عربي ودولي

الجمعة 08 مايو 2026 12:38 مساءً - بتوقيت القدس

انتقادات حقوقية وكنسية لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر

تصاعدت حدة الانتقادات الموجهة لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر، عقب إحالته من الحكومة إلى مجلس النواب لمناقشته. وتركزت الاعتراضات على ما وصفه مراقبون بتعزيز قبضة المؤسسة الدينية على الشؤون المدنية للمواطنين، وسط دعوات ملحة لضرورة إجراء حوار مجتمعي شفاف يضم كافة الأطراف المتضررة والخبراء القانونيين.

وطالب القس عيد صلاح، رئيس المجلس القضائي والدستوري في الكنيسة الإنجيلية، بضرورة الاستماع إلى أصوات المتضررين وعلماء الاجتماع قبل إقرار القانون بصفته النهائية. وأشار صلاح إلى أن واضعي المشروع ليسوا معصومين من الخطأ، مؤكداً أن البرلمان هو الجهة الوحيدة المختصة بالتشريع ولا يجوز فرض وصاية عليه من أي جهة أخرى.

وأثار مشروع القانون تساؤلات قانونية معقدة حول مدى دستورية تحصين قرارات الكنيسة فيما يخص منح تصاريح الزواج الثاني. حيث يمنع القانون بشكل قاطع زواج من طلق لعلة الزنا أو غير انتمائه الطائفي إلا بموافقة كنسية مسبقة، وهو ما يراه البعض تقييداً لحق إنساني أصيل في تكوين أسرة تحت مظلة القانون المدني.

من جانبها، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريراً بعنوان 'أهلية منقوصة'، انتقدت فيه السرية التي أحاطت بعمل لجان صياغة القانون على مدار السنوات الخمس الماضية. واعتبرت المبادرة أن غياب أصحاب المصلحة الحقيقيين عن جلسات الحوار التي نظمتها وزارة العدل يفرغ العملية التشغيلية من قيمتها الديمقراطية ويجعلها مقتصرة على التوافقات الكنسية الرسمية.

وانتقد التقرير الحقوقي حضور ممثلين عن جهات أمنية وسيادية في جلسات صياغة المسودة النهائية التي تم التوقيع عليها في ديسمبر 2024، في حين غاب ممثلو المجتمع المدني. وأكدت المبادرة أن هذا النهج يعزز المخاوف من تمرير القانون بسرعة استجابة لتوجيهات سياسية دون مراعاة للحساسيات الاجتماعية والدينية العميقة التي يثيرها الملف.

وفيما يخص قضايا الانفصال، أبقى مشروع القانون على سلطات واسعة بيد الكهنة والقيادات الكنسية في مسائل التطليق ومنح تصاريح الزواج الجديد. وترى المنظمات الحقوقية أن حرمان الطرف المخطئ في قضايا الزنا من الزواج مرة أخرى يمثل 'عقوبة أبدية' تتنافى مع مبادئ حقوق الإنسان والشرائع التي تفتح باب التوبة والرجوع.

واقترحت المبادرة المصرية آلية تضمن أحقية الطرفين في الزواج مرة أخرى بقوة القانون بمجرد صدور حكم قضائي بالتطليق أو بطلان الزواج. وشددت على ضرورة أن يقتصر دور الكنيسة على الإخطار بالحكم، أو على الأقل تنظيم آلية واضحة للطعن أمام المحاكم المدنية في حال رفضت الكنيسة منح التصريح الديني.

وعلى صعيد الإجراءات الإدارية، انتقدت القوى الحقوقية اشتراط تقديم 'شهادة خلو موانع' تصدرها الكنيسة كشرط لعقد الخطبة والزواج. وتمنح هذه الشهادة الكهنة سلطة تقييم 'الحياة الروحية' للراغبين في الزواج ومدى مواظبتهم على الطقوس الدينية، وهو ما يعتبر تدخلاً في الخصوصية الشخصية والحرية العقائدية للأفراد.

وطالبت المقترحات البديلة بتحويل شهادة خلو الموانع إلى إجراء إداري بحت يقتصر على التأكد من السن وصلة القرابة والحالة الاجتماعية فقط. ويهدف هذا التعديل إلى منع استخدام الطقوس الدينية كأداة للضغط أو المنع من ممارسة الحقوق المدنية التي كفلها الدستور المصري لجميع المواطنين دون تمييز.

أما في ملف الطلاق، فقد انتقدت المبادرة حصر أسباب التطليق في اتهامات قاسية مثل الخيانة الزوجية أو المثلية الجنسية، لما تسببه من وصم اجتماعي حاد. وأشارت إلى أن هذه البنود تجعل من عملية إثبات الضرر أمام المحاكم أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد، مما يطيل أمد النزاعات القضائية لسنوات طويلة.

كما اعتبر الحقوقيون أن مدة السنوات الثلاث التي حددها القانون كفترة فرقة قبل الحصول على الإلغاء المدني للزواج هي مدة مبالغ فيها وتزيد من معاناة الأسر. وطالبوا بتقليص هذه المدة إلى سنة واحدة فقط، مع ضرورة تنظيم الحقوق المترتبة عليها مثل حضانة الأطفال والولاية التعليمية ومسكن الزوجية بشكل واضح.

ورغم الانتقادات، أقر الحقوقيون بوجود مكتسبات هامة في المشروع، أبرزها النص الصريح على المساواة في الميراث بين الرجال والنساء المسيحيين. ويعد هذا المطلب من أبرز القضايا التي ناضلت من أجلها الحركات النسائية المسيحية لسنوات، لإنهاء العمل بقواعد الميراث المستمدة من الشريعة الإسلامية في هذا الجانب.

وفي رد رسمي على هذه المخاوف، أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أن الحكومة اجتهدت في إعداد المسودة بالاستعانة بخبراء متخصصين. وأوضح مدبولي أن الحكومة تدرك حالة الجدل التي تثيرها قوانين الأسرة، مؤكداً الانفتاح الكامل على إجراء تعديلات برلمانية تضمن توازن المصالح بين جميع الأطراف المعنية.

وقد أحال رئيس مجلس النواب مشروع القانون إلى اللجان النوعية المختصة لدراسته بشكل مفصل وإعداد تقرير يعرض على الجلسة العامة. ومن المتوقع أن تشهد أروقة البرلمان نقاشات ساخنة حول المواد الخلافية، خاصة في ظل الضغوط التي تمارسها منظمات المجتمع المدني لضمان خروج قانون يحترم الحقوق المدنية والدستورية.

دلالات

شارك برأيك

انتقادات حقوقية وكنسية لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.