ لما هو آتٍ. المدينة التي استقبلته لم تكن مدينة بالمعنى الذي يعرفه، بل فضاءً مفتوحاً على الندوب. الهواء مشبع برائحة لا تشبه شيئاً محدداً، لكنها تختزن الكثير. الحركة بطيئة، حذرة، كأن كل خطوة تُحسب.

في الأيام الأولى، حاول أن يلتقط إيقاع المكان. كيف يتحرك الناس، كيف يتحدثون، كيف يختارون صمتهم. كان يرى في كل تفصيلة درساً، وفي كل نظرة قصةً كاملة. كان المكان يبدو ساكناً، كأنه يلتقط أنفاسه الأخيرة قبل العاصفة. الهواء نفسه كان ثقيلاً، مشبعاً بصمتٍ مريب لا يقطعه سوى حفيف خطواتهم الحذرة. في تلك اللحظة بالذات، بدا كل شيء معلقاً في الهواء، وكأن الزمن يحبس أنفاسه.

ثم، دون مقدمات، تغيّر كل شيء.

صفيرٌ حادٌّ شقّ الهواء، تبعه ارتجافٌ مفاجئ، كأن الأرض نفسها فقدت توازنها. في لحظةٍ خاطفة، تحولت السكينة الهشة إلى فوضى مكتملة. ارتفعت الأصوات، تسارعت الأنفاس، وتبدلت الوجوه. لم يعد هناك وقتٌ للتفكير، فقط ردود فعلٍ غريزية: انحناء، احتماء، ركضٌ لا يعرف اتجاهاً.

كان يسمع دقات قلبه بوضوحٍ غير مسبوق، تنفسه صار متقطعاً، عيناه تتحركان بسرعة، تلتقطان كل شيء ولا تحتفظان بشيء. الغبار ملأ المكان، والرؤية صارت مشوشة، لكن الحضور كان كثيفاً، مؤلماً، لا يُخطئه الإحساس. رأى رجلاً يحاول أن يسحب طفلاً من بين الأنقاض، امرأةً تنادي باسمٍ لا يجيب، شاباً يركض ثم يتوقف فجأة، كأنه نسي لماذا بدأ. في تلك اللحظات، لم تكن الحرب خبراً، بل حالةً تُعاش بكل تفاصيل الجسد: في الارتعاش، في الترقب، في ذلك الصمت الذي يلي الضجيج مباشرة.

حين هدأ كل شيء نسبياً، لم يعد هو الشخص نفسه، ولم يكن يتوقع أن ينقلب هذا الهدوء إلى مفترقٍ يضعه أمام سؤالٍ لا يشبه أسئلته المعتادة: كيف تُقاس قيمة ما يُنقل حين يصبح الألم مادةً تُعرض؟

وفي غمرةِ الذهول، وقبل أن تستقيمَ خطواتُه بين الأنقاضِ والذبول، لمحَ طيفاً وسط الغبارِ يرفضُ أن يزول. طفلٌ.. جالسٌ على عتبةِ الحطام، لا يبكي ولا ينام. يُحدّقُ في الفراغِ كأنّه يقرأُ في الغيابِ كلام. في عينيهِ سكونٌ وسؤال، وفي صمتهِ ضجيجُ احتمال. بقعُ الرمادِ تلطخُ وجهه الصغير، والوقتُ يمضي في سكونٍ مرير. اقتربَ منهُ بخطىً ثقيلة، يتفحصُ الحقيقةَ القتيلة. فتلاقى النظرُ بالنظر، وانعكسَ الأثرُ في الأثر، كأنّما عادَ النبضُ وانتصر.

قال الطفلُ بعينين لا تنطقان: أأنا هنا أم هناك؟ أأنا بقايا حكايا أم بدايةُ فكاك؟ رفعَ كفّهُ النحيلَ ليمسحَ عن جبينهِ العناء، وكأنّه يودعُ الطفولةَ في كبرياء، وهبَ ابتسامةً تكسرُ حدَّةَ الشقاء.

وفي تلكَ اللحظةِ التي توقفَ فيها الزمان، وتبددَ من حولهِ الضباب، وجدَ نفسه أمامَ مرآةٍ تجسدُ أوجاعَ الأيام. لم تعدِ الكاميرا في يدهِ مجردَ آلةٍ للرصد، بل أصبحت شاهداً على عهدٍ يمتدُّ بلا غد. سقطت الحواجز، وتلاشت القيود والحدود، ليقفَ أمامَ براءةِ الطفلِ والذكريات؛ لا هو محايدٌ في نقلِ المشهد، ولا هو قادرٌ على تحويلِ الوجعِ إلى مجردِ مشهد. أدرك أنَّ الألمَ لا يُختزلُ في صورةٍ تُباع، وأنَّ الدمعةَ أمانةٌ في الأعماقِ لا تُضاع. وقفَ ممزقاً بينَ نداءِ المهنةِ وقسوةِ السؤال، يبحثُ عن صيغةٍ تجمعُ بينَ الصدقِ والاعتدال. لغةٍ تعيدُ ترتيبَ الكلماتِ من جديد، وتصيغُ الواقعَ بلا نقصانٍ ولا تبديد، لتشهدَ على نبضِ البقاء، وسطَ هذا العناء.

ظلّ "صامد" يتنقل بين الأزقة، يكتب بعينيه قبل أن يكتب بكلماته، ويصوّر بقلبه قبل أن يصوّر بعدسته. صار يختار لقطاته كما يختار الطبيب جرعته؛ بدقة، وبخوفٍ من الأثر الجانبي. لم يعد يسأل: ماذا سيرى المشاهد؟ بل صار يسأل: ماذا سيبقى من الإنسان بعد أن يرى؟ وبين كل لقطة وأخرى، كان يستحضر ذلك الطفل، كأنه معيارٌ داخلي يُعيد ضبط البوصلة.

عاد إلى تسجيله، لكن بعينٍ مختلفة. هناك، في مكانٍ بعيد عن هذا الركام، تتحرك الشاشات بإيقاعٍ آخر. الأخبار تُرتّب، تُقصّ، تُقدّم. في ذلك العالم، للحظةِ ثمن، وللصورة وزن، وللدمعة حضور. كأنّ الضمير نفسه يدخل سوقاً لا يُعلن عن قوانينه، تُعرض فيه الحكايات، وتُقاس قيمتها بمدى انتشارها. كان يفكر أن الخطر لا يكمن في النقل، بل في التحويل. حين تتحول المأساة إلى مادة، والإنسان إلى رقم، والوجع إلى عنصر جذب. هنا، يقفُ أمامَ الحقيقةِ عارياً من كلِّ إجابة: هل نحنُ نُبصرُ الطريق، أم نكتفي بأن نكونَ شهوداً على الحريق؟

تراجعَ خطوةً إلى الخلف، واضعاً يدهُ على عدستهِ كما لو كانَ يتحسّسُ نبضَ كائنٍ حيّ. المكانُ لا يزالُ يعجُّ برائحةِ البارودِ والغبار، وصوتُ الريحِ يمرُّ عبرَ فجواتِ الجدرانِ المنهارةِ كأنهُ تنهيدةٌ طويلة. كلُّ شيءٍ حوله كانَ يدعوهُ للتوثيق، لكنَّ الإصبعَ الذي اعتادَ الضغطَ على الزنادِ بحماس، تجمدَ هذه المرة. هناك، تحتَ جفنِ الذاكرة، ظلَّ ذلكَ المشهدُ الصغيرُ يقفُ كحاجزٍ أخير بينَ المهنةِ والروح.

وفي عمق هذه الرحلة، بدأ يرى أن الكلمة والصورة يمكن أن تكونا جسراً، لا منصة. جسراً يعبر عليه الفهم، ويصل من خلاله التعاطف، وربما.. يتسلل منه شيءٌ من السلام. ليس سلاماً كبيراً يُعلن، بل سلاماً صغيراً يبدأ من نظرةٍ تتغير، من قلبٍ يتأثر، من وعيٍ يُولد؛ كان يدرك أن كل صورة يمكن أن تكون جسراً أو حاجزاً، وأن الفرق بينهما يكمن في تلك المساحة الصغيرة التي يُسمّيها البعض ضميراً.

وهنا، التفتَ ببصرهِ نحو الأفق البعيد، حيث تُطبع الحكايات وتُوزّع على العالم. رأى كيف يتحول النبض الإنساني هناك إلى ورقة نقدية في سوقٍ لا يشبع، وكيف تُقاس حرقة الدموع بمدى رواجها في شاشات لا تعرف الرحمة. أدرك أن العيون التي كانت تنظر إلى الألم أصبحت تترقب مؤشراً يقيس حجم الوجع في بورصة العالم المفتوحة؛ بورصةٌ تحوّل كل دمعة إلى رقمٍ عابر، وتتاجر بالحقيقة قبل أن تبرد دماء أصحابها. إنه اقتصاد الألم، حيث يُباع الوجع الإنساني ويُشترى في مزاد علني يتلصص على الخيبات، وحيث غدا الضمير ذاته بورصةً تتأرجح أسهمه بين الشفقة العابرة واللامبالاة المطلقة. يقف "صامد" أمام هذا السيل الجارف، مستشعراً ثقل الأمانة، ومدركاً أن المعركة الحقيقية ليست في نقل المأساة، بل في حماية كرامة الإنسان.

في ذلك الركن الضيق من الغرفة، حيث يتداخل صوت الرصاص مع أنفاسه المتقطعة، رنّ هاتفه معلناً موعد الرحيل. جاءه الصوت عبر الخط البارد ليخبره أن الوقت قد حان للعودة. أغمض عينيه للحظة، وشعر بغصةٍ تعتصر قلبه؛ فقد أدرك أنه لم يكن مجرد زائرٍ عابر، بل إن جزءاً من روحه قد نبتَ هنا بين هذا الحطام، وأن ترك المكان الآن أشبه بترك قطعةٍ حية من ذاته تحت الركام.

الرحيل لم يكن انتصاراً ولا هروباً؛ بل كان عبوراً. حزمَ أمتعتهُ، لكنّهُ لم يتركْ هناكَ إلا جزءاً من روحه. عادَ "صامد" إلى مدينته الأولى، ومعهُ إيقاعٌ مختلفٌ للزمن، ونبضٌ آخرُ للذاكرة. لم يعد كما ذهب؛ فالأشياء من حولهِ بدت أكثر صمتاً، والألمُ الذي رآه صار يسكنُ في تفاصيلِ خطواته.

وفي طريقه، وبينما كان يسترجع في عقله وحشته وهو هناك، ظلّت تلك الجملة الناقصة التي صادفها محفورةً في ذاكرته تطارده؛ تلك العبارة التي كتبها أحدهم على الجدار المائل ثم غادر: «نحن هنا…». لم تُكمل الجملة، كأنّ صاحبها تركها لتُكملها الحياة. ظلّت الكلمتان ترافقه، تقلّبانه من الداخل، وتُسائله في صمتٍ ثقيل: «نحن هنا… ماذا؟ شهودٌ على الوجعِ أم شركاء؟ ناقلون للواقعِ أم صانعون للبقاء؟». ظلّ يتأمل تلك الذكرى طويلاً، كأنّ الجملة تخصّه أيضاً، وكأنها تسأله عن الجزء الذي لم يُكتب بعد في حياته هو. شعر أن الإجابة ليست مجرد جملةٍ تُقال، بل موقفٌ يُعاش.

حين عاد، لم يعد يحمل حقائب فقط، بل أسئلة. المدينة التي غادرها تركت فيه أثراً لا يزول. صار يرى الأشياء بشكلٍ مختلف: الضجيج أكثر صخباً، والصمت أكثر عمقاً. صار يدرك أن ما عاشه ليس مجرد تجربة، بل إعادة تشكيلٍ لنظرته إلى العالم. لم يعد يفكر في العودة كمجرد حدث، بل كفكرة أكبر: العودة إلى المعنى، إلى الإنسان داخل المهنة، إلى الضمير حين لا يكون محاصراً بالإيقاع السريع للأخبار. كان يعرف أن ما رآه لن يغادره، وأن الصورة التي التقطها ستبقى تلاحقه أكثر مما ستُعرض على الشاشة. أدارَ صامد الكاميرا، ونظرَ إلى عدسته التي ما زالت تحتفظ بحرارةِ الرمادِ ووجع الأيام، تستحضرُ كلَّ تفصيلةٍ صغيرةٍ تركت في روحهِ أثراً لا يُمحى. لقد أدرك في تلك اللحظة أن الحقيقةَ ليست مجردَ خبرٍ عابرٍ يمرُ في عَجَل، وليست وميضاً ضوئياً ينتهي بانتهاءِ الحدث، بل هي أمانةٌ في عنقِ الضمير.

وبينما كان يستعيدُ الوجوهَ التي عبرت أمامه، والأرواحَ التي تركتْ أثرها في زوايا المكان، تبيّنَ له أن الخطرَ الأكبرَ الذي يهددُ من ينقلُ واقعنا، ليس قسوةَ المشهدِ ولا وحشةَ الظلام، بل هو اعتيادُ الوجع، وتلاشي الإحساسِ أمامَ هولِ المآسي.

سدّد نظرهُ نحو النورِ البعيد، ومضى بخطىً ثابتة، حاملاً في عينيهِ قصةً لا تنقضي، وشاهداً حياً لا ينحني.