أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

مؤتمر حركة "فتح"


لسنا وحدنا كأردنيين، نراقب ونتابع الوقائع والتعليقات الصادرة من قبل قيادات فلسطينية: فتحاوية وغير فتحاوية، عربية ودولية، حول انعقاد المؤتمر الثامن لحركة "فتح"، لسنا فلسطينيين، أكثر من الفلسطينيين، ولكن لنا مصلحة بمتابعة الوضع الفلسطيني الشائك المعقد، ولسنا وحدنا من يهتم بذلك، بل الاهتمام العربي والدولي لا يقل اهتماما لما يجري على أرض فلسطين، من صراع ومعاناة وبطش ، وكل مفردات التناقض التي تعكس المواجهة بين المشروعين المتصادمين على الأرض الواحدة، بين: المشروع الوطني الديمقراطي الفلسطيني، في مواجهة المشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، وانعكاس ذلك على مجمل الوضع الإقليمي عربياً وإسلامياً ودولياً.
 معركة 7 أكتوبر الفلسطينية امتدت لتصل إلى لبنان واليمن وصولاً إلى إيران، فالمواجهة الدائرة اليوم بين المعسكر الإيراني وأدواته ومن يتبعه، ومن يقف معه وإلى جانبه، في مواجهة المعسكر الأميركي الإسرائيلي، لم يكن ليكون بهذا الوضع والصدام لولا معركة 7 أكتوبر وتداعياتها.
الصراع في منطقتنا، والحروب عندنا، وحالات الاحتقان والتوتر، لم يكن لتكون، لم يكن لتنفجر لولا وجود المستعمرة الإسرائيلي في قلب منطقتنا، في فلسطين وما تُمثل ليس فقط للشعب الفلسطيني، بل لما تُمثل بعد الأراضي الحجازية في مكة والمدينة من تراث وقيم وأولى القبلتين، ومسرى سيدنا محمد، وولادة وقيامة السيد المسيح، فالحروب في منطقتنا وعدم الاستقرار في منطقتنا لا سبب جوهري لها سوى الاحتلال والتوسع والاستعمار الإسرائيلي.
حروب 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، وصولاً إلى 2024 و2025، استمراراً إلى 2026، وما بينهم من معارك وحروب وما سيتبعهم، والتطاول على سيادة العديد من البلدان العربية والإسلامية، كان ولا يزال من قبل المستعمرة وتحريضها ودوافعها العدوانية التوسعية.
نتطلع كمراقبين، لنا مصلحة في امن واستقرار منطقتنا العربية في لبنان وسوريا والعراق واليمن وغيرهم، وإلى أداء فلسطيني يعزز من الصمود،وينشد الوحدة كأداة وسلاح هو الأقوى، بعد سلاح البقاء والصمود، على طريق دحر الاحتلال وهزيمته.
حركة "فتح" كانت أول الرصاص، أول الحجارة، لكنها لم تعد كذلك، بل بات لها شريكاً في العمل والنضال والحضور، هي حركة حماس، التي قد نتفق معها، وقد نختلف، ولكننا لا نستطيع إلا أن ننظر إلى ضرورة الوحدة الوطنية بين الضفة والقطاع، بين "فتح" وحماس، وباقي الفصائل، حتى يواصلوا طريق الإنجاز، لأن هذا الإنجاز الوطني للفلسطينيين هو الذي يمنحنا الثقة كأردنيين وعرب ومسلمين ومسيحيين أشقاء على امتداد خارطة الوطن العربي، يمنحنا الثقة والطمأنينة بالأمن والاستقرار والتقدم إلى الأمام، ويشكل مقدمات ضرورية لإنهاء الاحتلال واجتثاثه من على أرض فلسطين.
هل تفلح حركة "فتح" عبر مؤتمرها تحقيق وحدتها الداخلية؟، وصياغة برنامج عملها الواقعي الكفاحي، وخطوات الوحدة الوطنية لها ولشعبها ولقواه الحية؟ ذلك ما يتطلع إليه كافة الأشقاء نحو الشقيق الفلسطيني الذي يستحق الأفضل على أرض وطنه، الذي لا وطن له غيره.



أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

في ذكرى النصر على النازية.. فلسطين تواجه الفاشية الجديدة


        
في التاسع من أيار/مايو من كل عام، تستعيد البشرية ذكرى الانتصار العظيم على الفاشية والنازية، حين أعلن عام 1945 انتصار الجيش الأحمر السوفياتي على النازية بقيادة أدولف هتلر، بعد حربٍ كونية دفعت خلالها شعوب العالم وفي مقدمتها شعوب الاتحاد السوفياتي، بقيادة الحزب الشيوعي السوفياتي، ثمناً هائلاً تجاوز أكثر من عشرين مليون شهيد، دفاعاً عن الإنسانية جمعاء في مواجهة واحدة من أبشع الأيديولوجيات العنصرية والإجرامية في التاريخ الحديث.
ذلك الانتصار لم يكن حدثاً عسكرياً فحسب، بل شكّل لحظة تاريخية فارقة أنقذت العالم من مشروع فاشي قائم على الإبادة والتفوّق العرقي والاستعباد الجماعي. وقد كان اليهود أنفسهم من أبرز ضحايا النازية، حيث تعرّضوا لمحرقة مروّعة شكّلت وصمة عار في جبين البشرية. غير أنّ العديد من الدراسات والوثائق التاريخية أشارت أيضاً إلى وجود أشكال من التواطؤ والتقاطع بين الحركة الصهيونية والسلطات النازية في ثلاثينيات القرن الماضي، عبر اتفاقيات هدفت إلى تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، في سياق المشروع الاستعماري الصهيوني.
لكن المفارقة الأكثر مأساوية اليوم، أنّ أحفاد ضحايا الإبادة النازية يتحوّلون، في ظل المشروع الصهيوني القائم على الاحتلال والعنصرية والاستعمار الاستيطاني، إلى جلادين يمارسون سياسات القتل الجماعي والحصار والتجويع والتطهير العرقي بحق الشعب الفلسطيني، وخاصة في قطاع غزة، حيث ترتكب دولة الاحتلال حرب إبادة مفتوحة أمام مرأى العالم وصمته.
إنّ ما نشهده اليوم من صعود متنامٍ للفاشية في إسرائيل، سواء عبر الخطاب العنصري أو القوانين الإقصائية أو ممارسات الجيش والمستوطنين، يؤكد أنّ الفاشية ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل خطر متجدّد يمكن أن يرتدي وجوهاً جديدة وشعارات مختلفة. فحين تُبرَّر المجازر باسم "الأمن"، ويُمنح الاحتلال حصانة مطلقة لقتل الأطفال وتدمير المدن وتهجير السكان، فإنّ العالم يكون أمام نسخة معاصرة من الفاشية التي ادّعى أنه هزمها قبل واحد وثمانين عاماً.
إنّ الوفاء الحقيقي لضحايا النازية لا يكون بتبرير جرائم الاحتلال، بل بالوقوف ضد كل أشكال العنصرية والاستعمار والإبادة أينما كانت، وفي مقدمتها ما يتعرض له الشعب الفلسطيني اليوم. فالقيم التي انتصرت في التاسع من أيار عام 1945 هي ذاتها التي تفرض على أحرار العالم اليوم بناء جبهة إنسانية وأخلاقية عالمية لمواجهة فاشية الاحتلال الصهيوني، والدفاع عن حق شعبنا الفلسطيني في الحرية والكرامة وتقرير المصير واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
لقد أثبت التاريخ أن الفاشية قد تُهزم عسكرياً، لكنها تعود حين يصمت العالم على الظلم، وحين تتحول الضحية إلى جلاد، وحين يصبح القتل الجماعي سياسةً مقبولة تحت غطاء القوة والنفوذ. لذلك، فإنّ معركة شعبنا ليست فقط معركة تحرر وطني، بل أيضاً جزء من المعركة الإنسانية الكبرى ضد الفاشية والعنصرية وكل أشكال الإبادة.  

أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

لن نرحل.. فجذورنا أعمق من دماركم


تأتي فعاليات إحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية تحت شعار: "لن نرحل.. جذورنا أعمق من دماركم" هذا العام في ظل أخطر مرحلة يمر بها شعبنا الفلسطيني منذ نكبة عام 1948، في ظل حرب الإبادة الجماعية المتواصلة على قطاع غزة، واستهداف مخيمات شمال الضفة الغربية، ومحاولات تصفية قضية اللاجئين وإنهاء عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".
الذكرى 78 للنكبة مناسبة وطنية تأتي في ظل ظروف بالغة الدقة تمر بها القضية الفلسطينية، في وقت تتواصل فيه فصول النكبة بأشكال متعددة كون أن ما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني من عدوان ومجازر في قطاع غزة، إلى جانب عدوان عصابات المستوطنين المحميين بجيش الاحتلال في الضفة الغربية، يجري ضمن سياسة التهجير وحرب الإبادة الجماعية، ما يعكس أن شعبنا يعيش نكبة متجددة يومياً، على مرأى ومسمع من العالم الظالم الصامت، لكن شعبنا سيبقى صامدا بأرضه ولن يرحل.
الشعب الفلسطيني رغم الألم والمعاناة، ما زال متمسكاً بالأمل، وأن إحياء الذكرى بفعاليات نوعية يحمل رسالة واضحة للعالم مفادها أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الأجيال الفلسطينية المتعاقبة باقية على العهد حتى نيل كامل حقوقها الوطنية، ولا بد من حشد الإمكانات والمشاركة الفاعلة  ضمن المسيرة المركزية المقررة في 12 أيار، الجاري، التي ستنطلق من أمام ضريح الرئيس الشهيد ياسر عرفات بينما تتواصل الفعاليات في قطاع غزة عبر مهرجان العودة الوطني في مخيم خان يونس بتاريخ 11 أيار/مايو المقبل لتحمل هذه الفعاليات رسائل التمسك بحق العودة ورفض مخططات التهجير والتوطين، فيما ستشهد مخيمات الشتات والجاليات الفلسطينية فعاليات متعددة.
يجب العمل على تكامل الجهود الرسمية والشعبية في هذه المرحلة وأهمية المشاركة الواسعة والفاعلة في كافة فعاليات إحياء ذكرى النكبة، ورفع الصوت الفلسطيني الموحد دفاعا عن حق العودة والثوابت الوطنية ليشكل رسالة صمود وتحدٍ لكل من يحاول النيل من القضية والمشروع الوطني الفلسطيني.
إحياء ذكرى النكبة يحمل رسائل سياسية ووطنية واضحة للمجتمع الدولي، ليؤكد أن قضية اللاجئين الفلسطينيين غير قابلة للتصفية أو الشطب، وأن حق العودة حق فردي وجماعي لا يسقط بالتقادم، وأن الأونروا تمثل الشاهد الدولي الحي على جريمة النكبة ومسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين.
يجب على المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني، والعمل على وقف حرب الإبادة وحماية اللاجئين الفلسطينيين، وضمان استمرار عمل الأونروا، ورفض أي إجراءات تستهدف إنهاء تفويضها الأممي، وإن الشعب الفلسطيني الذي أسقط رهانات التهجير والاقتلاع سيبقى متجذراً في أرضه، والمخيمات الفلسطينية ستظل عنوانا للهوية الوطنية، ورمزاً للصمود وقلعة للدفاع عن حق العودة حتى الحرية والاستقلال والعودة.

أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

رسالة إلى الإخوة المشاركين في مؤتمر حركة "فتح"


                  الإخوة الكرام،
قضية شعبنا تمر بمرحلة خطيرة تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية وكذلك الأمنية معقدة جدا، وجاء مؤتمر حركة فتح لينعقد في وقت يحمل الكثير من التحديات، وأنتم اهلا لمواجهتها، لذا يقع على عاتقكم مسؤولية وطنية كبيرة تتجاوز الإطار التنظيمي إلى مستوى الوضع الفلسطيني العام.
أنتم تدركون ما يواجهه شعبنا بالضفة الفلسطينية من تصاعد خطير على صعيد اعتداءات المستوطنين، الى جانب التوسع الفلسطيني المتزايد  في الاستيطان، وتراجع واضح في القدرة الاقتصادية للسلطة الفلسطينية، والأزمة المالية  التي تمس بشكل مباشر قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها الأساسية، بحيث أصبحت غير قادرة على توفير رواتب الموظفين واستمرارية الخدمات العامة.
كذلك، لا يمكن لأي نقاش وطني مسؤول أن يتجاوز ما تعرض له أهلنا في قطاع غزة من معاناة إنسانية ووطنية غير مسبوقة، بسبب حرب الإبادة التي شنتها دولة الاحتلال، وما نراه اليوم من انعكاس ذلك على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. إن غزة اليوم ليست مجرد ملف سياسي أو إنساني، بل تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة نظامنا السياسي الفلسطيني بكل مكوناته على تحمل مسؤولياته الوطنية والأخلاقية تجاه شعبه.
لقد دفع أبناء شعبنا في غزة أثمانًا باهظة، وما زالوا يواجهون ظروفًا قاسية تمس تفاصيل حياتهم اليومية وكرامتهم الإنسانية ومستقبل أبنائهم، وبالرغم من ذلك يعقدون الأمل عليكم، أقصد على حركة فتح الذي تعرفوا عليها منذ واحد وستون عاماً، الأمر الذي يتطلب من الجميع التفكير، ليس بموقعه بالحركة بل الأهم التفكير بموقع الحركة في قلوب شعبنا، وكم نحن قادرون على استعادة حاضنة فتح الشعبية، والبحث عن خطوات عملية تساعد على صمود هذا الشعب، وإعادة بناء مقومات الحياة، والحفاظ على هذه الثروة البشرية كأحد مقومات القوة.
كذلك من الأهمية بمكان رؤية الطاقات الفلسطينية التي تعيش بالمهجر، ومازالت فلسطين تعيش بقلوبهم، وأنتم تعلمون أنهم  يمتلكون الخبرات والكفاءات والإمكانات الاقتصادية والعلمية، والذين يمكن أن يشكلوا عنصر دعم حقيقي في مساعدة شعبهم على تجاوز هذه الأزمة، هؤلاء كانوا دائماً سنداً في زمن الثورة، واليوم تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم هذا الدور ضمن رؤية وطنية عملية تمكينهم من لعب دورا مهما بإخراج الوضع الفلسطيني من أزمته، ويساهموا في الإدارة  والتعليم والصحة والدبلوماسية والإعلام.
أمام هذا الواقع، فإن أي نقاش داخل المؤتمر لا بد أن ينطلق من قراءة واقعية وهادئة، بعيدة عن الشعارات العامة التي لا يمكن تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ في ظل موازين القوى الحالية.
إن المطلوب اليوم مراجعة جادة وعملية تضع إجابات واضحة لأسئلة ملحّة، من بينها:
•    كيف يمكن حماية شعبنا من تصاعد اعتداءات المستوطنين في ظل محدودية الأدوات المتاحة؟
•    ما هي الخيارات الواقعية لمعالجة الأزمة المالية بدون ان يتحمل المواطن العبء الأكبر؟
•    ما هو المطلوب من اجل إصلاح البنية الإدارية والمالية للسلطة بما يعزز الكفاءة والشفافية؟
•    كيف نحافظ على السلطة الفلسطينية كمنجز في المرحلة القادمة في ظل انسداد أفق التسوية؟
•    ما هو المطلوب لإعادة  بناء الثقة بين الجمهور ومؤسسات الحركة والسلطة على أساس الأداء لا الخطاب؟
•    كيف يمكننا أن نعزز صمود أهلنا في قطاع غزة، وأيضاً إشراك الكفاءات الفلسطينية في الخارج ضمن مشروع وطني جالب، وليس ممارسات تجعلهم يستنكفون عن المساهمة؟
مهمتكم اليوم  تقتضي الانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة ضبط مسارها وتقليل  الخسائر، حتى ضمن حدود الواقع القائم، مع الحفاظ على الحد الأدنى من التماسك الاجتماعي والمؤسساتي، وأيضا حالة الازاحة السكانية التي يقوم بها الاحتلال، كي يفرغ قرانا ودفعهم نحو المدن.
إن تعزيز الوحدة الداخلية داخل حركة "فتح"، وتجديد أدواتها وأساليب عملها، عنصران أساسيان في أي مسار إصلاحي داخلي، ما يُبقي الأمل لدى شعبنا بأن هذه الحركة الكبيرة قادرة على تجديد نفسها بشكل جدي.
شعبنا اليوم لا تهمه الشعارات الكبيرة بقدر ما يريد خطوات واقعية قابلة للتنفيذ، وقرارات تخفف من معاناته اليومية، والحفاظ على كرامته، ويريد أن يرى أن مؤسستنا الوطنية ما زالت قادرة على مراجعة نفسها والاستجابة للتضحيات.
رسالتي هذه ليست انتقاصا، ولا تقليلا مما تبذله القيادة، بل محاولة صادقة لوضع الأمور في سياقها الحقيقي، بعيدًا عن المبالغة أو التهويل، وبما يساعد على اتخاذ قرارات أكثر واقعية وقابلة للتطبيق، تخدم صمود الناس وتخفف من معاناتهم قدر الإمكان.
أدعو الله أن يحفظ شعبنا، ووفقكم لما فيه خيره وصموده.

أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:31 صباحًا - بتوقيت القدس

"فتح": من الثورة إلى الدولة.. وهل يعيد المؤتمر الثامن إنتاج الروح الأولى؟


حين انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، لم تكن تملك دولة، ولا جيشًا نظاميًا، ولا إمكانيات كبرى، لكنها امتلكت شيئًا أخطر من كل ذلك... امتلكت الإيمان بأن فلسطين ليست قضية يمكن أن تموت.
في زمنٍ كانت فيه القضية الفلسطينية مهددة بالذوبان داخل المشاريع الإقليمية والانقسامات العربية، جاءت فتح لتقول إن الفلسطيني يجب أن يكون صاحب قراره، وصاحب بندقيته، وصاحب صوته أمام العالم.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد فلسطين مجرد ملف سياسي، بل أصبحت ثورة شعب.
فتح لم تخض معركة واحدة فقط، بل خاضت كل أشكال النضال الممكنة:
قاتلت بالبندقية، وصمدت في المنافي، وبنت المؤسسات، ودخلت السياسة، وخاضت المواجهة الدبلوماسية، وقدمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى. من مخيمات اللجوء إلى ساحات القتال، ومن أزقة بيروت إلى أروقة الأمم المتحدة، كانت فتح تحاول دائمًا أن تبقي اسم فلسطين حيًا رغم كل العواصف.
ولعل ما يميز هذه الحركة أنها لم تكن يومًا حركة نخبوية مغلقة، بل كانت حالة شعبية واسعة؛ فيها العامل، والطالب، والأسير، والمثقف، والمقاتل، وابن المخيم، ورجل الأعمال، والطبيب، والمهندس... ولهذا بقيت قادرة على الاستمرار رغم كل الضربات.
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن فتح اليوم ليست هي فتح الستينات أو السبعينات.
فالزمن تغيّر، وأدوات الصراع تغيّرت، والشعب الفلسطيني نفسه تغيّرت أولوياته وأسئلته وهمومه.
جيل الثورة كان يبحث عن الهوية الوطنية، أما جيل اليوم فيبحث عن الكرامة والاستقرار والأمل أيضًا.
ومن هنا تأتي أهمية المؤتمر الثامن.
فالرهان الحقيقي على هذا المؤتمر ليس فقط انتخاب قيادة جديدة، بل الإجابة عن أسئلة أكبر:
كيف تستطيع فتح أن تنتقل من إرث الثورة إلى مشروع المستقبل؟
كيف تحافظ على تاريخها الكفاحي دون أن تبقى أسيرة الماضي؟
وكيف تُقنع الشباب الفلسطيني أن الانتماء لفتح ليس حنينًا تاريخيًا فقط، بل خيار وطني للمستقبل أيضًا؟
إن أخطر ما قد تواجهه الحركات التاريخية ليس الهزيمة العسكرية، بل التحول إلى ذاكرة جميلة يعيش الناس على أمجادها دون تأثير حقيقي في حاضرهم.
ولهذا فإن المؤتمر الثامن يجب أن يكون لحظة تجديد فكري قبل أن يكون تغييرًا تنظيميًا.
نحن لا نحتاج فقط إلى إعادة ترتيب المواقع، بل إلى إعادة تعريف الدور.
"فتح" مطالبة اليوم بأن تعود حركة مبادرة لا حركة ردّ فعل، وأن تستعيد قدرتها على إنتاج الأمل الفلسطيني،
وأن تقدم نموذجًا في النزاهة والكفاءة والاقتراب من الناس.
كما أن الرهان الحقيقي لا يكون على الخطابات داخل القاعات، بل على ما سيشعر به الفلسطيني البسيط بعد انتهاء المؤتمر: هل سيشعر أن الحركة اقتربت منه؟ هل ستعود لغة التضحية والالتزام؟ هل ستُفتح الأبواب أمام الكفاءات الحقيقية؟ هل ستعود فتح بيتًا لكل الفلسطينيين كما كانت؟
التاريخ لا يحمي أحدًا لمجرد أنه صنع أمجادًا في الماضي.
والحركات التي لا تتجدد تتحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة فقط.
لكن "فتح" تملك فرصة مختلفة، لأنها ليست تنظيمًا عاديًا، بل حركة ارتبط اسمها بالهوية الوطنية الفلسطينية نفسها.
ولهذا يبقى الأمل أن يخرج المؤتمر الثامن برسالة واضحة: أن "فتح" لا تزال قادرة على التجدد، وقادرة على مراجعة تجربتها بشجاعة، وقادرة على الجمع بين الثورة والدولة، وبين التاريخ والمستقبل، وبين الوفاء للإرث والانفتاح على جيل جديد يريد أن يرى فلسطين تنتصر لا أن تبقى فقط تتذكر.
فالقضية الفلسطينية لا تحتاج اليوم إلى إدارة أزمة فقط، بل إلى استعادة روح وطن... وهذا كان دائمًا الدور الذي وُلدت فتح من أجله.

أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:30 صباحًا - بتوقيت القدس

التاسع من أيار.. البشرية التقدمية تحيي عيد النصر على الوحش النازي

في التاسع من أيار، تحيي شعوب الاتحاد الروسي ومعها البشرية التقدمية جمعاء  الذكرى الواحدة والثمانين للنصر على النازية. ففي مثل هذا اليوم من العام 1945 وقع بقايا القادة العسكريين النازيين وثيقة استسلام ألمانيا الهتلرية في الحرب العالمية الثانية بحضور ممثل القيادة العليا للجيش الأحمر السوفياتي، المارشال جوكوف، وممثلين لجيوش الحلفاء في برلين
في تلك الحرب دفعت شعوب الاتحاد السوفياتي ثمناً عظيماً، فقد ضحى نحو 27 مليون مواطن سوفيتي بحياتهم على طريق النصر وتعرضت مجموعات بشرية في اوروبا لمخططات الابادة كما حصل مع اليهود والغجر وشعوب سلافية، وهدم النازيون 1700 مدينة وبلدة ودمروا بالكامل الكثير من المواقع والآثار التاريخية والثقافية، تماما كما يفعل الوحش الصهيوني في بلادنا منذ احتلالها عام 1948.
ويبقى عيد النصر على النازية مناسبة عظيمة تذكرنا نحن الفلسطينيين بعدالة قضيتنا وتشد من عزيمتنا وتحيي فينا الأمل بحتمية انتصارنا على الوحش الصهيوني، الذي يواصل ارتكاب الجرائم والمجازر اليومية ضد أبناء الشعب الفلسطيني بمن فيهم الأطفال والنساء وينتهك حرمات مقدساتنا ويهدد بالتهجير عشرات آلاف اللاجئين وخاصة في مخيمات جنين وطولكرم وعشرات آلاف المواطنين في مسافر يطا والأغوار الفلسطينية  وفي القدس، وخاصة في جبل المكبر وحي الشيخ جراح وحي البستان وبطن الهوى وغيرها من الأحياء في العاصمة الأبدية لشعب ودولة فلسطين.
الكثير من ضحايا النازية الهتلرية في اسرائيل تحولوا إلى نازيين جدد... يمجدون الأساطير ولا يرون في فلسطين وما حولها سوى عماليق العصر. في اليوم الأول لحربه الوحشية على غزة في اكتوبر 2023، استحضر بنيامين نتنياهو دون خجل، يوشع بن نون وأسطورة الإبادة في أريحا وفي عاي، في أريحا لم يبق على قيد الحياة كما تقول الأسطورة سوى الزانية راحاب، أما في عاي فقد تم إبادة الرجال والنساء والأطفال وحتى الحيوانات.  في حربه الاجرامية تلك على قطاع غزة خاطب نتنياهو جنود جيشه قائلاً: "يجب أن تتذكروا ما فعله عماليق بكم، كما يقول كتابنا المقدس. ونحن نتذكر". نتنياهو ليس وحيدا فخلفه يصطف عدد كبير من السياسيين والحاخامات أمثال سموتريتش وكاتس وبن غفير والحاخام جينزبرغ وغيرهم كثير.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 9:29 صباحًا - بتوقيت القدس

جمانة عودة.. طبيبة الأطفال وسفيرة أحلامهم وحقوقهم إلى العالم

* لا شيء مستحيل ما دام هناك من يؤمن بالطفل ويؤكد حقه بالحياة والكرامة والأمل
* الطفل الفلسطيني يريد أكثر من دواء ويحتاج من يحمي حقه في الحياة والاندماج والاحترام
* التكريم الأقرب إلى القلب "نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين" كأحد أعلى الأوسمة الوطنية
* الجوائز التي حصلتُ عليها لم تكن تكريماً شخصياً بل كانت تصويتاً لفلسطين ولأطفالها
* مركز "الطفل السعيد" انعكاس لرؤية هدفها استعادة كرامة الأطفال الأكثر هشاشة بالمجتمع الفلسطيني
* قبول الطفل كما هو خطوة أولى في طريق طويل لأن كل طفل يحمل بداخله قدرة تستحق الاكتشاف والنمو

رام الله- خاص "القدس"- 
لم تكن رحلة د. جمانة عودة مع الطب وتخصصها بطب الأطفال مجرد مسار أكاديمي تقليدي بدأ في قاعات الدراسة وانتهى في العيادات، بل كانت رحلة إنسانية طويلة عبر عقود، امتزج فيها العلم بالتجربة، والمهنة بالشغف، والمعرفة بالانتماء، وصولاً إلى حصولها على جوائز عديدة محلية ودولية مميزة تنقل فيها أحلام وحقوق أطفال فلسطين إلى العالم وتكون سفيرتهم التي كرست حياتها لهم.

رحلة إنسانية أكاديمية ممتدة منذ عقود

منذ سنوات دراستها الأولى، اختارت د. جمانة أن تخوض طريقاً بعيداً، فدرست الطب في الاتحاد السوفيتي السابق، في مدينة لينينغراد التي تعرف اليوم باسم سانت بطرسبرغ، وهي المدينة التي لا تزال تصفها بأنها واحدة من أجمل مدن العالم وأكثرها حضوراً في ذاكرتها.
بعد تلك المرحلة، واصلت د. عودة مسيرتها العلمية في المملكة المتحدة، حيث أكملت تخصصها، ثم تنقلت بين دول عدة للحصول على دورات تدريبية متقدمة في هولندا والولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من حياتها المهنية كأستاذة ومحاضرة في جامعات ومؤسسات أكاديمية حول العالم، ودرّست في بلدان متعددة شملت باكستان والهند وجنوب إفريقيا والولايات المتحدة، كما حملتها المؤتمرات والمحاضرات إلى مدن بعيدة في "البرازيل ونيكاراغوا وبيرو وزيمبابوي وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا والدول الإسكندنافية، وكذلك النرويج، وكندا، وتونس، وقطر، ودبي، ومصر، والمغرب"، في رحلة علمية واسعة تجاوزت حدود الجغرافيا.
وفي فلسطين، كان حضورها الأكاديمي راسخاً داخل جامعة القدس، حيث درّست في كلية الطب وكلية الصحة العامة، بينما امتد نشاطها العلمي إلى جامعة هارفارد، التي كانت مديرة برنامج فيها وهو "برنامج الإعاقة بكلية الصحة وحقوق الإنسان" والذي أسسته رفقة زميلتها الراحلة، هيذر أدامز، وما زالت أستاذة زائرة لهذا البرنامج.
وإلى جانب ذلك، ظهرت د. جمانة عودة عبر وسائل إعلام دولية عديدة مثل CNN وBBC والجزيرة، لتقدم صوتاً فلسطينياً يحمل الخبرة الطبية والبعد الإنساني معاً.
لكن عودة، رغم هذا المسار الأكاديمي الطويل، ترى أن أعمق ما تعلمته لم يكن داخل الجامعات، قائلة: "إن النساء الفلسطينيات، خصوصاً الأمهات في غزة ومخيمات اللجوء، قدّمن لها دروساً لم تمنحها إياها كليات الطب. هناك، بين تفاصيل الحياة الصعبة، تعلمت معنى الأمومة والصبر، واكتشفت أن الشهادات وحدها لا تصنع طبيباً، بل يصنعه الشغف والقدرة على فهم الإنسان".
لهذا تنظر د. جمانة إلى الطب بوصفه أكثر من مهنة؛ تراه موهبة ورسالة شخصية، وتقول: "إن جميع الأطفال المختلفين في العالم هم أبنائي، وإن التدريس بالنسبة لها لم يكن يوماً تلقيناً للمعلومات، بل مشاركة للتجربة، وربما لهذا ما زال طلابي، من لندن إلى أستراليا وكندا وفرنسا وأبوظبي، يراسلونني حتى اليوم".

اعتزاز بهوية لفتا
منذ طفولتها المبكرة، لم تكن الطبيبة د. جمانة حسن علي عودة ترى مسقط رأسها بلدة لفتا مجرد قرية فلسطينية مهجرة، بل كانت جزءاً أصيلاً من تعريفها لنفسها.
تقول د. جمانة إنها اعتادت، وهي طفلة صغيرة، أن تقدم نفسها باسمها الكامل متبوعاً بكلمة "من لفتا"، حتى بدا لها أن اسم القرية صار جزءاً من هويتها الشخصية، لا مجرد مكان تنتمي إليه. ولدت د. جمانة عودة بمدينة القدس في 8 مايو/ أيار 1956، في 27 رمضان وهي لا زالت تذكر اهتمام والدتها بذلك وتقول لها إنها ولدت في ليلة القدر، بينما عاشت د. جمانة بين القدس ورام الله، متنقلة بين مدن ودول عدة، لكن القدس بقيت محطتها الأعمق، والمدينة التي عادت إليها دائماً، فيما ظلت لفتا حاضرة في وجدانها كحكاية لا تنتهي.

ذكريات الطفولة من زمن دافئ
تستعيد عودة طفولتها بوصفها زمناً دافئاً ومليئاً بالمحبة، نشأت في أسرة كبيرة ضمت ثمانية من الإخوة والأخوات، جمعتهم علاقة وثيقة صنعت بينهم صداقة إلى جانب رابطة الدم.
تتحدث د. جمانة عن بيت كان قائماً على العطاء، وعن جدين ووالدين منحا أبناءهم مساحة واسعة من الحب والثقة، الأمر الذي أسهم في تشكيل شخصيتها الحرة.
تتذكر جمانة جدها الذي كان يطلب منها الصعود على طاولة في الفندق الصغير الذي كان يملكه، لتردد الأناشيد أمام الحضور وهي في السادسة من عمرها، وكأن ذلك المشهد المبكر منحها الشجاعة لتواجه الحياة بصوت واضح وشخصية مستقلة.

حياة الأسرة السعيدة
في حياتها العائلية، تتحدث عودة بمحبة واضحة عن زوجها د. تامر عيساوي، رفيق دربها وصديقها، وكان أستاذاً جامعياً في جامعة بيرزيت قبل تقاعده، وكان نقيب العاملين في الجامعة لسنوات عدة، وأيضاً كان قائداً له بصمته في العمل الوطني.
 كما تتحدث بفخر عن ابنتيها؛ د. دانة الحاصلة على دكتوراة في الإرشاد النفسي وتعمل محاضرة في جامعة شيكاغو، والمهندسة تالا الحاصلة على تخصصين هندسة مدنية وتكنولوجيا المعلومات، والحاصلة أيضًا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، ثم تنتقل بحنان إلى أحفادها الخمسة الذين يشكلون امتداداً لعائلتها التي ترى فيها مصدر قوتها الأعمق.
ورغم مسيرتها المهنية، ترى عودة أن حياتها لم تتشكل فقط داخل العيادة أو في المجال الأكاديمي، بل أيضاً في تفاصيلها الإنسانية الصغيرة.

شغف القراءة
القراءة بالنسبة لجمانة عودة ليست هواية عابرة، بل شغف قديم، تقرأ في التاريخ والرواية والمجلات، وكانت تكتب الشعر في سنوات سابقة، كما أن التطريز الفلسطيني يعني لها شكلاً من أشكال الهوية والجذور والأصالة، فتحرص على ارتدائه وعلى دراسة رموزه ودلالته على كل ثوب وارتباطه بالقرية أو المدينة أو الرواية الفلسطينية.

السفر تجربة وحياة
أما السفر، فكان بالنسبة لها مدرسة أخرى للحياة، حيث تقول إنها لم تكن تزور بلداً قبل أن تقرأ عنه، وتتعرف إلى تاريخه وثقافته، ثم تحاول أن تعيش بين ناسه كما يعيشون. رحلاتها الطويلة بالقطار داخل أوروبا تركت أثراً خاصاً في شخصيتها، إذ علمتها، كما تقول، أن الشعوب تتشابه أكثر مما تختلف، وأن الإنسان قادر على أن يجد نفسه في الآخرين مهما ابتعدت الجغرافيا.
وبين الوطن والأسرة والقراءة والسفر وحياتها المهنية والإنسانية، تبدو د. جمانة عودة امرأة نسجت حياتها بخيوط من الذاكرة، لكنها ما زالت، رغم كل شيء، تختصر رحلتها الطويلة بكلمتين: الحب، والتفاؤل.

وجع أطفال فلسطين إلى منصات العالم
لم تكن الجوائز التي نالتها د. جمانة عودة مجرد أوسمة توضع على الرفوف، بل محطات تختصر رحلة طويلة لطبيبة فلسطينية قررت منذ بداياتها أن تجعل من الطب مساحة للدفاع عن الأطفال، لا مجرد مهنة للعلاج.
على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تحولت مسيرتها الإنسانية إلى قصة لافتة خرجت جمانة من فلسطين لتصل إلى عواصم العالم، فيما بقي جوهرها ثابتاً: حماية الأطفال، وخصوصاً ذوي الإعاقة، ومنحهم حياة أكثر كرامة في وطن مثقل بالاحتلال.
في عام 2008، وقفت عودة في نيويورك لتتسلم جائزة عالم الأطفال، المعروفة عالمياً باسم "جائزة نوبل للأطفال"، بعدما لفت نموذجها المجتمعي في رعاية الأطفال ذوي الإعاقة أنظار المؤسسات الدولية.
لم يكن التكريم تقديراً لمركز طبي فحسب، بل اعترافاً بفكرة إنسانية أسستها عبر مركز "الطفل السعيد" في رام الله، حيث سعت إلى تغيير نظرة المجتمع للإعاقة، وتحويل الطفل من حالة طبية إلى إنسان كامل الحقوق.
قبل ذلك بسنوات، كانت عودة قد كرست عملها داخل المستشفيات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم في مستشفيي مستشفى المطلع ومستشفى المقاصد في القدس، قبل أن تتوسع تجربتها في العمل مع المؤسسات الدولية مثل اليونيسف ومنظمات إنقاذ الطفولة والتعاون الصحي حول العالم.
وفي كل محطة، كانت ترى د. جمانة أن الطفل الفلسطيني يحتاج إلى أكثر من دواء؛ يحتاج إلى من يحمي حقه في الحياة والاندماج والاحترام.
توالت بعدها محطات التكريم، فنالت د. جمانة عام 2009 جائزة الرئيس الفلسطيني تقديراً لدورها في تعزيز صحة الطفل، ثم جائزة "بطل العمل الإنساني" في بروكسل عام 2013، وجائزة للخدمات الإنسانية والمجتمعية في دبي عام 2015، قبل أن تُكرم مجدداً في لوس أنجلوس عام 2017 عن اتساع أثر تجربتها. وفي عام 2025 حصلت على جائزة المساواة الصحية من الجمعية الأمريكية للصحة العامة في واشنطن، تقديراً لنموذجها الذي جمع بين الطب وحقوق الإنسان والرعاية المجتمعية.
أما التكريم الأقرب إلى قلبها، فجاء في عام 2026 حين منحها الرئيس محمود عباس نجمة الاستحقاق من وسام دولة فلسطين، وهو أحد أعلى الأوسمة الوطنية.

الأطفال ذوو الإعاقة جزء من الحكاية الفلسطينية
بالنسبة للطبيبة د. جمانة عودة، لم يكن الوسام تكريماً شخصياً فقط، بل اعترافاً بحق الأطفال ذوي الإعاقة في أن يكونوا جزءاً من الحكاية الفلسطينية.
وتستعيد في هذا السياق كلمات إحدى الأمهات في المركز، التي قالت لها، إن "فلسطين تكرم أبناءها من ذوي الإعاقة"، وهي العبارة التي رأت فيها عودة خلاصة سنوات من النضال الصامت.
ورغم هذا الحضور العالمي، لا تزال عودة تختصر رحلتها بكلمتين: الخبرة والتعاطف، وتقول: إن أطفال فلسطين هم من منحوا حياتها معناها الحقيقي، وإن أمهاتهم علمنها ما لم تتعلمه في كليات الطب.
وبين قاعات الجامعات الدولية وممرات المركز في رام الله، بقيت جمانة عودة طبيبة ترى في كل طفل حكاية تستحق أن تُروى، وفي كل جائزة نافذة جديدة لإيصال صوت فلسطين إلى العالم.

الطفل السعيد.. انعكاس لرؤية إنسانية
في مدينة رام الله، لم يكن اسم مركز الطفل السعيد - فلسطين مجرد عنوان لمؤسسة طبية، بل كان انعكاساً لرؤية إنسانية حملتها د.جمانة عودة منذ أكثر من ثلاثة عقود، حين قررت أن تجعل من الطب رسالة تتجاوز حدود العلاج إلى استعادة كرامة الأطفال الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني.
جمانة عودة الطبيبة المتخصصة في طب الأطفال والصحة العامة، التي بدأت مسيرتها المهنية عام 1981، لم تنظر إلى الإعاقة بوصفها نقصاً، بل بوصفها طاقة تحتاج إلى من يراها ويمنحها فرصة الحياة.
قبل تأسيس المركز، عملت عودة في مؤسسات دولية ومحلية عدة، من بينها اليونيسف ومستشفى كاريتاس للأطفال، وهناك اقتربت أكثر من معاناة الأطفال الذين كانوا يواجهون المرض والإعاقة وسط واقع سياسي واجتماعي قاسٍ، ومن هذه التجربة، وُلدت فكرة إنشاء المركز عام 1994، ليكون مساحة متكاملة تقدم الفحص المبكر، والتشخيص، والعلاج الطبيعي والوظيفي، وعلاج النطق، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي للعائلات التي كانت تجد نفسها وحيدة في مواجهة تحديات يومية معقدة.
لم يكن هدف المركز طبياً فقط، كما تؤكد عودة، بل سعى منذ بداياته إلى تغيير النظرة المجتمعية تجاه الإعاقة، وإعادة دمج الأطفال في محيطهم الطبيعي باعتبارهم جزءاً أصيلاً من المجتمع، إذ استلهم المركز شعاره من كلمات الشاعر توفيق زياد، ليحمل رسالة واضحة تقوم على احترام الطفل والإيمان بقدراته ومساعدته على تجاوز إعاقته وإظهار مواهبه، انطلاقاً من قناعة بأن فلسطين نفسها تحتاج إلى هؤلاء الأطفال بقدر حاجتهم إلى وطن يحتضنهم.
وتؤكد د. جمانة عودة أن رحلة مركز "الطفل السعيد- فلسطين" لم تكن جهداً فردياً، بل ثمرة دعم متواصل من العائلة وفريق العمل وأمهات الأطفال، إلى جانب مساندة رئيس مجلس الأمناء د. طلال ناصر الدين، مشددة على أن هذا الإسناد كان السبب الحقيقي في استمرار المركز، الذي بقي التجربة الأقرب إلى قلبها والأكثر اعتزازاً في مسيرتها الطويلة.

توسّع دور المركز

ومع مرور السنوات، توسع دور المركز ليشمل دراسات مسحية للكشف المبكر عن الإعاقات الجسدية والسلوكية والنفسية، وبرامج توعية تستهدف الأهل والمعلمين، إضافة إلى إنشاء جمعية أصدقاء مرضى التشنجات، كأول مبادرة من نوعها في فلسطين لدعم الأسر وتوجيهها وفق احتياجات كل طفل.
كما فتح المركز أبوابه للرسم والموسيقى واللعب والرقص، بوصفها وسائل علاجية تخفف من الأعباء النفسية التي يرزح تحتها الطفل الفلسطيني.
هذا العمل الإنساني الواسع وجد صداه عالمياً، ففي عام 2008 كُرمت عودة في مقر الأمم المتحدة في نيويورك ضمن الشخصيات الثماني الفائزة بـ"جائزة نوبل للأطفال" تقديراً لإسهامها في تغيير حياة الأطفال حول العالم.
أما زملاؤها في جامعة هارفارد، فيصفون المركز بأنه نموذج متحرر من الاستعمار، يجسد الحقوق والكرامة والأمل، فيما ترى جمانة عودة أن الحكاية ببساطة بدأت من إيمان عميق بأن كل طفل فلسطيني يستحق أن يكون سعيداً، مهما كانت الظروف.

تجربة من الواقع الفلسطيني الصعب
أكثر المحطات تأثيراً في حياتها المهنية لم تكن مرتبطة بشهادة علمية أو منصب أكاديمي، بل كما تؤكد عودة، بالعيش والعمل اليومي تحت الاحتلال، فمن قلب هذا الواقع الصعب، ووسط غياب شبه كامل للخدمات المخصصة للأطفال ذوي الإعاقة، بدأت تتشكل لديها فكرة مشروع مختلف، يقوم على منح هؤلاء الأطفال ما حُرموا منه طويلاً: الرعاية، والكرامة، والحق في الحياة داخل مجتمع يعترف بوجودهم.
من قلب المعاناة ولد مركز الطفل السعيد..
في عام 1994، أسست عودة مركز الطفل السعيد - فلسطين في رام الله، في مرحلة فاصلة بين الانتفاضتين الأولى والثانية، بعدما كانت ترى أن الاحتياجات في قطاع غزة كانت أشد إلحاحاً وأكثر وضوحاً.
وتتذكر عودة تلك المرحلة بوصفها زمناً تميز بتعاون واسع بين المؤسسات الأهلية والعمل التطوعي والمجتمعي، حيث اجتمعت الجهود لتأسيس نموذج جديد من الرعاية للأطفال الذين ظلوا لسنوات خارج دائرة الاهتمام الحقيقي.
لكن مع اندلاع الانتفاضة الثانية تغيرت الظروف بصورة قاسية، حيث كثرت الحواجز العسكرية، وأصبح التنقل بين غزة والضفة والقدس أكثر تعقيداً، وهو ما انعكس مباشرة على الأطفال وعائلاتهم.
ومع ذلك، لم يتوقف العمل، حيث تقول عودة إن الفريق تعلّم كيف يعمل في ظل منع التجول والإغلاقات، وكيف يبتكر وسائل جديدة لإيصال الخدمات إلى الأطفال أينما كانوا، رغم القيود المفروضة على الحركة اليومية.
ولم تكن الحواجز وحدها التحدي، فشح التبرعات كان اختباراً آخر، ومع تقلص الدعم المالي، لجأت عودة إلى تشجيع العمل التطوعي للحفاظ على استمرار الخدمات، ومن خلال تمكين الأمهات وإشراك الأسر في رحلة العلاج، تحول المركز إلى مساحة صمود إنساني، لا مجرد مؤسسة طبية.
ورغم ما تختزنه ذاكرتها من قصص كثيرة، تشير عودة إلى أنها توثق جانباً من هذه التجربة في كتاب جديد باللغة الإنجليزية بالتعاون مع جامعة هارفارد، مؤكدة أن بعض الحكايات لا تزال تنتظر لحظة خروجها إلى النور، تماماً كما خرج مركز "الطفل السعيد- فلسطين" يوماً من بين أكثر الظروف قسوة.

واقع سياسي معقد
لم تكن أصعب التحديات التي واجهت د. جمانة عودة في عملها مع الأطفال ذوي الإعاقة داخل فلسطين مرتبطة بالطب نفسه، بقدر ما ارتبطت بواقع سياسي معقد فرضه الاحتلال الإسرائيلي على تفاصيل الحياة اليومية.
بالنسبة لعودة، لم تكن الحواجز العسكرية مجرد عائق أمام الحركة، بل جداراً يومياً يفصل الأطفال المرضى عن حقهم في الوصول إلى العلاج، ويجعل مهمة الوصول إليهم أكثر صعوبة، خصوصاً خلال سنوات الانتفاضتين، حين أصبح التنقل بين المدن والقرى رحلة شاقة للأهالي والطواقم الطبية على حد سواء.
توضح عودة أن الأزمة لم تتوقف عند صعوبة الوصول، بل امتدت إلى ما تصفه بـ"التمويل المشروط"، وهو أحد أبرز التحديات التي واجهت مركز "الطفل السعيد - فلسطين" في رام الله.

رفض التمويل الذي يمس الرسالة الإنسانية
وتشير عودة إلى أن المركز تمسك منذ البداية برفض أي تمويل موجه قد يمس رسالته الإنسانية أو يفرض عليه أولويات لا تنسجم مع احتياجات الأطفال، وهو قرار جعل الاستمرار أكثر صعوبة، لكنه حافظ على استقلالية العمل وصدقيته.
ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية، أصبح الفقر وارتفاع تكاليف التنقل عبئاً إضافياً على الأسر، ما دفع كثيراً من الأهالي إلى صعوبة الاستمرار في متابعة علاج أطفالهم.
ومع ازدياد تعقيد الاحتياجات النفسية والاجتماعية، بدأ المركز يعتمد على وسائل جديدة، من بينها تقديم بعض الخدمات عن بُعد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الزيارات الميدانية التي تصل إلى الأطفال في أماكن وجودهم.

تحويل الأمهات إلى شريكات في العلاج
لكن التجربة الأهم، كما تقول عودة، كانت في تحويل الأمهات إلى شريكات في العلاج، فقد طور المركز برامج تدريب للأمهات والأشقاء ومقدمي الرعاية في الحضانات ورياض الأطفال، بحيث أصبحت الأم المدربة قادرة على نقل المعرفة إلى غيرها، لتصل الخدمة إلى الأطفال حتى في أصعب الظروف.
وتستشهد عودة بتجربة تعاون مميزة مع بلدية أريحا وجامعة بيرزيت، حيث أُنشئت أول حديقة حسية للأطفال المصابين بالتوحد في المنطقة، بعد أن وفرت البلدية الأرض والصيانة، بينما شارك الطلبة والمتطوعون في تنفيذ المشروع، ليصبح الدعم المجتمعي بالنسبة لها دليلاً على أن الرعاية يمكن أن تنمو حتى في أكثر البيئات قسوة.
علاقات متينةترى د. جمانة عودة أن العمل مع الأطفال في فلسطين لم يعد يقتصر على العلاج والرعاية، بل تحول مع السنوات إلى نافذة إنسانية واسعة تعكس صورة فلسطين أمام العالم من زاوية مختلفة؛ صورة شعب يحاول حماية أضعف فئاته رغم الاحتلال والحصار والظروف القاسية. ومن خلال مركز "الطفل السعيد - فلسطين" في رام الله، تقول عودة إن الدفاع عن الأطفال ذوي الإعاقة أصبح أيضاً دفاعاً عن الرواية الفلسطينية نفسها.
خلال السنوات الماضية، نسج المركز شبكة واسعة من العلاقات المهنية والأكاديمية مع مؤسسات دولية مرموقة، من بينها جامعة هارفارد، وجامعة مكغيل في كندا، والكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال، إضافة إلى مؤسسات طبية وأكاديمية في قطر ولبنان والإمارات.
هذه العلاقات، كما توضح عودة، لم تمنح المركز بعداً علمياً فقط، بل أسهمت في تقديم فلسطين بوصفها نموذجاً قادراً على إنتاج تجربة إنسانية ملهمة رغم كل ما يحيط بها.
وتشير عودة إلى أن المركز نجح كذلك في استقطاب كفاءات فلسطينية من الشتات، من أطباء وأخصائيين يعودون دورياً للمساهمة في العمل التطوعي، فيما سمحت تقنيات الطب عن بُعد بالتواصل مع مختصين في أوروبا والولايات المتحدة لتقديم استشارات لحالات معقدة.
وبالنسبة لعودة، فإن استمرار هذا النموذج لأكثر من ثلاثين عاماً وتحوله إلى تجربة تُدرّس في بعض البرامج الأكاديمية العالمية هو نجاح يتجاوز المؤسسة نفسها ليصبح نجاحاً لفلسطين وأطفالها.
وتؤمن عودة بأن من واجب العاملين في هذا المجال أن يكونوا صوتاً للأطفال الذين لا يستطيعون الوصول إلى المنابر الدولية، ولهذا حملت رسائلهم معها إلى المحافل العالمية، ومنها كلمة ألقتها عند تسلمها جائزة المساواة الصحية في الولايات المتحدة عام 2025، حين تحدثت عن الأطفال في غزة وما وصفه مسؤولو الأمم المتحدة بأنه واحدة من أكبر موجات الإعاقات بين الأطفال في التاريخ الحديث.
وتقول عودة: إن الجوائز التي حصلت عليها، من جائزة عالم الأطفال في نيويورك إلى جائزة بطل الإنسانية في بروكسل، لم تكن تكريماً شخصياً، بل كانت في نظرها تصويتاً لفلسطين نفسها، ولأطفالها الذين نجحوا في أن يجعلوا العالم ينظر إليهم لا كضحايا فقط، بل كأصحاب حق وصوت وحضور.
رسالة أمل لأطفال الإعاقة..
حين تتحدث د. جمانة عودة عن الأطفال ذوي الإعاقة، فإنها لا تبدأ من التشخيص الطبي، بل من الأسرة نفسها، وتقول: "إن أصعب مرحلة لا يواجهها الطفل، بل يواجهها الأهل، وتحديداً لحظة التقبل".
تشدد عودة على أن قبول الطفل كما هو، بالنسبة لها، هو الخطوة الأولى في طريق طويل من الحب والصبر والإيمان، لأن كل طفل، مهما بدت تحدياته كبيرة، يحمل في داخله قدرة تستحق أن تُكتشف وتنمو.
من خلال تجربتها الممتدة لأكثر من ثلاثين عاماً في مركز "الطفل السعيد- فلسطين" تؤكد عودة أن أكثر ما تعلمته لم يكن من الكتب أو الجامعات، بل من أمهات هؤلاء الأطفال، فقد رأت كيف تمسك الأم بيد طفلها سنوات طويلة، وكيف يرفض الأب الاستسلام، وكيف تتحول الأسرة كلها إلى دائرة حماية ورعاية.
وفي كثير من الحالات، لم يكن النجاح فردياً، بل نتيجة شبكة من الدعم امتدت من العائلة الكبيرة إلى المجتمع المحلي، حيث ساعدت أمهات بعضهن بعضاً، ورافق آباء أسرًا أخرى في رحلة البحث عن مدرسة أو خدمة تقبل أبناءهم.
وتوضح عودة أن المركز لم يكتفِ بالعلاج، بل عمل على تدريب المدارس والمعلمين في مختلف المناطق، ليتمكن الأطفال من العيش بكرامة داخل الصفوف العادية.
وتشير عودة إلى أن بعض المبادرات التي بدأت مع وزارة التربية والتعليم الفلسطينية تمثل بداية مهمة نحو دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع بصورة أوسع وأكثر احتراماً.
ورغم الألم الذي خلفته الحروب المتكررة، خصوصاً في غزة، تؤكد عودة أنها ما زالت متفائلة، فالمركز، كما تقول، وُلد وعاش في ظروف قاهرة، تحت الاحتلال والإغلاقات، لكنه استمر لأن هناك أمهات لم يفقدن الإيمان، وأخصائيين أحبوا عملهم، وأصدقاء في فلسطين وخارجها آمنوا بفلسفة مركز "الطفل السعيد- فلسطين".
وتأمل عودة أن تتوسع التجربة لتصبح نموذجاً وطنياً شاملاً، عبر تعاون أكبر مع وزارة الصحة الفلسطينية لتطبيق برامج الكشف المبكر والتدخل السريع في مختلف المحافظات، خاصة للأطفال بين عمر سنتين وست سنوات.
كما تسعى عودة إلى توسيع برامج تدريب الأمهات ومقدمي الرعاية، انطلاقاً من قناعة تشكلت لديها خلال سنوات الانتفاضات والحصار، بأن أفضل استثمار يمكن أن تقدمه المؤسسة هو أن تمنح الأسرة نفسها القدرة على أن تصبح جزءاً من العلاج.
أما رسالتها الأخيرة، فهي بسيطة لكنها عميقة: لا شيء مستحيل، ما دام هناك من يؤمن بالطفل، ويرى فيه إنساناً كاملاً يستحق الحياة والكرامة والأمل.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تلوح بورقة مضيق هرمز وتتوعد القواعد الأمريكية برد صارم

وجهت القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني تحذيرات شديدة اللهجة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن أي اعتداء يطال ناقلات النفط أو السفن الإيرانية سيقابل برد فوري. وأوضحت المصادر أن بنك الأهداف الإيراني يشمل القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة بالإضافة إلى القطع البحرية التابعة للولايات المتحدة.

وفي سياق متصل، أعلنت قيادة القوات الجوفضائية في الحرس الثوري عن إتمام عمليات تثبيت الإحداثيات للأهداف المعادية والمواقع الأمريكية الحيوية. وأشارت القيادة إلى أن الصواريخ والطائرات المسيرة باتت في حالة جاهزية قصوى، بانتظار صدور الأوامر العسكرية المباشرة لبدء عمليات الإطلاق في حال حدوث أي تجاوز.

من جانبه، دخل الجيش الإيراني على خط المواجهة الكلامية محذراً بعض دول الجوار من مغبة الانخراط في تعاون عسكري مع القوات الأمريكية. وشدد الجيش على أن الدول التي ستساهم في فرض العقوبات أو تتبع السياسات الأمريكية ستواجه صعوبات بالغة في عبور مضيق هرمز الاستراتيجي، متوعداً بردود فعل صارمة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تترقب فيه الأوساط الدولية صدور الرد الإيراني الرسمي على المقترحات الأمريكية الأخيرة للتهدئة. وترى طهران أن التحركات الأخيرة عند المضيق كانت بمثابة اختبار لجهوزيتها القتالية ومحاولة للضغط على قرارها السياسي في المفاوضات الجارية.

وتتمسك القيادة الإيرانية بملف مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية، واصفة إياها بـ 'القنبلة النووية البديلة' التي أثبتت فاعليتها في موازين القوى الدولية. وتربط طهران بين استقرار الملاحة في المضيق وبين التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الحرب، معتبرة أن أمن الطاقة العالمي مرتبط بمدى احترام مصالحها.

على الصعيد الدبلوماسي، تقود كل من قطر وباكستان جهوداً حثيثة لتقريب وجهات النظر ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية مباشرة. وتهدف هذه الوساطات إلى إيجاد مخرج للأزمة يضمن تدفق الطاقة ويقلل من حدة التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران في ظل التهديدات المتبادلة.

وفي الداخل الإيراني، بدأت تظهر ملامح اعترافات رسمية بحجم التحديات الاقتصادية التي خلفتها المواجهات الأخيرة على قطاع الطاقة والبنية التحتية. حيث صرح معاون الرئيس الإيراني، سقاب أصفهاني، بأن البلاد تحتاج إلى فترة لا تقل عن عامين من إعادة الإعمار والترشيد لتجاوز آثار الدمار.

وتشير المصادر إلى أن تصريحات أصفهاني تعكس واقعاً صعباً يواجهه الشارع الإيراني الذي بات يميل نحو الحلول الدبلوماسية لتخفيف وطأة العقوبات. فالمواطن العادي يبحث عن استقرار معيشي يضمن عودة الحياة إلى طبيعتها بعيداً عن شبح الحروب المستمرة التي استنزفت الموارد الحيوية للدولة.

ورغم الخطاب التصعيدي للحرس الثوري، يبقى الاحتمال قائماً لتقديم تنازلات متبادلة إذا ما توفرت ضمانات أمريكية برفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب حول زيادة الضغوط العسكرية قد تعقد مهمة الوسطاء وتدفع نحو مزيد من التأزيم.

يبقى مضيق هرمز هو الساحة الأكثر سخونة في هذا الصراع، حيث تتداخل فيه مصالح القوى الكبرى مع الحسابات الإقليمية المعقدة. وتؤكد طهران أن هذه الورقة لن تسقط من يدها إلا بتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة تنهي حالة الحصار المفروضة عليها منذ سنوات.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 9:23 صباحًا - بتوقيت القدس

رجل الأعمال بشار المصري يطالب القضاء الأمريكي بإسقاط دعوى تتهمه بدعم 'طوفان الأقصى'

تقدم رجل الأعمال والملياردير الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الأمريكية، بشار المصري، بطلب رسمي إلى قاضٍ اتحادي في الولايات المتحدة يوم الجمعة، يطالب فيه برد دعوى قضائية مرفوعة ضده. وتتضمن الدعوى اتهامات للمصري بتقديم دعم لوجستي وتسهيلات ساهمت في تنفيذ عملية 'طوفان الأقصى' في السابع من أكتوبر، وهو ما ينفيه رجل الأعمال جملة وتفصيلاً.

وتستند الدعوى القضائية التي حركتها عائلات مستوطنين يحملون الجنسية الأمريكية، ويصل عددهم إلى نحو 200 مدعٍ، إلى مزاعم تفيد بأن المشاريع العقارية التابعة للمصري في قطاع غزة كانت تُستخدم لأغراض عسكرية. وادعى مقدمو الشكوى أن الفنادق التي يملكها المصري على ساحل غزة كانت تحتوي على شبكة أنفاق سرية ممتدة تحتها وتطل مباشرة على البحر.

ووفقاً للادعاءات الواردة في أوراق القضية، فإن حركة حماس كانت تستخدم غرف النزلاء في هذه المنشآت السياحية كنقاط عبور وتسلل لمقاتليها نحو الأنفاق. وتزعم المصادر القانونية للمدعين أن المصري كان على علم تام بوجود هذه البنية التحتية العسكرية تحت عقاراته، وهو ما يجعله شريكاً في المسؤولية عن التداعيات التي تلت ذلك.

ومن اللافت في هذه القضية انضمام قطب التكنولوجيا الإسرائيلي، إيال والدمان، إلى قائمة المدعين ضد شريكه التجاري السابق بشار المصري. ويأتي تحرك والدمان في أعقاب مقتل ابنته الصغرى خلال الهجوم الذي استهدف مهرجان 'نوفا' الموسيقي في غلاف قطاع غزة، مما أضفى طابعاً شخصياً وتجارياً معقداً على مسار النزاع القانوني المنظور أمام المحاكم الأمريكية.

من جانبه، يسعى الفريق القانوني للمصري إلى إثبات عدم قانونية هذه الادعاءات وافتقارها إلى الأدلة المادية التي تربط بين نشاطه التجاري والعمليات العسكرية. وتأتي هذه التحركات القضائية في ظل ضغوط قانونية متزايدة تستهدف الشخصيات الاقتصادية الفلسطينية في الخارج، ضمن محاولات تحميلهم مسؤولية الأحداث الميدانية في الأراضي المحتلة.

أقلام وأراء

الأحد 10 مايو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تُعقد المؤتمرات؟ مؤتمر فتح الثامن بين ضرورات الانتخابات واستحقاق إنقاذ المشروع الوطني


ليست المؤتمرات الحركية مجرد استحقاقات تنظيمية لتجديد القيادات أو توزيع المواقع، بل هي في جوهرها لحظة مراجعة تاريخية تعيد فيها الحركات الكبرى فحص ذاتها، وتشخيص أزماتها، وإعادة تعريف دورها الوطني والسياسي. وفي حركات التحرر تحديدا، يصبح المؤتمر ضرورة وجودية، لأنه الإطار الذي تُطرح فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ماذا نريد؟ وكيف نصل؟
وحين تُختزل هذه الأسئلة بسؤال واحد: "من سيفوز؟"، تبدأ الحركة بفقدان معناها، حتى لو احتفظت بشكلها التنظيمي وقدرتها على الحشد.
حركة فتح لم تكن يوما حزبا تقليديا، بل حركة تحرر وطني قادت المشروع الفلسطيني لعقود طويلة، وحملت الهوية الوطنية في أصعب مراحلها. كانت مدرسة لإنتاج الكادر الوطني في المخيم والجامعة والنقابة والسجن والميدان، وكانت العضوية فيها تعني التزاماً وتضحية أكثر مما تعني موقعا أو امتيازا.
لكن التحول الأخطر بدأ تدريجيا بعد قيام السلطة الفلسطينية، حين انتقل مركز الثقل من "الحركة" إلى "السلطة"، ومن "البرنامج الوطني" إلى "الإدارة اليومية"، ومن "المثقف المناضل" إلى "الموظف الحزبي". ومع غياب المؤتمرات لفترة طويلة بعد أوسلو، تراجعت الحياة التنظيمية، وضعفت المساءلة الداخلية، وبدأت تظهر ملامح الشيخوخة السياسية والانفصال التدريجي بين القيادة والقاعدة.
وحين انعقد مؤتمر بيت لحم عام 2009 بعد الانقسام وخسارة غزة، كان يُفترض أن يكون مؤتمر مراجعة تاريخية تسأل فيه الحركة نفسها: لماذا خسرنا غزة؟ وكيف تراجعت الثقة الشعبية؟ لكن المؤتمر انشغل أكثر بإعادة ترتيب القيادة من إعادة تعريف المشروع الوطني. ثم جاء مؤتمر 2016 ليكرس حالة التثبيت أكثر من التجديد، فبقيت الأسئلة الكبرى معلقة: الانقسام، والشباب، والبرنامج الوطني، والعلاقة المرتبكة بين الحركة والسلطة.
واليوم، ونحن أمام المؤتمر الثامن، يبدو واضحا أن المؤتمر سيتجه في جوهره ليكون مؤتمرا انتخابيا أكثر منه مؤتمر مراجعة شاملة. وهذا ليس اتهاما بقدر ما هو توصيف واقعي تفرضه طبيعة اللحظة الداخلية، وحجم الاستقطابات، وطبيعة الحراك التنظيمي القائم. فالحديث الدائر في الأقاليم والأطر والقواعد لا يتمحور حول البرنامج السياسي القادم بقدر ما يدور حول الأسماء والتحالفات والتمثيل والنتائج.
هذه الحقيقة يجب ألا تُخفى أو تُجمل، لأن إنكارها أخطر من الاعتراف بها. لكن الخطورة الحقيقية ليست في أن يكون المؤتمر انتخابيا، بل في أن ينتهي عند الانتخابات، وكأن الحركة أنجزت مهمتها بمجرد تشكيل لجنة مركزية ومجلس ثوري جديدين، بينما تُعاد صياغة الواقع الفلسطيني من حولها بصورة غير مسبوقة.
فالقضية الفلسطينية اليوم لا تواجه فقط حربا على غزة، بل مشروعا متكاملاً لإعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة والتمثيل الفلسطيني. غزة لم تعد مجرد ساحة حرب مدمرة أو ملف إغاثي، بل أصبحت مركز الصراع على الشرعية والإدارة ومستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
هناك حديث متزايد عن لجان إدارة انتقالية، وترتيبات دولية وإقليمية، وإعادة إعمار مشروطة، وأدوار تكنوقراطية، وقوى استقرار، وكأن القضية الفلسطينية تتحول تدريجيا من قضية تحرر وطني إلى ملف "إدارة أزمة". والخطر هنا لا يكمن فقط في وجود هذه الترتيبات، بل في أن تتحول مع الوقت إلى واقع سياسي دائم ينتج غزة منفصلة سياسيا وإداريا عن المشروع الوطني الفلسطيني الجامع.
وفي الوقت نفسه، تواجه القدس أخطر مراحل الاستهداف عبر التهويد والاستيطان ومحاولات تغيير هويتها وعزلها عن محيطها الفلسطيني، بينما تتعرض الضفة الغربية لاستنزاف يومي بالاستيطان والاقتحامات والحواجز وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية. أما الأسرى، الذين شكلوا دائما ضمير الحركة الوطنية، فيواجهون ظروفا قاسية غير مسبوقة، في وقت يتراجع فيه حضور قضيتهم سياسيا وإعلاميا. كما يعيش اللاجئون الفلسطينيون حالة قلق متزايد مع استمرار استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومحاولات تقليص دورها وشطب رمزيتها السياسية المرتبطة بحق العودة.
لهذا فإن المؤتمر الثامن لا يجوز أن يُختزل في لحظة انتخابية فقط، حتى لو كان انتخابيا بطبيعته الواقعية.
 لذلك فإن المطلوب هو التفكير الجدي بما بعد المؤتمر، لأن اللحظة القاسية التي تعيشها القضية الفلسطينية لن تُحل بإعلان النتائج التنظيمية، بل بخطة سياسية ووطنية واضحة تعيد للحركة دورها ولمشروعنا الوطني تماسكه.
المطلوب بعد المؤتمر مباشرة ليس فقط توزيع المواقع، بل إطلاق مسار وطني جديد يقوم على عدة أولويات واضحة.
أولًا: إعادة الاعتبار لفكرة أن فتح حركة تحرر وطني قبل أن تكون جزءًا من السلطة، وهذا يتطلب إعادة بناء علاقتها بالشارع والمخيم والجامعة والنقابة، لا الاكتفاء بالبنية الإدارية والتنظيمية التقليدية.
ثانيًا: تشكيل لجنة مراجعة وطنية وتنظيمية حقيقية لدراسة تجربة الانقسام منذ عام 2007 وحتى اليوم، بعيدًا عن عقلية التبرير أو تصفية الحسابات، لأن أي حركة لا تمتلك شجاعة نقد تجربتها محكوم عليها بتكرار أخطائها.
ثالثًا: بلورة رؤية واضحة لغزة تقوم على رفض فصلها السياسي عن الضفة، مع دعم أي جهد للإغاثة والإعمار ضمن مرجعية وطنية فلسطينية موحدة، لا ضمن واقع انتقالي دائم يعيد إنتاج الانقسام بشكل جديد.
رابعًا: إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها مرجعية وطنية جامعة، لا عنوانًا بروتوكوليا، وفتح الباب أمام شراكة وطنية تعيد الثقة بالنظام السياسي الفلسطيني.
خامسًا: إعادة الاعتبار للقدس بوصفها مركز الصراع الوطني والسياسي، لا مجرد ملف تضامن موسمي، وربط كل أشكال المقاومة الشعبية والسياسية بحماية المدينة وهويتها.
سادسًا: إطلاق برنامج مقاومة شعبية منظمة ضد الاستيطان والضم والتهويد، بوصفها استراتيجية وطنية مستمرة لا مجرد رد فعل ظرفي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينعقد المؤتمر وكأن شيئًا لم يتغير، وأن تنشغل القواعد بالأسماء والتحالفات بينما يُعاد تشكيل مستقبل القضية الفلسطينية من خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية.
صحيح أن المؤتمر الثامن يبدو، بحكم الواقع، مؤتمرًا انتخابيا أكثر من أي شيء آخر، لكن الحكمة السياسية الحقيقية تكمن في تحويل الانتخابات من نهاية الطريق إلى بدايته ، أي أن تكون مدخلًا لإعادة بناء الحركة وتجديد المشروع الوطني، لا مجرد محطة لإعادة توزيع النفوذ داخل الأطر التنظيمية.
فتح اليوم لا تحتاج فقط إلى قيادة جديدة، بل إلى معنى جديد لدورها الوطني. تحتاج إلى استعادة روحها الأولى: روح الحركة التي كانت تقود الناس لا تلاحق الأحداث، وتبادر لا تكتفي بردود الفعل، وتصنع المشروع الوطني بدل الاكتفاء بإدارته.
فالمؤتمر الحقيقي لا يُقاس فقط بمن فاز فيه، بل بما إذا كان قد أعاد للحركة قدرتها على حماية فلسطين: غزة، والقدس، والضفة، والمخيمات، والأسرى، واللاجئين.
فتح لا تُختبر اليوم بعدد أعضائها، بل بقدرتها على أن تعود حركة شعب .. لا حركة مواقع.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تحركات قطرية أميركية لنزع فتيل الأزمة مع إيران ومقترح بـ 14 بنداً للتهدئة

عقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مباحثات موسعة مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تركزت على سبل تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأعربت الخارجية الأميركية في بيان رسمي عن تقدير واشنطن العميق للشراكة الاستراتيجية مع الدوحة، مؤكدة على ضرورة التنسيق المستمر لمواجهة التهديدات الإقليمية المتزايدة.

وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في وقت حساس يشهد تصاعداً كبيراً في حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تسعى الدوحة للعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر وتجنب اندلاع مواجهة عسكرية شاملة. وأفادت مصادر مطلعة بأن اللقاءات القطرية في واشنطن لم تقتصر على الخارجية، بل امتدت لتشمل مبعوث الرئيس الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف لبحث صيغ تفاهم محتملة مع طهران.

وتناولت المباحثات أيضاً سبل تفعيل وتعزيز اتفاقية الدفاع الأمني المشترك التي وقعت بين الولايات المتحدة وقطر في العام الماضي، بما يضمن حماية المصالح المشتركة في المنطقة. وتتقاطع هذه الجهود القطرية مع مساعٍ دبلوماسية أخرى تقودها باكستان، تهدف في مجملها إلى فتح قنوات اتصال غير مباشرة بين الطرفين لخفض التصعيد العسكري والاقتصادي المتبادل.

وعلى الصعيد الميداني، أدى استمرار إغلاق مضيق هرمز إلى اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، مما دفع مؤسسات وشركات مرتبطة بقطاع النفط والغاز في قطر لإعلان حالة 'القوة القاهرة'. وجاء هذا القرار نتيجة الصعوبات البالغة التي تواجه عمليات التصدير في ظل التهديدات الأمنية المباشرة التي تحيط بأهم الممرات البحرية في العالم.

وتشير التقديرات في واشنطن إلى أن الأزمة الراهنة لم تعد تقتصر تداعياتها على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت لتشكل ضغطاً اقتصادياً عالمياً هائلاً بسبب تعطل إمدادات الطاقة. هذا الضغط دفع إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى طرح مقترح جديد يتضمن إطاراً أولياً لاتفاق مؤقت، ينتظر حالياً الرد الإيراني الرسمي عليه لبدء مسار تفاوضي أوسع.

ويتألف المقترح الأميركي المسرب من 14 بنداً، يهدف بشكل أساسي إلى إرساء فترة تهدئة تدريجية تمتد لثلاثين يوماً، يتم خلالها اتخاذ إجراءات متبادلة لتخفيف القيود على الملاحة. ويتزامن هذا الخفض للتصعيد مع انطلاق مفاوضات تفصيلية تتناول الملفات الخلافية الجوهرية التي تسببت في تأزم العلاقة بين البلدين خلال الفترة الماضية.

وتضع 'ورقة التفاهم' الأميركية البرنامج النووي الإيراني في مقدمة الأولويات، حيث تشترط وضع قيود صارمة على مستويات تخصيب اليورانيوم وتقليص المخزون عالي التخصيب لدى طهران. ويتضمن المقترح تجميداً كاملاً لأنشطة التخصيب لفترة زمنية طويلة قد تصل إلى 15 عاماً، كشرط أساسي للمضي قدماً في إجراءات بناء الثقة.

في المقابل، يعرض المقترح الأميركي تخفيفاً تدريجياً للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، بالإضافة إلى الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج لتشجيع طهران على الانخراط في الاتفاق. ومع ذلك، تظل واشنطن متمسكة بالتلويح بخيارات بديلة، بما في ذلك تشديد الحصار البحري أو توسيع العمليات العسكرية في حال فشل المسار الدبلوماسي.

وفي سياق متصل، تواجه المساعي الأميركية لتشكيل تحالف دولي لتأمين الملاحة في الخليج تحديات لوجستية وسياسية، لا سيما مع وجود تحفظات أوروبية واضحة. ويرفض عدد من الحلفاء الأوروبيين الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية محتملة، معتبرين أنهم لم يشاركوا في القرارات التي أدت إلى تفاقم الأزمة الحالية في مضيق هرمز.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

انكسار الرهانات الأمريكية: كيف تراجع ترامب أمام الصمود الإيراني في مضيق هرمز؟

لم تعد التناقضات التي تطبع سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تثير الاستغراب، إلا أن التراجع الأخير في ملف المواجهة مع إيران كشف عن حجم الارتباك في البيت الأبيض. فبعد أيام قليلة من إعلان ما سمي بمشروع الحرية في مضيق هرمز وحشد ترسانة عسكرية ضخمة، اضطر ترامب للتراجع تحت وطأة الحقائق الميدانية والرفض الدولي للانخراط في مغامرة غير محسومة النتائج.

المصادر الميدانية أكدت زيف الادعاءات الأمريكية بشأن تأمين عبور السفن التجارية تحت حماية المدمرات؛ إذ أثبتت الوقائع أن طهران فرضت قواعدها الخاصة للملاحة. هذا الفشل العسكري الميداني دفع الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ما وجهها، وهو ما تجلى في تسريبات حول اتفاق تهدئة شامل تم بوساطة باكستانية.

الاتفاق المسرب، الذي يتكون من 14 نقطة، يبدو أقرب إلى الرؤية الإيرانية التي تشترط وقف الحرب نهائياً ورفع الحصار قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية. وتتمسك طهران برفض تصفير التخصيب النووي أو تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، مع إبداء مرونة في نقله إلى دولة ثالثة مثل روسيا لضمان استمرارية برنامجها السلمي.

على الصعيد الداخلي الإيراني، أثبت النظام تماسكاً غير متوقع بعد رحيل آية الله علي خامنئي، حيث تولى القائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي زمام الأمور بصلابة. ويظهر مجتبى تناغماً كبيراً مع قيادات الحرس الثوري، مما أفشل المراهنات الأمريكية على حدوث انهيار داخلي أو تغيير في بنية النظام السياسي.

الخسائر المادية والبشرية الأمريكية كانت عاملاً حاسماً في كبح جماح التصعيد، حيث كشفت تقارير إعلامية عن تضرر 16 قاعدة أمريكية في المنطقة. ورغم محاولات وزير الدفاع الأمريكي تقليل حجم التكاليف، إلا أن تقديرات الصحافة المستقلة أكدت تجاوز الفاتورة حاجز الـ 50 مليار دولار، وهو ما شكل ضغطاً سياسياً هائلاً داخل واشنطن.

الدور الروسي والصيني برز كحائط صد دولي أمام الطموحات الأمريكية، ليس فقط عبر استخدام حق الفيتو في مجلس الأمن، بل ومن خلال الدعم التقني والاستخباراتي. هذا التعاون الاستراتيجي ساهم في تعزيز قدرات الدفاع الجوي الإيراني وتطوير دقة الضربات الصاروخية التي استهدفت مواقع حساسة تابعة للاحتلال والإدارة الأمريكية.

في المسار الدبلوماسي، نجح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في بناء جبهة دولية داعمة لموقف بلاده عبر جولات شملت مسقط وموسكو وبكين. هذه التحركات أكدت أن طهران ليست معزولة دولياً، وأن القوى الكبرى ترفض سياسة القوة التي تحاول واشنطن فرضها خارج إطار القانون الدولي.

أما على جبهة لبنان، فقد فرضت المقاومة معادلات ردع جديدة باستخدام تكنولوجيا مسيرات الألياف الضوئية التي أربكت حسابات جيش الاحتلال. هذا التطور الميداني جعل من فكرة فصل الساحات أو الاستفراد بلبنان أمراً بعيد المنال، رغم المحاولات الأمريكية الحثيثة لجر بيروت نحو اتفاقات تطبيع مشبوهة.

المخطط الأمريكي الرامي لتوريط الجيش اللبناني في صراع داخلي أو مواجهة مع المقاومة واجه وعياً شعبياً وسياسياً حال دون انزلاق البلاد نحو حرب أهلية. وتشير استطلاعات الرأي إلى رفض واسع لدى اللبنانيين لأي مسار تطبيعي، مؤكدين على أولوية حماية السيادة الوطنية في وجه الأطماع التوسعية الإسرائيلية.

ختاماً، يظهر المشهد الإقليمي أن موازين القوى قد مالت لصالح الأطراف التي أبدت صموداً استراتيجياً في وجه التهديدات. إن تراجع ترامب عن مشروعه في هرمز ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو اعتراف ضمني بنهاية حقبة الهيمنة الأحادية والقدرة على فرض الإرادة بالقوة العسكرية المجردة.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 7:53 صباحًا - بتوقيت القدس

استشهاد فلسطيني في جباليا وارتفاع ضحايا خروقات الاحتلال إلى 850 شهيداً

أفادت مصادر طبية وميدانية باستشهاد الشاب إياد المطوق وإصابة عدد من المواطنين بجروح متفاوتة، جراء استهداف طائرة مسيرة إسرائيلية لدراجة نارية غرب مخيم جباليا شمالي قطاع غزة. ووقع الهجوم في منطقة تقع خارج نطاق انتشار قوات جيش الاحتلال المحددة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، مما يمثل خرقاً جديداً للتفاهمات القائمة.

وفي سياق متصل، شنت المدفعية الإسرائيلية قصفاً متقطعاً استهدف الأطراف الشرقية لحي التفاح شرقي مدينة غزة، ما أثار حالة من الذعر بين السكان دون أن يبلغ عن وقوع إصابات مباشرة في ذلك الهجوم. وتأتي هذه التحركات الميدانية ضمن سلسلة من الانتهاكات اليومية التي ينفذها جيش الاحتلال في مختلف مناطق القطاع، مستهدفاً البنى التحتية وما تبقى من مظاهر الحياة.

وكشفت وزارة الصحة في أحدث بياناتها الصادرة يوم السبت أن حصيلة ضحايا الخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار في العاشر من أكتوبر 2025، قد ارتفعت إلى نحو 850 شهيداً و2433 جريحاً. وأوضحت المصادر أن هذه الأرقام تعكس سياسة القنص والقصف الممنهج التي يتبعها الاحتلال رغم الهدوء النسبي المعلن، حيث تم انتشال 770 جثماناً من تحت الأنقاض خلال هذه الفترة.

وعلى صعيد الحصيلة الإجمالية لحرب الإبادة الجماعية التي انطلقت في الثامن من أكتوبر 2023، فقد سجلت السجلات الطبية استشهاد 72,736 فلسطينياً وإصابة ما يزيد عن 172 ألفاً آخرين. وقد خلفت هذه الحرب دماراً واسعاً طال نحو 90% من المرافق الحيوية والبنى التحتية المدنية، في حين تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بنحو 70 مليار دولار لمواجهة حجم الكارثة الإنسانية.

وتشهد الأيام الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في وتيرة الاستهدافات، حيث سجلت الـ 48 ساعة الماضية استشهاد 5 فلسطينيين وإصابة 15 آخرين في مناطق متفرقة من القطاع. وشملت الانتهاكات تدمير منازل سكنية واستهداف غرف أمنية، كما حدث في مخيم الشاطئ وعند بوابة قصر الحاكم، مما يضع اتفاق وقف إطلاق النار أمام تحديات كبرى في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 7:23 صباحًا - بتوقيت القدس

دبلوماسية الظل الصينية: هل تنجح بكين في عقد مصافحة تاريخية بين ترامب وخامنئي؟

تتجه الأنظار نحو العاصمة الصينية بكين التي تستعد لاستضافة قمة كبرى تجمع الرئيسين الأمريكي والصيني، في لحظة فارقة قد تحدد مسار الصراع في الشرق الأوسط. وتأتي هذه القمة في وقت تسعى فيه الصين لترسيخ دورها كلاعب دولي قادر على إدارة الأزمات الكبرى بعيداً عن لغة الصدام العسكري المباشر.

منذ اندلاع شرارة التوتر بين واشنطن وطهران، انتهجت بكين سياسة هادئة تهدف إلى احتواء الصراع ومنع تمدده إلى ممرات الملاحة العالمية. وترى القيادة الصينية أن أي مواجهة شاملة في الخليج ستمس مباشرة أمن الطاقة الخاص بها وتعطل تدفقات النفط الحيوية لاقتصادها.

تعتبر بكين أن الضغوط الأمريكية على إيران تستهدف في جوهرها مشروع 'طريق الحرير' التاريخي، حيث تمثل الأراضي الإيرانية حلقة وصل جغرافية لا غنى عنها. لذا، فإن كسر التحالف الاقتصادي بين الصين ودول الجنوب الآسيوي يمثل خطاً أحمر تحاول الدبلوماسية الصينية حمايته بكل ثقلها.

نشطت 'دبلوماسية الظل' الصينية مؤخراً من خلال زيارات مكوكية متبادلة بين بكين وطهران، حملت رسائل واضحة للإدارة الأمريكية حول ضرورة إيجاد مخرج سياسي. هذه التحركات تزامنت مع تهديدات أمنية خطيرة شهدها مضيق هرمز، مما دفع الصين للتدخل لخفض حدة التصعيد العسكري.

أفادت مصادر مطلعة بأن الدور الصيني كان حاسماً في دفع الرئيس ترامب للتراجع عن 'عملية الحرية' العسكرية بعد 24 ساعة فقط من إطلاقها. هذا التراجع يعكس نجاح الضغوط الدبلوماسية في إقناع واشنطن بأن الخيار العسكري سيجر العالم إلى مجهول أمني واقتصادي لا يمكن التنبؤ بتبعاته.

في مفاوضات إسلام آباد، لعبت الصين دوراً محورياً في تقليص الفجوات بين الطرفين الأمريكي والإيراني، واضعة إطاراً عاماً للتفاوض يضمن مصالح الجميع. وساهمت هذه الوساطة في بناء أرضية مشتركة قد تمهد الطريق لاتفاق سياسي شامل ينهي حالة العداء الطويلة.

تسعى الصين من خلال تحركاتها إلى الوصول لاتفاق يضمن إعادة ترتيب العلاقات الأمريكية الإيرانية على أسس سيادية تحترم مصالح الطرفين في الإقليم. والهدف النهائي هو الخروج من حالة الحرب الدائمة والعودة إلى طاولة المفاوضات التي تضمن استقرار أسواق الطاقة العالمية.

من جانبها، تبحث طهران عن ضمانات دولية وازنة تشمل الصين وروسيا ومجلس الأمن لضمان جدية أي اتفاق مستقبلي مع واشنطن. وتتمسك إيران بحقها في امتلاك تكنولوجيا نووية للأغراض السلمية، مع اشتراط رفع العقوبات الاقتصادية وتحرير أصولها المالية المجمدة.

تشير المعطيات الحالية إلى أن الجانب الإيراني قد لا يمانع حدوث لقاء تاريخي أو مصافحة بين المرشد الأعلى والرئيس الأمريكي في إطار تسوية شاملة. ومع ذلك، يظل الموقف الإيراني حازماً في رفض أي وجود لإسرائيل أو نتنياهو ضمن هذه الترتيبات الإقليمية الجديدة.

يحظى الموقف الصيني بدعم واسع من قوى إقليمية ودولية، بما في ذلك روسيا والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى المحور الرباعي الذي يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان. هذا الإجماع الدولي يضغط باتجاه تغليب الحلول الدبلوماسية الهادئة على خيارات المواجهة العسكرية.

في المقابل، تبرز إسرائيل كأبرز المعارضين لجهود الوساطة الصينية والباكستانية، حيث يسعى بنيامين نتنياهو لدفع الإدارة الأمريكية نحو تفعيل الخيار العسكري. وتعمل لوبيات الضغط في واشنطن على عرقلة أي تقارب محتمل قد يؤدي إلى تخفيف الضغط عن النظام الإيراني.

يحاول نتنياهو تنشيط التنسيق العسكري مع واشنطن وتحشيد القوات في منطقة مضيق هرمز لضمان استمرار حالة التوتر. ويرى مراقبون أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يخشى من فقدان نفوذه إذا ما قرر ترامب الاحتكام إلى أحادية القرار الأمريكي بعيداً عن الإملاءات الإسرائيلية.

السؤال الكبير الذي يطرح نفسه الآن هو مدى قدرة ترامب على التحرر من قيود التحالف مع نتنياهو والتوجه نحو خيار دبلوماسي مستقل. إن نجاح قمة بكين في تحقيق خرق حقيقي سيعني تحولاً جذرياً في السياسة الدولية تجاه أزمات الشرق الأوسط.

ختاماً، تظل الدبلوماسية الصينية هي الرهان الأكبر لمنع انفجار الأوضاع في المنطقة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الطموحات السياسية. وسيكون لنتائج اللقاء المرتقب في بكين صدى واسع يحدد ما إذا كان العالم سيتجه نحو استقرار جديد أم جولة أخرى من الصراع.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 6:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تفكك الثنائية الحزبية في بريطانيا: هل تنهي القوميات الصاعدة وحدة المملكة؟

لم تكن نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في بريطانيا وآيرلندا الشمالية مفاجئة للمراقبين، حيث عكست استطلاعات الرأي مسبقاً توجه حزب العمال الحاكم نحو تراجع ملموس. ويرى محللون أن القيادة الحالية للحزب، برئاسة كير ستارمر، تفتقر إلى المبادئ الصلبة والكاريزما السياسية، مما جعل انتصاراتها السابقة تبدو وكأنها استثمار لأخطاء الخصوم لا أكثر.

بالنظر إلى الأرقام التاريخية لانتخابات عام 2024، نجد أن حزب العمال حصد أغلبية مقاعد البرلمان بنسبة تصويت لم تتجاوز 34%، وهي الحصة الأدنى لأي حزب فائز منذ الحرب العالمية الثانية. هذه النسبة لا تمثل زيادة حقيقية عن نتائج الحزب إبان هزيمته في 2019، مما يؤكد أن التفويض الشعبي كان هشاً ومبنياً على معاقبة المحافظين.

في المقابل، شهد حزب المحافظين انهياراً دراماتيكياً في قاعدته الانتخابية، حيث هوت نسبة أصواته من 44% إلى 20% خلال خمس سنوات فقط. هذا النزف التصويتي لم يذهب بالضرورة إلى الوسط، بل صب في مصلحة اليمين المتطرف المتمثل في حزب «الإصلاح» الذي يتبنى خطاباً معادياً للمهاجرين والاتحاد الأوروبي.

لقد استفاد كير ستارمر من حالة التشرذم في معسكر اليمين للوصول إلى رئاسة الحكومة، لكنه بدلاً من تعزيز الوحدة الوطنية، انخرط في تصفية حسابات داخلية. حيث قاد حملة واسعة لإقصاء الجناح اليساري في الحزب، معتمداً على نفوذ التيار اليميني العمالي المرتبط بحقبة توني بلير ومستشاريه السابقين.

الأزمة لم تقتصر على العمال، بل امتدت لتضرب عمق حزب المحافظين الذي يعاني من انشقاقات كبرى نحو التيارات الأكثر تشدداً. والمفارقة تكمن في أن بعض الوجوه الوزارية السابقة التي انضمت لحزب «الإصلاح» تنحدر من أصول مهاجرة، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي والاجتماعي الجديد في بريطانيا.

تاريخياً، قامت السياسة البريطانية على ثنائية حزبية بدأت منذ القرن الثامن عشر وتطورت في القرن العشرين لتنحصر بين العمال والمحافظين. إلا أن النتائج الأخيرة تشير بوضوح إلى تصدع هذا النظام التقليدي أمام صعود قوى سياسية بديلة بدأت تفرض نفسها على الخارطة الانتخابية بقوة.

تعد الظاهرة القومية هي المحرك الأبرز للتغيير الحالي، حيث تتخذ شكلين متناقضين؛ أحدهما انعزالي في إنجلترا يمثله حزب «الإصلاح»، والآخر تحرري في اسكتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية. هذه النزعات القومية في الأقاليم غير الإنجليزية تسعى للتخلص من الإرث الاستعماري القديم والتبعية لمركز القرار في لندن.

حزب «الإصلاح» لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل بات المنتصر الأكبر في الانتخابات المحلية، متبوعاً بحزب «الخضر» الذي أصبح البديل الموثوق لجمهور اليسار الناقم على سياسات ستارمر. هذا التحول يعكس رغبة الناخب في الهروب من الأحزاب التقليدية التي لم تعد تلبي طموحاته الاقتصادية والاجتماعية.

يرتبط صعود اليمين المتطرف في بريطانيا بموجة عالمية مشابهة تمتد من الهند إلى الأمريكتين، مروراً بالقارة الأوروبية التي تشهد تنامياً للحركات الفاشية الجديدة. ولا يمكن في هذا السياق تجاهل بصمات حقبة مارغريت ثاتشر، التي أرست دعائم العداء للهوية الأوروبية المشتركة وحاربت دولة الرفاه.

ورثة سياسات ثاتشر نجحوا أخيراً في تحقيق حلمها بالانفصال عن أوروبا، لكنهم وضعوا البلاد في مواجهة تعقيدات جيوسياسية غير مسبوقة. فبينما كانت لندن تتمتع بعلاقة خاصة مع واشنطن في عهد ريغان، تبدو اليوم أكثر عزلة في ظل تغير الأولويات الأمريكية وظهور عواصم أوروبية أكثر يمينية.

إن سقوط الثنائية الحزبية في لندن سيترك أثراً طويل الأمد على الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية للمملكة المتحدة. فمن الصعب تصور قبول القوميين في اسكتلندا وويلز بالبقاء تحت مظلة حكومة قد يهيمن عليها مستقبلاً متطرفو حزب «الإصلاح» أو تتأثر بأجنداتهم الانعزالية.

في الختام، تواجه بريطانيا اختباراً مصيرياً لهويتها السياسية، حيث تتصارع القوميات الصاعدة مع نظام قديم متهالك. إن غياب القيادة الملهمة في الأحزاب الكبرى يفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات التفكك، مما يجعل مستقبل «بريطانيا الواحدة» موضع تساؤل جدي في عصر التحولات الكبرى.

أحدث الأخبار

الأحد 10 مايو 2026 5:53 صباحًا - بتوقيت القدس

تركيا تدخل نادي الصواريخ العابرة للقارات بالكشف عن 'يلدريم خان' الاستراتيجي

أعلنت تركيا رسمياً عن دخولها مرحلة جديدة في تكنولوجيا الردع العسكري عقب الكشف عن صاروخها الباليستي العابر للقارات 'يلدريم خان'. وجاء هذا الإعلان خلال فعاليات معرض 'ساها 2026' الدولي لصناعات الدفاع والطيران والفضاء الذي احتضنته مدينة إسطنبول الأسبوع الماضي.

يتميز الصاروخ الجديد بقدرات تقنية هائلة، حيث تصل سرعته القصوى إلى 25 ماخ، بينما يمتد مداه العملياتي إلى نحو 6000 كيلومتر. ويعتمد 'يلدريم خان' في منظومة دفعه على أربعة محركات صاروخية تعمل بوقود رباعي أكسيد النيتروجين السائل، مما يجعله من بين الأنظمة الأكثر تطوراً في المنطقة.

يعود الفضل في هذا الإنجاز إلى مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية، الذي أشرف على كافة مراحل التصميم والتصنيع. ويمثل هذا الكشف ثمرة عقود من العمل المؤسسي الذي بدأ منذ تأسيس إدارة تطوير ودعم الصناعات الدفاعية في منتصف الثمانينيات.

مرت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية بمحطات تحول جذرية منذ نشأتها عام 1985 بموجب القانون رقم 3238. وتهدف هذه المؤسسة منذ انطلاقها إلى وضع السياسات الاستراتيجية لبناء بنية تحتية دفاعية وطنية قوية قادرة على تلبية احتياجات القوات المسلحة.

شهد عام 2017 تحولاً هيكلياً هاماً بإخضاع الوكالة لسلطة رئيس الجمهورية مباشرة لتعزيز سرعة اتخاذ القرار. وفي عام 2018، أُعيدت هيكلتها لتصبح 'رئاسة الصناعات الدفاعية لجمهورية تركيا'، وهو ما منحها صلاحيات واسعة في تنفيذ المشاريع الكبرى.

تتولى اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية مهاماً محورية تشمل اتخاذ القرارات المتعلقة بإنتاج الأسلحة والمركبات والمعدات الحديثة. وتعمل اللجنة وفق خطة أهداف استراتيجية تشمل القوات المسلحة وقوات الدرك وخفر السواحل، بالإضافة إلى المديرية العامة للأمن.

تسعى الوكالة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، مع فتح الباب أمام مساهمات رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا المتقدمة. كما تركز بشكل مكثف على البحث والتطوير وتصنيع النماذج الأولية التي تسبق عمليات الإنتاج الضخم للأسلحة والمنظومات الذكية.

تضم رئاسة الصناعات الدفاعية أقساماً تخصصية دقيقة تغطي كافة مجالات الحرب الحديثة، من المركبات البرية والبحرية إلى الفضاء والحرب الإلكترونية. ويشرف حالياً هالوك غورون على رئاسة الوكالة منذ توليه المنصب في حزيران 2023، خلفاً لإسماعيل دمير.

تتبع تركيا نظاماً صارماً ومنهجياً في إدارة مشاريعها الدفاعية، يبدأ بمرحلة تحديد الاحتياجات الميدانية من قبل القوات المسلحة. وتقوم الوكالة في هذه المرحلة بدراسة الجدوى الفنية لضمان توافق المشروع مع الاستراتيجية الوطنية للدفاع والأمن القومي.

تنتقل المشاريع بعد ذلك إلى مرحلة التصميم الأولي والتطوير، حيث يتم وضع المخططات الهيكلية واختيار البرمجيات والمكونات الدقيقة. وفي هذه المرحلة، يتم بناء النماذج الأولى التي تجسد الفكرة التقنية وتحولها إلى واقع ملموس قابل للاختبار.

تعد مرحلة الاختبار والتقييم هي الأكثر صرامة في دورة الإنتاج التركية، حيث يخضع المنتج لاختبارات ميدانية وأرضية قاسية. وتشمل هذه الاختبارات الرماية الحية للمدافع واختبارات الطيران للمسيرات، لضمان مطابقتها لمعايير حلف 'الناتو' والمعايير العسكرية الوطنية.

بمجرد اجتياز كافة الاختبارات بنجاح، يمنح المنتج 'شهادة التأهيل' التي تسمح بالبدء في مرحلة الإنتاج المتسلسل. ويتم توقيع اتفاقيات الإنتاج الضخم مع شركات رائدة في القطاع مثل 'أسيلسان' و'توساش' و'بايكار' لتوريد الكميات المطلوبة للجيش.

لا يتوقف دور الوكالة عند تسليم السلاح، بل يمتد ليشمل الدعم اللوجستي والاستدامة وتدريب الكوادر العسكرية على الاستخدام الأمثل. كما تلتزم الوكالة بتطوير المنظومات بشكل مستمر لمواكبة القفزات التكنولوجية العالمية وضمان توفر قطع الغيار اللازمة.

يعتمد النجاح التركي في هذا المجال على نظام بيئي متكامل يجمع بين الشركات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الأبحاث. وتلعب رئاسة الصناعات الدفاعية دور المنسق والمشرف العام على هذا النظام لضمان تحقيق السيادة التكنولوجية في المجال العسكري.

تحليل

الأحد 10 مايو 2026 5:53 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاقات أبراهام: كيف قادت أوهام التطبيع إلى هندسة حروب الشرق الأوسط الجديدة

رسالة واشنطن




سعيد عريقات – 10/5/2026


تحليل إخباري


شكّل اتفاق أبراهام، الذي وُقّع في البيت الأبيض في 15 أيلول 2020 برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (في دورته الأولى)، نقطة تحول كبرى في بنية التحالفات الإقليمية في الشرق الأوسط، بعدما جرى تسويقه باعتباره "بوابة السلام" بين إسرائيل والعالم العربي. لكن مقالاً تحليلياً نشره مات دص وزوري لاينتسكي في مجلة فورين بوليسي Foreign Policy  الخميس الماضي، قدّم صورة معاكسة تماماً، معتبراً أن الاتفاقات لم تؤسس لسلام دائم، بل ساهمت في إنتاج مرحلة أكثر عنفاً واضطراباً في المنطقة، ووفرت غطاءً سياسياً وعسكرياً لتوسيع الحروب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وإيران.


ويرى الكاتبان أن إدارة ترمب، ثم إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن لاحقاً، تعاملتا مع الاتفاقات بوصفها إنجازاً استراتيجياً قادراً على تجاوز القضية الفلسطينية عبر بناء تحالف أمني واقتصادي بين إسرائيل ودول الخليج. غير أن ما جرى عملياً، بحسب المقال، كان نقل مركز الثقل من "السلام مقابل الحل السياسي" إلى "السلام مقابل التحالف العسكري"، وهو تحول عمّق الاستقطاب الإقليمي بدل تخفيفه.


لم يكن اتفاق أبراهام مجرد عملية تطبيع دبلوماسي بين إسرائيل وبعض الدول العربية، بل كان إعادة صياغة كاملة لأولويات المنطقة وفق رؤية أميركية إسرائيلية مشتركة. جرى التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها عبئاً يمكن تجاوزه عبر التحالفات الأمنية والاقتصادية، لا باعتبارها جوهر الصراع في الشرق الأوسط. هذا التحول فتح الباب أمام إسرائيل لتوسيع سياساتها الاستيطانية والعسكرية دون خشية من عزلة عربية حقيقية. كما عزز الاعتقاد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن التطبيع مع الأنظمة العربية أهم من أي تسوية مع الفلسطينيين، وهو ما أدى لاحقاً إلى انفجار أوسع للعنف وعدم الاستقرار في المنطقة بأسرها.


ويشير المقال إلى أن الاتفاقات ارتبطت منذ البداية بهدف استراتيجي واضح يتمثل في بناء محور إقليمي مضاد لإيران، وهو ما تجسد لاحقاً في القوانين التي أقرها الكونغرس الأميركي لتعزيز التعاون الدفاعي بين إسرائيل ودول الخليج، خصوصاً في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي. كما أدى نقل إسرائيل إلى نطاق القيادة المركزية الأميركية إلى تسهيل التنسيق العسكري والاستخباراتي مع الإمارات والبحرين ودول أخرى.


وبحسب الكاتبين، فإن هذه البنية العسكرية الجديدة لم تقتصر على الدفاع، بل أسهمت في جعل العمليات العسكرية الإسرائيلية بعيدة المدى أكثر سهولة، سواء عبر المجال الجوي الخليجي أو عبر منظومات الرصد والتعاون الأمني. كما ارتفعت صادرات السلاح الإسرائيلية إلى الدول الموقعة على الاتفاقات بشكل غير مسبوق، لتتحول العلاقات الجديدة إلى شراكة عسكرية متكاملة تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي.


تكشف التجربة أن التحالفات العسكرية التي تُبنى على تجاهل جذور الصراع لا تنتج استقراراً طويل الأمد، بل تؤسس لانفجارات أكبر لاحقاً. فبدلاً من استخدام التطبيع للضغط على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال، تحولت العلاقات الجديدة إلى شبكة حماية سياسية وعسكرية لها. هذا الواقع شجع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تصعيد سياساتها في الضفة الغربية وغزة، لأنها شعرت بأن علاقاتها العربية لم تعد مرتبطة بأي ثمن سياسي تجاه الفلسطينيين. ومع غياب المحاسبة الدولية، تحولت القوة العسكرية الإسرائيلية إلى أداة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية بالقوة، وليس عبر التسويات السياسية والدبلوماسية.


ويؤكد المقال أن الفلسطينيين كانوا الخاسر الأكبر من اتفاقات أبراهام، بعدما جرى تهميش قضيتهم لصالح أولويات أمنية إقليمية. فرغم الوعود بأن التطبيع سيقود لاحقاً إلى تحسين ظروف الفلسطينيين، شهدت الضفة الغربية تصاعداً كبيراً في اعتداءات المستوطنين والتوسع والعنف الاستيطاني بعد توقيع الاتفاقات. كما تراجعت المساعدات الخليجية لوكالة "الأونروا"، في مؤشر واضح على تراجع مركزية القضية الفلسطينية في الحسابات العربية الرسمية.


ويلفت الكاتبان إلى أن حركة "حماس" رأت في مسار التطبيع تهديداً استراتيجياً مباشراً للقضية الفلسطينية، وهو ما يفسر، وفق وثائق إسرائيلية أشار إليها المقال، أحد دوافع هجوم السابع من تشرين الأول 2023، الذي سعى إلى تعطيل مسار التطبيع ومنع انضمام السعودية إليه قبل تحقيق أي تقدم سياسي للفلسطينيين.


ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة، ثم اتساع المواجهة بين إسرائيل وإيران، برزت نتائج التحالفات الجديدة بصورة أكثر وضوحاً. فالدول الخليجية التي نسجت علاقات أمنية متقدمة مع إسرائيل شاركت، بدرجات متفاوتة، في تبادل المعلومات والرصد الجوي خلال المواجهات الصاروخية مع إيران، فيما واصلت واشنطن تعزيز البنية العسكرية المشتركة التي تأسست بعد اتفاقات أبراهام.


المفارقة الأساسية أن الاتفاقات التي قُدمت باعتبارها مشروعاً للسلام، تحولت تدريجياً إلى منصة لإدارة الحروب. فبدلاً من خفض التوتر، جرى دمج إسرائيل في منظومة أمنية إقليمية منحتها شعوراً بتفوق استراتيجي دائم، ودعمت نزعة الحسم العسكري داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية. وفي المقابل، شعرت إيران ومحور حلفائها بأنهم أمام تحالف يستهدفهم وجودياً، ما دفع المنطقة إلى سباق تصعيد متواصل. هكذا أصبحت المنطقة أقل استقراراً وأكثر عسكرة، بينما بقيت القضية الفلسطينية، التي يفترض أنها جوهر الصراع، دون أي حل حقيقي أو أفق سياسي قابل للحياة.


لم تحقق اتفاقات أبراهام "شرق أوسط جديداً" كما وعد ترمب، بل ساهمت في إنتاج واقع أكثر خطورة، يقوم على التحالفات العسكرية وصفقات السلاح وتهميش الحقوق الفلسطينية. وبحسب المقال، فإن تجاهل جذور الصراع الحقيقي جعل الاتفاقات عاجزة عن تحقيق السلام، لأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقوم على القوة وحدها، بل على معالجة القضية الفلسطينية باعتبارها المدخل الأساسي لأي تسوية إقليمية مستدامة.  


تكشف الوقائع المتراكمة منذ توقيع اتفاقات أبراهام أن أحد أهدافها كان إعادة صياغة القضية الفلسطينية بوصفها مسألة إنسانية وإدارية، لا قضية تحرر وطني وإنهاء احتلال. فقد جرى الترويج لخرائط ومشاريع اقتصادية وممرات تجارية باعتبارها بديلاً عن الحقوق السياسية الفلسطينية، في محاولة لصرف الأنظار عن الاستيطان والضم التدريجي للأراضي المحتلة. وفي الوقت نفسه، استمرت إسرائيل في تكريس واقع الكنتونات الفلسطينية المعزولة والمحاصرة في الضفة الغربية وغزة، بما يمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة. هكذا تحوّل التطبيع، عملياً، إلى أداة لمنح الاحتلال شرعية إقليمية طويلة الأمد وتصفية جوهر القضية الفلسطينية سياسياً وتاريخيا.

اسرائيليات

الأحد 10 مايو 2026 5:23 صباحًا - بتوقيت القدس

رئيس الكنيست الأسبق: إسرائيل غارقة في مستنقع الفشل والحل في 'استراتيجية الخسارة'

شن رئيس الكنيست الإسرائيلي الأسبق، أبراهام بورغ، هجوماً حاداً على السياسات العسكرية والسياسية الحالية، مؤكداً أن إسرائيل تعيش واقعاً أصعب بكثير مما يتم تصويره. وأوضح بورغ أن الحروب التي خاضتها الدولة منذ عام 1967 أثبتت أن الانتصار في معارك متفرقة لا يعني بالضرورة كسب الحرب بأكملها، وهو ما يتجلى اليوم في الفشل الذريع على جبهات غزة ولبنان وإيران.

واعتبر بورغ أن كل ساحة قتال تحولت إلى مستنقع يستنزف الموارد البشرية والمادية، ويحصد الأرواح دون تحقيق نتائج ملموسة. وأشار إلى أن الفجوة بين وعود القيادة السياسية والواقع اليومي للإسرائيليين أصبحت هوة سحيقة تهدد بانهيار شامل، واصفاً شعار 'النصر المطلق' بأنه مسرحية هزلية لا تخلف وراءها سوى المقابر وحطام الحياة.

وفيما يخص الجبهة الشمالية، لفت المسؤول السابق إلى أن الوعود بهزيمة حزب الله لم تكن سوى جحيم لسكان الشمال الذين باتوا منفيين عن ديارهم. وأكد أن هؤلاء السكان يطلبون الحد الأدنى من الأمان للعودة إلى منازلهم، لكنهم يواجهون واقعاً عسكرياً معقداً لا يقدم لهم سوى الوعود الجوفاء والانتظار الطويل.

ووصف بورغ المواجهة مع إيران بأنها 'الخدعة الكبرى' التي بدأت تنفجر في وجه المجتمع الإسرائيلي، محذراً من أن الاستمرار في هذا النهج يمثل انتحاراً حقيقياً. وأوضح أن آثار الحرب مع طهران لا تتوقف عند القصف المتبادل، بل تمتد لتضرب الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة، مما يضعف موقف الشركاء الدوليين الذين تحتاجهم إسرائيل.

وتطرق المقال إلى الموقف الأمريكي، مشيراً إلى أن إدارة واشنطن تجد نفسها أمام معضلات لم تخطط لها، تتعلق بتكاليف إعادة الإعمار ومن سيتولى المسؤولية الأمنية بعد الحرب. وحذر بورغ من أن الضغينة المتنامية داخل الكونغرس والجمهور الأمريكي تجاه إسرائيل ليست مجرد ضجيج عابر، بل هي قوة سياسية تتبلور لتهدد رأس المال السياسي الإسرائيلي المتبقي.

واقترح رئيس الكنيست الأسبق مفهوماً مثيراً للجدل يتمثل في 'الاستثمار في الخسارة' كاستراتيجية وطنية بديلة عن التمسك بالقوة العمياء. وشبه الوضع الحالي بمصارعي 'سومو' عالقين، حيث يمكن لخطوة واحدة مدروسة إلى الوراء أن تفقد الخصم توازنه وتؤدي إلى نصر حقيقي ومستدام بعيداً عن الصدام الدموي المباشر.

واستحضر بورغ نماذج تاريخية لدعم رؤيته، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كسبت معارك في فيتنام لكنها خسرت الحرب، بينما عرف مناحيم بيغن كيف يتنازل عن سيناء لتحقيق سلام استراتيجي. واعتبر أن خطوة بيغن، رغم وصفها بالاستسلام آنذاك، أثبتت أنها الأهم في تاريخ إسرائيل، بينما تفتقر القيادة الحالية للمرونة التي تحمي الدولة من السقوط.

ووصف بورغ القيادة الحالية بـ 'الجوفاء'، موجهاً انتقادات لاذعة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، واصفاً الأول بالجاهل والثاني بالولد الطائش. كما نال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نصيبه من الهجوم، حيث وصفه بورغ بالضعيف والمنفصل عن الواقع، متهماً إياه بالتركيز على الاستعراض السياسي وحب الظهور.

ويرى الكاتب أن البديل الحقيقي للمواجهة المستمرة مع إيران يتطلب اتفاقاً جديداً يعترف بالواقع الإقليمي، مؤكداً أن إيران وقوتها الأيديولوجية لن تختفي من الوجود. ودعا إلى ضرورة تطوير قنوات دبلوماسية مباشرة وغير مباشرة للتعامل مع طهران، تماماً كما فعلت دول تاريخية كبرى كانت تعيش صراعات دموية مثل فرنسا وألمانيا.

وشدد بورغ على ضرورة التمييز بين التهديد النووي، الذي يحتاج معالجة غير عسكرية، وبين أوهام 'تغيير النظام' التي لم تنجح القنابل في تحقيقها يوماً. وأكد أن الشرق الأوسط في السنوات القادمة سيضطر لاحتواء الجميع، وأن إسرائيل القادرة على إدارة علاقات معقدة هي الوحيدة التي تمتلك مستقبلاً في المنطقة.

وأوضح المقال أن 'الخسارة المدروسة' ليست استسلاماً، بل هي قدرة القيادة على تمييز اللحظة التي يصبح فيها استمرار الحرب مضراً بالمصلحة الوطنية العليا. واعتبر أن التنازل في الوقت المناسب قد يساوي أكثر من نصر مخضب بالدماء، وهي استراتيجية بديلة لم تجرؤ الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تجربتها.

وحذر بورغ من أن العدو الحقيقي ليس في غزة أو بيروت، بل في الغرف المغلقة التي يتخذ فيها القادة قرارات بتوسيع الحروب لإنقاذ أنفسهم من فشل إدارتهم السابقة. وأشار إلى أن الزعماء 'النرجسيين' يرفضون الاعتراف بأن استمرار التصادم هو بحد ذاته الخسارة الأكبر التي تغلق أبواب المستقبل أمام الأجيال القادمة.

وأكد الكاتب أن كل يوم إضافي من القتال يغلق فرصة جديدة للتقارب والمصالحة، بينما لا يدفع المحرضون على الحرب في أروقة الحكومة أي ثمن من حياتهم أو استقرارهم. وطالب بضرورة التراجع خطوة إلى الوراء للسماح للقوى المتصارعة بفقدان توازنها، معتبراً أن رحيل نتنياهو هو الخطوة الأولى الضرورية في هذا المسار.

وفي ختام تحليله، دعا بورغ المجتمع الإسرائيلي إلى إدراك أن النصر الذي تروج له الحكومة يكلف ثمناً يتزايد يومياً دون أفق حقيقي للنهاية. وخلص إلى أن الاعتراف بالواقع والبحث عن مسارات دبلوماسية هو السبيل الوحيد لتجنب الارتطام القاتل بقاع الهوية السحيقة التي تقف إسرائيل على حافتها الآن.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 5:09 صباحًا - بتوقيت القدس

البرادعي يهاجم 'المجتمع الدولي الوهمي' ويحذر من مخططات تصفية القضية الفلسطينية

شنّ المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية والمرشح الرئاسي المصري الأسبق، محمد البرادعي، هجوماً لاذعاً على المنظومة الدولية، واصفاً إياها بـ 'المجتمع الدولي الوهمي'. وأعرب البرادعي عن صدمته من غياب رد الفعل المدوي تجاه المأساة الإنسانية وعمليات الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، مؤكداً أن ما يحدث يجري أمام أعين العالم أجمع دون تحرك حقيقي.

وفي تدوينة له عبر منصة 'إكس'، أبدى البرادعي خيبة أمل عميقة تجاه حالة الصمت والجمود التي تسيطر على المشهد، معتبراً أن عدم القدرة على وقف هذه المعاناة يشير إلى موت جزء من الضمير الإنساني الداخلي. وجاءت هذه التصريحات في سياق تعقيبه على التطورات المتلاحقة في قطاع غزة والضفة الغربية، والتي يراها تتجاوز حدود الاحتمال البشري.

وحذر البرادعي من أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تنتهز الظروف الراهنة لتنفيذ مخطط شامل يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي. وأشار إلى أن هذا التحرك يأتي في ظل انشغال القوى العالمية بملفات أخرى، وعلى رأسها ما وصفها بالحرب العدوانية وغير الشرعية التي تستهدف إيران، مما يوفر غطاءً لاستمرار الانتهاكات في الأراضي المحتلة.

كما لفت السياسي المصري البارز إلى أن الأوضاع في قطاع غزة تزداد مأساوية يوماً بعد يوم، في حين لا يقل الوضع خطورة في الضفة الغربية المحتلة. وأوضح أن الضفة تشهد تسارعاً غير مسبوق في وتيرة التوسع الاستيطاني، بالإضافة إلى تصاعد سياسات التهجير القسري التي تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين وتغيير الواقع الديموغرافي.

وانتقد البرادعي بشدة الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار اليومية من قبل الدول والمنظمات الدولية، معتبراً إياها مجرد أدوات لذر الرماد في العيون. وأكد أن هذه الجهات تفتقر إلى المصداقية اللازمة لتحويل أقوالها إلى أفعال، مشدداً على أن غياب الإجراءات العملية الرادعة هو ما يشجع على استمرار الجرائم بحق الفلسطينيين.

وختم البرادعي رؤيته بالتأكيد على أن الرهان على المجتمع الدولي بصيغته الحالية بات رهاناً خاسراً في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية. ودعا إلى ضرورة مراجعة المواقف العربية والدولية تجاه ما يحدث، محذراً من أن التاريخ لن يرحم المتخاذلين عن نصرة أصحاب الحق في وجه آلة الحرب والاستيطان التي لا تتوقف.

أحدث الأخبار

الأحد 10 مايو 2026 4:38 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق يكشف إدارة شبكة تحريض ضد المسلمين في بريطانيا من داخل باكستان

كشف تحقيق صحفي موسع عن تفاصيل صادمة تتعلق بإدارة شبكة من الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، تخصصت في بث محتوى مضلل ومعادٍ للمسلمين داخل المملكة المتحدة. وتبين أن العقل المدبر لهذه الشبكة هو رجل يقيم في باكستان، استخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد تحريضية تهدف إلى تأجيج التوترات الاجتماعية وتحقيق مكاسب مادية شهرية.

الحسابات التي حملت اسم 'Britain Today' على منصتي فيسبوك وإنستغرام، روجت لخطاب يدعو صراحة إلى ترحيل المسلمين، ووصفت ممارساتهم الدينية في الأماكن العامة بأنها 'غزو للغرب'. كما استغلت هذه المنصات نظرية 'الاستبدال العظيم' العنصرية، زاعمة وجود مخططات لاستبدال السكان الأصليين بالمهاجرين، مما ساهم في جذب مئات الآلاف من المتابعين قبل إغلاقها.

وبحسب مصادر صحفية، فقد وصلت أرقام المتابعة إلى مستويات قياسية، حيث تجاوز عدد متابعي صفحة الفيسبوك 192 ألف شخص، بينما حصدت مقاطع الفيديو ملايين المشاهدات. وقد اضطرت شركة 'ميتا' للتدخل وحذف هذه الحسابات بعد تقارير أكدت انتهاكها الصارخ لمعايير المجتمع المتعلقة بخطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

التحقيق أشار إلى استخدام تقنيات 'التزييف العميق' لاستهداف شخصيات سياسية بارزة، من بينهم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وعمدة لندن صادق خان. وظهر ستارمر في أحد الفيديوهات المفبركة بزي إسلامي أمام مقر الحكومة، وهو يلقي خطاباً تضمن عبارات عنصرية ومسيئة صُممت خصيصاً لإثارة غضب الرأي العام اليميني.

وفي سياق التحريض، تم التلاعب بمقاطع حقيقية لعمدة لندن صادق خان، حيث أُرفقت بتعليقات تتهم الحكومة البريطانية بتمويل جمعيات إسلامية متورطة في جرائم مفترضة. هذا النوع من المحتوى يهدف إلى خلق حالة من الانقسام المجتمعي عبر ربط الهوية الإسلامية بالخروج عن القانون بشكل ممنهج ومزيف.

المفاجأة كانت في اعترافات الرجل الباكستاني الذي أقر بإنتاج هذا المحتوى، لكنه تذرع بضعف لغته الإنجليزية وعدم فهمه لخطورة المضامين التي ينشرها. وأكد أن دافعه الأساسي كان اقتصادياً بحتاً، حيث كان يجني نحو 1500 دولار شهرياً من خلال أدوات تحقيق الدخل التي توفرها المنصات العالمية للمحتوى واسع الانتشار.

وأوضح المتهم أنه اعتمد بشكل كلي على أدوات ذكاء اصطناعي متطورة مثل Grok وWhisk لتوليد النصوص والصور والفيديوهات دون عناء. وتعكس هذه الحالة كيف ساهمت التكنولوجيا الحديثة في خفض الحواجز أمام إنتاج المحتوى التحريضي، مما سمح لأفراد خارج الحدود بالتأثير في النقاشات السياسية المحلية لدول أخرى.

من جانبه، وصف مكتب عمدة لندن هذه الأنشطة بأنها جزء من 'اقتصاد الغضب'، حيث تتحول الكراهية إلى سلعة مربحة تغذيها خوارزميات المنصات الرقمية. وحذر مسؤولون بريطانيون من أن هذه الأساليب قد تُستغل من قبل قوى أجنبية لزعزعة الاستقرار الديمقراطي والنسيج الاجتماعي عبر حملات تضليل منظمة.

طالبت أصوات سياسية في بريطانيا، تقودها النائبة العمالية إميلي دارلينغتون، بضرورة تشديد الرقابة القانونية والتقنية لمواجهة ظاهرة التزييف العميق. وشدد الخبراء على أن القضية تسلط الضوء على 'اقتصاد المؤثرين الخفيين' الذين يستغلون الثغرات في سياسات المحتوى لتحقيق ثروات على حساب السلم الأهلي وحقوق الأقليات.

فلسطين

الأحد 10 مايو 2026 3:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يقتلع مئات أشجار العنب في الخليل لتوسيع طرق استيطانية

شرعت آليات تابعة لقوات الاحتلال الإسرائيلي، مع نهاية الأسبوع الماضي، في تنفيذ عمليات تجريف واسعة طالت عشرات الدونمات المزروعة بأشجار العنب في منطقة البقعة الواقعة شرق مدينة الخليل. وتأتي هذه الخطوة العدوانية في سياق مخططات توسيع الطرق الاستيطانية التي تلتهم أراضي المواطنين في جنوب الضفة الغربية المحتلة.

وتزامن هذا التجريف مع بداية موسم العنب الذي كان المزارعون الفلسطينيون يعلقون عليه آمالاً كبيرة بعد شتاء وفير، حيث بدأوا بالفعل في تسويق أوراق العنب بأسعار مرتفعة وصلت إلى 12 دولاراً للكيلوغرام الواحد. إلا أن الجرافات العسكرية حولت هذه الآمال إلى خسائر فادحة طالت لقمة عيش عشرات العائلات التي تعتمد على هذه الأرض كمصدر وحيد للدخل.

وأفادت مصادر محلية بأن الاحتلال يستهدف منطقة البقعة بشكل ممنهج لدفع السكان نحو التهجير القسري، وذلك عبر تدمير البنية الزراعية التي تمثل عصب الحياة هناك. وأكد مزارعون أن عمليات التخريب بدأت دون سابق إنذار، حيث وضعت العلامات الفنية على الأراضي وباشرت الجرافات عملها في اليوم ذاته.

المزارع إياد جابر، أحد المتضررين، أوضح أن توسعة شارع '60' الاستيطاني التهمت نحو نصف أرضه التي تضم 400 شجرة عنب معمرة. وأشار جابر إلى أن عمر بعض هذه الأشجار يتجاوز 25 عاماً، وكانت تدر عليه دخلاً سنوياً يقدر بنحو 100 ألف شيكل، وهو ما فقده بالكامل نتيجة هذا الاعتداء.

وأمام عجزهم عن وقف الآليات العسكرية، اضطر المزارعون إلى جمع ما تبقى من جذوع أشجارهم المقطوعة لاستخدامها كحطب للتدفئة في الشتاء القادم. ووصف الأهالي مشهد اقتلاع الأشجار بأنه محاولة لقتل الروح في الأرض التي تعبوا في استصلاحها وزراعتها على مدار عقود طويلة.

من جانبه، تحدث المزارع شكري جابر بمرارة عن فقدان 40 دونماً يملكها هو وأقاربه، مشيراً إلى أنه بذل جهوداً مضنية لتحويل الجبل إلى سهل زراعي. وأكد جابر أنه قام بشراء ونقل مئات الشحنات من التربة الصالحة للزراعة على نفقته الخاصة لتعمير الأرض، ليأتي الاحتلال ويصادرها تحت ذريعة 'أملاك الدولة'.

وروى جابر كيف تفاجأ بوجود الجرافات في أرضه في الصباح الباكر، حيث خيّره جنود الاحتلال بين اقتلاع أشجاره بيده أو ترك الجرافات تدمرها بالكامل. وأضاف بحرقة أن المتعهد المسؤول عن المشروع رفض السماح له حتى بنقل التربة التي اشتراها بماله الخاص، مدعياً أنها أصبحت ملكاً للحكومة الإسرائيلية.

وفي السياق القانوني، أوضحت مصادر حقوقية أن سلطات الاحتلال تستخدم قانون 'المصادرة للصالح العام' كغطاء قانوني للسيطرة على الأراضي الفلسطينية. هذا القانون يمنع أصحاب الأراضي من الاعتراض أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، مما يسهل تنفيذ المشاريع الاستيطانية فور صدور الأوامر العسكرية.

وتشير التقارير الرسمية الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تصاعد خطير في وتيرة استهداف القطاع الزراعي الفلسطيني. فمنذ عام 2020 وحتى نهاية أبريل الماضي، وثقت الهيئة اقتلاع وتخريب وتسميم ما لا يقل عن 120 ألف شجرة في مختلف محافظات الضفة الغربية.

ويهدف الاحتلال من خلال هذه الشبكة من الطرق الاستيطانية إلى ربط المستوطنات المعزولة في الضفة الغربية بالعمق الإسرائيلي في تل أبيب والمركز. وفي المقابل، يُحرم الفلسطينيون من استخدام هذه الطرق التي شُقت فوق أراضيهم المصادرة، مما يزيد من تقطيع أوصال القرى والمدن الفلسطينية.

وتعاني منطقة شرق الخليل من تضييقات مستمرة يمارسها المستوطنون، لا سيما بعد استحداث بؤرة استيطانية جديدة بداية العام الجاري. وتعمل هذه البؤر كأدوات ضغط ميدانية لمنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وتوفير غطاء أمني لعمليات المصادرة والتجريف الرسمية التي تنفذها حكومة الاحتلال.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 1:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الرئيس السوري يجري تعديلات وزارية تشمل حقائب الإعلام والزراعة ومناصب سيادية

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم السبت، حزمة من المراسيم الرئاسية التي قضت بإجراء تعديلات وزارية وإدارية واسعة في هيكلية الحكومة الانتقالية. وشملت هذه التغييرات مناصب قيادية في رئاسة الجمهورية وعدد من الوزارات الخدمية والسيادية، بالإضافة إلى حركة تنقلات وتعيينات في صفوف محافظي الأقاليم السورية. وتأتي هذه الخطوة في إطار إعادة تنظيم المؤسسات الرسمية وتفعيل الأداء الحكومي خلال المرحلة الراهنة.

وفي أبرز ملامح هذا التعديل، قرر الرئيس الشرع تعيين عبد الرحمن بدر الدين الأعمى، الذي كان يشغل منصب محافظ حمص، في منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية. وبموجب هذا القرار، يغادر ماهر الشرع، شقيق الرئيس، منصبه الذي شغله منذ تشكيل الإدارة الجديدة. كما تم تكليف مرهف خالد النعسان بمهام محافظ حمص الجديد، وهو الذي كان يتولى سابقاً قيادة قوى الأمن الداخلي في ذات المحافظة، مما يعكس توجهاً لتعزيز الإدارة المحلية بكوادر ميدانية.

وعلى صعيد الحقائب الوزارية، شهدت وزارة الإعلام تغييراً بتعيين خالد فواز زعرور وزيراً جديداً خلفاً لحمزة المصطفى. ويعد زعرور من الكفاءات الأكاديمية، حيث يحمل درجة الدكتوراه في الإعلام الرقمي من الجامعة اللبنانية منذ عام 2019، وقد شغل مؤخراً منصب عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق. ويهدف هذا التعيين إلى تطوير الخطاب الإعلامي الرسمي بما يتواكب مع التحولات التكنولوجية والسياسية التي تشهدها البلاد.

كما طالت التعديلات وزارة الزراعة، حيث تم تعيين باسل حافظ السويدان وزيراً للزراعة ليخلف الوزير السابق أمجد بدر في مهامه. ويمتلك السويدان خبرة إدارية وفنية واسعة في هذا القطاع، إذ تدرج في المناصب من معاون لوزير الزراعة للشؤون الإدارية والمالية وصولاً إلى إدارة قطاع الزراعة والثروة الحيوانية في الصندوق السيادي السوري. وتنتظر الوزير الجديد ملفات شائكة تتعلق بالأمن الغذائي وإعادة إنعاش الأراضي الزراعية المتضررة.

وفي سياق متصل، شملت المراسيم الرئاسية تعيين محافظين جدد لكل من القنيطرة واللاذقية ودير الزور، في خطوة تهدف إلى ضخ دماء جديدة في الإدارات المحلية بالمحافظات. يذكر أن هذه التطورات تأتي في ظل استمرار عمل الحكومة الانتقالية التي أبصرت النور في مارس 2025، وذلك في أعقاب التحول السياسي الكبير الذي شهدته سوريا والإطاحة بالنظام السابق في ديسمبر من عام 2024.

عربي ودولي

الأحد 10 مايو 2026 1:08 صباحًا - بتوقيت القدس

فريد زكريا يحلل معضلة واشنطن: لماذا لم تنجح الولايات المتحدة في هزيمة إيران؟

اعتبر الكاتب والمحلل السياسي فريد زكريا أن المعضلة الجوهرية في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إيران لا تقتصر على حقبة الرئيس دونالد ترامب فحسب، بل هي نتاج تناقض تاريخي متجذر. وأوضح في مقال له أن واشنطن تعيش حالة من التردد منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، حيث لم تحسم خيارها بين السعي لإسقاط النظام أو القبول بالتفاوض معه لتعديل سلوكه الإقليمي.

وأشار زكريا إلى أن هذا التردد المستمر جعل جميع المحاولات الأمريكية، سواء كانت تصعيدية أو دبلوماسية، محكومة بعدم الاستقرار والتناقض التام. ويرى أن الولايات المتحدة لم تقرر بوضوح حتى الآن ما إذا كانت تهدف إلى تغيير جوهري في السياسات الإيرانية أم أنها تسعى لاستئصال النظام من جذوره، وهو ما أدى إلى تشتت الجهود الاستراتيجية على مدار عقود.

ووصف الكاتب الأزمة الراهنة بمفهوم 'لعبة التحدي'، حيث يتجه الطرفان نحو مواجهة مباشرة بانتظار تراجع أحدهما في اللحظة الأخيرة لتجنب الكارثة. وفي هذا السياق، تبدو طهران أكثر قدرة على تحمل المخاطر العالية، كونها تدافع عن بقائها الوجودي، بينما تظل حسابات واشنطن مرتبطة بمكاسب أو خسائر سياسية ومعنوية للإدارة الحاكمة.

وسلط المقال الضوء على ما أسماه 'انفصام الشخصية' في دوائر صنع القرار بواشنطن، حيث يتصارع تياران أساسيان حول الملف الإيراني منذ عقود. التيار الأول واقعي يرى ضرورة حل الملفات العالقة مثل البرنامج النووي عبر القنوات الدبلوماسية، وهو ما يتطلب اعترافاً ضمنياً بشرعية النظام القائم في طهران كلاعب إقليمي.

أما التيار الثاني فهو أيديولوجي بامتياز، حيث ينظر إلى النظام الإيراني ككيان غير شرعي يجب العمل على إزاحته من المشهد السياسي بالكامل. ويرى أصحاب هذا التوجه أن أي جلوس على طاولة المفاوضات مع طهران يمثل 'مكافأة للشر' وتثبيتاً لأركان نظام يعادي المصالح والقيم الأمريكية في المنطقة.

هذا التناقض يفسر، بحسب زكريا، السلوك المزدوج لرؤساء أمريكيين سابقين مثل رونالد ريغان، الذي كان يهاجم طهران علناً بينما يتفاوض معها سراً في صفقات معقدة. كما ينسحب هذا التحليل على تقلبات دونالد ترامب، الذي يجمع في خطابه بين التهديد بتدمير شامل لإيران وبين الوعود بمستقبل اقتصادي مزدهر لها في حال التوصل لاتفاق.

واستحضر الكاتب تجربة الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي للمقارنة، مشيراً إلى أن واشنطن استغرقت 16 عاماً للاعتراف بالدولة الشيوعية رسمياً. وذكر أن مهندس السياسة الواقعية هنري كيسنجر واجه انتقادات لاذعة واتهامات بدعم 'إمبراطورية الشر' لمجرد انخراطه في مفاوضات للحد من التسلح النووي مع السوفييت.

ويرى زكريا أن باراك أوباما كان الرئيس الوحيد الذي امتلك الجرأة لحسم هذا الصراع الداخلي لصالح المسار الواقعي، مفضلاً تحييد الخطر النووي عبر اتفاق دولي. واعتبر أن أوباما أدرك استحالة تغيير النظام في ذلك الوقت، فاختار التركيز على النتائج الملموسة التي تضمن الأمن الإقليمي والدولي بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية.

إلا أن انسحاب ترامب من الاتفاق النووي أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، مما فتح الباب مجدداً أمام حالة من عدم اليقين والمواجهة المفتوحة. ويرى المحلل أن هذا الانسحاب قوض إنجازاً دبلوماسياً كان من الممكن أن يؤسس لعلاقة أكثر استقراراً، وأعاد واشنطن إلى دوامة التهديدات المتبادلة دون أفق واضح للحل.

ورغم الخطاب التصعيدي الذي يتبناه ترامب، يخلص زكريا إلى أن الرئيس الأمريكي يبدو في نهاية المطاف راغباً في إبرام 'صفقة كبيرة' مع القيادة الإيرانية. هذه الرغبة تعكس براغماتية ترامب التي تبحث عن انتصارات دبلوماسية سريعة، حتى لو كانت تتناقض مع التصريحات النارية التي يطلقها مستشاروه الأكثر تشدداً.

وحذر الكاتب من أن أي اتفاق جديد قد يبرمه ترامب قد يمنح الجمهورية الإسلامية ما طالبت به لسنوات طويلة، وهو الاعتراف الأمريكي الرسمي بها. فالتفاوض المباشر والوصول إلى تفاهمات يعني بالضرورة أن واشنطن تقبل بإيران كنظام قائم لا يمكن تجاوزه أو إسقاطه بالوسائل العسكرية أو الضغوط الاقتصادية.

وفي حال حدوث ذلك، ستكون إيران قد حققت انتصاراً دبلوماسياً تاريخياً، والمفارقة أنها ستنتزعه من يد الإدارة الأمريكية التي وصفت بأنها الأكثر عداءً لها. هذا السيناريو يثبت أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لحسم الصراعات المعقدة التي تتداخل فيها الشرعية السياسية مع النفوذ الإقليمي.

ختاماً، يرى زكريا أن الفشل الأمريكي في 'هزيمة' إيران يعود إلى غياب الرؤية الموحدة والهدف النهائي الواضح، مما جعل طهران تستفيد من التناقضات الداخلية في واشنطن. ويبقى السؤال معلقاً حول ما إذا كانت الإدارة الحالية ستمتلك الشجاعة للاعتراف بالواقع السياسي أم ستستمر في دوامة 'لعبة التحدي' الخطرة.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 11:53 مساءً - بتوقيت القدس

تحرك قطري في واشنطن لكسر جمود المفاوضات مع إيران ومنع الانفجار الإقليمي

عادت الدوحة لتتصدر المشهد الدبلوماسي الإقليمي في لحظة شديدة الحساسية، حيث تسعى قطر لوضع ثقلها لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة. وتأتي هذه التحركات في ظل تعثر المفاوضات وتداخل الرسائل العسكرية مع التهديدات السياسية المتبادلة بين الأطراف الفاعلة.

وفي هذا السياق، عقد الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، اجتماعاً هاماً في واشنطن مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس. وتركزت المباحثات على إمكانية إحياء الجهود الدبلوماسية لإنهاء حالة الحرب مع إيران، خاصة بعد وصول المحادثات السابقة إلى طريق مسدود.

وأفادت مصادر بأن اللقاء استعرض تطورات المنطقة وجهود الوساطة الباكستانية الرامية إلى خفض التصعيد العسكري. وشدد الجانب القطري خلال المباحثات على ضرورة انخراط كافة الأطراف في الحوار لمعالجة جذور الأزمة، بما يضمن الوصول إلى اتفاق شامل يحقق سلاماً دائماً.

ولا تقتصر الرؤية القطرية على لعب دور الوسيط التقليدي، بل تسعى الدوحة لحماية فرص التفاهم المتبقية قبل تحول الصراع إلى واقع طويل الأمد. ويرى مراقبون أن التصعيد في منطقة الخليج وتهديدات الملاحة الدولية تجعل قطر معنية بشكل مباشر بإيجاد مخرج سياسي عاجل.

وتؤكد الرسائل الدبلوماسية القطرية أن أمن المنطقة لا ينفصل عن تسوية سياسية شاملة تعالج أسباب التوتر من جذورها. كما تشدد الدوحة على أن أي اتفاق مستقبلي يجب ألا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل يجب أن يضمن مصالح كافة دول الإقليم واستقرارها الاقتصادي.

وتأتي أهمية هذا التحرك في وقت تقف فيه الإدارة الأمريكية بين خياري الضغط العسكري المكثف أو العودة إلى طاولة المفاوضات. وقد تناولت المباحثات القطرية الأمريكية ملفات حيوية تشمل استقرار أسواق الغاز الطبيعي المسال، مما يربط الملف السياسي بأمن الطاقة العالمي.

وأشارت تقارير إعلامية دولية إلى أن رئيس الوزراء القطري دعا بوضوح إلى مشاركة جماعية في جهود الوساطة لمنع تكرار الانفجارات الأمنية. وتستند هذه الدعوة إلى خبرة قطرية متراكمة في إدارة أزمات معقدة في ملفات غزة ولبنان وأفغانستان خلال السنوات الماضية.

وكان الشيخ محمد بن عبد الرحمن قد لفت في وقت سابق إلى وجود فرصة حقيقية للحل الدبلوماسي رغم التباعد العلني في المواقف. وأكد على ضرورة احترام السيادة وحسن الجوار كقواعد أساسية لأي اتفاق يهدف إلى إنهاء الصراع القائم في المنطقة.

وفيما يتعلق بمضيق هرمز، جددت الدوحة رفضها القاطع لاستخدام الممرات المائية الدولية كأوراق ضغط سياسي أو عسكري. وحذرت مصادر من أن العالم بأسره سيدفع ثمن أي تهديد يمس سلامة الملاحة في هذا الشريان الحيوي للطاقة العالمية.

وعلى الصعيد الميداني، لا تزال واشنطن تترقب رداً إيرانياً على مقترحات تتعلق بهدنة مؤقتة، وسط تصعيد عسكري متبادل في محيط المضيق. ونقلت مصادر عن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قوله إن بلاده تنتظر إشارات جدية من طهران لفتح مسار تفاوضي حقيقي.

وتتحرك الدبلوماسية القطرية حالياً في مساحة ضيقة تتسم بالاستقطاب الحاد بين الخطاب الأمريكي التصعيدي والموقف الإيراني المتمسك بأوراق قوته. وتهدف هذه الجهود إلى تخفيف حدة التوتر وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة لمنع وقوع مواجهة كبرى غير محسوبة النتائج.

إن نجاح هذا المسار الدبلوماسي قد ينعكس إيجاباً على ملفات إقليمية أخرى في العراق ولبنان وفلسطين، نظراً لارتباط الساحات ببعضها. وفي المقابل، فإن فشل هذه الجهود قد يؤدي إلى مزيد من عسكرة المنطقة وارتفاع كلفة الأمن والاستقرار الدوليين.

اسرائيليات

السّبت 09 مايو 2026 11:53 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'توسع عسكري زاحف' لمصر في سيناء وتآكل بنود اتفاقية السلام

تصاعدت في الآونة الأخيرة نبرة التحذير داخل الأوساط الأمنية والعسكرية في دولة الاحتلال تجاه التحركات المصرية في شبه جزيرة سيناء. ورغم التأكيدات الرسمية على أن السلام مع القاهرة يمثل رصيداً استراتيجياً لا يمكن الاستغناء عنه، إلا أن هناك مخاوف متزايدة من الانتهاكات المتراكمة لبنود الملحق الأمني لاتفاقية السلام.

وفي هذا السياق، أشار ديفيد بن بيست، القنصل الفخري والمراسل السابق لإذاعة جيش الاحتلال، إلى أن اتفاقية عام 1979 وضعت قيوداً صارمة على حجم ونوعية القوات المصرية في المنطقة 'ج'. واعتبر بن بيست أن هذه القيود كانت تهدف أساساً لمنع الاحتكاك المباشر وبناء الثقة، لكن الواقع الميداني بدأ يبتعد عن هذه النصوص بشكل مقلق.

وتعود جذور زيادة القوات المصرية إلى الحاجة الملحة لمحاربة تنظيم 'داعش' الإرهابي الذي نشط في سيناء خلال السنوات الماضية. وقد أدركت مصادر أمنية في دولة الاحتلال حينها ضرورة منح مصر مرونة عسكرية للتعامل مع التهديدات الأمنية التي كانت تمس استقرار المنطقة بأكملها.

وبناءً على ذلك، صدرت موافقات ضمنية وعلنية من جانب الاحتلال للسماح لمصر بنشر قوات تتجاوز السقف المحدد في الاتفاقية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الاستثناء الذي كان من المفترض أن يكون مؤقتاً، بدأ يتحول إلى سياسة 'توسع تدريجي' تفرض أمراً واقعاً جديداً على الحدود.

وتشير التقارير إلى أن مصر لم تكتفِ بزيادة أعداد الجنود، بل عمدت إلى إدخال منظومات أسلحة ثقيلة وبناء بنية تحتية عسكرية متطورة. كما شملت التحركات إنشاء مراكز لوجستية دائمة وقواعد إمداد، مما يعزز القدرة على البقاء العسكري الطويل في مناطق كانت منزوعة السلاح سابقاً.

ويرى بن بيست أن اقتراب الوجود العسكري المصري من الحدود يمثل عملية هادئة وذات أهمية استراتيجية بالغة الخطورة. فوجود قوات مجهزة تجهيزاً كاملاً على مقربة من خط التماس قد يؤدي إلى تصعيد سريع وغير محسوب في حال وقوع أي أزمة سياسية مفاجئة بين البلدين.

من جانبها، تصر السلطات المصرية على أن كافة تحركاتها تندرج ضمن إطار مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود الوطنية. وتؤكد القاهرة في كافة المحافل الدولية أنها ملتزمة بروح اتفاقية السلام ولا تنوي الإضرار بالاستقرار الإقليمي القائم منذ عقود.

ورغم النجاح المصري الكبير في تقويض نشاط التنظيمات المسلحة في سيناء، إلا أن ذلك النجاح يثير تساؤلات لدى الاحتلال حول مبررات استمرار الوجود العسكري المكثف. فمع تضاؤل التهديد الإرهابي، كان من المتوقع أن تعود القوات إلى حجمها الطبيعي وفقاً للاتفاقيات المبرمة.

ولا ينبع القلق لدى الدوائر الأمنية من نية مصر شن حرب فورية، بل من التغيرات الاستراتيجية طويلة الأمد. ويستمر التعاون الأمني بين الجانبين في ملفات عديدة، من بينها التنسيق الحدودي واتفاقيات تزويد الغاز، مما يخلق حالة من التناقض بين الميدان والسياسة.

وتبرز الفجوة بشكل أوضح عند مراقبة السلوك الدبلوماسي المصري في المؤسسات الدولية، لاسيما في الأمم المتحدة. حيث تواصل القاهرة دعم القرارات التي تنتقد سياسات الاحتلال، وهو ما يراه البعض محاولة للحفاظ على مكانتها في العالم العربي والإسلامي.

هذا التناقض بين التعاون الأمني الوثيق والمواقف السياسية الحادة يولد شعوراً بانعدام الثقة لدى قادة الاحتلال. فبينما تظهر مصر كشريك استراتيجي في مكافحة الإرهاب، ينظر إليها كخصم سياسي يسعى لتقويض شرعية الاحتلال في المحافل الدولية.

ويرفض المحللون العسكريون الادعاء بأن موافقة الاحتلال الضمنية تشرعن هذه الانتهاكات بشكل دائم. فالاتفاقيات الدولية يجب أن تُحدث عبر قنوات رسمية ومنضبطة، وليس من خلال فرض سياسة الأمر الواقع التي تقضم أسس الاتفاقية الأصلية.

وتطالب هذه الأصوات بضرورة ممارسة رقابة وثيقة وشفافة على التطورات العسكرية في سيناء لضمان عدم تآكل الاتفاقية. ويشددون على أن حماية السلام تتطلب الحفاظ على 'روحه' وليس فقط نصوصه الرسمية التي قد تصبح حبراً على ورق مع مرور الزمن.

في الختام، يبقى التحذير قائماً من أن تاريخ المنطقة مليء بالاتفاقيات التي انهارت فجأة رغم استقرارها الظاهري. والسؤال المطروح في أروقة صنع القرار لدى الاحتلال هو مدى الجاهزية لسيناريو يتغير فيه الواقع الميداني بسرعة تفوق التوقعات السياسية.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 11:53 مساءً - بتوقيت القدس

سوريا: اعتقال اللواء وجيه العبد الله مدير المكتب العسكري لبشار الأسد

أعلنت وزارة الداخلية السورية عن نجاح وحدات الأمن الداخلي، بالتنسيق مع إدارة مكافحة الإرهاب، في تنفيذ عملية أمنية خاطفة أدت إلى توقيف اللواء وجيه علي العبد الله. ويُعتبر العبد الله من الشخصيات المحورية في هيكلية النظام السابق، حيث أمضى نحو 13 عاماً في منصب مدير مكتب الشؤون العسكرية لرئيس النظام السابق بشار الأسد، مما يجعله مطلعاً على أدق تفاصيل القرارات العسكرية والأمنية.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن الوزارة، فإن التحقيقات الأولية تشير إلى أن اللواء العبد الله كان المسؤول المباشر عن تنسيق العمليات القمعية والانتهاكات الواسعة التي استهدفت المدنيين السوريين. وقد امتدت فترة خدمته في القصر الجمهوري بين عامي 2005 و2018، وهي الحقبة التي وصفتها السلطات الحالية بأنها المرحلة الأكثر دموية في تاريخ البلاد المعاصر، وشهدت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق ضد الحراك الشعبي.

وفي سياق متصل، كشفت المصادر عن توقيف قيادي أمني بارز آخر هو العميد الركن خردل أحمد ديوب، الذي شغل سابقاً منصب رئيس فرع المخابرات الجوية في محافظة درعا. ويواجه ديوب اتهامات مباشرة بالضلوع في مجزرة الغوطة الشهيرة، بالإضافة إلى ارتكاب انتهاكات ممنهجة وجرائم ضد الإنسانية بحق السكان في الجنوب السوري خلال فترة توليه مهامه الأمنية.

تأتي هذه التحركات الأمنية المكثفة ضمن استراتيجية شاملة تتبناها السلطات السورية لملاحقة كبار الضباط والمسؤولين المتورطين في ملفات تعذيب وقتل خارج إطار القانون. وأكدت وزارة الداخلية أن جميع الموقوفين سيخضعون لتحقيقات مفصلة تمهيداً لتقديمهم إلى محاكمات عادلة تضمن حقوق الضحايا، مشددة على أن المحاسبة هي ركيزة أساسية في المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 10:53 مساءً - بتوقيت القدس

بوتين يتوقع اقتراب نهاية الحرب في أوكرانيا ويحدد شروطه للحوار

أدلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتصريحات لافتة اليوم السبت، أكد فيها أن المواجهة العسكرية المستمرة في أوكرانيا باتت تقترب من فصولها الأخيرة. وتأتي هذه التصريحات في وقت حساس تشهد فيه الساحة الدولية تحولات ميدانية وسياسية، حيث اعتبر بوتين أن مسار الصراع يتجه نحو الحسم أو التسوية القريبة.

وقد تسببت الحرب التي اندلعت في فبراير 2022 في إحداث شرخ عميق في العلاقات الدولية، وصفت بأنها الأزمة الأكثر خطورة بين موسكو والغرب منذ ذروة الحرب الباردة في ستينيات القرن الماضي. ويرى مراقبون أن هذه الأزمة أعادت للأذهان مخاوف المواجهة النووية التي سادت خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، مما يضفي أهمية قصوى على أي إشارة للتهدئة.

وفي سياق التحركات الدبلوماسية، كشفت تقارير صحفية دولية عن وجود ترتيبات داخل أروقة الاتحاد الأوروبي للتحضير لمفاوضات محتملة مع الجانب الروسي. وأشارت مصادر إعلامية إلى أن القادة الأوروبيين يدرسون الخيارات المتاحة لفتح قنوات اتصال قد تؤدي إلى وقف إطلاق النار وإنهاء حالة الاستنزاف الاقتصادي والعسكري في القارة.

وعند سؤاله عن الشخصيات التي يفضل التعامل معها في أي حوار مستقبلي مع الجانب الأوروبي، سمى بوتين المستشار الألماني الأسبق غيرهارد شرودر كطرف مفضل لديه. ويعكس هذا الاختيار رغبة موسكو في التعامل مع شخصيات تمتلك رؤية براغماتية للعلاقات مع روسيا، بعيداً عن التشنج السياسي الذي يطبع علاقة الكرملين مع القادة الحاليين في أوروبا.

من جانبه، شدد الكرملين على أن الكرة الآن في ملعب العواصم الأوروبية لاتخاذ الخطوة الأولى نحو السلام، معتبراً أنها هي من بادرت بقطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية عقب اندلاع الحرب. وتصر الرئاسة الروسية على أن أي تسوية قادمة يجب أن تأخذ في الاعتبار الهواجس الأمنية لموسكو والواقع الجديد الذي فرضته سنوات الصراع.

عربي ودولي

السّبت 09 مايو 2026 9:25 مساءً - بتوقيت القدس

العربية في سلوفينيا.. لغة تسبق أصحابها وموسيقى تأسر الغرباء

في قلب العاصمة السلوفينية ليوبليانا، تبدأ الرحلة من تفصيلة صغيرة في مقهى هادئ، حيث تبرز كلمة 'جزوة' لتفتح باباً واسعاً على تغلغل العربية في لغات لم يتوقع العرب يوماً أنهم وصلوا إليها. يروي الكاتب سعيد خطيبي كيف أن هذه الكلمة، التي يظن البعض أنها تركية، تعود في أصلها إلى العربية، لتكون أول جسر لغوي يربطه ببلد يجهل الكثيرون عمق صلاته بالشرق.

لم تكن 'الجزوة' سوى طرف الخيط في قاموس طويل اكتشفه خطيبي أثناء دراسته للغة السلوفينية في الجامعة، حيث صدم بتطابق نطق ومعنى كلمة 'جيب' بين اللغتين. هذا الاكتشاف دفعه للتنقيب أكثر، ليجد قائمة تطول من الكلمات مثل الكيمياء، والياسمين، والزعفران، والسكر، والليمون، مما يثبت أن اللغة العربية سافرت واستقرت في بقاع بعيدة قبل أصحابها بقرون.

تتجاوز العلاقة مجرد مفردات لغوية لتصل إلى عمق التاريخ الاجتماعي، حيث تبرز قصة متحف 'Aleksanderinke' الذي يخلد ذكرى نساء سلوفينيات هاجرن إلى مصر. هؤلاء النسوة استقررن في الإسكندرية منذ نهاية القرن التاسع عشر للعمل كحاضنات ومدبرات منازل لدى العائلات الميسورة، وأصبحن جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي السكندري آنذاك.

هذه الظاهرة التاريخية لم تمر مرور الكرام في الذاكرة السلوفينية، إذ أقيم لهن متحف خاص وصدرت مؤلفات توثق سيرهن مثل كتاب 'المصريات' و'ريح الجنوب'. كما تناولتها السينما التسجيلية في أفلام مثل 'رسائل مصرية' عام 2010، مما يعكس تقديراً لهذا الإرث الذي يربط بين ضفتي المتوسط رغم تباعد الجغرافيا.

في المحافل الثقافية السلوفينية، يكتشف الكاتب أن للغة العربية سحراً خاصاً يتجاوز حدود الفهم اللساني إلى المتعة السمعية الخالصة. فعندما طُلب منه قراءة نصه بالعربية أمام جمهور لا يفهمها، لاحظ تركيزاً عالياً وانبهاراً بموسيقى اللغة وإيقاعها، وهو ما وصفته إحدى الحاضرات بأنها 'لغة ذات لحن' تأسر الأذن قبل العقل.

المفارقة تظهر بوضوح في تعامل عامة الناس في سلوفينيا مع الغريب الذي يتحدث العربية، حيث يجد تشجيعاً وفضولاً إيجابياً بدلاً من النفور. فمن الحلاقة التي طلبت منه التحدث بلغته الأم لتشعر بالألفة، إلى الجار السبعيني الذي بدأ يتمتم بكلمات مثل 'سلام' و'لا بأس'، تبدو العربية في سلوفينيا لغة مرحب بها ومثيرة للإعجاب.

يقارن خطيبي بين تجربته في سلوفينيا وبين 'الغربة اللسانية' التي عاشها في باريس، حيث كان التحدث بالعربية في الأماكن العامة يثير نوعاً من التوجس أو الحرج. في العاصمة الفرنسية، غالباً ما يرتبط استخدام العربية في مخيلة البعض بجهل اللغة الفرنسية، مما يدفع المتحدثين بها إلى خفض أصواتهم وكأنهم يرتكبون حماقة، وهو ما لم يلمسه في ليوبليانا.

في أحياء باريس المغاربية مثل 'بارباس'، قد تجد لافتة مكتوبة بالعربية مثل 'طاجين'، لكنك بمجرد الدخول تصطدم بواقع يفرض اللغة الفرنسية كخيار وحيد للتواصل. هذا التناقض يعكس علاقة شائكة ومعقدة مع اللغة والهوية في فرنسا، ناتجة عن إرث استعماري طويل جعل من الفرنسية لغة العلم والعمل والمكانة الاجتماعية في مخيلة الكثيرين.

أما في سلوفينيا، فقد تحولت اللغة إلى جسر للتواصل الإنساني البسيط، حيث يعمد الكاتب أحياناً إلى استخدام العربية عندما تعوزه المفردات السلوفينية. هذه 'اللعبة' اللغوية لم تخلق جفاءً، بل زادت من مساحة التفاهم الإنساني، حيث يتقبل المتلقي السلوفيني هذا الاختلاف بروح منفتحة وودودة، بعيداً عن أحكام القيمة المسبقة.

يواجه الكاتب تحديات طريفة في نقل أسماء الأكلات العربية إلى السلوفينية، مفضلاً الحفاظ على أسمائها الأصلية مثل 'الشكشوكة' و'الكسكسي'. ورغم محاولاته إقناع جاره السبعيني بالنطق الصحيح لبعض الكلمات، إلا أن الأخير يصر على صيغته الخاصة، في مشهد يجسد التبادل الثقافي العفوي الذي يحدث في تفاصيل الحياة اليومية.

يرفض خطيبي استخدام مصطلح 'المهجر' بمفهومه القديم المرتبط بجبران خليل جبران والرابطة القلمية، معتبراً أن العالم المعاصر بات قرية صغيرة بفضل وسائل التواصل. ورغم انخراطه الكامل في المجتمع السلوفيني وتحدثه لغتهم طوال اليوم، إلا أن أحلامه تظل وفية لجذوره، حيث يعود في منامه إلى الجزائر ليتحدث العربية كما تعلمها في صباه.

ختاماً، تظل تجربة سعيد خطيبي شهادة حية على حيوية اللغة العربية وقدرتها على البقاء والتأثير في بيئات جغرافية وثقافية مغايرة. إنها دعوة لإعادة اكتشاف ذواتنا من خلال عيون الآخرين الذين يرون في لغتنا موسيقى وإرثاً يستحق الاحتفاء، في وقت قد يغفل فيه بعض أبنائها عن قيمتها الجمالية والتاريخية.

صحة

السّبت 09 مايو 2026 9:24 مساءً - بتوقيت القدس

عودة نظريات المؤامرة مع رصد إصابات محدودة بفيروس 'هانتا'

أثارت حالات الإصابة المحدودة بفيروس 'هانتا' التي تم اكتشافها مؤخراً على متن سفينة سياحية في المحيط الأطلسي، موجة واسعة من نظريات المؤامرة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأعادت هذه الادعاءات إلى الأذهان المناخ العام الذي ساد خلال جائحة كوفيد-19، حيث شملت اتهامات حول مؤامرات اللقاحات وأسلحة الإبادة الجماعية.

من جهتها، سارعت منظمة الصحة العالمية إلى طمأنة الجمهور، مؤكدة أن خطر تفشي فيروس هانتا على مستوى عالمي يظل 'محدوداً جداً'. وأوضحت المنظمة في تصريحات رسمية أن هذا الفيروس لا يمثل نسخة جديدة من كوفيد، في محاولة لتهدئة المخاوف من اندلاع أزمة صحية عالمية جديدة.

ورغم التطمينات العلمية، استغل أقطاب اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، ومن بينهم أليكس جونز، الحادثة للترويج لادعاءات حول 'وباء مخطط له'. وزعم هؤلاء أن القوى العالمية بدأت في إطلاق ما وصفوه بـ 'كوفيد-2'، محذرين من فرض إجراءات حجر صحي جديدة تهدف للسيطرة على الشعوب.

وربط مروجو هذه النظريات بين ظهور الفيروس واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. واعتبر المشككون في نزاهة العملية الانتخابية أن الهدف من إثارة المخاوف الصحية هو إجبار الناخبين على التصويت عبر البريد، مما يسهل عمليات التزوير حسب زعمهم.

وأشار يوتام أوفير، رئيس مختبر دراسة المعلومات المضللة في جامعة بافالو، إلى أن سرعة استعادة خطاب المؤامرة تعكس تجذر التضليل في الفضاء الرقمي. وأكد أن انتهاء الأزمة الصحية السابقة لم يؤدِ إلى اختفاء الأفكار المضللة، بل ظلت كامنة لتظهر مع أول إشارة لأزمة جديدة.

واستندت بعض المنشورات المضللة إلى مقالات بحثية قديمة وتصريحات مجتزأة لشخصيات عامة مثل بيل غيتس للإيحاء بأن الفيروس أُطلق عمداً. وذهبت بعض الادعاءات إلى حد اعتبار فيروس هانتا أثراً جانبياً ناتجاً عن تلقي لقاحات شركة فايزر المضادة لفيروس كورونا.

ويرى الخبراء أن هذه النظريات تنبع من جذور تاريخية قديمة تفترض أن النخب الحاكمة هي من تصنع الأمراض للتحكم في عدد السكان. وتساهم وسائل التواصل الاجتماعي حالياً في تسريع انتشار هذه الأفكار، خاصة عندما يتبناها مسؤولون سابقون أو شخصيات عامة ذات تأثير.

وفيما يتعلق بالجانب الطبي، أكدت مصادر علمية أنه لا يوجد حتى الآن علاج نوعي أو لقاح معتمد لفيروس هانتا الذي ينتقل أساساً عبر القوارض. ومع ذلك، عاد مروجو العلاجات غير المثبتة علمياً لطرح دواء 'إيفرمكتين' كحل سحري لمواجهة الإصابات المحتملة.

ودخلت شخصيات سياسية أمريكية على خط الأزمة، حيث وصفت النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين الفيروس بأنه 'سلاح بيولوجي'. واتهمت المختبرات الدوائية بالسعي لتسميم السكان عبر فرض لقاحات جديدة تهدف لتحقيق أرباح مالية طائلة على حساب الصحة العامة.

كما برزت ادعاءات من أطباء معروفين بنشر أخبار كاذبة، مثل ماري تالي بودن، التي روجت لدواء 'إيفرمكتين' عبر موقعها الإلكتروني الخاص. وتقوم هذه الشخصيات ببيع الدواء مباشرة للجمهور، مستغلة حالة القلق الصحي والتشكيك في المؤسسات الطبية الرسمية.

وفي سياق متصل، أعاد حاكم ولاية فلوريدا رون دي سانتيس إحياء تشريعات تهدف لتسهيل الحصول على 'إيفرمكتين' دون الحاجة لوصفة طبية. وتعكس هذه التحركات السياسية انقساماً حاداً في التعامل مع القضايا الصحية العامة وتسييس الأزمات الوبائية في الولايات المتحدة.

وحذر علماء الفيروسات، ومنهم جون لدنيكي من جامعة فلوريدا، من أن المعلومات المضللة حول الأدوية بلغت مستويات خطيرة جداً. وشدد لدنيكي على أن دواء 'إيفرمكتين' غير فعال تماماً ضد الالتهابات الفيروسية، وأن الترويج له يضلل المرضى ويمنعهم من الحصول على الرعاية الصحيحة.

فلسطين

السّبت 09 مايو 2026 9:23 مساءً - بتوقيت القدس

تحول دراماتيكي في أوروبا: توجه لفرض رسوم على منتجات المستوطنات وعقوبات ضد بن غفير وسموتريتش

يواجه الاحتلال الإسرائيلي مأزقاً دبلوماسياً حرجاً في القارة الأوروبية، حيث يجتمع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يوم الاثنين المقبل في بروكسل لمناقشة سلسلة من القرارات الصارمة. وتأتي هذه التحركات في ظل تغير الخارطة السياسية الأوروبية، لا سيما بعد خسارة الحليف الاستراتيجي فيكتور أوربان في المجر، مما فتح الباب أمام معارضي السياسات الإسرائيلية لتمرير عقوبات كانت معطلة سابقاً.

وتقود كل من فرنسا والسويد حراكاً داخل الاتحاد للمطالبة بفرض رسوم جمركية شاملة على كافة المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن هذه الرسوم لن تقتصر على مستوطنات الضفة الغربية فحسب، بل ستشمل أيضاً هضبة الجولان المحتلة وشرقي القدس، مما يعني رفع أسعار هذه السلع بنسبة تتراوح بين 20% إلى 30% في الأسواق الأوروبية.

وتشير التقارير إلى أن الغضب الأوروبي المتصاعد يعود إلى عدة ملفات، أبرزها تصاعد عنف المستوطنين في الأراضي المحتلة والتوسع الاستيطاني غير المسبوق. كما يرى الدبلوماسيون الأوروبيون أن التوجهات الإسرائيلية الأخيرة، مثل التلويح بتطبيق عقوبة الإعدام والانسحاب من اتفاقيات دولية، تمثل ابتعاداً خطيراً عن القيم الأساسية لاتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.

ومن المتوقع أن تطال هذه العقوبات الاقتصادية قطاعات حيوية في المستوطنات، بما في ذلك صادرات التمور ونبيذ الجولان ومنتجات العناية الشخصية المستخرجة من البحر الميت. ويرى الاتحاد الأوروبي أن هذه الخطوة ليست عقاباً مباشراً، بل هي تصحيح قانوني يحرم المستوطنات من امتيازات الإعفاء الجمركي التي تمنح فقط للمنتجات المصنعة داخل حدود عام 1967.

وعلى الصعيد السياسي، يدرس الوزراء الأوروبيون فرض عقوبات شخصية على الوزيرين المتطرفين إيتمار بن غفير وبيتسلئيل سموتريتش، وهي خطوة تتطلب إجماعاً كاملاً. ومع غياب الفيتو المجري التلقائي، تترقب الأوساط الإسرائيلية بقلق موقف بودابست الجديد، حيث يسعى رئيس الوزراء المنتخب بيتر ميديار لتحسين علاقاته مع بروكسل مقابل الإفراج عن تمويلات بمليارات اليورو.

وفي تطور لافت، يبدو أن إسرائيل فقدت دعم إيطاليا التي كانت تعتبر حليفاً قوياً، وذلك على خلفية الاعتداءات المتكررة من قبل متطرفين يهود على الكنائس والرهبان في القدس. وقد أثارت هذه الحوادث، بالإضافة إلى تدنيس معالم مسيحية في جنوب لبنان، استياءً واسعاً في روما، مما جعل الموقف الإيطالي أكثر ميلاً لدعم الإجراءات العقابية الأوروبية.

وتتجه الأنظار الآن نحو ألمانيا، التي توصف بأنها 'المعقل الأخير' الذي قد يمنع أو يخفف من حدة هذه القرارات. وقد أجرى وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر زيارة عاجلة إلى برلين في محاولة لإقناع المسؤولين الألمان بالاعتراض على فرض التعريفات الجمركية، أو على الأقل الاكتفاء بعقوبات محدودة ضد أفراد بدلاً من إجراءات اقتصادية شاملة.

وتخطط دول مثل إسبانيا وأيرلندا وسلوفينيا لاستغلال المناخ السياسي الجديد لفرض مزيد من الضغوط على تل أبيب في المحافل الدولية. وتؤكد المصادر أن الأيام المقبلة ستكون 'عصيبة' على الدبلوماسية الإسرائيلية، حيث لم يعد بالإمكان الاعتماد على الانقسام الأوروبي لتعطيل القرارات التي تمس جوهر المشروع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية.