أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

إلى رؤساء الدول وقادة دول مجموعة السبع:


الولايات المتحدة الأميركية، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي

استعدادًا لاجتماع قمتكم المرتقب في إيفيان-لي-بان، فرنسا، في الفترة من 15 إلى 17 حزيران/يونيو 2026:

السيد الرئيس، أصحاب المعالي رؤساء الحكومات، السادة المستشارون، القادة الموقرون،

أقف أمامكم اليوم لا بصفتي مسؤولًا حكوميًا، بل بصفتي ناشطًا إسرائيليًا من أجل السلام ومفاوضًا، وشخصًا أمضى ما يقارب خمسين عامًا في العمل مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي الحديث مع قادة سياسيين، ونشطاء سلام، ومواطنين عاديين، وأحيانًا حتى مع أولئك الذين ترفض الحكومات الحديث معهم.

جئت لأقول لكم أمرًا لم يعد كثيرون يؤمنون به:

السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ما زال ممكنًا.

لكنه لن يتحقق من تلقاء نفسه.

على مدى عقود، دعم المجتمع الدولي حل الدولتين بالكلمات، بينما سمح للوقائع على الأرض بأن تبتعد عنه باطراد. واليوم نقف على حافة الهاوية. إن القرارات التي ستُتخذ خلال العام المقبل قد تحدد ما إذا كان حل الدولتين سيبقى ممكنًا، أم أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيُحكم عليهم بالعيش في صراع دائم.

لقد علّمتنا حرب غزة درسًا مؤلمًا: لا يوجد حل عسكري. إسرائيل لا تستطيع أن تقصف طريقها إلى الأمن. والفلسطينيون لا يستطيعون أن يقاتلوا طريقهم إلى الحرية. إن البديل عن الحل السياسي ليس انتصار طرف على الآخر. البديل هو حرب بلا نهاية.

تمتلك دول مجموعة السبع نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا هائلًا. وقد حان الوقت لاستخدامه.

وأريد أيضًا أن أتحدث بصراحة عن دور الولايات المتحدة والرئيس ترامب. الحقيقة هي أنه لا يوجد اليوم زعيم دولي يمتلك تأثيرًا أكبر على عملية صنع القرار في إسرائيل من الرئيس ترامب. لقد أثبت مرارًا أنه عندما يقرر جعل قضية ما أولوية، فإن القادة الإسرائيليين يصغون إليه. كما أن له تأثيرًا كبيرًا على شركاء عرب أساسيين ستكون مشاركتهم ضرورية لأي سلام دائم.

إذا استُخدم هذا التأثير ليس فقط لوقف الحروب، بل لبناء السلام، فقد يصبح ذلك أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية في عصرنا. وينبغي لمجموعة السبع أن تعمل بالشراكة مع الولايات المتحدة، من أجل خلق إطار دولي موحد يجمع بين القيادة الأميركية، والالتزام الأوروبي، والمشاركة الإقليمية، والضمانات الدولية. وحده مثل هذا التحالف يمتلك الوزن اللازم لدفع الأطراف إلى تجاوز إخفاقات الماضي.

أطلب منكم دعم خمس خطوات عملية وملموسة.

أولًا، أن توضحوا أن هدف السياسة الدولية هو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل.

ليس كطموح بعيد. وليس كشعار. بل كهدف سياسي حقيقي له جدول زمني واضح.

ثانيًا، دعم إعادة إعمار غزة تحت سلطة حكم فلسطينية شرعية ترفض الميليشيات المسلحة، وتكون قادرة على توفير الأمن، والخدمات، والمساءلة، والأمل. يستحق أهل غزة مستقبلًا يتجاوز الحرب. 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعادة إعمار غزة بينما تواصل تنظيمات مسلحة العمل خارج سلطة الدولة. يجب أن تكون هناك سلطة حكم شرعية واحدة، وبنية أمنية واحدة، واحتكار واحد لاستخدام القوة. ويجب أن يكون نزع السلاح جزءًا من العملية السياسية، وأن يُنفذ بطريقة توفر الثقة للطرفين، وترتبط بالإطار الأوسع للسلام، وإعادة الإعمار، والأمن، وإقامة الدولة.

ثالثًا، الإصرار على ترتيبات أمنية تضمن ألا تُستخدم غزة والضفة الغربية مرة أخرى كمنطلق لهجمات ضد إسرائيل.

يجب أن يعرف الإسرائيليون أن السلام يعني الأمن. ويجب أن يعرف الفلسطينيون أن الأمن لن يُستخدم ذريعة دائمة لاستمرار الاحتلال. كلا الشعبين يستحقان السلامة، والكرامة، والحرية.

رابعًا، دعم التجديد الديمقراطي.

لا ينبغي حرمان الإسرائيليين ولا الفلسطينيين من فرصة انتخاب قادة قادرين على صنع السلام.

لقد أصبح القادة، في كثير من الأحيان، أسرى لبقائهم السياسي بدلًا من أن يكونوا خدامًا لمستقبل شعوبهم. وإذا كان القادة الحاليون غير قادرين على توفير مستقبل سياسي، فلا بد أن تظهر قيادات جديدة عبر الوسائل الديمقراطية.

خامسًا، إنشاء آلية تنفيذ دولية تتمتع بسلطة حقيقية، وموارد كافية، ومساءلة واضحة.

نحن لا نحتاج إلى إعلان آخر. نحن بحاجة إلى عملية تصمد أمام تغيّر الحكومات والأزمات السياسية. لقد أصبح هذا الصراع صراعًا ذا أبعاد دولية. ولذلك يجب أن يكون الحل مضمونًا دوليًا.

سيداتي وسادتي،

إن الناس الذين ألتقيهم على الجانبين منهكون. الآباء والأمهات الإسرائيليون يريدون لأطفالهم أن يعيشوا بلا خوف. والآباء والأمهات الفلسطينيون يريدون لأطفالهم أن يعيشوا بكرامة وحرية.

هذه ليست تطلعات متناقضة. إنها تطلعات متكاملة.

المستقبل الذي أؤمن به بسيط:

إسرائيل بوصفها الدولة القومية الديمقراطية للشعب اليهودي، مع مساواة كاملة لجميع مواطنيها.

وفلسطين بوصفها الدولة القومية الديمقراطية للشعب الفلسطيني، مع مساواة كاملة لجميع مواطنيها.

اعتراف متبادل بالارتباط التاريخي للشعب اليهودي بأرض إسرائيل، وبالارتباط التاريخي للشعب الفلسطيني بأرض فلسطين.

حدود مفتوحة للتعاون. وحدود قوية للأمن. اندماج إقليمي. شراكة اقتصادية. ونهاية للاعتقاد بأن شعبًا ما يستطيع تحقيق تطلعاته الوطنية من خلال إنكار تطلعات الشعب الآخر.

لن يحكم علينا التاريخ من خلال الخطب التي نلقيها. سيحكم علينا من خلال ما إذا كنا قد امتلكنا الشجاعة للتحرك عندما كان التحرك ما يزال ممكنًا.

الخيار المطروح أمامنا واضح:

دولتان، واعتراف متبادل، وأمن، وسلام.

أو حرب دائمة.

أطلب منكم أن تساعدوا في اتخاذ الخيار الصحيح.

نافذة حل الدولتين لم تُغلق بعد، لكنها تضيق. وستسأل الأجيال القادمة من الإسرائيليين والفلسطينيين: هل تحركنا عندما كان الوقت لا يزال متاحًا؟ فلنجعل إجابتنا: نعم.

شكرًا لكم،

د. غرشونباسكين


فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

استهداف الأقصى.. تحذيرات من تغييرات تدريجية تمس الوضع القائم

الشيخ محمد حسين: استهداف المرافق يهدف إلى سحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية وفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى
الشيخ عكرمة صبري: الاعتداءات على المسجد الأقصى لم تعد مقتصرة على الجماعات الاستيطانية المتطرفة بل باتت شرطة الاحتلال طرفاً مباشراً فيها
معروف الرفاعي: استهداف مرافق موزعة يعكس محاولة لإحكام السيطرة على مختلف مفاصل الأقصى ضمن سياسة لإعادة تعريف الجهة التي تدير المسجد
حاتم عبد القادر: ما يجري لا يقتصر بالسيطرة على المرافق بل يتزامن مع اقتحامات متواصلة وغير مسبوقة للمسجد الأقصى إلى جانب ممارسات استفزازية
أحمد الرفاعي: ما يجري لا يقتصر على استهداف مرافق محددة فقط بل يمس بصورة مباشرة صلاحيات دائرة الأوقاف والوصاية الأردنية على الأقصى
زياد ابحيص: الخطورة حالياً بتقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية وإحلال شرطة الاحتلال تدريجياً كجهة تدير الواقع اليومي داخله تمهيداً لتأسيس إدارة يهودية


رام الله – خاص بـ"القدس"-

 تتسع دائرة التحذيرات بشأن ما يجري داخل المسجد الأقصى المبارك، عقب استهداف عدد من المرافق التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية، عبر خلع أقفالها ومنع إعادة صيانتها أو إعادة تشغيلها، وسط مخاوف من أن هذه الإجراءات تأتي ضمن حلقة جديدة في مسار متواصل يضغط على صلاحيات الأوقاف ويحدّ من قدرتها على إدارة مرافق المسجد وخدماته اليومية وصولاً لتغيير الواقع القائم.
ويؤكد مسؤولون ومختصون في أحاديث منفصلة مع "القدس"، أن هذه الإجراءات المتواصلة منذ نحو أربعة أشهر، تترافق مع تصاعد في الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، وما يتخللها من أداء طقوس داخل باحاته، إلى جانب قيود مفروضة على أعمال الترميم والإعمار، وتضييق على العاملين في المسجد الأقصى.
ويعتبرون أن هذه الممارسات لا تنفصل عن محاولات فرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى، يمس بشكل مباشر دور الوصاية الأردنية والإدارة الوقفية القائمة منذ عقود، وذلك ضمن مسار متدرج يهدف إلى إعادة تشكيل إدارة المسجد الأقصى وتقليص دور الأوقاف تدريجياً، مقابل توسيع حضور جهات أمنية إسرائيلية تتحول مع الوقت إلى سلطة أمر واقع، مشيرين إلى أن هذا المسار يترافق مع خطوات تهدف إلى تغيير طبيعة الاستخدام الديني للمسجد الأقصى، ما يتطلب ضرورة إيجاد تحرك أوسع على المستويات السياسية والدبلوماسية والقانونية، للحفاظ على الوضع القائم.


"أوقاف القدس": هكذا بدأ استهداف المرافق

يوضح مصدر مسؤول في دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، فضّل عدم ذكر اسمه، في حديثه لـ"ے"، أن شرطة الاحتلال الإسرائيلي استهدفت قبل نحو أربعة أشهر أربعة مرافق داخل المسجد الأقصى المبارك عبر خلع أقفالها والسيطرة عليها، تحت ذرائع "واهية وغير مستندة إلى أي دلائل مقبولة"، ومن ثم منعت دائرة الأوقاف من إعادة ترميمها أو تركيب أقفال جديدة عليها.
ويوضح المصدر أن هذه الإجراءات تأتي في سياق سياسة متواصلة تهدف إلى تقويض صلاحيات الأوقاف داخل المسجد الأقصى، مشيراً إلى أن المرافق المستهدفة ما تزال مستخدمة بشكل جزئي؛ إذ تُستعمل دار الحديث لإعطاء دروس القرآن الكريم والحديث الشريف للنساء، بينما تُستخدم قبة السلسلة كمقر لدوام موظفي شؤون المسجد الأقصى، في حين يقوم الحراس بتفقد قبة سليمان بشكل يومي، مع استمرار منع إغلاق أبوابها أو تثبيتها من جديد.
ويشير المصدر إلى أن شرطة الاحتلال تقوم بين الحين والآخر بتفقد هذه المرافق، وتتخذ إجراءات عقابية بحق أي جهة تحاول إعادة إصلاحها أو تأمينها، بما في ذلك إبعاد القائمين على أعمال الصيانة أو تركيب الأقفال، في خطوة تهدف إلى فرض واقع جديد داخل المسجد الأقصى ومنع الأوقاف من ممارسة صلاحياتها الطبيعية.
ويشير المصدر إلى أن هذه السياسة لا تقتصر على منع إغلاق الأبواب، بل تمتد إلى تعطيل أعمال الإعمار والزراعة والصيانة داخل المسجد الأقصى، بحيث يُمنع إصلاح أي خلل أو ضرر يحدث في مرافقه، ما يعكس محاولة واضحة لإضعاف دور الأوقاف وتقليص سيادتها الإدارية داخل المسجد الأقصى.

الأوقاف ما تزال متمسكة بصلاحياتها

ويؤكد المصدر أن دائرة الأوقاف، رغم هذه القيود، ما زالت تحافظ على وجودها اليومي داخل عدد من المرافق، مثل دار الحديث وقبة باب الرحمة، غير أن الهدف من هذه الإجراءات هو  تقويض دورها بالكامل وإحلال سلطة الأمر الواقع التي تمارسها شرطة الاحتلال داخل المسجد.
ويعتبر المصدر أن هذه الممارسات تأتي ضمن سياسة "تهويدية" أوسع تشمل الاقتحامات اليومية وأداء طقوس تلمودية داخل ساحات الأقصى.

ضرورة التحرك لوقف هذه الإجراءات

ويدعو المصدر إلى تحرك دبلوماسي عربي وإسلامي عاجل، إلى جانب دور أردني فاعل باعتبار صاحب الوصاية الهاشمية، من أجل وقف هذه الإجراءات وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل استهداف المرافق ومنع الأوقاف من أداء مهامها.

في سياق مخطط أوسع

يؤكد مفتي القدس والديار الفلسطينية الشيخ محمد حسين أن استهداف عدد من مرافق المسجد الأقصى المبارك التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية ومنع أعمال الصيانة والترميم يندرج ضمن مخطط أوسع يهدف إلى فرض السيطرة على المسجد وتقويض صلاحيات دائرة الأوقاف والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.
ويوضح حسين أن أربعة مرافق تابعة للأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى تعرضت خلال الأشهر الماضية لكسر أقفالها، فيما مُنعت الجهات المختصة من إعادة إصلاحها أو ترميمها، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات لا تمثل حادثة معزولة، بل تأتي في سياق سلسلة طويلة من الانتهاكات المتواصلة بحق المسجد الأقصى ومرافقه والعاملين فيه.
ويشير حسين إلى أن الاقتحامات التي تنفذها مجموعات المستوطنين للمسجد الأقصى باتت شبه يومية، وتشهد ممارسة طقوس وشعائر تلمودية وتوراتية داخل باحاته، إلى جانب ترديد الأغاني وأداء الرقصات ورفع الأعلام، معتبراً أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً مباشراً لقدسية المسجد وحرمة المكان.
ويؤكد حسين أن التضييق يطال كذلك لجان الإعمار والعاملين في الأقصى من خلال عرقلة أعمال الصيانة الدورية الضرورية للحفاظ على المعالم التاريخية والحضارية للمسجد الذي يحتضن آثاراً إسلامية تعود إلى قرون متعاقبة.

تدخل غير مشروع

ويؤكد حسين أن المسجد الأقصى يحتاج بصورة دائمة إلى أعمال ترميم وإعمار وصيانة باعتباره موقعاً تاريخياً وحضارياً فريداً، وأن الاعتداء على مكاتب الجهات المختصة ومواقع تخزين مواد الصيانة يشكل تدخلاً غير مشروع في إدارة شؤون المسجد وممتلكاته.

استهداف مدعوم رسمياً

ويرى حسين أن هذه السياسات تأتي ضمن مشروع تدعمه شخصيات ووزراء إسرائيليون متطرفون يشجعون الاقتحامات ويؤيدون فرض مزيد من السيطرة على المسجد الأقصى.

ضرورة تحمل اليونسكو مسؤولياتها

ويدعو الشيخ حسين المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة اليونسكو، إلى تحمل مسؤولياتها تجاه حماية المسجد الأقصى والمدينة المقدسة باعتبارهما جزءاً من التراث الإنساني العالمي، مطالباً كذلك الدول العربية والإسلامية، حكومات وشعوباً ومؤسسات، بتكثيف جهودها لحماية المسجد الأقصى والتصدي للاعتداءات المتكررة عليه.

محاولات سحب صلاحيات الأوقاف

ويشدد حسين على أن استهداف مرافق الأوقاف يهدف بصورة مباشرة إلى سحب صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية وفرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، مؤكداً أن دائرة الأوقاف تواصل أداء مهامها رغم التحديات، بدعم من الشعب الفلسطيني والوصاية الهاشمية التي يتولاها العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني.
ويؤكد حسين أن المسجد الأقصى سيبقى مسجداً إسلامياً خالصاً للمسلمين، لما يمثله من مكانة دينية وعقائدية عظيمة بوصفه مسرى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأولى القبلتين، وثاني مسجد وضع في الأرض، ومهوى أفئدة المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

اتساع تدخل شرطة الاحتلال

يؤكد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشيخ عكرمة صبري أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي صعّدت من إجراءاتها داخل المسجد الأقصى المبارك عبر استهداف أربعة مرافق تابعة له، مشيراً إلى أن هذه المرافق تعرضت للاعتداء والتفريغ ومنع الموظفين المختصين من استخدامها أو الاستفادة منها في أداء مهامهم الدينية والإدارية.
ويوضح صبري أن أحد المرافق المستهدفة كان مخصصاً لتحفيظ القرآن الكريم، فيما خُصص مرفق آخر لتدريس الحديث الشريف، بينما استُخدم الثالث مركزاً للدروس والأنشطة الدينية، إضافة لمرفق آخر.
ويشير صبري إلى أن الإجراءات الإسرائيلية شملت أيضاً معاقبة المشرفة على دار القرآن الكريم بإبعادها عن المسجد الأقصى لمدة ستة أشهر من دون مبرر.
ويؤكد صبري أن الاعتداءات على الأقصى لم تعد مقتصرة على الجماعات الاستيطانية المتطرفة، بل باتت شرطة الاحتلال طرفاً مباشراً فيها من خلال توفير الحماية للمقتحمين وتأمين ممارساتهم داخل ساحات المسجد، بما في ذلك المظاهر التي تتضمن الرقص وإحداث الضوضاء والاستفزاز في باحاته.
ويعتبر صبري أن هذه الممارسات تمثل انتقاصاً واضحاً من صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية صاحبة الولاية في إدارة المسجد الأقصى، داعياً إلى تمكين الأوقاف من ممارسة دورها القانوني والطبيعي بشكل كامل.

مخاوف من إعادة تشكيل الواقع القائم

يحذّر المستشار الإعلامي لمحافظ القدس معروف الرفاعي من الخطوات الإسرائيلية الهادفة إلى تفريغ عدد من المرافق في المسجد الأقصى التابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية من وظائفها الإدارية والدينية، تحت ذرائع أمنية، مؤكداً أن الهدف يتجاوز إغلاق مرافق محددة إلى مشروع أوسع لإعادة تشكيل الواقع القائم في المسجد الأقصى.
ويوضح الرفاعي أن هذه الإجراءات تعمل على تقليص الحضور الفعلي لدائرة الأوقاف الإسلامية الأردنية داخل الأقصى، وإضعاف قدرتها على إدارة الشؤون اليومية للمسجد الأقصى، بما يتيح لشرطة الاحتلال التوسع كسلطة أمر واقع تتحكم بتفاصيل المكان وتعيد توزيع الصلاحيات بشكل غير معلن، في إطار تغيير تدريجي لما يعرف بالوضع القائم.
ويشير الرفاعي إلى أن استهداف مرافق موزعة في جهات مختلفة من المسجد الأقصى يعكس محاولة لإحكام السيطرة على مختلف مفاصل الأقصى وليس على مواقع محددة فقط، الأمر الذي يندرج ضمن سياسة طويلة الأمد تقوم على نقل الصلاحيات من الأوقاف إلى سلطات الاحتلال الإسرائيلي تدريجياً، تمهيداً لإعادة تعريف الجهة التي تدير المسجد وتتحكم في إدارته اليومية.

ضغط مباشر على الوصاية الهاشمية

وعلى الصعيد السياسي، يعتبر الرفاعي أن هذه الخطوات تمثل ضغطاً مباشراً على الوصاية الهاشمية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ومحاولة لتقليص دورها التاريخي والقانوني المعترف به دولياً، بما يخدم مشاريع تهويد المدينة المقدسة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المسجد الأقصى.
في حين، يشدد الرفاعي على أن وقف هذه السياسات يتطلب تحركاً متكاملاً على عدة مستويات، وليس الاكتفاء بالإدانات.
ويدعو الرفاعي الأردن إلى تكثيف التحرك الدبلوماسي والقانوني في المحافل الدولية، وتفعيل ملفات الانتهاكات أمام المؤسسات المختصة، إلى جانب تعزيز الدعم المالي والإداري لدائرة الأوقاف وتمكينها من أداء دورها، وتوثيق جميع الانتهاكات بشكل مهني وتقديمها للمجتمع الدولي بصورة دورية.
كما يدعو الرفاعي إلى دور فلسطيني أكثر فاعلية عبر تعزيز الرباط والوجود الشعبي داخل المسجد الأقصى، وتوحيد الجهود الرسمية والشعبية والإعلامية في مواجهة هذه الإجراءات، إضافة إلى دعم حراس المسجد الأقصى وموظفي الأوقاف قانونياً وإعلامياً.

تفعيل دور المؤسسات المختصة بالقدس

وعلى المستوى العربي والإسلامي، يطالب الرفاعي بالانتقال من التنديد إلى الضغط السياسي والدبلوماسي الفعلي، وتفعيل دور المؤسسات المختصة بالقدس، وتوفير دعم مالي مستدام للمشاريع المرتبطة بحماية الوجود الإسلامي في المسجد الأقصى.

أهمية الضغط الحقيقي على إسرائيل

أما دولياً، يؤكد الرفاعي ضرورة ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل للالتزام بالقانون الدولي واحترام الوضع التاريخي والقانوني القائم للمسجد الأقصى باعتباره جزءاً من الأراضي الفلسطينية المحتلة وفق قرارات الشرعية الدولية. وختم بأن ما يجري لا يتعلق بمرافق إدارية فحسب، بل هو مسار متدرج يستهدف هوية المسجد وإدارته ومستقبل الوصاية عليه.

استهداف للوصاية الهاشمية

 يحذّر رئيس الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات حاتم عبد القادر من تصاعد محاولات إسرائيلية لفرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى المبارك، مؤكداً أن الإجراءات الأخيرة التي طالت عدداً من مرافق المسجد تمثل استهدافاً مباشراً لدور دائرة الأوقاف الإسلامية والوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية في القدس.
ويوضح عبد القادر أن سلطات الاحتلال أقدمت خلال الفترة الأخيرة على كسر أقفال أربعة مرافق داخل المسجد الأقصى ومنعت إعادة إغلاقها أو استعادتها من قبل الجهات المختصة، معتبراً أن هذه الخطوات تأتي ضمن سياسة تهدف إلى إحكام السيطرة على أجزاء من المسجد الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية عليه تدريجياً.
ويشير عبد القادر إلى أن ما يجري لا يقتصر على السيطرة على المرافق، بل يتزامن مع اقتحامات متواصلة وغير مسبوقة للمسجد الأقصى، إلى جانب ممارسات استفزازية تشمل إقامة صلوات تلمودية وطقوس دينية وحفلات عقد قران داخل باحاته.

استهداف غير مسبوق للأقصى

ويؤكد عبد القادر أن هذه الإجراءات تشكل استهدافاً غير مسبوق للمسجد الأقصى المبارك، مشدداً على أن الأوقاف الإسلامية هي الجهة الشرعية الوحيدة المخولة بإدارة المسجد الأقصى بكامل مساحته البالغة 144 دونماً، وذلك استناداً إلى الوصاية الهاشمية التاريخية والقانونية، وتم تثبيتها في معاهدة وادي عربة، كما جرى التأكيد عليها خلال الاجتماع الذي ضم الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي الأسبق جون كيري.
ويشير عبد القادر إلى أن المسجد الأقصى، وفق التفاهمات القائمة، مسجد إسلامي مخصص للمسلمين، وأن الزيارات السياحية إليه يمكن أن تتم بصورة طبيعية ومن دون أن تتحول إلى وسيلة للمطالبة بحقوق أو سيادة داخل المسجد.

تحديات أمام السلطة والأردن

ويدعو عبد القادر إلى ممارسة ضغوط دولية على الحكومة الإسرائيلية لوقف تدخلها في شؤون الأوقاف الإسلامية، مطالباً الدول العربية والإسلامية بتقديم دعم سياسي وإعلامي فعّال للوصاية الهاشمية.
ويعتبر عبد القادر أن الأردن والسلطة الفلسطينية يواجهان هذه التحديات في الميدان دون إسناد عربي كافٍ، مشيراً إلى الاتفاق الموقع عام 2013 بين الرئيس محمود عباس والملك عبد الله الثاني الذي أكد الاعتراف بالوصاية الهاشمية وأهميتها.
وحمّل عبد القادر إسرائيل مسؤولية تداعيات استمرار هذه السياسات، محذراً من أن مواصلة الانتهاكات في المسجد الأقصى قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد وتفجير الأوضاع في المنطقة.

انتهاك خطير لحرمة الأقصى وصلاحية الأوقاف

يحمّل رئيس قسم الوعظ والإرشاد في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية والمتابع لملف انتهاكات المقدسات والمساجد، أحمد الرفاعي، سلطات الاحتلال الإسرائيلي وشرطته المسؤولية الكاملة عن استهداف أربعة مرافق تابعة لدائرة الأوقاف الإسلامية داخل المسجد الأقصى المبارك، مؤكداً أن كسر أقفال هذه المرافق وإخلاءها يمثل انتهاكاً خطيراً لحرمة المسجد وصلاحيات الجهة المسؤولة عن إدارته، وهي دائرة الأوقاف الإسلامية.
ويوضح الرفاعي أن الاعتداء على تلك المرافق الإسلامية يأتي ضمن سلسلة متواصلة من الانتهاكات التي يتعرض لها المسجد الأقصى، وتشمل اقتحامات متكررة لباحاته، والتضييق على المصلين، ومنع بعضهم من الوصول إليه، إضافة إلى الاعتداء على العاملين فيه.

تجاوز للأعراف والمواثيق الدولية

ويعتبر الرفاعي أن هذه الإجراءات تشكل تجاوزاً للأعراف والمواثيق والقوانين الدولية المتعلقة بحماية دور العبادة والأماكن المقدسة في مختلف أنحاء العالم.
ويشير الرفاعي إلى أن ما يجري لا يقتصر على استهداف مرافق محددة فقط، بل يمس بصورة مباشرة صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية والوصاية الأردنية على المسجد الأقصى، باعتبار أن جميع المرافق والمنشآت داخل المسجد تقع ضمن مسؤولية وإدارة الأوقاف الإسلامية التابعة للمملكة الأردنية الهاشمية.
ويؤكد الرفاعي أن وزارة الأوقاف الفلسطينية تنسق بشكل مستمر مع وزارة الأوقاف الأردنية ودائرة الأوقاف الإسلامية في القدس لمتابعة هذه الانتهاكات والعمل على وقفها، مشدداً على أن الجانبين الفلسطيني والأردني يتبنيان موقفاً موحداً في مواجهة الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى ومقدساته.

المواقف اللفظية غير كافية

ويدعو الرفاعي المؤسسات الدولية المعنية بحماية التراث والمقدسات ودور العبادة إلى تحمل مسؤولياتها واتخاذ خطوات عملية لوقف الانتهاكات بحق المسجد الأقصى، معتبراً أن الاكتفاء بالمواقف اللفظية لم يعد كافياً أمام تصاعد الاعتداءات.
ويناشد الرفاعي أصحاب الضمائر الحية في العالم التدخل لحماية المسجد الأقصى وسائر المقدسات الإسلامية، وفي مقدمتها المسجد الإبراهيمي.

ضرورة تمكين سدنة الأقصى وحراسه من مهامهم

ويشدد الرفاعي على ضرورة تمكين سدنة المسجد الأقصى وحراسه والعاملين فيه من ممارسة مهامهم بصورة كاملة، ورفض أي إجراءات تمنعهم من حماية مرافق المسجد الأقصى وإدارتها.
ويؤكد الرفاعي أن دور الحديث والمدارس الشرعية ومراكز التدريس وسائر ممتلكات المسجد الأقصى يجب أن تبقى تحت إشراف دائرة الأوقاف الإسلامية، وأن أي تدخل في عملها أو تقييد لصلاحيات القائمين عليها يعد اعتداءً مباشراً على حقوقها القانونية والإدارية داخل المسجد المبارك.

استراتيجية متكاملة لتغيير هوية المسجد الأقصى


يؤكد الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص أن الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة داخل المسجد الأقصى والتي كان آخرها استهداف بعض مرافقه، لا يمكن النظر إليها باعتبارها خطوات منفصلة أو مؤقتة، بل تندرج ضمن استراتيجية متكاملة تهدف إلى تغيير هوية المسجد وإحلال واقع ديني جديد مكانه، وصولاً إلى تحويله من مقدس إسلامي خالص إلى مقدس مشترك، ثم إلى ما تسميه الجماعات اليهودية المتطرفة "جبل الهيكل" على كامل مساحة المسجد الأقصى.

فرض التقسيم الزماني

ويوضح ابحيص أن هذه الاستراتيجية تقوم على أربعة أركان رئيسية، أولها فرض التقسيم الزماني للمسجد الأقصى وتوسيع نطاق تطبيقه، وهو تحقق بدرجة كبيرة خلال السنوات الأخيرة.

فرض التقسيم المكاني

أما الركن الثاني وفق ابحيص، فيتمثل في السعي إلى فرض التقسيم المكاني، من خلال التركيز على مناطق محددة داخل المسجد الأقصى، خاصة الزاوية الجنوبية الغربية، ثم الساحة الشرقية ومصلى باب الرحمة، اللذين ما زالا في دائرة الاستهداف الإسرائيلي بهدف تخصيص أجزاء منهما للمستوطنين بصورة دائمة.

فرض الطقوس والشعائر التوراتية

ويشير ابحيص إلى أن الركن الثالث يتمثل في فرض الطقوس والشعائر التوراتية داخل المسجد الأقصى، بحيث يتحول تدريجياً إلى مكان تُمارس فيه الطقوس الدينية اليهودية بصورة اعتيادية، بما في ذلك الطقوس المرتبطة بالرواية التوراتية الخاصة بالهيكل، في محاولة لترسيخ تصور جديد لطبيعة المكان وهويته الدينية.

تقليص دور الأوقاف واستبداله بإدارة يهودية

ويلفت ابحيص إلى أن الركن الرابع، وهو الأكثر خطورة في المرحلة الراهنة، يتمثل في تغيير إدارة المسجد الأقصى، عبر تقليص دور دائرة الأوقاف الإسلامية صاحبة الولاية الحصرية على شؤون المسجد الأقصى، وإحلال شرطة الاحتلال تدريجياً كجهة تدير الواقع اليومي داخله، تمهيداً لتأسيس إدارة يهودية تتولى إدارة المسجد كما لو أنه موقع ديني يهودي.

استعادة معادلة الردع

ويرى ابحيص أن مواجهة هذه السياسات تتطلب استعادة معادلة الردع على مختلف المستويات، بدءاً من التمسك بالإطار القانوني والسياسي الذي يعترف بإدارة الأوقاف الإسلامية للمسجد الأقصى، مروراً بالحضور الشعبي الفلسطيني وشد الرحال والرباط والهبات الجماهيرية، وصولاً إلى مختلف أشكال الضغط والمواجهة التي أسهمت سابقاً في الحد من الإجراءات الإسرائيلية.
ويؤكد ابحيص أن المسجد الأقصى يتأثر بشكل مباشر بالتحولات التي تشهدها القضية الفلسطينية، إلا أن الرهان على إنهاء الحضور الفلسطيني أو إضعاف ارتباط الفلسطينيين بالمسجد سيبقى رهاناً خاسراً.
ويدعو ابحيص إلى دور عربي وإسلامي أوسع في الدفاع عن المسجد الأقصى، كون المسجد حق للمسلمين بشكل عام وليس للفلسطينيين وحدهم، وذلك عبر تعزيز حضوره في الوعي العام، وتكثيف الجهود الشعبية والسياسية والاقتصادية المناهضة للاحتلال، وإنهاء مظاهر التطبيع التي تمنحه مزيداً من القدرة على فرض وقائعه داخل المسجد الأقصى المبارك.

فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 10:10 صباحًا - بتوقيت القدس

العالم يترقب.. هل بات الاتفاق بين واشنطن وطهران وشيكاً؟

د. رائد الدبعي: الاتفاق المحتمل لن يكون قادراً على إنهاء أسباب الخلاف الرئيسية بين الجانبين نظراً لاستمرار التباينات العميقة حول ملفات استراتيجية معقدة..

عريب الرنتاوي: شمول لبنان في أي مذكرة تفاهم مرتقبة قد يشكل فرصة مهمة لدعم الاستقرار وفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار..

د. قصي حامد: أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران سيبقى وفق المعطيات الحالية اتفاقاً هشاً وذا طابع اضطراري فرضته الظروف السياسية والأمنية للطرفين
د. جمال حرفوش: الجدية في التفاوض لا تعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي والملفات الجوهرية ما تزال تشكل عقبات أمام أي تفاهم شامل
سامر عنبتاوي: نجاح الاتفاق المرتقب سيبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان وبقية الساحات الإقليمية
د. أسامة عبد الله: المرحلة الراهنة تمثل اختباراً متبادلاً للنوايا أكثر من كونها مساراً نحو اتفاق تاريخي رغم جدية التحركات السياسية القائمة



رام الله - خاص ب"القدس"-

 تتزايد المؤشرات السياسية والإعلامية حول اقتراب واشنطن وطهران من بلورة تفاهم جديد، في وقت ينظر إلى أن ما يجري لا يرقى بعد إلى مستوى اتفاق نهائي شامل، بل يندرج ضمن مسار تفاوضي معقد يهدف إلى إدارة التوتر وتخفيف احتمالات الانفجار الإقليمي.
ويذهب عدد من الكتاب والمحللين السياسيين وأساتذة الجامعات، في أحاديث منفصلة مع "القدس"، إلى أن دوافع الطرفين ترتبط بإدراك متزايد لكلفة التصعيد، مقابل الحاجة إلى ترتيبات تضمن استقرار الملاحة الدولية وأسواق الطاقة، مع بقاء ملفات أساسية عالقة تشمل البرنامج النووي، الصواريخ الباليستية، النفوذ الإقليمي، والعلاقة مع إسرائيل، إلى جانب قضايا مضيقي هرمز وباب المندب والعقوبات الاقتصادية، مشيرين إلى أن أي تفاهم محتمل قد يتوسع ليشمل الساحات الإقليمية المختلفة، بما يعكس ترابط أزمات الشرق الأوسط وتشابكها من الخليج إلى البحر الأحمر وصولاً إلى غزة ولبنان.
ويرى البعض أن إدراج الجبهات الإقليمية ضمن أي اتفاق محتمل يعكس تحولاً في المقاربة الدولية، يقوم على الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مؤثرة لا يمكن تجاوز دورها، مقابل سعي أميركي لإدارة النفوذ بدل الصدام المباشر.
غير أن هذا المسار، وفق تقديرات أخرى، يظل هشاً ومفتوحاً على احتمالات التراجع، في ظل استمرار التباينات بين المواقف الأميركية والإيرانية، وتداخل العامل الإسرائيلي في معادلات القرار الإقليمي.
ويتفق الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات على أن الاتفاق، إن تم، لن يكون حلاً نهائياً للصراع، بل انتقالاً من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة جديدة من ضبط قواعد الاشتباك وإدارة التوازنات، كما أن استمرار بؤر التوتر في لبنان وسوريا وغزة والضفة الغربية يبقي احتمالات التصعيد قائمة، في ظل تباين مواقف القوى الدولية والإقليمية.


مسار جدي.. ولكن

يعتبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د.رائد الدبعي أن المعطيات السياسية الراهنة تشير إلى وجود مسار جدي بين الولايات المتحدة وإيران للتوصل إلى اتفاق إطار ينظم العلاقة بين الطرفين ويحد من احتمالات التصعيد، لكنه لا يرقى إلى مستوى تسوية نهائية أو إنهاء جذري للصراع القائم بينهما.
ويوضح الدبعي أن التوجه نحو هذا النوع من الاتفاقات يعكس قناعة متزايدة لدى واشنطن وطهران بأن استمرار التوتر والمواجهة المفتوحة يحمل كلفة استراتيجية وأمنية واقتصادية مرتفعة تفوق كلفة التوصل إلى تفاهم مرحلي يضمن إدارة الخلافات بدلاً من حسمها.

مصالح الطرفين

ويشير الدبعي إلى أن الولايات المتحدة تسعى بصورة أساسية إلى منع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، خصوصاً بعد التطورات العسكرية الأخيرة وما رافقها من تهديدات للملاحة الدولية، إلى جانب الحرص على استقرار أسواق الطاقة العالمية التي تأثرت بشكل مباشر بالتوترات الإقليمية.
ويبيّن الدبعي أن إيران تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، واستعادة جزء من أصولها المالية المجمدة، والحفاظ على موقعها ونفوذها الإقليمي، مستفيدة من أوراق القوة التي تمتلكها في المنطقة.

البحث عن صيغة تفاهم جديدة
 
ويؤكد الدبعي أن الضغوط الدولية المرتبطة بأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية دفعت مختلف الأطراف إلى البحث عن صيغة تفاهم جديدة تقوم على إدارة الصراع ووضع قواعد اشتباك أكثر وضوحاً خلال السنوات المقبلة.
ويشير الدبعي إلى أن الاتفاق المحتمل لن يكون قادراً على إنهاء أسباب الخلاف الرئيسية بين الجانبين، نظراً لاستمرار التباينات العميقة حول ملفات استراتيجية معقدة تشمل البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وأمن مضيقي هرمز وباب المندب، والعقوبات الاقتصادية، والعلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى النفوذ الإيراني الإقليمي ودور حلفائها في المنطقة.

فرصة إيران بفرض رؤيتها

وفي ما يتعلق بالحديث عن شمول الاتفاق لجميع الجبهات، يعتبر الدبعي أن هذه المسألة تحمل دلالات استراتيجية مهمة، إذ تعكس نجاح إيران في فرض رؤيتها القائمة على اعتبار أمنها القومي ونفوذها الإقليمي ملفاً واحداً غير قابل للتجزئة.
وبحسب الدبعي، فإنه من هذا المنطلق، ترفض طهران الفصل بين الملف النووي والقضايا المرتبطة بلبنان والعراق وسوريا والخليج والبحر الأحمر، وحتى الترتيبات الأمنية المتصلة بإسرائيل.
ويشير الدبعي إلى أن إدراج هذه الملفات ضمن إطار تفاوضي واحد يعكس اعترافاً أميركياً عملياً بمكانة إيران كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك أدوات نفوذ مباشرة في عدد من ساحات الشرق الأوسط، خاصة بعد نجاحها في توظيف أوراق الضغط الاستراتيجية المرتبطة بالملاحة والطاقة.

الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة

ويؤكد الدبعي أن أي اتفاق يشمل مختلف الجبهات لن يعني إنهاء الصراعات أو معالجة جذورها، بل الانتقال من مرحلة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة جديدة من إدارة التوازنات الإقليمية.
ويشير الدبعي إلى أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ في لبنان وسوريا وقطاع غزة والضفة الغربية يبقي أسباب التوتر والصراع قائمة، ما يجعل المنطقة عرضة لجولات جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل احتمال وجود تباينات بين ما قد تقبل به الولايات المتحدة وما قد ترفضه إسرائيل.

التفاهم أصبح أقرب من أي وقت مضى

يرجّح مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي اقتراب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، معتبراً أن المؤشرات السياسية والدبلوماسية المتراكمة خلال الفترة الأخيرة توحي بأن التفاهم أصبح أقرب من أي وقت مضى، وقد يرى النور خلال ساعات أو أيام قليلة، ما لم تطرأ تطورات مفاجئة أو يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن المسار القائم، في ظل ما يُعرف عنه من مواقف متقلبة وغير متوقعة.
ويوضح الرنتاوي أن البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات باتت أكثر نضجاً من السابق، مشيراً إلى أن الطرفين يدركان حجم المخاطر المترتبة على الانزلاق نحو حرب شاملة في المنطقة، وما قد تسببه من أكلاف سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.

دول الوساطة لا ترغب بانفجار مواجهة واسعة


ويلفت الرنتاوي إلى أن الدول المنخرطة في جهود الوساطة والمساعي الدبلوماسية، وفي مقدمتها دول الخليج ومصر وتركيا وباكستان، لا ترغب في انفجار مواجهة واسعة قد تجعلها تدفع أثماناً مباشرة نتيجة تداعياتها الإقليمية.
ورغم تفاؤله بإمكانية التوصل إلى الاتفاق، يدعو الرنتاوي إلى التحلي بالحذر في قراءة المشهد، مذكراً بأن ترمب أعلن عشرات المرات خلال الشهرين الماضيين عن قرب التوصل إلى اتفاق من دون أن يترجم ذلك عملياً.
وبحسب الرنتاوي، فإن الاتفاق يبقى احتمالاً قائماً إلى أن يتم توقيعه رسمياً، فيما تظل احتمالات التراجع أو الانتكاس واردة حتى اللحظات الأخيرة.

الاتفاق قد يشمل مختلف ساحات التوتر الإقليمية

ويؤكد الرنتاوي أن المتابعة الدقيقة للمواقف والتسريبات الصادرة عن مختلف الأطراف تشير إلى أن الاتفاق المرتقب لا يقتصر على الملفات الثنائية بين واشنطن وطهران، بل يشمل مختلف ساحات التوتر الإقليمية، في إطار مقاربة تقوم على وحدة الجبهات أو الساحات.
ويشير إلى أن مصادر أميركية وإيرانية وإسرائيلية تحدثت بصورة متقاربة عن هذا التوجه، فيما أكد الوسيط الباكستاني أن الوضع في لبنان يحتل موقعاً متقدماً ضمن التفاهمات المنتظر إبرامها.

إدراج لبنان يعكس نجاحاً لإيران

ويرى الرنتاوي أن إدراج لبنان ضمن الاتفاق المحتمل يعكس نجاح إيران في التمسك بمطلب ربط الساحات الإقليمية بعضها ببعض، وهو المطلب الذي رفعته منذ بداية الحرب وواجه آنذاك تشكيكاً واسعاً من أطراف عربية وإقليمية.
ويشير أن التطورات الميدانية والتجاذبات العسكرية المتبادلة بين إيران وإسرائيل خلال الأشهر الماضية أظهرت جدية طهران في الدفاع عن هذا التوجه واستعدادها لتحمل تبعاته.
ويؤكد الرنتاوي أن شمول لبنان في أي مذكرة تفاهم مرتقبة قد يشكل فرصة مهمة لدعم الاستقرار وفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار.
ويدعو الرنتاوي القوى اللبنانية، خصوصاً المؤسسات الرسمية، إلى التعامل مع هذه المعطيات بوصفها فرصة سياسية يمكن استثمارها لصالح لبنان، بدلاً من الانشغال بالخلافات الداخلية أو السجالات المرتبطة بدور إيران، معتبراً أن المرحلة المقبلة قد تدفع مختلف الأطراف اللبنانية والعربية إلى البحث عن سبل الاستفادة من هذا التحول الإقليمي الجديد.

فجوات جوهرية ما تزال قائمة

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن الحديث المتصاعد عن قرب التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا يعني بالضرورة أن الطرفين باتا على أعتاب توقيع تفاهم نهائي وشامل، مشيراً إلى أن فجوات جوهرية ما تزال قائمة بين الجانبين رغم الحراك السياسي والمفاوضات المستمرة خلال الفترة الأخيرة.

مساعٍ للتوصل إلى صيغة أقرب للتفاهم

ويوضح حامد أن المؤشرات الحالية تعكس وجود مساعٍ للوصول إلى صيغة أقرب للتفاهم، إلا أن التصريحات المتناقضة الصادرة عن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين تكشف استمرار التباين في فهم طبيعة الاتفاق ومضمونه، فالإدارة الأميركية تطرح الاتفاق باعتباره إطاراً يفرض قيوداً على إيران في ملفات تتعلق بالبرنامج النووي والأسلحة والمسيرات وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بينما تنظر طهران إلى التفاهم بصورة مختلفة، إذ تسعى إلى إبقاء الملف النووي ضمن دائرة التفاوض وفق رؤيتها وشروطها الخاصة دون القبول بإملاءات مباشرة بشأنه.
وبحسب حامد، فإن هذا التباين يجعل من الصعب الحديث عن اتفاق صلب وقادر على إنهاء حالة التوتر بين الطرفين، مرجحاً أن يقتصر الأمر، في حال التوصل إلى تفاهم، على مذكرة أو إطار تفاهم مؤقت يهدف إلى تأجيل المواجهة وخفض احتمالات التصعيد بدلاً من معالجة جذور الخلافات القائمة.

الهدف الأكثر إلحاحاً

ويشير حامد إلى أن الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة للطرفين يتمثل في ضمان استمرار حركة الملاحة وفتح مضيق هرمز وتجنب أي تطورات قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما يشكل نقطة التقاء أساسية بين واشنطن وطهران.
ويشير حامد إلى أن بقية الملفات، وفي مقدمتها الملف النووي والملفات الإقليمية، ستظل عرضة للخلافات والتجاذبات السياسية.

الساحة اللبنانية إحدى أبرز العقبات

ويلفت حامد إلى أن الساحة اللبنانية تمثل إحدى أبرز العقبات أمام نجاح أي تفاهم مستقبلي، موضحاً أن إيران تنظر إلى لبنان باعتباره جزءاً أساسياً من أي ترتيبات إقليمية محتملة وتسعى إلى إدراجه ضمن التفاهمات مع الولايات المتحدة.
ويرى حامد أن إسرائيل تمتلك تأثيراً كبيراً في فرص نجاح أو فشل هذه التفاهمات، لا سيما في ظل رغبة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الإبقاء على هامش واسع من التحكم في الجبهة اللبنانية ولاسيما الضغط على الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، ورفضه أي ترتيبات قد تؤدي إلى تعزيز ما يُعرف بوحدة الساحات بين إيران وحلفائها.

اتفاق هش وذو طابع اضطراري

ويشير حامد إلى أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران سيبقى، وفق المعطيات الحالية، اتفاقاً هشاً وذا طابع اضطراري فرضته الظروف السياسية والأمنية للطرفين، بينما تظل ملفات لبنان والبرنامج النووي من أبرز القضايا القادرة على إعادة إشعال التوتر والمواجهة في المنطقة، ما يجعل فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة أمراً لا يزال بعيد المنال.

مسار تفاوضي أكثر نضجاً وجدية

يرى أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش، أن الحديث المتزايد عن اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران تجاوز في المرحلة الراهنة إطار التسريبات الإعلامية والرسائل السياسية المتبادلة عبر الوسطاء، ليعكس مساراً تفاوضياً أكثر نضجاً وجدية مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل إدراك متبادل لدى الطرفين لحجم التحديات التي يفرضها استمرار التوتر والصراع المفتوح في المنطقة.
ويوضح أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى استمرار حالة الاشتباك الإقليمي باعتبارها عاملاً يستنزف مصالحها الاستراتيجية ويهدد استقرار حلفائها، فيما تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متراكمة وعقوبات واسعة دفعتها إلى البحث عن مخرج يتيح لها تخفيف الأعباء الاقتصادية والسياسية التي تواجهها، الأمر الذي أسهم في تهيئة بيئة أكثر استعداداً للانخراط في مفاوضات جدية.

الجدية لا تعني اقتراب التوصل لاتفاق نهائي

ورغم هذه المؤشرات، يشدد حرفوش على أن الجدية في التفاوض لا تعني بالضرورة اقتراب التوصل إلى اتفاق نهائي، موضحاً أن عدداً من الملفات الجوهرية ما يزال يشكل عقبات أمام أي تفاهم شامل، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، والدور الإقليمي لإيران، إضافة إلى مسألة الضمانات المتبادلة المتعلقة بتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

اختبار الإرادات

ويعتبر حرفوش أن المرحلة الحالية أقرب إلى "اختبار الإرادات" بين الجانبين منها إلى مرحلة حسم نهائي.
ويشير حرفوش إلى أن المعطيات المتوافرة حالياً تعكس وجود رغبة مشتركة لدى واشنطن وطهران للانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة التفاهمات، إلا أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة تضمن الحفاظ على التوازنات السياسية الداخلية لكل منهما، إلى جانب مراعاة مصالح الحلفاء والشركاء الإقليميين.
وفي ما يتعلق بالتقديرات التي تتحدث عن اتفاق لا يقتصر على الملف النووي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف ساحات التوتر في المنطقة، يوضح حرفوش أن ذلك يحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ يعكس قناعة متزايدة لدى الأطراف المعنية بأن أزمات الشرق الأوسط مترابطة، وأن معالجة أي ملف بمعزل عن الملفات الأخرى لم تعد خياراً واقعياً، في ظل تشابك الأوضاع في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحر الأحمر وقطاع غزة.

إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي

ويعتقد حرفوش أن توسيع نطاق التفاهمات المحتملة ليشمل هذه الملفات يشير إلى انتقال المفاوضات من مستوى الاتفاقات التقنية المحدودة إلى مستوى إعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي وتنظيم النفوذ بين القوى الفاعلة، بما يحد من احتمالات المواجهة المباشرة وغير المباشرة.
وبحسب حرفوش، فإن أي اتفاق شامل من هذا النوع ستكون له انعكاسات مباشرة على القضية الفلسطينية وموازين القوى والتحالفات الإقليمية، وقد يمثل بداية مرحلة جديدة تهدف إلى معالجة جذور التوتر المزمن في الشرق الأوسط وفتح الباب أمام استقرار نسبي إذا توافرت الإرادة السياسية اللازمة لدى جميع الأطراف.

خطوة قد تمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات

يعتقد الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي أن المؤشرات السياسية المتداولة خلال الأيام الأخيرة توحي باقتراب التوصل إلى اتفاق نوايا بين الولايات المتحدة وإيران، في خطوة قد تمهد لمرحلة جديدة من المفاوضات الهادفة إلى معالجة الملفات الخلافية العالقة بين الطرفين، والتي حالت طوال السنوات الماضية دون الوصول إلى اتفاق شامل ونهائي.
ويوضح أن ما يتم الحديث عنه حالياً لا يمثل تسوية كاملة للأزمات القائمة، بل إطاراً عاماً يؤسس لمسار تفاوضي جديد، في ظل استمرار الخلافات حول عدد من القضايا الجوهرية.
ويرجع عنبتاوي ذلك إلى أزمة الثقة العميقة بين واشنطن وطهران، مشيراً إلى أن التجارب السابقة، ولا سيما التراجع الأميركي عن تفاهمات سابقة بعد إبرامها، عززت الشكوك الإيرانية بشأن ضمانات تنفيذ أي اتفاق مستقبلي، ما دفع الجانبين إلى تبني صيغة إعلان نوايا بدلاً من اتفاق شامل يحسم جميع الملفات دفعة واحدة.

عوامل ساهمت بدفع المفاوضات نحو هذه المرحلة

ويرى عنبتاوي أن جملة من العوامل ساهمت في دفع المفاوضات نحو هذه المرحلة، أبرزها فشل الإدارة الأميركية في تحقيق أهدافها المعلنة عبر سياسة الضغط والقوة، سواء ما يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو انتزاع تنازلات استراتيجية منه.
ويعتبر عنبتاوي أن قدرة إيران على الصمود عسكرياً، وإظهار استعدادها للرد على أي هجمات تستهدفها أو تستهدف مصالحها، عززت موقعها التفاوضي خلال المرحلة الماضية.
ويؤكد أن القيادة الإيرانية حافظت على ثوابتها الأساسية خلال المفاوضات، وتمسكت بحقوقها المرتبطة برفع العقوبات، واستعادة أموالها المجمدة، وضمان مصالحها النفطية، إضافة إلى تأكيدها على مبدأ وحدة الجبهات والساحات باعتباره شرطاً رئيسياً لأي تسوية إقليمية.
ويشير عنبتاوي إلى أن الولايات المتحدة واجهت بدورها تحديات سياسية واقتصادية وعسكرية حدّت من قدرتها على الذهاب نحو مواجهة مفتوحة، في ظل تراجع التأييد الشعبي للحرب داخل الولايات المتحدة، وارتفاع الكلفة الاقتصادية والجيوسياسية لأي تصعيد جديد.
ويلفت عنبتاوي إلى أن إيران تكبدت خسائر بشرية ومادية وعسكرية كبيرة خلال الحرب، إلا أن تماسك الجبهة الداخلية ووحدة الموقف بين مختلف التيارات السياسية الإيرانية عززا قدرتها على الاستمرار في التفاوض من موقع أكثر صلابة.

إصرار إيراني على ربط أي تفاهم شامل بمصير حلفائها

ويؤكد عنبتاوي أن شمول الاتفاق لجميع الجبهات الإقليمية، بما فيها لبنان والعراق واليمن، جاء نتيجة إصرار إيراني متواصل على ربط أي تفاهم شامل بمصير حلفائها في المنطقة.
ويعتبر عنبتاوي أن الملف اللبناني شكّل إحدى أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات، إذ أصرت طهران على أن يتضمن أي اتفاق وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، بينما حاولت واشنطن في مراحل مختلفة الفصل بين المسارين اللبناني والإيراني.
ويشدد عنبتاوي على أن نجاح الاتفاق المرتقب سيبقى مرتبطاً بقدرة الولايات المتحدة على إلزام إسرائيل بتنفيذ التفاهمات المتعلقة بلبنان وبقية الساحات الإقليمية، مشيراً إلى أن طهران ما زالت تعتبر وحدة الجبهات شرطاً أساسياً لا يمكن تجاوزه في أي اتفاق مستقبلي، الأمر الذي يجعل هذه الملفات جزءاً لا يتجزأ من مسار التفاهم الجاري بين الجانبين.

الحديث عن اتفاق شامل ما زال مبكراً

يرى الباحث السياسي والأكاديمي د.أسامة عبد الله أن كثافة التسريبات والتقارير الإعلامية حول اقتراب اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لا تعكس بالضرورة اقتراباً من تسوية نهائية، مشيراً إلى أن الحديث عن اتفاق شامل ما زال مبكراً، رغم وجود مؤشرات جدية على رغبة متبادلة في خفض التوتر وتجنب الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
ويوضح عبد الله أن العلاقة بين واشنطن وطهران ظلت لسنوات تتأرجح بين التصعيد والتفاوض، إلا أن المرحلة الحالية تختلف من حيث انتقال الطرفين من اختبار القوة إلى إدراك حدودها.

الخيارات العسكرية لم تغير السلوك الإيراني

وبحسب عبد الله، فإن واشنطن باتت تدرك أن سياسات الضغط القصوى أو الخيارات العسكرية لم تحقق أهدافها في تغيير السلوك الإيراني، في حين باتت إيران تدرك أن استمرار المواجهة المفتوحة يفرض كلفة اقتصادية واستنزافاً في قدرتها على الحركة الإقليمية.
ويشير عبد الله إلى أن عدداً متزايداً من مراكز البحث الأميركية والأوروبية بات يعتبر أن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل حرباً إقليمية واسعة، في ظل التوترات الممتدة من الخليج إلى البحر الأحمر، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة، لذلك، فإن ما يجري أقرب إلى تفاهمات لإدارة الصراع وليس إنهاءه.

العقبة الأساسية

ويبيّن عبد الله أن العقبة الأساسية أمام أي اتفاق شامل تتمثل في تشابك الملفات الخلافية، التي لم تعد تقتصر على البرنامج النووي، بل تشمل النفوذ الإقليمي لإيران، وبرنامج الصواريخ الباليستية، والعلاقة مع إسرائيل، وشبكة الحلفاء الإقليميين، وهي ملفات يصعب حسمها ضمن إطار تفاوضي واحد.
ويعتبر عبد الله أن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً متبادلاً للنوايا أكثر من كونها مساراً نحو اتفاق تاريخي، رغم جدية التحركات السياسية القائمة. في المقابل، يؤكد عبد الله أنه في حال صحّت التقارير التي تتحدث عن اتفاق يشمل الجبهات الإقليمية، فإن ذلك يعكس تحولاً استراتيجياً في المقاربة الأميركية، من التعامل مع إيران كملف نووي إلى الاعتراف بها كقوة إقليمية فاعلة لا يمكن تجاوزها.

شمول الجبهات إقرار بترابط الأزمات

ويشير عبد الله إلى أن شمول الاتفاق للجبهات المختلفة يعني الإقرار بترابط أزمات المنطقة، حيث لا يمكن فصل الخليج عن العراق، أو لبنان عن الدور الإيراني، أو البحر الأحمر عن مجمل الصراع الإقليمي، ما قد يقود إلى صياغة قواعد اشتباك جديدة تحد من احتمالات الانفجار.
ويعتقد عبد الله أن البعد الأكثر حساسية يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي قد تُدرج أو تُستبعد من أي ترتيبات إقليمية كبرى، في ظل سوابق تاريخية أظهرت ميل القوى الدولية إلى ترتيب ملفات الأمن أولاً.
ويعتبر عبد الله أن شمول الاتفاق لجميع الجبهات قد يفتح مرحلة "إدارة النفوذ" بدلاً من الصراع المباشر، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تقليل الكلفة دون التخلي عن مصالحها الاستراتيجية.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا نحرس المال الخاص ونستبيح المال العام؟


في مشهد يتكرر يومياً في مجتمعاتنا، نجد مفارقة تستحق التوقف أمامها طويلاً. المواطن الذي يحافظ على منزله بعناية، قد يلقي النفايات في الشارع. والتاجر الذي ينظف متجره عدة مرات يومياً، قد لا يكترث بنظافة الرصيف العام. والموظف الذي يطفئ الأضواء في بيته حرصاً على فاتورة الكهرباء، قد يتركها مضاءة في مؤسسة عامة دون اكتراث.
هنا يبرز سؤال جوهري: لماذا نحرس المال الخاص وكأنه جزء من أرواحنا، بينما نتعامل مع المال العام وكأنه لا يخص أحداً؟
الحقيقة أن المال العام ليس مال الحكومة، وليس مال البلدية، وليس مال أي مسؤول. إنه مال الناس جميعاً.
إنه حصيلة الضرائب والرسوم والجهد الجماعي لمجتمع كامل. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المال العام في الوعي الجمعي إلى مال "مجهول المالك"، فيشعر الفرد أن الاعتداء عليه أو إهداره لا يضر أحداً بشكل مباشر.
ومن هنا تبدأ سلسلة طويلة من الخسائر. عندما تُكسر مقاعد الحديقة العامة. وعندما تُحطم أعمدة الإنارة.
وعندما تُسرق أغطية المناهل. وعندما تُلقى النفايات في الشوارع. وعندما يُهدر الوقود والورق والكهرباء في المؤسسات العامة. فإن الخاسر الحقيقي ليس البلدية ولا الوزارة، بل المواطن نفسه.
ولذلك نجد أن المشاريع الخاصة غالباً ما تبدو أكثر نظافة، وأكثر انتظاماً، وأكثر جودة في الخدمة.
ليس لأنها تمتلك موارد أكبر بالضرورة، بل لأنها تخضع لرقابة صارمة.
كل شيكل يتم إنفاقه محسوب، كل ساعة عمل يتم متابعتها. كل خسارة يشعر بها صاحب المشروع مباشرة.
أما في بعض المؤسسات العامة، فإن غياب الرقابة وضعف المساءلة وتراجع الشعور بالملكية المشتركة يجعل الهدر أكثر سهولة وأقل كلفة على المتسبب به.
في القطاع الخاص، إذا تعطلت آلة يسارع الجميع لإصلاحها. وفي بعض المرافق العامة قد تبقى المشكلة شهوراً بانتظار من يتحمل المسؤولية.
في القطاع الخاص، العميل هو مصدر الدخل. وفي القطاع العام، قد تتحول الخدمة أحياناً إلى إجراء روتيني بعيد عن مفهوم المنافسة والجودة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن المشكلة ليست في كون المشروع عاماً أو خاصاً.
فالعالم مليء بمؤسسات عامة ناجحة ومطارات عامة نظيفة وحدائق عامة مذهلة وشبكات نقل عامة تعد من الأفضل عالمياً.
الفرق الحقيقي يكمن في ثلاثة عناصر:
المساءلة، والإدارة، والشعور بالملكية.
عندما يشعر المواطن أن الشارع شارعه، والحديقة حديقته، والمرفق العام ملك له، فإنه سيدافع عنه كما يدافع عن منزله.
وعندما يشعر الموظف أن المال العام أمانة لا تقل قداسة عن ماله الشخصي، فإن الأداء سيتغير.
وعندما تطبق المؤسسات أنظمة رقابة ومحاسبة شفافة وعادلة، فإن الهدر سيتراجع تلقائياً.
إن معركتنا الحقيقية ليست بين القطاع العام والقطاع الخاص، بل بين ثقافة المسؤولية وثقافة اللامبالاة.
بين من يرى المال العام أمانة وطنية، ومن يراه مالاً بلا صاحب، وبين مجتمع يحافظ على ممتلكاته المشتركة، ومجتمع يدفع ثمن إهمالها كل يوم.
لا يكفي أن تطلب من المواطن الالتزام، بل يجب أن يشعر أن ما يدفعه من رسوم وضرائب يعود إليه في صورة خدمات حقيقية ونتائج ملموسة. المواطن يريد أن يرى شارعاً نظيفاً، ويريد أن يرى إنارة تعمل، ويريد أن يرى حديقة خضراء آمنة لأطفاله، ويريد أن يرى مؤسسة تستجيب له وتحترم وقته وتحافظ على كرامته.
ويريد أن يشعر أن كل ما يدفعه ينعكس على جودة حياته اليومية، وهنا تبدأ المهمة الأساسية للقائمين على المال العام.
فواجبهم لا يقتصر على إدارة الموازنات وجمع الإيرادات، بل يشمل حماية المال العام من الهدر، وتعزيز الرقابة والمساءلة، ومحاسبة كل من يسيء استخدام الممتلكات العامة أو يعتدي عليها أو يهدر مواردها
فالمدن الجميلة لا تبنيها البلديات وحدها، والمؤسسات الناجحة لا يصنعها المديرون وحدهم.
والمال العام لا تحميه القوانين وحدها. بل يحميه قبل كل شيء ضمير حي يؤمن بأن ما هو للجميع يجب أن يكون أكثر حرمة، لا أقل حرمة، مما هو للفرد.
وحين نصل إلى هذه القناعة، سنكتشف أن أعظم ثروة يمكن أن نمتلكها ليست المال نفسه، بل الثقافة التي تحسن إدارته وحمايته.
إن بناء المدن لا يبدأ بالإسمنت والحجر، بل يبدأ حين نؤمن جميعاً أن المال العام أمانة، وأن خدمة المواطن مسؤولية، وأن المدينة بيتٌ كبير لا ينهض إلا بأيدٍ تؤدي واجبها وأخرى تحافظ على حقها.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

القضية الفلسطينية قضية الأحرار في كل مكان



تنتشر في الآونة الأخيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلات وفيديوهات لأشخاص، بعضهم معروف والبعض الآخر غير معروف على الإطلاق، و هم يطلقون شعارهم المشبوه والمرفوض: «فلسطين ليست قضيتي».
من المؤسف والمخجل أن نسمع بعضاً من العرب يقولون إن فلسطين ليست قضيتهم. وما أود أن أقوله في هذا المضمار هو أن الفلسطينيين وإن كانوا يريدون أن يكون العرب معهم ومع قضيتهم العادلة، إلا أنهم لا يتسولون التضامن ولا يطلبونه كمنّةٍ  من احد . فمن يريد أن يكون مع فلسطين هو حر في ذلك، ومن لا يريد فهو أيضاً حر في خياراته و ان كان هذا الخيار ليس في المكان الصحيح .
لا نعتقد أن الفلسطينيين ملائكة؛ فعبر تاريخهم الكفاحي والنضالي ارتُكبت أخطاء، وبعضها أخطاء جسيمة، والأخطاء هي من صنع البشر، إذ لا يوجد إنسان منزه عن الخطأ، كبيراً كان أم صغيراً. ولكن وجود هذه الأخطاء لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يحجب عدالة القضية الفلسطينية، والتي هي أنبل وأعدل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.
يزعجنا ويؤلمنا الشعار الذي نسمعه من بعض رواد وسائل التواصل الاجتماعي بأن فلسطين ليست قضيتهم، وكأنهم يريدون من خلال ذلك مغازلة إسرائيل وغيرها أيضاً.
إن ادعاءك بأن فلسطين ليست قضيتك هو خيارك الشخصي، ولا يمكننا أن نصادر حقك في اختيار ما تشاء، سوى أن نقول لك إنك لست في المكان الصحيح من التاريخ ، وإن البوصلة لديك في حالة انحراف يجب تصويبها.
فلسطين هي قضية الأحرار في عالمنا، وليست قضية الانتهازيين وأصحاب المصالح الضيقة والأجندات المشبوهة. فلسطين هي قضية كل إنسان حر يمتلك قيماً أخلاقية وإنسانية وروحية نبيلة، بغض النظر عن خلفيته الدينية أو الثقافية أو العرقية.
نشهد في كافة أصقاع العالم مظاهرات ومسيرات تجوب الساحات والشوارع الرئيسة، ولسان حال الجميع: الحرية لفلسطين. وهؤلاء ينتمون إلى الديانات التوحيدية الثلاث: المسيحية والإسلامية واليهودية، كما وإلى خلفيات ثقافية وإنسانية متنوعة في عالمنا. وقد وحدتهم معاناة هذا الشعب، والدماء المسفوكة في غزة وغيرها من الأماكن.
إن ادعاء البعض بأن فلسطين ليست قضيتهم يعني أن هذا البعض قد تخلى عن إنسانيته وقيمه، ففلسطين هي البوصلة، وعندما تنحرف البوصلة لدى البعض فإنهم يرددون هذه المقولة الاستفزازية: «فلسطين ليست قضيتنا».
ومن المؤسف والمحزن أن يدّعي بعض العرب، وهم مجموعة لا تمثل الأمة بتاريخها وحضارتها وثقافتها، أن فلسطين ليست قضيتهم. إن هؤلاء يعيشون أزمة إنسانية وأخلاقية، لأن الإنسان العاقل والحكيم والمسؤول لا يمكنه أن يتجاهل، بأي شكل من الأشكال، معاناة هذا الشعب المظلوم.
نشهد في هذه الأيام تحريضاً غير مسبوق على كافة الأصوات المنادية بالعدالة وتحقيق أمنيات وتطلعات شعبنا، وهذا يحدث بوسائل معهودة وغير معهودة. وكل هذا لا يمكنه أن يبدل أو يغير من حقيقة يجب أن يدركها الجميع، وهي أن قضية الشعب الفلسطيني المظلوم هي أعدل وأنبل قضية عرفها التاريخ الإنساني الحديث.
نتمنى أن تتسع رقعة الوعي في مشرقنا العربي تجاه قضية الشعب الفلسطيني، وألا نسمع بعضاً من الأصوات النشاز. كما ونتمنى أن تتسع رقعة الوعي في عالمنا تجاه عدالة القضية الفلسطينية.
أما الفلسطينيون، فما هو مطلوب منهم إنما هو أكثر من أية جهة أخرى في هذا العالم، فهم أصحاب القضية بالدرجة الأولى. ووجب عليهم أن يرتبوا أوضاعهم الداخلية وبيتهم الفلسطيني الداخلي، فلم يعد ممكناً أن نبقى في حالة انقسامات، فيما الدماء الفلسطينية تنزف في كل مكان، والقدس مستهدفة ومستباحة أكثر من أي وقت مضى.
إن الدماء المسفوكة في غزة والضفة، وما تتعرض له القضية الفلسطينية من مؤامرات ومشاريع هادفة إلى تصفيتها، إذا لم تكن كل هذه الأمور حافزاً لتوحيد الفلسطينيين وترتيب بيتهم الداخلي، فمتى ستكون هذه الوحدة؟ ومتى سيكون ترتيب البيت الفلسطيني؟
ففي الوقت الذي ننادي فيه الأمة العربية من المحيط إلى الخليج بأن تكون مع فلسطين باعتبارها قضية العرب الأولى، وفي الوقت الذي ننادي فيه كافة الأحرار في عالمنا بأن يكونوا مع الشعب الفلسطيني المظلوم، فإن ما هو مطلوب من الفلسطينيين إنما هو أكثر من هذا وذاك، وهو أن يوحدوا صفوفهم، وأن تتوقف لغة التشهير والتحريض والتخوين التي تكرس الانقسامات، والتي لا يستفيد منها إلا أولئك المتآمرون على شعبنا وقضيته العادلة.
يا أيها الفلسطينيون، توحدوا من أجل قضيتكم العادلة. ويا أيها العرب، توحدوا من أجل فلسطين التي هي قضيتكم الأولى، لا سيما أن المتآمر على فلسطين هو متآمر على الأمة كلها. ويا أيها الأحرار في هذا العالم، توحدوا في سعيكم وحراككم ونشاطكم ورسالتكم الإنسانية النبيلة المنادية بتحقيق العدالة المغيبة في فلسطين، الأرض المقدسة.
مهما حرّضوا على فلسطين وشعبها وقضيتها العادلة، فإن الحق لا يضيع ما دام وراءه مطالبون به. وأي تحريض أو تآمر أو تخاذل أو مواضع ضعف، حيثما كانت وأينما وجدت، لن تكون قادرة على حجب عدالة هذه القضية؛ قضية شعبنا الذي يتوق إلى العيش بحرية وأمن وسلام في هذه البقعة المباركة من العالم.
نتمنى ألا نسمع أصواتاً تقول إن فلسطين ليست قضيتي، لأنها أصوات نشاز لا تعبر عن أي بعد إنساني أو أخلاقي أو وطني، بل نريد للجميع أن يقولوا، وبفم واحد: نعم، إن فلسطين قضيتي، وستبقى قضيتي حتى يعود الحق السليب إلى أصحابه.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

إصرار بريطاني



تتحمل بريطانيا مسؤولية ما تعرض له الشعب الفلسطيني، من إجحاف، وتقديم وطنه هبة للحركة الصهيونية الاحتلالية الاحلالية، حليف بريطانيا الاستعمارية لإقامة وطن لليهود الأجانب على أرض فلسطين، وتم ذلك عبر وعد بلفور 1917، وتأكيده من مؤتمر سان ريمو 1920، و  لدى عصبة الأمم.
ترافق ذلك مع فتح أبواب الهجرة الأجنبية إلى فلسطين، وتسهيل إجراءات توطينهم وتقويتهم، ليتمكنوا من استعمار فلسطين واحتلالها، مقابل تعقيد حياة الفلسطينيين وإضعافهم، وشل حركتهم السياسية، وقمع احتجاجاتهم ومصادرة قدراتهم، والتضييق عليهم، ليسهل هيمنة الصهاينة الأجانب على فلسطين من عام 1917 بداية الانتداب البريطاني،  حتى نهاية الانتداب عام 1948، وتسليم فلسطين للحركة الصهيونية، وإقامة مشروع مستعمرتهم الصهيونية على أرض فلسطين.
وبدلاً من تقديم الاعتذار للشعب الفلسطيني عما قارفته بريطانيا معهم وبحقهم، تتواصل سياساتها مؤيدة للمستعمرة، وحجب أي فعل بريطاني ذات طابع تضامني مع فلسطين، فقد منعت منظمة: "التحرك من أجل فلسطين"، وهي منظمة بريطانية تسعى إلى إبراز معاناة الشعب الفلسطيني والإنحياز لعدالة قضيته ومطالبه، منعتها من العمل وحجبت عنها الشرعية القانونية، واعتبرتها منظمة متطرفة غير قانونية، تُحاسب من يعمل لها ومعها.
 أربعة من الشباب البريطانيين تعرضوا إلى السجن الفعلي، نتيجة أحكاماً قاسية لعدة سنوات لكل من:
1-شاركوت هيد 30 عاماً.
2-صامويل كورنر 23 عاماً.
3-ليونا كاميو 30 عاماً.
4-فاطمة راجواني 21 عاماً.
على إثر احتجاجات قاموا بها واقتحامهم "البيت سيتمز" الإسرائيلي، يوم (6/ 8/ 2024)، الذي يُنتج الأسلحة، ويعمل على تصديرها إلى المستعمرة في فلسطين.
القاضي جيرمي جونسون اعتبر أن عملية الاقتحام للمصنع "عملاً إرهابياً"، وعليه جرت محاكمة الشباب البريطانيين.
زعيم حزب الخضر زاك بولاتسكي، صرح أن "سجن أربعة شباب، بسبب قيامهم بعمل مباشر ضد مورد أسلحة لإسرائيل" على أنه: "مؤلم للغاية"، وأن حكم القاضي يُمثل: "هجوماً خطيراً على الحق في الاحتجاج".
أما النائب البريطاني عن حزب العمال جون ماكدونيل فقد وصف شدة الأحكام وقسوتها بحق الشباب على أنها: "مروعة حقاً".
أما المحامي راجيف منيون الذي دافع عن المتهمين فقد وصف ربط النيابة العامة بين الاحتجاج الذي قام به الشباب الأربعة، على أنه عمل إرهابي، وصفه على أنه: "يُقوض نزاهة العدالة الجنائية، وأنه شكلاً من أشكال الاستبداد المخيف المتزايد".
وأكثر من ذلك حينما عبر نحو 500 متظاهر ضد إجراءات المحاكمة، وتضامنوا مع النشطاء الأربعة، تم توقيف أكثر من مائة شاب منهم، على خلفية رفعهم الشعارات التضامنية، وإصرارهم على الانتماء إلى منظمة "التحرك من أجل فلسطين" المحظورة.
بريطانيا اعترفت بدولة فلسطين على خلفية جرائم المستعمرة وأفعالها، وما قارفته في قطاع غزة منذ عام 2023، ولكنها ترفض السماح للبريطانيين حرية التحرك والنشاط لصالح فلسطين، سياسة تحمل الكثير من التناقض امتدادا إلى عقلية المعايير الاستعمارية الكامنة في كيفية التعامل مع طرفي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

مشروع سكة حديد الحجاز.. إسرائيل قلقة من التقارب السعودي التركي


تقرأ إسرائيل التقارب السعودي التركي بقلق واضح. لا تنظر تل أبيب إلى الاتفاقات بين أنقرة والرياض كخطوات اقتصادية عادية، ولا تتعامل معها بوصفها مشاريع نقل وسكك حديد فقط. في المواد التي نشرتها صحف إسرائيلية خلال حزيران 2026، تظهر تركيا كقوة تحاول إعادة ترتيب خطوط التجارة والأمن والسياسة في المنطقة، من الخليج إلى سوريا ولبنان، ومن شرق المتوسط إلى حدود إسرائيل الشمالية.
بدأت هذه القراءة من ملف السكك الحديدية؛ فقد نشرت "معاريف"، يوم 9 حزيران 2026، تقريرًا عن توقيع تركيا والسعودية مذكرتي تفاهم في مجالي السكك الحديدية واللوجستيات. ووفق التقرير، تسعى الدولتان إلى إحياء خط "سكة حديد الحجاز" وتحديثه، ضمن ممر بري يربط تركيا بسوريا والأردن والسعودية، مع خطط طويلة المدى قد تمد الشبكة نحو عُمان والمحيط الهندي. يقدّم التقرير المشروع كتحول كبير في خريطة التجارة، خاصة في ظل التوتر في مضيق هرمز والمخاطر التي تواجه طرق الملاحة البحرية.
وفي تقرير آخر في ذات الصحيفة ظهرت الخطة بصورة أكثر حساسية من زاوية إسرائيلية. فقد كتب أن تركيا والسعودية تقتربان من اعتماد مسار سكك حديدية عبر سوريا والأردن، في خطوة قد تضعف الحاجة إلى الممر الاقتصادي الذي طُرح لربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا عبر إسرائيل. ويعتمد ذلك الممر على التطبيع مع السعودية أو على موافقتها العملية، بينما يمنح المسار التركي السعودي الرياض خيارًا آخر لا يمر عبر إسرائيل.
لهذا السبب، يتجاوز القلق الإسرائيلي حدود المنافسة التجارية، فالمسألة تتصل بموقع إسرائيل في مشاريع الربط الإقليمي. إذا نجحت تركيا والسعودية في إنشاء ممر بري مستقر من الخليج إلى أوروبا، فقد تخسر إسرائيل جزءًا من القيمة التي سعت إلى بنائها من خلال مشاريع الممرات الدولية. وتدرك تل أبيب أن البنية التحتية في الشرق الأوسط لا تنفصل عن السياسة، وأن خط سكة حديد قد يتحول إلى أداة نفوذ لا تقل أهمية عن التحالفات العسكرية.
في الوقت نفسه، تتابع إسرائيل التقارب المصري التركي بحذر أيضًا، فقد نشرت "معاريف" يوم 12 حزيران 2026، تقريرًا عن مناورة جوية مشتركة بين مصر وتركيا في عدد من قواعد سلاح الجو المصرية. شملت المناورة توحيد مفاهيم القتال وتبادل الخبرات التدريبية وطلعات عملية مشتركة. وجاءت هذه الخطوة بعد تدريب بحري مشترك بين الجانبين في أيلول 2025 تحت اسم "بحر الصداقة"، وهو أول تدريب بحري بينهما منذ 13 عامًا.
تكتسب هذه المناورة أهمية خاصة لأن مصر شريك أمني مركزي لإسرائيل منذ عقود، بينما تتحرك تركيا في خطاب أكثر حدّة تجاه تل أبيب. ونقلت "معاريف" عن موقع "رأي اليوم" أن واشنطن طلبت من طواقمها الدبلوماسية في القاهرة وأنقرة تقديم إيضاحات حول طبيعة الاتصالات الأمنية والعسكرية بين وزارتي الدفاع المصرية والتركية. كما أشار التقرير إلى اهتمام أمريكي وألماني متزايد بحجم التنسيق بين الجانبين، وإلى نقاشات أولية حول إطار تعاون عسكري أوسع قد يشمل دولًا إضافية.
في لبنان وسوريا، تبدو الصورة أوسع، حيث كتب تسفي برئيل في "هآرتس"، يوم 11 حزيران 2026، أن التهديدات التي يطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد إسرائيل تخفي وراءها خطة لصياغة نظام إقليمي جديد بقيادة تركيا. ويرى برئيل أن أردوغان يحاول التأثير في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، ويدفع باتجاه ربط الملف اللبناني بالمصالح السورية، حتى لا تنفرد واشنطن وتل أبيب بصياغة ترتيبات أمنية على حدود لبنان وسوريا.
استند برئيل إلى خطاب أردوغان أمام أعضاء حزبه في البرلمان التركي، حين قال إن أمن تركيا لا يبدأ من لواء هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت. يقرأ الكاتب هذا الكلام كإعلان عن توسيع المجال الأمني التركي. فأنقرة، بحسب هذه القراءة، لا ترى سوريا ساحة منفصلة، ولا تتعامل مع لبنان كملف بعيد. إنها تنظر إلى البلدين كجزء من محيط أمني وسياسي تريد أن تؤثر فيه مباشرة.
وفق "هآرتس"، تخشى دمشق أن يؤدي أي اتفاق بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية إلى تثبيت وجود عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان، بما قد يخلق سابقة تستخدم لاحقًا في سوريا. كما تخشى أن تضغط واشنطن عليها لتوقيع اتفاق مشابه مع إسرائيل بشروط لا تستطيع قبولها. هنا يحاول الرئيس السوري أحمد الشرع ترسيخ مبدأ "وحدة القنوات"، أي منع لبنان من التحرك وحده في مسار التفاوض مع إسرائيل. ويدخل أردوغان من هذه النقطة ليوجه رسالة إلى إسرائيل والولايات المتحدة مفادها أن أي اتفاق لبناني إسرائيلي لا يستطيع تجاهل سوريا ولا الدور التركي.
تربط هذه التحركات كلها فكرة أوسع تحدث عنها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، كما نقلت "هآرتس"، وهي فكرة "الملكية الإقليمية للأمن". تريد أنقرة بناء نظام أمني يستند إلى تعاون دول المنطقة بدل الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وتستفيد تركيا من شعور خليجي متزايد بأن الضمانات الأمريكية لم تعد كافية، خاصة مع التوترات الإيرانية وتهديدات الملاحة.
بهذا المعنى، فإن التقارب السعودي التركي يمنح تركيا مدخلًا اقتصاديًا إلى الخليج. والتنسيق مع مصر يفتح لها بابًا عسكريًا في شرق المتوسط، ودورها في سوريا ولبنان يمنحها مساحة سياسية قريبة من حدود إسرائيل. لذلك، ترى تل أبيب في هذه التطورات مؤشرًا إلى مرحلة جديدة، تسعى فيها أنقرة إلى تحويل الجغرافيا والسكك والمناورات والخطاب السياسي إلى شبكة نفوذ متماسكة. قلق إسرائيل هنا لا ينبع من مشروع واحد، بل من تراكم خطوات تركية قد تعيد تعريف موقع أنقرة في الشرق الأوسط، وتضعف قدرة إسرائيل على احتكار مسارات الربط والأمن في المنطقة.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

في الجلسة الأولى لـ"الثوري".. حين حضرت فلسطين قبل الجميع


دخلت القاعة وأنا أحمل شعورًا يصعب وصفه. فبعد سنوات طويلة من النضال والأسر والعمل الوطني، وجدت نفسي أجلس للمرة الأولى عضوًا في المجلس الثوري لحركة فتح. كنت أنظر إلى الوجوه من حولي، فلا أرى أعضاء مجلس فحسب، بل أرى حكايات كاملة. أرى سنوات من الاعتقال والمطاردة والتعب والصبر والانتظار. أرى رجالًا ونساءً حملوا فلسطين في قلوبهم قبل أن يحملوا أي صفة تنظيمية أو موقع قيادي.
في تلك اللحظة أدركت أنني لا أحضر جلسة عادية. كنت أحضر لقاءً جمع أجيالًا مختلفة، لكن حلمها واحد. جمع أشخاصًا اختلفت تجاربهم ومساراتهم، لكنهم التقوا عند فلسطين.
قبل أن تبدأ الانتخابات وقبل أن تُفرز الأصوات، كان هناك شيء أجمل من الفوز والخسارة يملأ المكان. كانت هناك محبة حقيقية. ذلك النوع من المحبة الذي لا تصنعه المصالح، بل تصنعه السنوات الطويلة من السير في الطريق ذاته.
كانت المصافحات أكثر دفئًا من المعتاد، والابتسامات أكثر صدقًا من المعتاد، والعيون تحمل شيئًا من الفرح وشيئًا من القلق وشيئًا من الإحساس العميق بالمسؤولية. وكأن الجميع يدرك أن هذه المرحلة ليست كغيرها، وأن فلسطين التي تنزف في غزة، وتصمد في القدس، وتقاوم في الضفة، تستحق منا أكثر من الكلمات.
وفي خضم ذلك كله، كان هناك مشهد إنساني صغير في حجمه، كبير في معناه.
كان الرئيس محمود عباس يهم بمغادرة القاعة، ثم يعود إليها من جديد. يتوقف هنا، ويسأل هناك، ويصافح هذا، ويطمئن على ذاك. لم أشعر أنني أمام رئيس جاء ليشرف على جلسة وينصرف، بل أمام رجل يتفقد أبناءه. كان يعود كما يعود الأب قبل أن يغادر المنزل، يتأكد أن الجميع بخير، وأن شيئًا لم يفته، وأن أحدًا لم يشعر أنه بعيد عن المشهد.
وربما لهذا السبب كان دفء الجلسة أكبر من طابعها التنظيمي.
لم تكن القاعة في تلك اللحظات ساحة تنافس على مواقع، بل بيتًا كبيرًا يجتمع فيه أبناء تجربة واحدة، يحمل كل واحد منهم قصة مختلفة، لكنهم جميعًا يحملون الهم ذاته.
ولا أقول إن المشهد كان مثاليًا بالكامل. فالبشر بشر أينما كانوا، ولا تخلو أي تجربة من حضور بعض الحسابات الشخصية هنا أو هناك. لكن ما استوقفني حقًا أن هذه المظاهر بدت صغيرة جدًا أمام المشهد الأكبر. كانت أشبه بظلال خافتة لا تكاد تُرى أمام شمس الانتماء التي غمرت المكان.
الأغلبية الساحقة كانت تفكر بطريقة مختلفة. كان واضحًا أن كثيرين جاؤوا وهم يسألون أنفسهم: ماذا سنعطي؟ لا ماذا سنأخذ؟
كيف نخدم الحركة؟ لا كيف تخدمنا الحركة؟
كيف نكون على قدر ثقة الناس؟ لا كيف نستثمر هذه الثقة؟
وهنا تحديدًا شعرت أن روح فتح التي عرفناها وعشناها ما زالت حاضرة. تلك الروح التي جعلت آلاف المناضلين والأسرى والشهداء يضعون الوطن قبل أنفسهم، والقضية قبل مصالحهم، والمستقبل قبل حاضرهم الشخصي.
وحين انتهت الجلسة، لم أحمل معي أسماء الفائزين بقدر ما حملت شعورًا مختلفًا.
شعورًا بأن فلسطين ما زالت قادرة على جمع أبنائها حول فكرة واحدة رغم كل ما يحيط بها من ألم.
شعورًا بأن الانتماء الحقيقي ما زال موجودًا، وأن العطاء ما زال ممكنًا، وأن المسؤولية ما زالت تجد من يحملها.
وأنا أغادر القاعة، التفتُّ حولي للمرة الأخيرة.
رأيت المقاعد وقد بدأت تفرغ، لكنني لم أرَ مقاعد في الحقيقة.
رأيت فلسطين. رأيتها في العيون التي لمعت بالمسؤولية. وفي الأيدي التي امتدت بالمحبة. وفي القلوب التي جاءت لتخدم لا لتُخدم. عندها فقط فهمت أن أجمل ما في ذلك اليوم لم يكن ما جرى من انتخابات، بل ما شعرت به من يقين أن هذا الوطن، رغم كل ما يمر به، ما زال يملك رجالًا ونساءً يؤمنون أن فلسطين تستحق أن نعطيها أكثر مما أخذنا منها، وأن الطريق، مهما طال، ما زال مليئًا بأولئك الذين يحملون الحلم نفسه، ويواصلون السير.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس: التعددية الحضارية كقيمة إنسانية عليا ونداء السماء



في عالمٍ تتقاسمه الهويات الضيقة والتجاذبات الفكرية، تبرز القدس كحالة استثنائية عصية على الاختزال؛ إنها المدينة التي لا تُقرأ جغرافيتها بالحدود والمساحات، بل بالعمق الحضاري والروحي الذي يختزل التاريخ البشري في فضاء ممتد بين الأرض والسماء. لقد أريد لهذه الحاضرة التاريخية، بموجب منطقها الروحي الأصيل، أن تكون واحة للتلاقي الإنساني، ومختبراً حياً للتعايش الفكري والثقافي الذي يتجاوز عابري الزمان ليلامس الثابت والمطلق.

الموزاييك الثقافي: أصالة المكونات وتكامل الهوية
إن القراءة الأكاديمية والمنصفة لتاريخ القدس تؤكد أن عظمتها لا تكمن في أحادية المشهد، بل في هذا "الموزاييك" الفسيفسائي الفريد الذي يشكله تنوعها الروحي والثقافي. في تفاصيل هذه المدينة وفضائها الروحي، تتلاقى أصوات المآذن، وترانيم الكنائس، وصلوات المعابد، في مشهد تاريخي يجسد احتضان القدس لأتباع الديانات السماوية الثلاث. هذا التجاوز للحدود الضيقة يمثل تجسيداً حياً لـ "وحدة التنوع" التي تجعل من المدينة ملكاً للإنسانية جمعاء.
إن إعطاء كل ذي حق حقه في فضاء القدس يبدأ من الاعتراف المعرفي والأخلاقي بأن التعددية فيها ليست طارئة أو عابرة، بل هي جوهر كينونتها. إنها أمانة حضارية وتاريخية تفرض على المثقف والمفكر، قبل غيرهما، صون هذا الإرث وتفكيك الخطابات الإقصائية، لإعادة الاعتبار للمفهوم الإنساني الشامل الذي يرى في كل مكوّن ثقافي أو ديني جزءاً لا يتجزأ من هوية المدينة الكلية.

سوسيولوجيا العيش اليومي: ما وراء الأطر النظرية
بعيداً عن الأروقة النظرية والخطابات والشعارات، تتجلى حقيقة القدس في "سوسيولوجيا الحياة اليومية"؛ في الأسواق العتيقة، وحاراتها، وتفاعلات أبنائها التي صمدت عبر القرون. هذا التفاعل الإنساني العفوي والرصين يشكل شبكة أمان اجتماعي وثقافي تُثبت أن العيش المشترك في القدس هو نتاج وعي جمعي متوارث، وحاجة وجودية متبادلة، وليس مجرد تسوية مؤقتة.
إن قوة القدس الحقيقية تكمن في هذه القدرة الفائقة على تذويب الفوارق وإعلاء المشترك الإنساني. الإنسان هنا، بوعيه وإرثه وصبره، هو الضامن الحقيقي لبقاء المدينة فضاءً مفتوحاً يتسع للتأمل، والحوار، والإبداع الحضاري.

نداء المستقبل: ميثاق أخلاقي ومعرفي
إن المقاربة التي تحتاجها القدس اليوم من نخبها الفكرية هي صياغة "ميثاق أخلاقي ومعرفي" يعيد توجيه البوصلة نحو القيم الإنسانية العليا التي أرادتها السماء لهذه البقعة من العالم: قيم العدالة، المحبة، والاحترام المتبادل بين الجميع.
إنها دعوة مفتوحة لكل قلم حر وعقل مستنير للنظر إلى القدس كنموذج عالمي يمكن من خلاله صياغة خطاب إنساني جامع، يؤكد للعالم أجمع أن حقيقة القدس الأزلية كانت وستبقى دائماً: أنها مدينة تجمع القلوب، وتنبذ الإقصاء، وتجسد على الأرض أسمى معاني التآخي الإنساني كما أرادته السماء.

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

إلى رؤساء الدول وقادة دول مجموعة السبع: (أمريكا، كندا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، اليابان، بريطانيا، الاتحاد الأوروبي)


استعدادًا لاجتماع قمتكم المرتقب في إيفيان-لي-بان، فرنسا، في الفترة من 15 إلى 17 حزيران/يونيو 2026:
السيد الرئيس، أصحاب المعالي رؤساء الحكومات، السادة المستشارون، القادة الموقرون،
أقف أمامكم اليوم لا بصفتي مسؤولًا حكوميًا، بل بصفتي ناشطًا إسرائيليًا من أجل السلام ومفاوضًا، وشخصًا أمضى ما يقارب خمسين عامًا في العمل مع الإسرائيليين والفلسطينيين، وفي الحديث مع قادة سياسيين، ونشطاء سلام، ومواطنين عاديين، وأحيانًا حتى مع أولئك الذين ترفض الحكومات الحديث معهم.
جئت لأقول لكم أمرًا لم يعد كثيرون يؤمنون به: السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ما زال ممكنًا. لكنه لن يتحقق من تلقاء نفسه.
على مدى عقود، دعم المجتمع الدولي حل الدولتين بالكلمات، بينما سمح للوقائع على الأرض بأن تبتعد عنه باطراد. واليوم نقف على حافة الهاوية. إن القرارات التي ستُتخذ خلال العام المقبل قد تحدد ما إذا كان حل الدولتين سيبقى ممكنًا، أم أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيُحكم عليهم بالعيش في صراع دائم.
لقد علّمتنا حرب غزة درسًا مؤلمًا: لا يوجد حل عسكري. إسرائيل لا تستطيع أن تقصف طريقها إلى الأمن. والفلسطينيون لا يستطيعون أن يقاتلوا طريقهم إلى الحرية. إن البديل عن الحل السياسي ليس انتصار طرف على الآخر. البديل هو حرب بلا نهاية.
تمتلك دول مجموعة السبع نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا هائلًا. وقد حان الوقت لاستخدامه.
وأريد أيضًا أن أتحدث بصراحة عن دور الولايات المتحدة والرئيس ترامب. الحقيقة هي أنه لا يوجد اليوم زعيم دولي يمتلك تأثيرًا أكبر على عملية صنع القرار في إسرائيل من الرئيس ترامب. لقد أثبت مرارًا أنه عندما يقرر جعل قضية ما أولوية، فإن القادة الإسرائيليين يصغون إليه. كما أن له تأثيرًا كبيرًا على شركاء عرب أساسيين ستكون مشاركتهم ضرورية لأي سلام دائم.
إذا استُخدم هذا التأثير ليس فقط لوقف الحروب، بل لبناء السلام، فقد يصبح ذلك أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية في عصرنا. وينبغي لمجموعة السبع أن تعمل بالشراكة مع الولايات المتحدة، من أجل خلق إطار دولي موحد يجمع بين القيادة الأميركية، والالتزام الأوروبي، والمشاركة الإقليمية، والضمانات الدولية. وحده مثل هذا التحالف يمتلك الوزن اللازم لدفع الأطراف إلى تجاوز إخفاقات الماضي.
أطلب منكم دعم خمس خطوات عملية وملموسة.
أولًا، أن توضحوا أن هدف السياسة الدولية هو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل.
ليس كطموح بعيد. وليس كشعار. بل كهدف سياسي حقيقي له جدول زمني واضح.
ثانيًا، دعم إعادة إعمار غزة تحت سلطة حكم فلسطينية شرعية ترفض الميليشيات المسلحة، وتكون قادرة على توفير الأمن، والخدمات، والمساءلة، والأمل. يستحق أهل غزة مستقبلًا يتجاوز الحرب.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن إعادة إعمار غزة بينما تواصل تنظيمات مسلحة العمل خارج سلطة الدولة. يجب أن تكون هناك سلطة حكم شرعية واحدة، وبنية أمنية واحدة، واحتكار واحد لاستخدام القوة. ويجب أن يكون نزع السلاح جزءًا من العملية السياسية، وأن يُنفذ بطريقة توفر الثقة للطرفين، وترتبط بالإطار الأوسع للسلام، وإعادة الإعمار، والأمن، وإقامة الدولة.
ثالثًا، الإصرار على ترتيبات أمنية تضمن ألا تُستخدم غزة والضفة الغربية مرة أخرى كمنطلق لهجمات ضد إسرائيل.
يجب أن يعرف الإسرائيليون أن السلام يعني الأمن. ويجب أن يعرف الفلسطينيون أن الأمن لن يُستخدم ذريعة دائمة لاستمرار الاحتلال. كلا الشعبين يستحقان السلامة، والكرامة، والحرية.
رابعًا، دعم التجديد الديمقراطي.
لا ينبغي حرمان الإسرائيليين ولا الفلسطينيين من فرصة انتخاب قادة قادرين على صنع السلام.
لقد أصبح القادة، في كثير من الأحيان، أسرى لبقائهم السياسي بدلًا من أن يكونوا خدامًا لمستقبل شعوبهم. وإذا كان القادة الحاليون غير قادرين على توفير مستقبل سياسي، فلا بد أن تظهر قيادات جديدة عبر الوسائل الديمقراطية.
خامسًا، إنشاء آلية تنفيذ دولية تتمتع بسلطة حقيقية، وموارد كافية، ومساءلة واضحة.
نحن لا نحتاج إلى إعلان آخر. نحن بحاجة إلى عملية تصمد أمام تغيّر الحكومات والأزمات السياسية. لقد أصبح هذا الصراع صراعًا ذا أبعاد دولية. ولذلك يجب أن يكون الحل مضمونًا دوليًا.
سيداتي وسادتي،
إن الناس الذين ألتقيهم على الجانبين منهكون. الآباء والأمهات الإسرائيليون يريدون لأطفالهم أن يعيشوا بلا خوف. والآباء والأمهات الفلسطينيون يريدون لأطفالهم أن يعيشوا بكرامة وحرية.
هذه ليست تطلعات متناقضة. إنها تطلعات متكاملة.
المستقبل الذي أؤمن به بسيط:
إسرائيل بوصفها الدولة القومية الديمقراطية للشعب اليهودي، مع مساواة كاملة لجميع مواطنيها.
وفلسطين بوصفها الدولة القومية الديمقراطية للشعب الفلسطيني، مع مساواة كاملة لجميع مواطنيها.
اعتراف متبادل بالارتباط التاريخي للشعب اليهودي بأرض إسرائيل، وبالارتباط التاريخي للشعب الفلسطيني بأرض فلسطين.
حدود مفتوحة للتعاون. وحدود قوية للأمن. اندماج إقليمي. شراكة اقتصادية. ونهاية للاعتقاد بأن شعبًا ما يستطيع تحقيق تطلعاته الوطنية من خلال إنكار تطلعات الشعب الآخر.
لن يحكم علينا التاريخ من خلال الخطب التي نلقيها. سيحكم علينا من خلال ما إذا كنا قد امتلكنا الشجاعة للتحرك عندما كان التحرك ما يزال ممكنًا.
الخيار المطروح أمامنا واضح:
دولتان، واعتراف متبادل، وأمن، وسلام.
أو حرب دائمة.
أطلب منكم أن تساعدوا في اتخاذ الخيار الصحيح.
نافذة حل الدولتين لم تُغلق بعد، لكنها تضيق. وستسأل الأجيال القادمة من الإسرائيليين والفلسطينيين: هل تحركنا عندما كان الوقت لا يزال متاحًا؟ فلنجعل إجابتنا: نعم.
شكرًا لكم

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

كأس العالم.. كأس العجب


لم يكن المشهد الافتتاحي لكأس العالم في المكسيك وكندا وأمريكا بالمستوى الذي توقعه كثيرون لهذا الحدث الكروي، الذي لطالما اعتُبر بالنسبة للبشرية قاطبة الحدث الأكثر شعبية حول العالم. فبينما اعتادت الجماهير أن ترى المدرجات مكتظة منذ اللحظة الأولى لانطلاق حفل الافتتاح، بدا المشهد هذه المرة مختلفاً جداً عن ما قدمته الدوحة قبلهم؛ مقاعد فارغة على مدّ البصر وجماهير حانقة لارتفاع أثمان التذاكر، حتى بات الغياب بمثابة اللاعب رقم 12 في البطولة.
ولعل أكثر ما يثير القلق أن هذا الغياب الفاقع لجماهير الكرة لم يكن أمراً عارضاً، بل بدا انعكاساً واضحاً ومباشراً لسياسات العناد التي انتهجتها الفيفا في إجراءاتها الجديدة التي طالت مناحِ عديدة بما فيها الأسعار الفلكية للتذاكر، وهو ما جعل من حضور المباريات حلماً بعيد المنال لدى شرائح واسعة من المشجعين. وبذلك تحولت الرياضة الأكثر شعبية إلى رياضة أشبه برياضة البولو المقتصرة على جمهور الأثرياء، فيما أصبحت المناسبة التي يفترض أن تكون احتفالاً بالعدالة الإنسانية الجامعة، إلى حدث يقترب أكثر من النخبوية ومواطن الثراء، بعيداً عن نبض الجمهور الكروي بكامل مشاربه وشرائحه الاجتماعية.
ولعل من المقلق أكثر عدم وقوف المشهد عند حدود المدرجات، بل وصوله إلى سلب اللعبة عدالتها وحياديتها المنشودتين، خاصة مع تفعيل أمريكا تحديداً لإجراءات الحجب والمنع لتطال عدداً من اللاعبين والحكام وممثلي الاتحادات الدولية خاصة، ضمن سياسة إقصائية بوليسية صارمة اخترقت مواثيق الـ "فيفا"، ليرافقها استجوابات مطولة بحق الشرائح المذكورة، إضافة إلى إجراءات تفتيش للجميع وُصفت بالمهينة والمذّلة، وهو ما بدد صورة التنظيم وعدالته المعهودة، وفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول مدى انسجام القيم الرياضية مع واقع الممارسة على الأرض.
في خضم هذه الأجواء، جاء انقطاع خدمات "ميتا" في اليوم الثاني من البطولة ليضيف بعداً آخر من الارتباك، خاصة وسط عالم بات يتنفس إنترنت وإعلام اجتماعي وذكاء اصطناعي. هذا الحال إنما غيّب التفاعل اللحظي مع المباريات، وقدرة المحظوظين ممن دخلوا الملاعب على نقل الصور والتفاعل عبر المنصات الرقمية. الغياب الرقمي العالمي إنما خلق تطوراً مفاجئاً، أجهض روح التفاعل العالمية التي باتت في عالم الإنترنت والتواصل اللحظي، جزءاً أصيلاً من أي حدث كروي كبير.
أما المشهد الدولي، فلم يكن أحسن حالاً رغم تصريحات دونالد ترامب بقرب انتهاء الحرب على إيران تمهيداً لانطلاق كأس العالم، مما يعني سرعة فسح المجال أمام ترتيب وإنجاز حدث تاريخي محوري يستهوي قلوب البشر وعقولهم بعيداً عن التأثير والتخريب. لكن استمرار الحرب ورغم زعم الرئيس الأمريكي بقرب توقيع اتفاق إنهائها، إنما أبقى على نيران التوترات الإقليمية مشتعلة، وما يرافقها من أوجاع سياسية وإعلامية، ألقت بظلالها الثقيلة على البطولة، رغم محاولات التهدئة والتصريحات المتفائلة كما أسلفت، والتي تحدثت عن تفاهمات أو انفراجات قريبة. لقد بات من الواضح أن كرة القدم وكما يبدو إنما لم تعد قادرة على الانفصال التام عن جغرافيا السياسة وتقلباتها.
وبين كل هذه العناصر المتداخلة -من مقاعد فارغة، إلى إجراءات سفر معقدة، وتعطل المنصات الرقمية، مروراً بسرقة مقتنيات فريق إنجلترا بما يشمل أحذية اللاعبين ومعدات تدريبهم، وصولاً إلى عالم مضطرب خارج أسوار الملاعب- يبقى السؤال الأكبر معلقاً: هل نحن أمام نسخة استثنائية من كأس العالم، أم أمام تجربة تكشف حتى تاريخه، فشل فكرة تنظيم البطولة في أكثر من دولة وسط عالم يزداد تعقيداً؟
الإجابة لا تزال أمامنا في الملاعب، ومكاتب الفيفا، وعند مجلس إدارتها، رغم عدم تفاؤلي بفعل المؤشرات الأولى التي أوحت بأن هذه النسخة، حتى الآن، أقرب إلى "كأس العجب" منها إلى كأس العالم. للحديث بقية!

[email protected]

أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 10:02 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في خطاب الرئيس أمام المجلس الثوري


في لحظة وطنية شديدة التعقيد، وبينما يواجه الشعب الفلسطيني حرباً مفتوحة على وجوده الوطني في غزة، وتصعيداً استيطانياً غير مسبوق في الضفة الغربية بما فيها القدس، جاءت كلمة الرئيس محمود عباس أمام المجلس الثوري المنتخب لحركة فتح لتؤكد أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يزال يستند إلى ركيزتين أساسيتين: الصمود السياسي، والبناء الديمقراطي للمؤسسات الوطنية من خلال صناديق الاقتراع.
أهمية الخطاب لا تكمن فقط في مضامينه السياسية المتعلقة بإنهاء الحرب، وإعادة الإعمار، وتنفيذ حل الدولتين، بل أيضاً في تأكيده الواضح على أن الديمقراطية الفلسطينية ليست ترفاً سياسياً ولا استحقاقاً مؤجلاً، وإنما جزء أصيل من معركة بناء الدولة الفلسطينية وترسيخ شرعيتها الداخلية والخارجية.
فالقراءة المتأنية للخطاب تكشف عن رؤية متكاملة لمسار سياسي ودستوري متدرج بدأ بالفعل، ويتجه نحو استكمال بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس المشاركة الشعبية والتداول السلمي للسلطة. هذا المسار لم يبدأ اليوم، بل انطلق من الانتخابات الطلابية والشبابية، مروراً بمسودة الدستور الانتقالي ثم انتخابات الهيئات المحلية التي جرت في ظروف بالغة الصعوبة، ثم المؤتمر العام الثامن لحركة فتح الذي شكل محطة تنظيمية مهمة أكدت قدرة الحركة على التجدد وإعادة إنتاج قياداتها عبر صناديق الاقتراع.
اليوم ينتقل هذا المسار إلى مرحلة أكثر أهمية، تتمثل في استكمال إعداد مسودة الدستور الفلسطيني، وقانون الأحزاب السياسية، وقانون الانتخابات العامة، باعتبارها الأسس القانونية لأي نظام ديمقراطي حديث. فالدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالمؤسسات والقوانين والضمانات الدستورية التي تنظم العلاقة بين المواطن والسلطة، وتحمي الحقوق والحريات، وتؤسس لسيادة القانون.
وفي هذا السياق، فإن الإعلان عن الجاهزية لإجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 يحمل دلالات سياسية عميقة. فهذه الانتخابات لا تمثل مجرد استحقاق انتخابي جديد، وإنما خطوة استراتيجية نحو تجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. كما أنها تعيد الاعتبار لفكرة المشاركة السياسية الشاملة التي تشمل الفلسطينيين أينما وجدوا، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة المساهمة في صياغة المستقبل الوطني. بما يعيد التوازن بين السلطات ويعزز الرقابة والمساءلة ويكرس مبدأ الفصل بين السلطات، وهو أحد أهم أسس الحكم الرشيد والديمقراطية الحديثة.
أما الانتخابات الرئاسية المقررة مطلع عام 2027، فهي تمثل الحلقة الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي المتكامل، الذي يبدأ من القاعدة الشعبية وينتهي بتجديد الشرعيات الوطنية عبر صناديق الاقتراع وبالرجوع للراي العام وحرية اختيار المواطن لممثليه. فالتداول السلمي للسلطة ليس مطلباً دولياً فحسب، بل حاجة ومصلحة وطنية فلسطينية تعزز وحدة النظام.
وفي ظل محاولات الاحتلال الإسرائيلي المستمرة لتقويض فرص قيام الدولة الفلسطينية، يصبح البناء الديمقراطي نفسه شكلاً من أشكال المقاومة السياسية. فكل مؤسسة فلسطينية منتخبة، وكل قانون عصري، وكل عملية اقتراع شفافة، تمثل رداً عملياً على محاولات إنكار الوجود السياسي الفلسطيني. ولهذا فإن الديمقراطية ليست منفصلة عن المشروع الوطني، بل هي إحدى أدوات حمايته وتعزيزه.
كما أن تركيز الرئيس على تمكين الشباب والمرأة والكفاءات الفلسطينية يعكس فهماً متقدماً لطبيعة الدولة التي نسعى إليها. فالدول الحديثة لا تُبنى بالاستبعاد، وإنما بالشراكة. ولا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح دون استثمار طاقات الأجيال الجديدة وإشراك النساء والخبرات الوطنية في صناعة القرار.
إن الرسالة الأبرز التي حملها خطاب الرئيس أمام المجلس الثوري هي أن فلسطين، رغم الاحتلال والحرب والحصار والاستيطان ومحاولات التهميش، ماضية في بناء مؤسساتها الوطنية وفق قواعد الديمقراطية وسيادة القانون. وبينما يحاول الاحتلال فرض وقائع القوة على الأرض، يتمسك الفلسطينيون بشرعية القانون والمؤسسات والانتخابات.
لقد أثبت المؤتمر الثامن لحركة فتح أن التجدد ممكن، ويؤكد المسار المعلن نحو الدستور وانتخابات المجلس الوطني ثم الانتخابات الرئاسية أن الديمقراطية الفلسطينية لم تعد مجرد شعار سياسي، بل أصبحت خارطة طريق وطنية نحو تجديد الشرعية وتعزيز الوحدة وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية.
وفي عالم يتحدث كثيراً عن الديمقراطية، يقدم الفلسطينيون نموذجاً لشعب يخوض معركتين متوازيتين في آن واحد: معركة الحرية ضد الاحتلال، ومعركة بناء الدولة عبر المؤسسات. وبين المعركتين تتجسد الحقيقة الأهم: أن الدولة الفلسطينية القادمة لا تُنتزع فقط من خلال النضال الوطني، بل تُبنى أيضاً من خلال الشرعية والديمقراطية. فلنعمل جميعا للمشاركة السياسية والمواطنة الصالحة ومحاربة الفساد لاستكمال وضمان انتظام صحة العملية الديمقراطية وترجمة ما جاء في الخطب من الصمود السياسي والديمقراطية وبناء الدولة.



فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

في حرب الأيام الستة، طردت إسرائيل 300 ألف عربي وفروا هاربين.. قصة نكبة عام 1967


الحلقة الأولى

لاجئون من القرى المحتلة في منطقة اللطرون، طردهم الجيش الإسرائيلي، وقام الصندوق القومي اليهودي بتغطية الأنقاض بأشجار من حديقة كندا. صورة: بانيا بن نون 

التقرير التالي بقلم آدم راز، الباحث في معهد عكبوت (الأعقاب) لدراسة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ونشرته صحيفة هآرتس يوم 4 حزيران 2026 وهو يصلح لأن يكون وثيقة "شاهد من أهله" تروي بعضا من تفاصيل جرائم الحرب والقتل والتدمير التي ارتكبتها إسرائيل في عدوان حزيران 1967. صحيح أن التقرير طويل لكن المعلومات التي يحتويها مهمة جدا لأنها تغطي حقبة ربما سمعت الغالبية الكثير عنها لكنها لم تقرأ عنها ما يكفي!!

المترجم

"سألت الضابط: وإذا سمعت بكاء أطفال، فهل أطلق النار أيضاً؟ فكان جوابه: لا تكن فتاة (جباناً)"

قال أحد الجنود: "في البداية لم أوافق على إعدام العرب الذين لم يقاوموا. ثم توصلنا إلى استنتاج مفاده أنه كان علينا قتلهم. لقد مررنا بعملية التوقف عن رؤيتهم كبشر".

وأوضح جندي ثان أنه في غزة "لم تكن حياة البشر في خطر. كان بإمكانك القتل، لم يكن هناك قانون. لن يقول لك أحد كلمة واحدة، لكنه شعور سيء. إنه في الغالب يقتل الصورة الإنسانية".

وتحدث جندي ثالث عن "حملات عقابية كنا نقوم بها في قرى الأقليات في قطاع غزة، أكثر من مرة أو مرتين. كنا نقبض على الرجال، ونوقفهم ونقضي عليهم. بالنظر إلى الوراء، يبدو الأمر وكأنه جريمة قتل".

أدلى جندي رابع بشهادته قائلاً: "كنا نتجول في مخيمات اللاجئين في غزة وننفذ عمليات تطهير. كل رجل رأيناه كان جندياً، هذا واضح. من المستحيل إثبات ذلك. ربما كان الأمر يتعلق بقتل سجناء أو مدنيين. كل جندي تجول هناك أنشأ ما يشبه معسكر اعتقال ولم يترددوا في قتل أي شخص يعترض طريقهم ولو قليلاً".

قال جندي خامس عن محاولة التمييز بين غريزة القتل وغريزة الرياضة: "إنه نقاش فلسفي".

ظهرت هذه الشهادات، التي لم تُنشر قط، في حوارات المقاتلين التي دارت في الكيبوتسات بعد حرب الأيام الستة. جُمعت مختارات من هذه المحادثات في كتاب مرجعي، لكن الكثير من الأدلة الدامغة حُذفت. كشف فيلم مور لوشي، الذي أُنتج قبل عقد من الزمن بعنوان حوار المقاتلين: اللقطات الخفية، عن بعض الجرائم التي ارتُكبت عام 1967، لكن الغالبية العظمى منها بقيت حبيسة المونتاج.

قالت لوشي عند عرض الفيلم: "من بين 200 ساعة من التسجيل، يتناول عدد كبير منها جرائم الحرب. وقد تكررت هذه القصة في كل كيبوتس تقريباً، وتكررت مراراً وتكراراً. وقد أدرجنا في الفيلم ثلاث أو أربع شهادات حول تصفية السجناء".

إن دراسة المحاضر الكاملة، الموجودة في أرشيف ياد تابنكين في رامات إفعال، صادمة، وتُظهر مدى عمق الهوة بين الذاكرة الجماعية في إسرائيل والواقع. تُشكّل هذه المحاضر، إلى جانب سلسلة من الوثائق التي تُنشر هنا لأول مرة، أساس تحقيق ملحق صحيفة هآرتس ودراسة أجراها معهد عكبوت (أعقاب) حول ما جرى خلال حرب الأيام الستة وما تلاها. يكشف التحقيق التاريخيأن إسرائيل طردت نحو 300 ألف عربي من الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان. وكما حدث عام 1948، شمل الطرد قتل المدنيين، وبث الرعب في المجتمعات العربية، والنهب، والتدمير في نهاية المطاف.

في الأسابيع التي أعقبت الحرب، سعى آلاف اللاجئين الفلسطينيين للعودة إلى الضفة الغربية بعد لجوئهم إلى شرق نهر الأردن. إلا أن قوات الجيش الإسرائيلي نصبت كمائن للعائدين وارتكبت مجزرة بحقهم. لم يُعلن عن مقتل الفلسطينيين العائدين، لكن الخبر وصل إلى مسامع عضو الكنيست أوري أفنيري. أخبره جندي مفجوع التقى به أنه ورفاقه تلقوا أوامر بإطلاق النار على النساء والأطفال. بعد الاستماع إلى شهادة جندي آخر، توجه أفنيري إلى رئيس الأركان إسحق رابين لفتح تحقيق وإصدار أمر بوقف القتل.

لم ينشر أفنيري هذه الكلمات في صحيفته هعولام هَزيه (هذا العالم)، ولم يتحدث عنها من على منصة الكنيست. ومثل غيره، التزم الصمت وانتظر خمسة عقود حتى كشف عنها في سيرته الذاتية:

"كل ليلة، يعبر العرب نهر الأردن من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية. كنا نغلق هذه المعابر، ونتلقى أوامر بإطلاق النار بقصد القتل، دون سابق إنذار. وبالفعل، كانت تُطلق هذه الرصاصات كل ليلة على الرجال والنساء والأطفال، حتى في الليالي المقمرة، عندما كان من الممكن تحديد المعابر. أي، للتمييز بين الرجال والنساء والأطفال. في الصباح، كنا نخرج لمسح المنطقة، ونقتل وفقاً للأمر الصريح من الضابط الموجود، الأحياء منهم، بمن فيهم المختبئون والجرحى. بعد انتهاء القتل، كنا ندفن الجثث بالتراب حتى وصول الجرار".


لاجئون فلسطينيون في سفوح تلال القدس. تُظهر الوثائق وجود فجوة هائلة بين الذاكرة الجماعية في إسرائيل وما حدث بالفعل. صورة: بانيا بن نون

أدلى جندي آخر بشهادته قائلاً: "أوضحوا لنا أنه إذا صادفنا قوافل لاجئين عائدين من الأردن إلى الضفة الغربية، فعلينا إطلاق النار عليهم. سألت الضابط: وإذا سمعت بكاء أطفال، فهل أطلق النار أيضاً؟ فكان جوابه: لا تكن فتاة (جباناً)".

اعترف عوزي نركيس، وهو لواء في القيادة المركزية خلال الحرب، لاحقاً بأن المقاتلين تلقوا تعليمات بإطلاق النار على العائدين وقتلهم إذا لم يعرفوا كلمة السر. وكيف كان للاجئين الفلسطينيين أن يعرفوا كلمة السر التي ستنقذهم من الموت؟ قال نركيس لصحيفة كوتيريت رشيت عام 1985: "أحياناً يبالغ البعض في تصرفاتهم، فبدلاً من طلب كلمة السر، يطلقون النار فوراً. عندما تندلع الحرب، تحدث مآسٍ".

أفاد الجيش الإسرائيلي نفسه أنه بحلول أوائل أيلول، قُتل ما يقرب من 150 فلسطينياً بهذه الطريقة، كما أكد رئيس الأركان رابين في اللجنة الوزارية للشؤون الأمنية أن هذه كانت الأوامر المتعلقة بالمتسللين. وتتوافق هذه الأوامر مع قرار الحكومة الصادر في 25 يونيو/حزيران بمنع عودة اللاجئين الذين عبروا نهر الأردن شرقاً.

بالعودة إلى حديث المقاتلين، يقول أحد الجنود: "لنفترض أننا مضطرون لمعاملة العرب بهذه الطريقة، فالسؤال هو ألا يُغفل ذلك جانباً أخلاقياً هاماً من كل ما نقوله فيما بيننا. أنا لست نباتياً، لكن هذا النوع من القتل لا بد أن تكون له عواقب وخيمة في حياتنا لاحقاً".

ثم روى قصة فتى أردني وقف لفترة طويلة على جانب الطريق ضمن مجموعة، حتى "ضربه الجنود برصاص كثيف وأخبروني بحماس شديد أنهم أطلقوا كل رصاصاتهم". كان يعرف كيف يُبلغ عن حصاد" كبير حدث في مكان آخر، لكنه لم يُسهب في الحديث عنه.

قارن مشارك آخر في الحوار سلوك الجنود النظاميين بسلوك جنود الاحتياط، قائلاً: "الجنود النظاميون يقتلون بسهولة أكبر. إنهم يرتكبون فظائع. لقد قتلوا وأطلقوا النار على السجناء حتى لو رفعوا أيديهم". وأضاف أنه شهد إعدام حوالي 15 رجلاً كانوا عُزّلاً.

يتكرر هذا النوع من الشهادات مراراً وتكراراً في محاضر الجلسات. قال أحد الجنود إنه شهد "حالات صدمتني حقاً، عمليات إعدام وما شابه". وروى جندي احتياطي أوامر صريحة بإعدام فلسطينيين أُسروا: "لم تكن محاكمة، لكن كان هناك ضابط من الحكم العسكري، من المخابرات، لا أعرف أين تحديداً؟ كان يراجع الوثائق ويقول: يجب إعدامهم، دون أي تفلسف".

لم تكن جرائم القتل تهدف دائماً إلى تسريع الترحيل أو التخلص من السجناء. روى جندي حادثة وقعت في شمال سيناء، في بحيرة البردويل. صادف الجندي ورفاقه سبعة عرب، مدنيين على ما يبدو، يجلسون على متن قارب شراعي صغير. ووفقاً له، فإن ممرضة رحيمة كانت ترافقهم "بادرت على الفور واقترحت إطلاق النار عليهم من مسافة بعيدة. صرخت في وجه المقاتلين: (أسرعوا، إنهم عرب!). قام جزء من القوة بتجهيز أسلحتهم، وظن الجندي في نفسه أنهم يضحكون. عندما أدرك جديتهم، صرخ في وجه الضابط: (لن تطلق النار، هل تسمع؟) لكن الضابط أجاب بأنه لا يتلقى أوامر منه. وتابع الجندي في شهادته: (خرجت المجموعة الأولى، وانضم إليها الجميع على الفور وأطلقوا النار من مسافة بعيدة. قفز ركاب القارب إلى الماء جرحى، ومن باب الشفقة قلت لأحدهم: حسناً، أطلق النار عليهم الآن)".

كتب جندي آخر إلى حبيبته: "لقد حوّلنا شبه جزيرة سيناء إلى وادٍ للقتل"، قائلاً إن الناس كانوا يُعدمون حتى وإن لم يكونوا يحملون أسلحة، وأن هذا الأمر كان يحدث مع كل من الجنود الأسرى والمدنيين. "لقد رأيتُ جرائم قتلٍ كثيرة لدرجة أنني لا أستطيع البكاء". لم يكن هذا الأمر شاذاً. ففي إحدى أكثر الحالات صدمة التي أُعدم فيها أسرى، كان من أصدر الأمر هو موشيه ليفي، ضابط أركان في قوات المظليين. وقد عُيّن ليفي لاحقاً رئيساً للأركان.








اسرائيليات

الأحد 14 يونيو 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

زلزال سياسي في تل أبيب: اتفاق ترامب مع إيران يثير غضباً إسرائيلياً ووصفه بـ 'الهزيمة التاريخية'

يتصاعد التوتر داخل الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل، حيث يتراوح المزاج العام بين العتب الشديد والغضب تجاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو. يأتي هذا الحراك عقب توقيع مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، يرى فيها مراقبون في تل أبيب تعزيزاً لقوة إيران وإضعافاً للموقف الإسرائيلي بعد جولات عسكرية لم تحقق أهدافها المعلنة.

وتذهب تقديرات إسرائيلية واسعة إلى اعتبار الاتفاق الجديد مع طهران أكثر خطورة من اتفاق عام 2015 الذي أبرمه باراك أوباما. ويرى منتقدون أن ترامب تخلى عن المصالح الأمنية الإسرائيلية في لحظة حرجة، مما دفع البعض لوصف الموقف بأن واشنطن ألقت بحليفتها تحت عجلات المصالح الأمريكية البراغماتية.

وينبع الإحباط الإسرائيلي من طبيعة الاتفاق الذي يعتمد مبدأ التدرج، مما يمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس وإنعاش اقتصاده المتهالك. فالاتفاق يسمح بالإفراج عن أموال مجمدة واستئناف تصدير النفط، وهو ما تعتبره إسرائيل وسيلة لتمويل أنشطة طهران الإقليمية بدلاً من تشديد الحصار عليها.

ومن المقرر أن يلتئم المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية (الكابنيت) مساء اليوم لبحث التداعيات الاستراتيجية لهذا الاتفاق. وتسود مخاوف من أن يؤدي الغموض المحيط ببنود المذكرة إلى منح إيران هامشاً للمناورة في ملف تخصيب اليورانيوم، بعيداً عن الرقابة الصارمة التي كانت تطالب بها تل أبيب.

أحد أكثر النقاط إثارة للقلق في إسرائيل هو الربط المفترض بين الملف النووي والوضع في لبنان، حيث تشير تسريبات إلى تفاهمات تقضي بانسحاب الاحتلال من الجنوب. ويرى قادة عسكريون أن هذا المسار سيعزز من نفوذ حزب الله ويمنحه القدرة على ترميم بنيته العسكرية التي تضررت خلال المواجهات الأخيرة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن الجيش الإسرائيلي يعبر عن قلق بالغ من إمكانية تكبيل يديه في مواجهة التهديدات الشمالية بموجب الاتفاق الجديد. ويقارن القادة العسكريون بين هذا الوضع واتفاق نوفمبر 2024، محذرين من فقدان حرية الحركة العملياتية التي كانت تتمتع بها القوات الإسرائيلية.

على المستوى الرسمي، التزمت الحكومة الإسرائيلية الصمت تجاه إعلان ترامب، باستثناء تصريحات حادة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش. ودعا الأخير نتنياهو إلى تبني سياسة هجومية أكثر صرامة، مطالباً بتطبيق معادلة استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل أي تهديد لمستوطنات الجليل.

من جانبه، شن رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك هجوماً لاذعاً على الاتفاق، واصفاً إياه بـ 'السيئ جداً' الذي جعل إيران تخرج بوضعية أقوى. واعتبر باراك أن الرهان على القوة المفرطة دون رؤية سياسية واضحة أدى إلى تبديد المكاسب العسكرية وتحويلها إلى خسارة استراتيجية فادحة.

وفي سياق متصل، أكد الجنرال في الاحتياط عاموس يادلين أن إيران نجحت في تحييد الإنجازات العسكرية الإسرائيلية عبر براعة دبلوماسية وضغوط اقتصادية. وأشار يادلين إلى أن استخدام طهران لورقة مضيق هرمز والضغط على دول الخليج أجبر الإدارة الأمريكية على تقديم تنازلات لم تكن متوقعة.

ويرى محللون سياسيون، من بينهم بن كسبيت أن نتنياهو قاد إسرائيل إلى 'هزيمة سياسية خطيرة' رغم المنجزات الميدانية ضد حماس وحزب الله. وحذر هؤلاء من أن التعلق المطلق بترامب أثبت فشله، حيث تغلبت المصالح الأمريكية الخاصة على الوعود التي قُدمت لتل أبيب خلال الفترة الماضية.

وتشير تقارير صحفية إلى أن إيران حققت مكسباً جوهرياً بالفصل بين ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز والملف النووي. هذا الفصل يمنح طهران قدرة أكبر على المناورة السياسية دون أن تضطر لتقديم تنازلات جوهرية في برنامجها النووي الذي تعتبره إسرائيل تهديداً وجودياً.

ويبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة ترامب، قد سئمت من استمرار النزاعات في الشرق الأوسط وتتجه نحو إغلاق الملفات العالقة. ويرى مراقبون أن انشغال واشنطن بالانتخابات النصفية وقضاياها الداخلية جعلها تفضل التهدئة مع إيران على حساب المطالب الإسرائيلية المتشددة.

هذه التطورات انعكست سلباً على المزاج العام في إسرائيل، حيث أظهرت أبحاث حديثة تزايد المخاوف من اندلاع حرب أهلية نتيجة الانقسامات الداخلية. وأشار بحث لمعهد سياسات الشعب اليهودي إلى أن نصف الإسرائيليين باتوا يشككون في مستقبل أجيالهم القادمة داخل الدولة.

في الختام، يرى خبراء أن إيران أثبتت قدرة عالية على الصبر في 'لعبة عض الأصابع' الدبلوماسية، ممتصة الضربات العسكرية لتنتزع مكاسب سياسية. وفي المقابل، تجد إسرائيل نفسها في مواجهة واقع جيوسياسي جديد يفرض عليها إعادة تقييم تحالفاتها واعتمادها الكلي على الدعم الأمريكي.

فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 9:59 صباحًا - بتوقيت القدس

خرائط التمدد الإسرائيلي: أحزمة أمنية ومناطق نفوذ تلتهم 1100 كم مربع في غزة ولبنان وسوريا

كشفت معطيات ميدانية وتوثيق جغرافي حديث عن تحول ما تصفه إسرائيل بـ'المناطق الأمنية العازلة' في قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا من خطوط مؤقتة إلى نطاقات احتلال ونفوذ عسكري واسع. وتتجاوز المساحات الخاضعة للسيطرة المباشرة أو التأثير العسكري الإسرائيلي حالياً حاجز 1100 كيلومتر مربع، مما يشير إلى استراتيجية لترسيخ أحزمة أمنية دائمة تتفاوت بين التمركز القتالي والتحكم الميداني وفرض القيود على الحركة.

وتبرر سلطات الاحتلال هذا التمدد بدواعٍ أمنية، حيث أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أبريل 2025 أن الجيش لن ينسحب من المناطق التي صنفها 'آمنة' في قطاع غزة حتى في حال التوصل لتسويات مستقبلية. هذا النهج ينسحب أيضاً على الجبهة الشمالية، حيث أبقت إسرائيل على مواقع عسكرية في جنوب لبنان رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، معتبرة إياها جزءاً من منطقة عازلة جديدة.

في جنوب لبنان، أظهرت عمليات المطابقة الجغرافية لمواد مصورة نشرت مؤخراً أن التحركات الإسرائيلية امتدت لتشمل شبكة واسعة من التمركزات العسكرية الاستراتيجية. وقد وثقت مصادر ميدانية إنشاء جسر فوق نهر الليطاني، بالإضافة إلى رصد آليات وقوات داخل بلدة الطيبة، مما يعكس رغبة في تثبيت نقاط ارتكاز تتجاوز الخط الأزرق التقليدي.

ومن أبرز نقاط التمركز الإسرائيلي في لبنان تبرز قلعة الشقيف التاريخية، حيث أكدت التحققات وجود قوات الاحتلال داخلها على بعد نحو خمسة كيلومترات من الحدود. وكان وزير الأمن الإسرائيلي قد صرح صراحة بأن القوات ستبقى في هذه القلعة الاستراتيجية ضمن ما وصفها بالمنطقة الأمنية الجديدة، لضمان التفوق الميداني في القطاع الشرقي.

وتشير التقديرات المستندة إلى أدوات القياس الجغرافي إلى أن مساحة الاحتلال أو التأثير العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان بلغت نحو 625 كيلومتراً مربعاً. وتمثل هذه المساحة قرابة 6% من إجمالي مساحة الأراضي اللبنانية، ويقع معظمها ضمن مناطق تعرضت لأوامر إخلاء متكررة وقصف مكثف أدى لتدمير واسع في البنية التحتية.

أما في قطاع غزة، فيبدو النمط مشابهاً من حيث السعي لفرض واقع جغرافي جديد عبر توسيع 'الخط الأصفر'. ورغم مرور أشهر طويلة على تفاهمات سابقة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مايو الماضي رفع نسبة الأراضي المشمولة بالمنطقة العازلة لتصل إلى 70% من مساحة القطاع الكلية.

وأظهرت نتائج تحليل الخرائط أن نحو ثلث مساحة قطاع غزة فقط يقع حالياً خارج نطاق الاحتلال البري المباشر أو مناطق النفوذ المعلنة. وتقدر المساحة الخاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة بنحو 425 كيلومتراً مربعاً، حيث تنتشر القوات في محاور استراتيجية تقسم القطاع وتتحكم في مفاصله الحيوية.

وعلى الجبهة السورية، استغل الجيش الإسرائيلي التطورات الميدانية وسقوط النظام في ديسمبر 2024 للتحرك سريعاً وتجاوز خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وسيطرت القوات الإسرائيلية على المنطقة العازلة السابقة قبل أن توسع انتشارها إلى مواقع أعمق في محافظتي القنيطرة ودرعا، وصولاً إلى محيط جبل الشيخ الاستراتيجي.

ويحظى جبل الشيخ بأهمية استثنائية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث أعلن يسرائيل كاتس في مطلع عام 2025 أن الجيش سيبقى في المنطقة ومحيط الجبل إلى أجل غير مسمى. ويترافق هذا التواجد مع إنشاء مواقع عسكرية دائمة وطرق إمداد ونقاط مراقبة متطورة تطل على مساحات شاسعة من الداخل السوري.

ورصدت صور الأقمار الصناعية إنشاء مواقع لوجستية جديدة شمال خط الفصل قرب مجدل شمس، حيث تتموضع القوات على عمق يزيد على كيلومترين داخل الأراضي السورية. كما شمل التوسع بلدات جباتا الخشب والحميدية والقنيطرة والقحطانية، حيث ظهرت الآليات العسكرية الإسرائيلية وهي تتحرك بحرية في تلك المناطق.

وتقدر مساحة النفوذ العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بنحو 235 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة لا تخضع بالكامل لسيطرة مشاة دائمة ولكنها تقع تحت السيطرة النارية والمراقبة. وتدير إسرائيل داخل هذه المنطقة مواقع ثابتة وطرقاً عسكرية تضمن لها التدخل السريع عند الضرورة، مما يحولها إلى منطقة نفوذ فعلية.

ويتزامن هذا التوسع الميداني مع ضغوط سياسية ومطالب إسرائيلية بنزع السلاح من محافظات الجنوب السوري الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء. ويرى خبراء أن هذا التصور الأمني يهدف لإنشاء حزام أمني يمتد عملياً حتى الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، وهو ما يضع مساحات شاسعة تحت التهديد العسكري المباشر.

إن هذه الأحزمة الأمنية التي تفرضها إسرائيل على الجبهات الثلاث تعكس تحولاً في الاستراتيجية العسكرية من 'الدفاع الحدودي' إلى 'الاحتلال الوقائي'. ومن خلال قضم الأراضي وتثبيت الوقائع الميدانية، تسعى إسرائيل لفرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية، مستندة إلى سيطرة جغرافية تجعل من العودة إلى حدود ما قبل النزاع أمراً معقداً.

في الختام، تظهر الخرائط المحدثة أن إسرائيل نجحت في اقتطاع مساحات استراتيجية من دول الجوار ومن قطاع غزة تحت غطاء المناطق العازلة. ومع استمرار بناء المنشآت اللوجستية والطرق العسكرية، يبدو أن هذه المناطق مرشحة للبقاء كأحزمة نفوذ طويلة الأمد، مما يغير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل جذري.

اقتصاد

الأحد 14 يونيو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

شراكة بين الجيش المصري و"طاقة عربية": تخارج حقيقي أم إعادة هيكلة للهيمنة؟

شهدت الساحة الاقتصادية في مصر تطوراً لافتاً بتوقيع جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الذراع الاقتصادية للمؤسسة العسكرية، اتفاقية مع شركة "طاقة عربية" المدرجة في البورصة. وبموجب هذا الاتفاق، يتم نقل ملكية 10% من حصص محطات وقود "وطنية" التي تمتلك 172 موقعاً استراتيجياً في مختلف أنحاء البلاد، وهو ما ينهي تعثراً في هذه الصفقة استمر لنحو ست سنوات.

تأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط مستمرة من صندوق النقد الدولي الذي طالب مراراً بضرورة تخارج المؤسسة العسكرية من النشاط الاقتصادي وتقليص عدد شركاتها. وقد أشار الصندوق في تقارير سابقة إلى أن الشركات التابعة للجيش، والبالغ عددها نحو 97 شركة، تتمتع بمزايا تفضيلية وإعفاءات ضريبية تؤثر على تنافسية القطاع الخاص.

الاتفاق الجديد يقضي بتأسيس كيان مشترك يحمل اسم شركة "كويك فيول" لتجارة وتوزيع المنتجات البترولية، حيث ستمتلك "طاقة عربية" حصة أولية مع حق زيادة هذه النسبة مستقبلاً. وستتولى الشركة الجديدة إدارة وتشغيل المحطات، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الإدارة في المرحلة المقبلة ومدى استقلالية القرار التجاري فيها.

أفادت مصادر بأن الحضور العسكري الرفيع خلال مراسم التوقيع، برئاسة اللواء مجدي أنور واللواء خالد عبدالله، يعكس وجود توافق داخلي في المؤسسة العسكرية على هذا المسار. ومع ذلك، يرى مراقبون أن النسبة المطروحة ضئيلة جداً ولا تعبر عن تخارج شامل، بل قد تكون مجرد استجابة شكلية للمطالب الدولية.

تعتبر شركة "طاقة عربية"، التي يرأسها رجل الأعمال أحمد هيكل، شريكاً استراتيجياً قديماً للمؤسسة العسكرية، حيث يمتلك جهاز الخدمة الوطنية بالفعل 20% من أسهمها. هذا التداخل في الملكية يثير شكوكاً لدى بعض المحللين حول ما إذا كانت الصفقة تمثل انتقالاً حقيقياً للقطاع الخاص أم أنها إعادة تدوير للأصول داخل دوائر النفوذ ذاتها.

حققت "طاقة عربية" قفزة كبيرة في أرباحها خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت 225 مليون جنيه بزيادة قدرها 65%. وتمتلك الشركة خبرة واسعة في مجالات الطاقة الشمسية وتوزيع الغاز الطبيعي، مما يجعلها مؤهلة تقنياً لإدارة شبكة محطات "وطنية" وتطوير خدماتها التجارية الملحقة.

يرى خبراء اقتصاديون أن تحويل "وطنية" إلى شركة مدرجة أو تابعة لشركة مدرجة سيلزمها بتقديم ميزانيات معلنة وتقارير دورية كل ثلاثة أشهر. هذه الشفافية الإجبارية قد تكون أهم مكاسب الصفقة، حيث ستخرج بيانات الشركة من حيز السرية العسكرية إلى حيز الرقابة المالية العامة والمساهمين.

في المقابل، يرى سياسيون ومعارضون أن المؤسسة العسكرية تحاول احتكار أدوات الإنتاج والثروة لتأمين نفوذها السياسي والاجتماعي. واعتبر البعض أن التلاعب بالتشريعات والقوانين يهدف لتقنين هذا الاحتكار وضمان استمرار الهيمنة على الأصول الحيوية للدولة تحت غطاء الشراكات الاستثمارية.

تتزامن هذه الصفقة مع تحركات إماراتية واسعة في سوق الطاقة المصري، شملت الاستحواذ على امتيازات غاز في البحر المتوسط ومحطات طاقة رياح. هذا الحضور الأجنبي المكثف يثير مخاوف شعبية من فقدان السيطرة الوطنية على قطاع الطاقة الاستراتيجي في ظل الأزمة الاقتصادية الراهنة.

أشار الباحث يزيد صايغ في تقارير سابقة إلى أن قادة الجيش يمثلون حجر عثرة أمام أي مساس حقيقي بإمبراطوريتهم الاقتصادية. ويرى صايغ أن هناك مقاومة مستمرة داخل القوات المسلحة لعمليات بيع الشركات الكبرى، وهو ما يفسر تأخر تنفيذ الطروحات الحكومية لسنوات طويلة.

تطرح الصفقة تساؤلات جوهرية حول مصير شركات أخرى أعلنت الحكومة عن نيتها طرحها، مثل شركة "صافي" للمياه المعدنية وشركة "سايلو فودز". فهل ستكتفي الحكومة بطرح حصص رمزية لا تتجاوز 10%، أم ستنتقل إلى مرحلة التخارج الكلي الذي يطالب به المانحون الدوليون؟

على الجانب الإيجابي، يرى فريق من المحللين أن نموذج "دولة تمتلك وقطاع خاص يدير" قد يكون المخرج الأنسب للأزمة الحالية. فهذا النموذج يضمن الحفاظ على الأصول العامة مع رفع كفاءة التشغيل وزيادة الإيرادات من خلال خبرات القطاع الخاص في الإدارة والتسويق.

تتوزع ملكية "طاقة عربية" بين مساهمين من جنسيات مختلفة، تشمل شركات سعودية وبريطانية وبحرينية وأوغندية، بالإضافة إلى مساهمين مصريين. هذا التنوع في هيكل الملكية يمنح الشركة طابعاً دولياً، لكنه يضعها أيضاً تحت مجهر التدقيق فيما يتعلق بالأمن القومي المرتبط بقطاع الوقود.

يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية هو موازنة المطالب الدولية بفتح الاقتصاد مع الحفاظ على توازنات القوى الداخلية. وستكشف الشهور القادمة، مع اقتراب نهاية تمويل صندوق النقد، ما إذا كانت صفقة "وطنية" هي بداية لقطار الخصخصة أم مجرد محطة استثنائية لتخفيف الضغوط.

رياضة

الأحد 14 يونيو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

توضيح رسمي بشأن إزالة نجوم البطولات القارية من قميص منتخب مصر في المونديال

أصدر الجهاز الإداري للمنتخب المصري بياناً رسمياً حسم فيه الجدل المثار حول اختفاء النجوم التي ترمز للبطولات الإفريقية من قميص الفريق المشارك في نهائيات كأس العالم 2026. وأكد البيان أن الاتحاد المصري تلقى مراسلات رسمية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) قبل عدة أشهر، تشدد على منع إدراج أي شعارات أو نجوم تتعلق بالانجازات القارية على أطقم اللعب خلال المونديال.

وأوضح المسؤولون أن هذه القواعد التنظيمية ليست حكراً على المنتخب المصري، بل هي لوائح عامة يطبقها 'فيفا' على كافة المنتخبات الوطنية المشاركة في البطولة العالمية دون استثناء. وأشار الاتحاد إلى أن الإدارة كانت على دراية كاملة بهذه الضوابط منذ وقت مبكر، حيث جرى التنسيق مع كافة الجهات المعنية لضمان مطابقة الزي الرسمي للمعايير الدولية المطلوبة قبل انطلاق المنافسات.

ولم تقتصر تعديلات الاتحاد الدولي على إزالة النجوم فحسب، بل شملت أيضاً تفاصيل فنية تتعلق بهوية الأرقام المطبوعة على القمصان. فقد طلبت اللجان المنظمة تغيير لون أرقام لاعبي المنتخب المصري من اللون الذهبي الذي اعتاد عليه الجمهور مؤخراً إلى اللون الأبيض، وذلك لضمان أعلى مستويات الوضوح للمشاهدين عبر البث التلفزيوني وللحكام داخل أرضية الميدان.

وفي سياق متصل، استجابت شركة 'بوما' العالمية، المسؤولة عن توريد الملابس الرياضية للمنتخب، لهذه التوجيهات وقامت بإنتاج النسخ النهائية من الأطقم وفقاً للمواصفات الجديدة. وتأتي هذه الخطوة في إطار الالتزام بالبروتوكولات التجارية والتنظيمية التي يفرضها الاتحاد الدولي على الشركات المصنعة للمعدات الرياضية في كبرى المحافل الكروية العالمية.

وعلى الصعيد الفني، يستعد 'الفراعنة' لتدشين مشوارهم المونديالي ضمن المجموعة السابعة التي تضم إلى جانبهم كلاً من بلجيكا ونيوزيلندا وإيران. ومن المقرر أن يستهل المنتخب المصري أولى مبارياته بمواجهة قوية أمام نظيره البلجيكي مساء يوم الاثنين الموافق 15 حزيران/ يونيو، في تمام الساعة العاشرة ليلاً بتوقيت القاهرة، وسط تطلعات جماهيرية كبيرة لتحقيق نتائج إيجابية.

اسرائيليات

الأحد 14 يونيو 2026 9:14 صباحًا - بتوقيت القدس

إحباط إسرائيلي من محدودية نتائج العدوان على لبنان وتشكيك في فاعلية 'المنطقة الآمنة'

تسود حالة من الإحباط داخل الأوساط الأمنية في تل أبيب جراء محدودية النتائج التي حققها العدوان العسكري المستمر على جنوب لبنان. ورغم اتباع جيش الاحتلال سياسة الأرض المحروقة، إلا أن عملية الاقتحام الأخيرة التي نفذها مقاتل قرب كيبوتس 'موشاف مرغليوت' أعادت تسليط الضوء على الواقع الحرج عند الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة.

اعتبر البروفيسور عوزي رابي، خبير الشؤون الأمنية أن هذه العملية تمثل ضربة للمفهوم الأمني الإسرائيلي الذي تبلور عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023. وأوضح أن الطبيعة الجغرافية للحدود الشمالية، بضيق مساحتها وانحدارها الشديد، تجعل من أي محاولة تسلل تهديداً مباشراً للمستوطنات القريبة التي لا تبعد سوى مئات الأمتار.

أشار رابي في تحليل نشرته مصادر عبرية إلى أن محاولات تخريب السياج الحدودي لا يمكن اعتبارها حوادث معزولة أو مجرد استفزازات عابرة. بل يرى الخبير الإسرائيلي أن هذه التحركات هي اختبار حقيقي لقدرة الجيش على حماية الخط الفاصل ومنع تكرار سيناريوهات الاقتحام الواسعة.

صُممت المنطقة الأمنية في جنوب لبنان بهدف أساسي وهو عزل عناصر حزب الله ومنعهم من الوصول إلى نقطة التماس المباشرة. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى أن الحزب لا يزال قادراً على اختبار ردود الفعل الإسرائيلية وفتح محاور جديدة للعمليات العسكرية رغم القصف المكثف.

شدد التحليل على أن إسرائيل لم تعد تقبل بالواقع القديم الذي كان يسمح بالاقتراب من السياج الحدودي كنوع من إرسال الرسائل السياسية. فالسياج اليوم يمثل خطاً فاصلاً بين مفهومين أمنيين متناقضين، حيث تسعى تل أبيب لفرض سيطرة مطلقة تمنع أي وجود مسلح في محيطها.

من وجهة النظر الإسرائيلية، يفترض أن يفصل هذا السياج المستوطنات عن منظمة تمتلك ترسانة عسكرية ضخمة وشبكة معقدة من الأنفاق ومراكز الاستخبارات. وتخشى الدوائر الأمنية من أن أي ثغرة في هذا الجدار قد تؤدي إلى انهيار المنظومة الدفاعية التي جرى تحديثها مؤخراً.

يطرح الوضع في الجنوب اللبناني تساؤلات عميقة حول هوية المسيطر الفعلي على الأرض، هل هي الدولة اللبنانية أم حزب الله. ورغم وجود الحكومة والجيش اللبناني في المشهد الرسمي، إلا أن المعطيات الميدانية تؤكد استمرار هيمنة الحزب على مفاصل القوة والبنية التحتية العسكرية.

أكد رابي أن حزب الله لا يزال يحتفظ بولاءات محلية واسعة وقدرة لوجستية تمكنه من تحديد توقيت عبور الحدود والتحرك بحرية في القرى الجنوبية. وهذا الواقع يفرض على إسرائيل تحدياً مستمراً في كيفية التعامل مع منطقة لا تمارس فيها الدولة اللبنانية سيادة حقيقية.

لا تبدي إسرائيل رغبة في إدارة شؤون لبنان الداخلية أو التواجد الدائم هناك، لكنها ترهن استقرار الحدود بوجود عامل يمنع وصول المسلحين للسياج. وإذا فشل الجيش اللبناني في القيام بهذا الدور، فإن الاحتلال يهدد بمواصلة العمليات العسكرية لفرض هذا الواقع بالقوة مهما كان الثمن باهظاً.

جوهر الاختبار في المرحلة المقبلة لا يكمن في الاتفاقيات الدبلوماسية أو الصياغات الرنانة التي قد تصدر من واشنطن. بل يتمثل السؤال الحقيقي في من يسيطر فعلياً على المنطقة الممتدة بين القرى اللبنانية والسياج الحدودي ومن يملك القدرة على تفكيك البنى التحتية.

يرى الخبراء أن أي ترتيب لا يتضمن تفكيكاً كاملاً للأنفاق ومنعاً باتاً لإدخال الأسلحة سيكون مجرد توقف مؤقت للقتال. فالمطلوب إسرائيلياً هو جهة قادرة على مراقبة التحركات الليلية ومنع أي اقتراب غير منسق باتجاه الحدود لضمان أمن المستوطنات الشمالية.

يعتبر السياج الحدودي بمثابة اختبار للسيادة اللبنانية، حيث أن كل عملية تسلل تثبت أن الدولة ليست المالك الوحيد للقرار في الجنوب. وبقاء حزب الله قادراً على إدارة الأراضي وفرض أجندته يعني أن التهديد لا يزال قائماً ولم يتراجع رغم الضغط العسكري.

دعا رابي القيادة الإسرائيلية إلى التصرف بحكمة وحزم في آن واحد، لتجنب الظهور بمظهر من يحارب الدولة اللبنانية أو مواطنيها المدنيين. وفي الوقت ذاته، شدد على ضرورة عدم السماح للحزب بإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب عبر عمليات تسلل صغيرة ومتدرجة.

خلص التحليل إلى أن الأحداث العابرة على الحدود هي التي سترسم ملامح المرحلة القادمة، وأن الفشل في تأمين السياج يعني فشل العملية العسكرية برمتها. لذا، فإن إسرائيل تجد نفسها مضطرة لمراجعة خططها في ظل إصرار المقاتلين على الوصول لنقاط التماس رغم كل العوائق.

عربي ودولي

الأحد 14 يونيو 2026 8:59 صباحًا - بتوقيت القدس

بيونغيانغ تتمسك بوضعها النووي وترفض مطالب واشنطن وحلفائها بنزع السلاح

أعلنت السلطات في كوريا الشمالية، اليوم الأحد، تمسكها المطلق بمكانتها الدولية كقوة نووية، واصفة هذا الوضع بأنه واقع حتمي لا يمكن التراجع عنه تحت أي ظرف. وجاء هذا الموقف رداً على الضغوط المتزايدة من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، حيث أكدت بيونغيانغ رفضها القاطع لأي مطالب تتعلق بالتخلي عن ترسانتها العسكرية التي تعتبرها صمام أمان لسيادتها.

وفي سياق متصل، شددت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، على أن السياسة النووية لبلادها تمثل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وذلك في تصريحات أدلت بها مطلع الشهر الجاري. وأوضحت المصادر الرسمية أن هذا التوجه يأتي في إطار استراتيجية الردع الشاملة التي تتبناها الدولة لمواجهة ما تصفه بالتهديدات الخارجية المستمرة التي تستهدف أمنها القومي واستقرارها.

وجاء البيان الكوري الشمالي الأخير في أعقاب اجتماع ثلاثي رفيع المستوى عُقد في العاصمة اليابانية طوكيو، وضم مسؤولين من كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة. وقد جدد الحلفاء خلال هذا اللقاء التزامهم المشترك بضرورة تحقيق نزع كامل وشامل للسلاح النووي في شبه الجزيرة الكورية، وهو ما اعتبرته بيونغيانغ تدخلاً غير مقبول في شؤونها الدفاعية.

من جانبه، صرح متحدث باسم الخارجية الكورية الشمالية بأن الخطابات الصادرة عن واشنطن وحلفائها ما هي إلا محاولات يائسة لن تغير من الواقع العسكري القائم شيئاً. وأضاف المسؤول أن مسألة نزع السلاح النووي قد حُسمت بشكل نهائي ولم تعد مطروحة على طاولة النقاش، مشيراً إلى أن بلاده ماضية في تعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة التحديات الراهنة.

وبررت بيونغيانغ تشبثها ببرنامجها النووي بتزايد مبيعات الأسلحة الأمريكية المتطورة لكل من سيول وطوكيو، معتبرة أن هذه التحركات العسكرية تستوجب رداً رادعاً. ووصف المسؤولون الكوريون الشماليون سلاحهم النووي بأنه ضمانة قوية لتحقيق الاستقرار والسلام الإقليمي، في ظل ما يصفونه بالاستفزازات المستمرة من قبل القوى الغربية في المنطقة.

وتشهد المنطقة حالة من الجمود الدبلوماسي منذ انهيار المحادثات المباشرة بين الزعيم كيم جونغ أون والرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في قمة هانوي عام 2019. ومنذ ذلك الحين، سرعت كوريا الشمالية من وتيرة تطوير برامجها الصاروخية والنووية، معتبرة أن فرص العودة إلى مسار نزع السلاح قد تلاشت نهائياً مع تغير المعطيات الجيوسياسية الدولية.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، استضافت بيونغيانغ مؤخراً لقاءات رفيعة المستوى مع الجانب الصيني، حيث ركزت المباحثات على التعاون الثنائي وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. ولوحظ غياب ملف نزع السلاح النووي عن البيانات الرسمية الصادرة عن تلك اللقاءات، مما يعزز التقديرات التي تشير إلى قبول القوى الإقليمية الكبرى بالوضع الراهن لكوريا الشمالية كدولة مسلحة نووياً.

أحدث الأخبار

الأحد 14 يونيو 2026 7:58 صباحًا - بتوقيت القدس

إعمار شرق ليبيا.. استراتيجية عائلة حفتر لترسيخ النفوذ وجلب الشرعية الدولية

تشهد مناطق شرق ليبيا الخاضعة لسيطرة القيادة العامة طفرة عمرانية غير مسبوقة، حيث تحولت مدن مثل بنغازي ودرنة إلى ورش عمل كبرى لتشييد الجسور والطرق السريعة والمجمعات السكنية. ونجح المشير خليفة حفتر عبر أبنائه في استقطاب عشرات الشركات الأجنبية لإعادة إعمار المناطق المتضررة من إعصار درنة، مما أحدث تغييراً جذرياً في البنية التحتية للمنطقة.

تولى بلقاسم حفتر، نجل المشير، رئاسة 'صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا'، وهو الكيان الذي بات يسيطر على كافة المشاريع الاستثمارية في الشرق. وقد منح مجلس النواب هذا الصندوق صلاحيات واسعة بموجب قوانين استثنائية تعفيه من الرقابة المالية المعتادة وتسمح له بالاقتراض المباشر من المصرف المركزي، مما أثار تساؤلات حول الشفافية.

توسعت الشراكات الدولية للصندوق لتشمل شركات بريطانية وبولندية وأمريكية، بالإضافة إلى تعاون مع الاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية والأمن وإدارة الحدود. وأعلن السفير الأوروبي نيكولا أورلاندو عن توافقات واسعة لدعم جهود الإعمار وتحديث المؤسسات الخدمية في بنغازي، مما يعكس اعترافاً دولياً متزايداً بسلطات الأمر الواقع في الشرق.

تضم قائمة الشركات المتعاقد معها أكثر من 22 شركة دولية من جنسيات متنوعة تشمل مصر وتركيا وإيطاليا وفرنسا والإمارات وروسيا. وتبرز شركات مصرية مثل مجموعة العرجاني والمقاولون العرب، إلى جانب شركات تركية وأوروبية متخصصة في المقاولات الثقيلة والتطوير السياحي والذكاء الاصطناعي، مما يضفي صبغة عالمية على مشاريع الإعمار.

في المقابل، يعاني الغرب الليبي من تعثر واضح في تنفيذ المشروعات البنيوية رغم إطلاق حكومة طرابلس برامج مثل 'عودة الحياة'. وتُرجع مصادر هذا التعثر إلى النزاعات المسلحة الدورية بين التشكيلات المتنافسة، بالإضافة إلى أزمات التمويل وانسحاب بعض الشركات الأجنبية نتيجة عدم الإيفاء بالمستحقات المالية أو التوترات الأمنية.

يرى مراقبون أن الانضباط العسكري الصارم في مناطق سيطرة حفتر وفر بيئة آمنة للشركات الأجنبية للعمل دون خوف من الاشتباكات المسلحة. ومع ذلك، يوصف هذا الاستقرار بأنه 'استقرار سلطوي' يعتمد على مركزية شديدة في اتخاذ القرار وإقصاء أي معارضة، مما يضمن توحيد الموارد المالية والسياسية لخدمة مشروع الإعمار.

حذر معهد 'تشاتام هاوس' البريطاني من أن صندوق الإعمار يعمل كأداة لتمكين النخبة المسيطرة وبناء شبكات رعاية مالية خاصة بعائلة حفتر بعيداً عن رقابة طرابلس. وأشار المعهد إلى أن الهدف من تقديم بلقاسم حفتر كواجهة اقتصادية هو جلب شرعية مدنية وتكنوقراطية له أمام المجتمع الدولي كبديل للواجهة العسكرية الصرفة.

على الصعيد الحقوقي، وثقت منظمة 'هيومن رايتس ووتش' انتهاكات تتعلق بمصادرة ممتلكات وشقق سكنية لمدنيين في أحياء ببنغازي تحت ذريعة التطوير العمراني. واعتبرت المنظمة أن منع العائلات النازحة من العودة إلى منازلها دون تعويضات عادلة يمثل جريمة تهجير قسري تخالف القوانين الدولية، وتضع المسؤولين عنها تحت طائلة الملاحقة.

تتجاوز أهداف هذه المشاريع الجانب الخدمي لتصل إلى التوظيف السياسي المباشر، حيث يتم ربط المنجزات العمرانية بشخص المشير حفتر وعملية 'الكرامة'. وقد أُطلقت أسماء عسكرية على مدن وجسور جديدة، في محاولة لترسيخ 'حكم المشير' وتسويق مشروعه السياسي كصانع للاستقرار والتنمية في مواجهة الانقسام السياسي.

تشير البيانات المالية إلى أن الصندوق حصل على مخصصات ضخمة بلغت 10 مليارات دينار كدفعة أولى، مع إنفاق مئات الملايين من الدولارات من النقد الأجنبي. وتؤكد تقارير مصرفية أن حجم الإنفاق في الشرق يوازي الميزانيات المخصصة للاستثمارات في الغرب، لكن مع فارق جوهري في سرعة التنفيذ وغياب الآليات الرقابية.

الأكاديمي الليبي فرج دردور يرى أن حفتر يسعى لكسب الولاء الشعبي وضمان بقاء أبنائه في السلطة عبر السيطرة على كافة القطاعات الحيوية. وحذر دردور من أن هذا الإنفاق غير المراقب تسبب في دين عام ضخم وتدهور في قيمة العملة المحلية، مما يزيد من معاناة المواطنين المعيشية رغم المظهر العمراني البراق.

تعتمد استراتيجية عائلة حفتر في الجنوب أيضاً على دمج المشاريع الخدمية بالمناورات العسكرية لتعزيز النفوذ، كما حدث في مناورات 'درع الكرامة 2'. ويقوم صدام وبلقاسم حفتر بدور محوري في إدارة هذه الملفات، مما يشير إلى توزيع أدوار دقيق بين الشقين العسكري والاستثماري لتثبيت أركان حكم العائلة.

يمثل صندوق إعمار ليبيا اليوم 'اليد الطولى' التي تتحكم في مفاصل الاقتصاد بشرق البلاد، مستفيداً من كارثة إعصار دانيال التي كانت بمثابة نقطة انطلاق لتوسيع الصلاحيات. وبات الصندوق يمتلك حق فتح حسابات بالعملة الأجنبية في الخارج، مما يمنحه استقلالية مالية كاملة عن المؤسسات المركزية في العاصمة طرابلس.

في نهاية المطاف، يظل ملف الإعمار في ليبيا ساحة للصراع على الشرعية والنفوذ بين الشرق والغرب، حيث يستخدم كل طرف الإنجازات الميدانية كأداة دعائية. وبينما يفتخر الشرق بالطفرة العمرانية، تظل المخاوف قائمة بشأن التكلفة الاقتصادية والحقوقية لهذه المشاريع التي تُبنى في ظل غياب كامل للمساءلة والشفافية.

تحليل

الأحد 14 يونيو 2026 7:52 صباحًا - بتوقيت القدس

تصاعد غير مسبوق للعنف الاستيطاني في الضفة الغربية: أرقام صادمة تكشف كلفة الاحتلال والدعم الأميركي لإسرائيل

رسالة واشنطن




واشنطن- سعيد عريقات-14/6/2026


تحليل إخباري


كشفت بيانات حديثة استندت إلى تقرير صادر عن منظمة أوكسفام الدولية، بالاعتماد على وثائق الأمم المتحدة، عن تصاعد غير مسبوق في مستويات العنف والقتل والتهجير في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وسط تسارع مشاريع الاستيطان والضم الإسرائيلي، واستمرار الدعم السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي توفره الولايات المتحدة لإسرائيل، رغم الإدانات الدولية المتزايدة.


وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فإن عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا في الضفة الغربية المحتلة بين عامي 2023 و2025 بلغ 1244 شخصاً، وهو رقم يتجاوز مجموع الضحايا الذين سقطوا خلال الأعوام السبعة عشر السابقة مجتمعة، والبالغ عددهم 1036 قتيلاً. ويعكس هذا الارتفاع الحاد تحولاً خطيراً في طبيعة المواجهة داخل الأراضي المحتلة، حيث بات العنف الاستيطاني والعسكري أكثر تنظيماً واتساعاً من أي وقت مضى.


وتشير الأرقام إلى أن الأطفال الفلسطينيين دفعوا ثمناً باهظاً لهذا التصعيد، إذ قُتل 268 طفلاً خلال الفترة نفسها، وهو عدد يفوق حصيلة الأطفال الذين قضوا خلال الأعوام السبعة عشر السابقة. كما أصبح الأطفال يشكلون أكثر من خمس إجمالي الضحايا الذين سقطوا في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العقدين الماضيين، ما يسلط الضوء على حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني.


ولم يتوقف التصعيد عند حدود عام 2025، إذ أفادت أوكسفام أميركا بأن الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026 شهدت أكثر من 540 هجوماً نفذه مستوطنون ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم، إضافة إلى مقتل 33 فلسطينياً خلال تلك الفترة فقط، في مؤشر على تسارع وتيرة الاعتداءات وغياب أي إجراءات رادعة من جانب سلطات الاحتلال.


وفي موازاة ذلك، شهدت الضفة الغربية موجة تهجير قسري واسعة النطاق، حيث جرى اقتلاع نحو 46 ألف فلسطيني من مناطق سكنهم خلال الأعوام الأخيرة، وهو رقم يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف على عدد المهجرين خلال السنوات الأربع عشرة التي سبقت هذه الفترة. ويأتي ذلك في سياق سياسة إسرائيلية متواصلة تهدف إلى تفريغ مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية لصالح التوسع الاستيطاني وفرض وقائع ديموغرافية جديدة على الأرض.


كما تعرضت البنية التحتية المدنية لهجمات متكررة، إذ أشارت تقارير إلى استهداف أو تخريب أكثر من ستين منشأة للمياه والصرف الصحي، من بينها خزانات مياه وخطوط إمداد رئيسية، خلال الأشهر الأولى من عام 2026 فقط. وتؤدي هذه الاعتداءات إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، خصوصاً في التجمعات الريفية والبدوية التي تعتمد على هذه المنشآت لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.


وتأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه حكومة الاحتلال اتهامات متزايدة من منظمات حقوق الإنسان الدولية بالسعي إلى تسريع عملية الضم الفعلي لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، عبر توسيع المستوطنات، وتشديد القيود على الفلسطينيين، وتكريس نظام تمييزي يمنح المستوطنين امتيازات قانونية وأمنية لا يتمتع بها السكان الأصليون.


وتكشف هذه الأرقام أن ما يجري في الضفة الغربية لم يعد مجرد سلسلة من الحوادث الأمنية المتفرقة، كما تحاول إسرائيل تصويره، بل أصبح نمطاً ممنهجاً من العنف المرتبط مباشرة بمشروع استيطاني توسعي. فالارتفاع الحاد في أعداد القتلى والمهجرين خلال فترة قصيرة نسبياً يعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة أكثر عدوانية، تتداخل فيها عمليات الجيش مع اعتداءات المستوطنين ضمن بيئة سياسية توفر الحماية والإفلات من العقاب. وهذا الواقع يجعل الحديث عن “نزاع” بين طرفين متكافئين أمراً بعيداً عن حقيقة موازين القوة القائمة على الأرض.


ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن المظلة السياسية التي توفرها واشنطن لإسرائيل. فعلى الرغم من التقارير الأممية المتكررة والإدانات الحقوقية الواسعة، تواصل الإدارات الأميركية المتعاقبة حماية إسرائيل في المحافل الدولية وتزويدها بالمساعدات العسكرية الضخمة. ومع وصول ترمب مجدداً إلى البيت الأبيض، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر ثقة بقدرتها على المضي في سياسات الضم والتوسع الاستيطاني دون خشية من ضغوط أميركية جدية، الأمر الذي يبعث برسالة واضحة مفادها أن الانتهاكات لن تترتب عليها أي كلفة سياسية حقيقية.


ويحمل استهداف البنية التحتية المدنية، ولا سيما منشآت المياه والصرف الصحي، دلالات تتجاوز الأضرار المادية المباشرة. فالمساس بمصادر المياه في بيئة تعاني أصلاً من القيود والحرمان يهدف إلى جعل الحياة اليومية أكثر صعوبة ودفع السكان إلى الرحيل تدريجياً. ولذلك ينظر كثير من المراقبين إلى هذه السياسات باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الخريطة السكانية للضفة الغربية، بما يخدم أهداف التوسع الاستيطاني ويقلص الوجود الفلسطيني في المناطق المستهدفة.


وتكشف الزيادة الكبيرة في أعداد الأطفال الضحايا عن فشل المجتمع الدولي في توفير الحد الأدنى من الحماية للمدنيين الفلسطينيين. فحين يصبح الأطفال أكثر من خمس ضحايا العنف خلال عقدين، فإن ذلك لا يعكس فقط حجم القوة المستخدمة، بل أيضاً غياب الإرادة الدولية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. وبينما تستمر العواصم الغربية في الحديث عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، تتسع الفجوة بين الخطاب والممارسة الفعلية على الأرض، ما يضع مصداقية تلك المواقف أمام اختبار أخلاقي وسياسي متزايد الصعوبة.


وفي ظل استمرار هذا المسار، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة أكثر خطورة، حيث يترافق التوسع الاستيطاني مع تصاعد العنف والتهجير واستهداف مقومات الحياة الأساسية. وبينما تتزايد التحذيرات الدولية من تداعيات هذه السياسات، تواصل إسرائيل فرض وقائع جديدة على الأرض مستفيدة من الحماية السياسية والدبلوماسية التي توفرها واشنطن. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار هذا النهج إلى تقويض أي فرصة لتسوية سياسية عادلة، وتحويل الضفة الغربية إلى ساحة مفتوحة لمزيد من الصدامات وعدم الاستقرار في السنوات المقبلة.

فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 5:58 صباحًا - بتوقيت القدس

استشهاد طفل في خانيونس وتصاعد خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة

استشهد الطفل الفلسطيني أمير عماد البشيتي، البالغ من العمر 13 عاماً، جراء إطلاق نار من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي في ساعة متأخرة من ليل السبت. ووقعت الجريمة في منطقة بطن السمين الواقعة جنوبي مدينة خانيونس، لتضاف إلى سلسلة الاستهدافات المباشرة للمدنيين في المناطق الجنوبية من قطاع غزة.

وتزامن ارتقاء الطفل البشيتي مع استشهاد ثلاثة مواطنين آخرين، من بينهم عامل نظافة، إثر غارات وقصف مدفعي استهدف تجمعاً للأهالي في خانيونس ومكباً للنفايات بالقرب من مخيم البريج وسط القطاع. وكان جيش الاحتلال قد اعترف رسمياً بقتل 20 فلسطينياً خلال الأسبوع المنصرم، مدعياً انتمائهم لفصائل المقاومة الفلسطينية.

وأفادت مصادر ميدانية بأن قوات الاحتلال ارتكبت ما يزيد عن 3 آلاف خرق لاتفاق وقف إطلاق النار المبرم في يناير 2025. وأوضحت المصادر أن هذه الاعتداءات المتواصلة أسفرت عن استشهاد 986 فلسطينياً وإصابة نحو 3122 آخرين بجروح متفاوتة منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ المفترض.

وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن حصيلة الشهداء الإجمالية في قطاع غزة قد تجاوزت 72 ألف شهيد منذ بدء حرب الإبادة الجماعية في السابع من أكتوبر 2023. وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية وما تبقى من مقومات الحياة في مختلف محافظات القطاع.

وعلى الصعيد الميداني، يواصل جيش الاحتلال سياسة قضم الأراضي من خلال تحريك ما يعرف بـ 'الخط الأصفر' باتجاه المناطق الغربية للقطاع. وتترافق هذه التحركات مع عمليات إطلاق نار مكثفة تستهدف المناطق القريبة من حي الزيتون بمدينة غزة والمناطق المتاخمة للمحافظة الوسطى، مما أجبر مئات العائلات على النزوح مجدداً.

وفي ظل هذا التصعيد الميداني، تواصل سلطات الاحتلال فرض قيود مشددة على تدفق المساعدات الإنسانية والطبية المنقذة للحياة إلى السكان المحاصرين. وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول المستلزمات الأساسية، مما يهدد بانهيار كامل لما تبقى من المنظومة الصحية والخدماتية في غزة.

اقتصاد

الأحد 14 يونيو 2026 5:45 صباحًا - بتوقيت القدس

شراكة اقتصادية كبرى بين بريطانيا واليابان باستثمارات تناهز 24 مليار دولار

تتجه المملكة المتحدة واليابان نحو تعزيز تعاونهما الاقتصادي عبر إبرام حزمة من الشراكات الاستراتيجية في قطاعي الاستثمار والتكنولوجيا، بقيمة إجمالية تتخطى 18 مليار جنيه إسترليني (ما يعادل 24 مليار دولار). ومن المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في خلق عشرات الآلاف من الوظائف الجديدة، وذلك بالتزامن مع المباحثات التي يجريها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مع نظيرته اليابانية ساناي تاكايتشي اليوم الأحد.

وأفادت مصادر بأن الاتفاقيات المرتقبة تتضمن برامج استثمارية يابانية تمتد لخمس سنوات، حيث سيتم ضخ أكثر من تسعة مليارات جنيه إسترليني في قطاعات البنية التحتية والخدمات المالية. كما تشمل التفاهمات تخصيص مبلغ مماثل لدعم مشاريع طاقة الرياح البحرية داخل الأراضي البريطانية، مما يعزز التوجه نحو الطاقة النظيفة.

وعلى الصعيد التقني، يدشن البلدان إطاراً جديداً للتعاون التكنولوجي يركز على مجالات رائدة مثل أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية والاقتصادية قبيل انطلاق قمة مجموعة السبع في فرنسا، حيث يسعى الطرفان لترسيخ حضورهما التجاري والتكنولوجي على الساحة الدولية.

فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 5:44 صباحًا - بتوقيت القدس

ضغوط داخلية تدفع حكومة حزب العمال البريطانية نحو تحول جذري في ملف فلسطين

تتصاعد التوقعات في الأوساط السياسية البريطانية حول حدوث تحول جوهري في نهج حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر تجاه الأزمة في الشرق الأوسط. ويأتي هذا الترقب مدفوعاً بالنجاحات التي حققها حزب الخضر في الانتخابات المحلية بناءً على أجندة داعمة لغزة، بالإضافة إلى الضغوط المتزايدة من القواعد الشعبية للحزب.

وأفادت مصادر بأن النشطاء المؤيدين للقضية الفلسطينية يرصدون تغيراً في المزاج العام داخل أروقة الحكم، خاصة مع بروز استطلاعات رأي حديثة تعكس رغبة عارمة لدى أعضاء حزب العمال في اتخاذ إجراءات عقابية ضد الاحتلال. وتشمل هذه المطالب حظراً شاملاً على شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل، وهو ما يضع القيادة الحالية في اختبار حقيقي أمام مبادئها المعلنة.

ويرى مراقبون أن هذا التفاؤل النسبي بين الناشطين يعكس تحولاً في موازين القوى السياسية، رغم التحديات القانونية التي واجهتها بعض الحركات الاحتجاجية. ويشير المحللون إلى أن احتمال رحيل ستارمر عن رئاسة الوزراء مستقبلاً قد يفتح الباب أمام قيادات أكثر راديكالية في تعاملها مع الملف الفلسطيني.

ويبرز اسما ويس ستريتينغ وآندي بورنهام كمرشحين مفضلين لخلافة ستارمر، حيث يمتلك كلاهما سجلاً من التصريحات التي تطالب حزب العمال ببذل جهود أكبر لدعم الحقوق الفلسطينية. ورغم تحفظهما الحالي على وصف ما يحدث بالإبادة الجماعية، إلا أن ستريتينغ سبق وأن اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب علنية.

وكان ستريتينغ، وزير الصحة السابق، قد أثار جدلاً داخل مجلس الوزراء بعد تعميمه ملفاً أعده أطباء بريطانيون يعملون في الأراضي المحتلة يوثق الفظائع الإنسانية. وقد أدت هذه الخطوة إلى توترات مع ستارمر الذي اتهمه بمحاولة تسريب الوثائق للتأثير على الرأي العام، مما يكشف عن عمق الانقسام الداخلي حول غزة.

وفي سياق متصل، تظهر الأرقام أن 87% من أعضاء حزب العمال يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية. كما كشف استطلاع أجرته منظمة العون الطبي الفلسطيني أن 78% من الأعضاء يطالبون بوقف فوري وكامل لتصدير الأسلحة، مما يضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع قاعدتها الانتخابية.

وانتقدت إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، تباطؤ الحكومة في اتخاذ خطوات فعلية بعد الاعتراف بدولة فلسطين في الخريف الماضي. وقالت ثورنبيري إن الحكومة فقدت زخمها الدبلوماسي، متسائلة عن الخطوات التالية لإنهاء حالة الجمود ووقف التهديدات الإسرائيلية بتقسيم الضفة الغربية.

وأشارت ثورنبيري إلى أن الوضع الإنساني في قطاع غزة أصبح لا يطاق، ومع ذلك لا تزال التحركات الدولية دون المستوى المطلوب. ودعت إلى استخدام بريطانيا لسلطتها الدبلوماسية لعقد اجتماعات دولية تهدف إلى فرض انسحاب إسرائيلي كامل وإنهاء الحصار المفروض على السكان المدنيين.

من جانبه، اعتبر برايان بريفاتي، المدير التنفيذي لـ 'مشروع فلسطين البريطاني' أن التغيير داخل الحكومة بات وشيكاً وحتمياً. وأوضح أن التباين بين تعامل القيادة مع الأزمة الأوكرانية مقارنة بالملف الفلسطيني أوجد فجوة في المصداقية القانونية والأخلاقية يصعب ردمها دون قرارات حاسمة.

وفي مؤتمر متخصص، ناقش خبراء ومسؤولون سابقون سبل إقناع المجتمع الإسرائيلي بأن الاحتلال لا يوفر الأمن بل يقوضه. وكان هناك إجماع على ضرورة الانتقال من البيانات الدبلوماسية الجوفاء إلى الإجراءات العملية، مثل فرض حظر تجاري كامل على منتجات المستوطنات ونشر الرد الحكومي على قرارات محكمة العدل الدولية.

وحذر القنصل البريطاني العام السابق في القدس، فينسينت فين، من فقدان أوروبا لسيطرتها الدبلوماسية على القضية لصالح الإدارة الأمريكية. وشدد فين على ضرورة أن تستعيد بريطانيا دورها القيادي في المنطقة عبر تبني سياسات مستقلة تتماشى مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.

وانتقد كريس دويل، مدير مجلس التفاهم العربي البريطاني، سياسة 'القلق العميق' التي تنتهجها الخارجية البريطانية دون أفعال ملموسة على الأرض. وقال إن غزة أصبحت قضية محورية لجيل كامل من البريطانيين الذين لن يقبلوا باستمرار التواطؤ أو الصمت تجاه ما يصفونه بجرائم التطهير العرقي.

واقترح المفاوض الإسرائيلي السابق دانيال ليفي أن تركز بريطانيا على تقويض نظام الإفلات من العقاب الذي تتمتع به القيادة الإسرائيلية. وأكد ليفي أن العقوبات الفردية على بعض المستوطنين غير كافية، بل يجب استهداف النظام السياسي والاقتصادي الذي يغذي الاحتلال بشكل مباشر.

وختم ليفي بالإشارة إلى تجربة جنوب أفريقيا، حيث تم تقويض نظام الفصل العنصري من خلال تقديم بديل سياسي يضمن الأمن للجميع مع إنهاء الظلم. ودعا بريطانيا للمساهمة في صياغة ميثاق حرية جديد للفلسطينيين ينهي عقوداً من الاحتلال العسكري والاستيطان التوسعي.

فلسطين

الأحد 14 يونيو 2026 5:44 صباحًا - بتوقيت القدس

تحريض إسرائيلي لتدمير الضاحية وانسحاب تكتيكي للجيش اللبناني من ثكنة جنوبية

جدد وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف، بتسلئيل سموتريتش، دعواته التحريضية لتدمير واسع النطاق في الضاحية الجنوبية لبيروت. وطالب سموتريتش بهدم عشرة مبانٍ سكنية في الضاحية مقابل كل عملية إطلاق نار تستهدف شمال إسرائيل، مشدداً على ضرورة البدء في تنفيذ هذا التهديد فوراً.

تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه الجبهة اللبنانية توتراً متصاعداً رغم التفاهمات القائمة لوقف إطلاق النار. واعتبر الوزير الإسرائيلي في منشور له عبر منصة 'إكس' أن الرد العنيف هو الوسيلة الوحيدة لمنع حزب الله من استغلال الوضع الميداني للإضرار بالمناطق الشمالية.

ميدانياً، أفادت مصادر بسحب الجيش اللبناني لقواته بشكل كامل من ثكنة المعبر العسكرية الواقعة في بلدة كفرتبنيت بجنوب البلاد. ويأتي هذا التحرك في ظل ظروف أمنية معقدة تشهدها المناطق الحدودية وتزايد احتمالات التصعيد العسكري الواسع.

وصف محللون عسكريون انسحاب الجيش اللبناني بأنه إخلاء تكتيكي تفرضه المعطيات الميدانية الراهنة على الأرض. وأوضح خبراء أن هذا الإجراء وقائي بامتياز، ويهدف إلى تجنب الانخراط في مواجهات مباشرة في ظل التفوق الناري والجوي للجانب الإسرائيلي.

وأشارت القراءات العسكرية إلى أن الجيش اللبناني يركز في مهامه الحالية على حفظ الأمن الداخلي وتنفيذ القرارات السياسية للدولة. ولا يوجد حتى اللحظة أي تكليف رسمي أو قرار سياسي من بيروت بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.

على الصعيد السياسي الإسرائيلي، ذكرت مصادر إعلامية أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعقد اجتماعاً للمجلس الوزاري المصغر 'الكابنيت' مساء الأحد. وسيناقش الاجتماع الأوضاع الإقليمية المتسارعة، لا سيما في ظل الأنباء المتواترة عن اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران.

وتشير تقارير عبرية إلى أن المؤسسة الأمنية في تل أبيب بدأت بالاستعداد لاحتمالية صدور توجيهات سياسية بوقف التقدم البري في جنوب لبنان. ويرتبط هذا التوجه المحتمل بالتبلور المستمر للتفاهمات الدولية التي تقودها الولايات المتحدة لتهدئة الأوضاع في المنطقة.

وتعيش بيروت حالة من الترقب السياسي، حيث ترى الحكومة اللبنانية ضرورة عدم استنزاف قدرات الجيش في معارك لا تخدم القرار السياسي المباشر. ويُنظر إلى التحركات العسكرية الأخيرة كجزء من إعادة التموضع بانتظار ما ستسفر عنه الجهود الدبلوماسية الدولية.

يُذكر أن العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية يسجل خروقات يومية لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي بدأ سريانه في أبريل الماضي. وكانت واشنطن قد أعلنت في وقت سابق عن تمديد هذا الاتفاق حتى مطلع شهر يوليو المقبل في محاولة لاحتواء الصراع.

ويبقى المشهد في جنوب لبنان مفتوحاً على كافة الاحتمالات، بين التهديدات الإسرائيلية بتوسيع رقعة التدمير والتحركات الميدانية الدفاعية. وتتجه الأنظار الآن نحو نتائج اجتماع الكابنيت وما قد يحمله من قرارات تؤثر على مسار العمليات العسكرية والاتفاقات السياسية.

رياضة

الأحد 14 يونيو 2026 4:43 صباحًا - بتوقيت القدس

انطلاق مشوار المضيفين.. كندا وأمريكا تستهلان منافسات مونديال 2026

تتجه أنظار عشاق كرة القدم العالمية نحو الملاعب الكندية والأمريكية في اليوم الثاني من منافسات كأس العالم 2026، حيث يبدأ أصحاب الأرض مشوارهم الرسمي في البطولة. تأتي هذه النسخة التاريخية بتنظيم مشترك بين ثلاث دول، مما يضفي طابعاً جغرافياً وتنافسياً فريداً يظهر بوضوح في جدول مباريات اليوم.

وبسبب فارق التوقيت الكبير بين أمريكا الشمالية والمنطقة العربية، تتحول متابعة اللقاءات إلى سهرة كروية ممتدة تبدأ في ساعات المساء وتستمر حتى فجر اليوم التالي. هذا النمط الزمني يفرض على الجمهور العربي جدولاً مختلفاً للمتابعة، حيث تصبح المباريات بمثابة برنامج ليلي طويل يرافق المشاهدين لساعات.

يستهل المنتخب الكندي مشواره المونديالي بمواجهة مرتقبة أمام نظيره منتخب البوسنة والهرسك، في اختبار حقيقي لقدرة الكنديين على استثمار عاملي الأرض والجمهور. ويسعى المنتخب الكندي لتقديم أداء يعكس التطور الملحوظ الذي شهدته كرة القدم في البلاد خلال السنوات القليلة الماضية.

في المقابل، يدخل منتخب البوسنة والهرسك هذه المواجهة دون ضغوطات كبرى، معتمداً على خبرة لاعبيه وقدرتهم على إحداث مفاجأة مبكرة في المجموعة. تهدف البوسنة إلى إرباك حسابات أصحاب الأرض وخطف نقاط المباراة الثلاث لتعزيز فرصها في التأهل للأدوار الإقصائية.

أما المواجهة الثانية، فتجمع بين المنتخب الأمريكي ونظيره منتخب باراغواي في لقاء يتوقع أن يتسم بالندية العالية والقوة البدنية. يدخل المنتخب الأمريكي البطولة بطموحات عريضة للذهاب بعيداً، مستنداً إلى جيل شاب من اللاعبين المحترفين في كبرى الدوريات الأوروبية.

من جانبه، يمثل منتخب باراغواي خصماً صعب المراس، حيث يشتهر بأسلوبه الدفاعي المنظم وقدرته على شن هجمات مرتدة سريعة قد تباغت الدفاع الأمريكي. وتعتبر هذه المباراة محطة حساسة للفريقين، إذ أن نتيجة البداية غالباً ما ترسم ملامح المنافسة في المجموعات المونديالية.

وتطرح الجولة الأولى للمضيفين تساؤلات عديدة حول مدى تأثير الضغط الجماهيري على أداء اللاعبين في المباريات الافتتاحية. فبينما تمنح الأرض أفضلية معنوية، إلا أنها تضع اللاعبين تحت مجهر التوقعات العالية التي قد تتحول إلى عبء في حال تعثر البدايات.

تأتي لقاءات اليوم لتكمل المشهد الذي بدأ في المكسيك، حيث انتقلت شعلة المنافسة عبر الحدود لتشمل الدول الثلاث المنظمة. هذا التنوع الجغرافي يجسد فلسفة الاتحاد الدولي لكرة القدم في توسيع قاعدة المشاركة وتنظيم البطولة في أقاليم متعددة في آن واحد.

وبالنسبة للمشجعين، فإن القيمة الفنية للمباريات تتضاعف بالنظر إلى الرمزية التي يحملها ظهور الدول المستضيفة لأول مرة في هذه النسخة. فكل مباراة اليوم تحمل قصة طموح وطني يسعى لإثبات جدارته على الساحة العالمية أمام خصوم لا يستهان بهم.

ختاماً، ستكون السهرة المونديالية الليلة اختباراً لصبر وشغف الجمهور العربي الذي سيتابع المباريات حتى الصباح. ومع صافرة النهاية للمباراة الثانية فجراً، سيكون المونديال قد دخل مرحلة الجدية الكاملة مع اتضاح ملامح المنافسة في المجموعات التي تضم المضيفين.

عربي ودولي

الأحد 14 يونيو 2026 4:43 صباحًا - بتوقيت القدس

سويسرا تحسم خيار السقف السكاني في استفتاء يهدد علاقتها بالاتحاد الأوروبي

انطلقت في سويسرا صباح اليوم الأحد عمليات التصويت في استفتاء شعبي حاسم حول مقترح دستوري يهدف إلى وضع حد أقصى لعدد سكان البلاد لا يتجاوز 10 ملايين نسمة بحلول عام 2050. ويأتي هذا التحرك بمبادرة من حزب الشعب السويسري اليميني، الذي يسعى من خلاله إلى معالجة ما يصفه بالضغوط المتزايدة على البنية التحتية والخدمات العامة نتيجة النمو السكاني المتسارع.

ويربط المؤيدون لهذا المقترح بين التدفقات المهاجرة وتفاقم أزمة الإسكان وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرين أن ضبط الحدود السكانية هو السبيل الوحيد للحفاظ على جودة الحياة في البلاد. وفي المقابل، تثير هذه الخطوة مخاوف واسعة لدى الأوساط الاقتصادية والسياسية، خاصة وأن التقديرات الرسمية تشير إلى أن سويسرا قد تلامس هذا السقف السكاني في وقت مبكر من مطلع الأربعينيات.

وفي حال حظي المقترح بموافقة الأغلبية، فإن الحكومة السويسرية ستكون ملزمة باتخاذ إجراءات قانونية قد تصل إلى إلغاء اتفاقية حرية تنقل العمالة الموقعة مع الاتحاد الأوروبي. وتعد هذه الاتفاقية ركيزة أساسية للاقتصاد السويسري، حيث توفر مصدراً حيوياً للقوى العاملة الماهرة التي تعتمد عليها الشركات الكبرى والمؤسسات الخدمية في مختلف المقاطعات.

وشهدت الشوارع السويسرية تبايناً في الآراء، حيث نقلت مصادر عن مواطنين تأييدهم للقرار رغبة في تقليل الازدحام وضمان استدامة الموارد الوطنية. ومن بين المؤيدين هيلين جولي، وهي مواطنة مقيمة في زوريخ، التي أكدت أن الوصول إلى عتبة العشرة ملايين نسمة سيجعل الحياة اليومية أكثر تعقيداً، مما يستوجب فرض قيود صارمة على سياسات الهجرة الحالية.

وتترقب الأوساط السياسية في القارة الأوروبية نتائج هذا التصويت التي سيبدأ ظهورها تدريجياً بعد منتصف النهار، وسط انقسام حاد أظهرته استطلاعات الرأي الأخيرة. ورغم أن الاستطلاعات المبكرة كانت ترجح كفة المؤيدين، إلا أن الأسابيع الماضية شهدت تراجعاً ملحوظاً في مستوى الدعم، مما يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة أمام مستقبل علاقة برن ببروكسل.

أحدث الأخبار

الأحد 14 يونيو 2026 4:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مذكرة تفاهم مرتقبة بين طهران وواشنطن: هل ترسم خارطة طريق لإنهاء الحرب في المنطقة؟

تقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لحظة تاريخية فارقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية بالمسارات السياسية، حيث تتجه الأنظار نحو توقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الاتفاق المرتقب قد يضع حداً للمواجهات المفتوحة على جبهات متعددة، ويؤسس لترتيبات أمنية وسياسية جديدة تمتد من مضيق هرمز وصولاً إلى الساحة اللبنانية.

وتشير المعطيات إلى أن طهران تسعى من خلال هذه المذكرة إلى الانتقال من منطق المواجهة الميدانية إلى معادلة التسوية السياسية الشاملة. ويأتي هذا التحرك في ظل تساؤلات داخلية حول المكاسب الاستراتيجية التي حققتها إيران من التصعيد الأخير، ومدى قدرة الدبلوماسية على تثبيت هذه المكاسب في اتفاق مكتوب يضمن مصالحها الحيوية.

من جانبه، أوضح الدبلوماسي الإيراني الأسبق الدكتور هادي افقهي أن المذكرة المقترحة تغطي قضايا جوهرية طرحتها طهران، وعلى رأسها الوقف الكامل للعمليات العسكرية بما يشمل لبنان ودول محور المقاومة. كما تتضمن البنود رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على البلاد، وتنظيم حقوق إدارة مضيق هرمز بالتشاور والتنسيق مع سلطنة عمان.

وأكدت مصادر مطلعة أن المرحلة الأولى من التفاهم ستركز على الجوانب الإنسانية والاقتصادية، بينما سيتم إرجاء الملفات الأكثر تعقيداً إلى مرحلة ثانية. وتشمل هذه المرحلة ملف البرنامج النووي الإيراني ومصير مخزونات اليورانيوم المخصب، وهي القضايا التي تتطلب ضمانات دولية وآليات تفتيش دقيقة تطالب بها واشنطن.

وفيما يتعلق بالجدول الزمني، يسود نوع من الحذر في طهران تجاه الصياغات النهائية للاتفاق لتجنب أي تلاعب محتمل في المصطلحات القانونية. ويخضع القرار النهائي لمراجعة دقيقة من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي، قبل أن يتم رفعه للمصادقة النهائية من قبل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي لضمان الإجماع السياسي.

من جهة أخرى، يرى مراقبون أن الاتفاق يمثل 'هدنة تفاوضية' لمدة 60 يوماً، تهدف إلى اختبار نوايا الأطراف وتحويل الصراع من الميدان العسكري إلى الطاولات الدبلوماسية. وأشار الأكاديمي حسين ريوران إلى أن شبح الحرب لا يزال قائماً في حال فشل الطرفين في الوصول إلى نتائج ملموسة خلال هذه الفترة الانتقالية الحساسة.

وتعتمد خارطة الطريق المقترحة على 14 بنداً أساسياً تضمن التزامات متبادلة، بحيث تكون كل خطوة تتخذها طهران لخفض التصعيد مقابلة بخطوة أمريكية لتخفيف الضغوط. هذا التوازن يهدف إلى بناء الثقة المفقودة بين الجانبين وتوفير غطاء سياسي للطرفين أمام الرأي العام الداخلي في كل من واشنطن وطهران.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تضع إيران تحرير الأموال المجمدة كأولوية قصوى لتخفيف الأزمة المعيشية وطمأنة الشارع الإيراني بجدوى المسار التفاوضي. وفي هذا السياق، برز دور قطري محوري من خلال إبداء الاستعداد لتقديم 'سلفة' مالية لطهران، يتم تسويتها لاحقاً فور رفع القيود الأمريكية عن الأرصدة الإيرانية في الخارج.

كما وافقت الإدارة الأمريكية، وفقاً للمعلومات المسربة، على السماح لإيران بتصدير نفطها بحرية خلال فترة الستين يوماً المقررة للمفاوضات. هذه الخطوة من شأنها أن تضخ سيولة نقدية فورية في الاقتصاد الإيراني، مما يعزز من موقف المفاوض الإيراني ويمنحه مساحة للمناورة في الملفات السياسية العالقة.

في المقابل، لا تزال إسرائيل تتبنى خطاباً تصعيدياً، حيث تؤكد مصادرها الرسمية التمسك بخيار التحرك المنفرد إذا شعرت بتهديد نووي وشيك. هذا الموقف الإسرائيلي يمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه التفاهم الأمريكي الإيراني، حيث تخشى تل أبيب من أن يؤدي الاتفاق إلى شرعنة نفوذ طهران الإقليمي.

بين خطاب الانتصار الذي تروج له أوساط في طهران، ولغة الضرورة التي تتبناها واشنطن، يبقى الشرق الأوسط أمام منعطف تاريخي. فإما أن تنجح هذه المذكرة في صياغة علاقة جديدة بين إيران والعالم، أو أن تكون مجرد استراحة محارب تسبق جولة جديدة من المواجهات التي قد تعيد رسم توازنات القوة في المنطقة.

أحدث الأخبار

الأحد 14 يونيو 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة أمنية في واشنطن: انتهاء صلاحية قانون التجسس يربك تأمين مونديال 2026

شهدت الساحة السياسية والأمنية في الولايات المتحدة تطوراً دراماتيكياً مع انتهاء صلاحية إحدى أكثر أدوات المراقبة إثارة للجدل، وهي المادة 702 من قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية. ويأتي هذا التوقف المفاجئ في وقت حساس للغاية، حيث بدأت البلاد باستقبال ملايين الزوار والمشجعين تزامناً مع انطلاق صافرة البداية لبطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.

وتمنح هذه المادة القانونية أجهزة التجسس الأمريكية صلاحيات واسعة لجمع بيانات واتصالات الأهداف الأجنبية المتواجدة خارج الحدود دون الحاجة للحصول على إذن قضائي مسبق. ويشمل ذلك مراقبة المحادثات التي تجري بين هذه الأهداف وأشخاص داخل الأراضي الأمريكية، مما يجعلها ركيزة أساسية في العمليات الاستخباراتية الوقائية.

وعلى الرغم من أهميتها الأمنية، إلا أن البرنامج واجه معارضة شرسة من قبل المدافعين عن الخصوصية ومشرعين من كلا الحزبين، الذين حذروا مراراً من إمكانية انتهاك خصوصية المواطنين الأمريكيين. وقد أدى هذا الانقسام إلى فشل الكونغرس بمجلسيه في التوصل إلى اتفاق لتمديد العمل بالقانون قبل الموعد النهائي الذي حل منتصف ليل الجمعة.

وتتزامن هذه الفجوة القانونية مع استضافة الولايات المتحدة للمونديال بالشراكة مع كندا والمكسيك، وهو حدث يجمع منتخبات من ثمان وأربعين دولة. وتتزايد المخاوف الأمنية في ظل التوترات المتصاعدة مع أطراف دولية، مما يضع الأجهزة الأمنية في اختبار حقيقي لضمان سلامة الملاعب والمنشآت الحيوية.

وكان الرئيس دونالد ترامب قد حث الكونغرس في وقت سابق على إبقاء البرنامج نافذاً، مشيراً إلى الأهمية القصوى لتأمين البطولة العالمية واحتفالات ذكرى الاستقلال. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التعيينات الأخيرة في مناصب استخباراتية حساسة ساهمت في تعقيد المشهد السياسي وزيادة حدة الجمود التشريعي في واشنطن.

من جانبه، أكد كاش باتيل، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي أن حماية كأس العالم تمثل الأولوية القصوى للمكتب في الوقت الراهن. وأشار باتيل إلى أن البطولة تعد من أضخم الفعاليات الرياضية تاريخياً، حيث تتوزع المباريات على إحدى عشرة مدينة أمريكية مضيفة، مما يتطلب يقظة أمنية غير مسبوقة.

وحذر باتيل في تصريحات رسمية من أن الجماعات المتطرفة دأبت في السابق على استغلال التجمعات الرياضية الكبرى لتنفيذ هجمات تهدف لنشر أيديولوجياتها. وتعهد بأن تعمل الكوادر الأمنية على مدار الساعة لتعويض أي نقص في الأدوات الاستخباراتية وضمان أمن اللاعبين والجمهور والزوار الدوليين على حد سواء.

وفيما يتعلق بالتداعيات القانونية الفورية، لا يزال الغموض يكتنف مدى قدرة الوكالات على الاستمرار في عمليات المراقبة الجارية حالياً. وكانت المحكمة السرية لمراقبة الاستخبارات قد أصدرت تصاريح سنوية في مارس الماضي، وهو ما قد يوفر غطاءً قانونياً مؤقتاً لبعض العمليات حتى ربيع عام 2027.

بيد أن خبراء في القانون الدولي يحذرون من أن شركات التكنولوجيا والاتصالات الكبرى قد تتوقف عن التعاون مع الحكومة في غياب نص قانوني صريح. وتخشى شركات مثل 'جوجل' وغيرها من فقدان الحصانة القانونية التي كان يوفرها القانون المنتهي، مما قد يدفعها لرفض طلبات الكشف عن البيانات.

وأوضح مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ أن هذه المعضلة القانونية لم تُختبر من قبل أمام المحاكم. وأشار إلى أن غياب الحصانة سيجعل مزودي الخدمات يترددون كثيراً قبل الإفصاح عن أي معلومات حساسة للأجهزة الأمنية، خوفاً من الملاحقات القضائية المستقبلية.

وانتقد وارنر بشدة إدارة الأزمة الحالية، واصفاً الوضع بأنه 'قنبلة موقوتة' ألقيت في مسار المفاوضات السياسية التي كانت تهدف للوصول إلى حل وسط. وحمل الإدارة المسؤولية الكاملة عن أي خرق أمني قد يحدث خلال فترة المونديال نتيجة تعطيل هذه الأداة الاستخباراتية المحورية.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير استخباراتية سابقة عن رفع وزارة الدفاع الأمريكية 'البنتاغون' لمستوى التحذير من أنشطة تجسس أجنبية إلى مستوى 'حرج'. ويأتي هذا التقييم بناءً على تقارير أعدتها وكالة استخبارات الدفاع، مما يزيد من الضغوط على صانعي القرار لسرعة استعادة الصلاحيات الرقابية.

ومع غياب مجلس النواب عن الانعقاد حتى أواخر شهر يونيو الجاري، يبدو أن المسار التشريعي لاستعادة المادة 702 بات مسدوداً في المدى المنظور. هذا الفراغ التشريعي يترك الأجهزة الأمنية في مواجهة تحديات لوجستية وتقنية صعبة لتأمين ملايين المشجعين في مختلف الولايات.

ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة واشنطن على إدارة الملف الأمني خلال الأسابيع القادمة دون الاعتماد على 'المادة 702'. وفي ظل استمرار الجدل حول التوازن بين الأمن القومي والخصوصية الفردية، تترقب الأوساط الدولية كيف ستتعامل الولايات المتحدة مع أكبر تحدٍ أمني يواجهها في عهد ترامب الجديد.

أحدث الأخبار

الأحد 14 يونيو 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

إيلون ماسك يدخل التاريخ كأول تريليونير وسط عاصفة من الانتقادات والاضطرابات

سجلت الأسواق المالية حدثاً تاريخياً مع قفزة نوعية في أسهم شركة 'سبايس إكس' ببورصة نيويورك، ما دفع بثروة رئيسها التنفيذي إيلون ماسك لتجاوز عتبة التريليون دولار لأول مرة في التاريخ البشري. وقد شهدت الجلسة الأولى للاكتتاب العام صعوداً مدوياً للسهم بنسبة بلغت 31% فوق سعر الطرح الأولي، ليغلق عند مستويات قياسية تعكس ثقة المستثمرين في رؤية ماسك المستقبلية رغم التحديات المالية السابقة.

وأكد ماسك من مقر شركته في تكساس طموحاته التي لا سقف لها، مشيراً إلى أن الهدف القادم هو نقل البشر إلى القمر والمريخ وما وراءهما. وأعرب عن ثقته الكاملة في الفريق التقني لشركة سبايس إكس لتحقيق هذه القفزة النوعية في تاريخ الاستكشاف الفضائي، وهو ما دفع آلاف المستثمرين الأفراد للتسابق على شراء الأسهم فور طرحها في الأسواق.

الاكتتاب الذي وُصف بالأضخم في التاريخ، استهدف جمع نحو 75 مليار دولار، وهو رقم يعادل ثلاثة أضعاف الرقم القياسي السابق الذي كانت تحتفظ به شركة أرامكو السعودية منذ عام 2019. وقد خصصت الشركة حصة كبيرة من أسهمها للمستثمرين الأفراد الذين أبدوا استعداداً لضخ مبالغ طائلة، مدفوعين بالإيمان بقدرة ماسك على دمج تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي في تكتل اقتصادي واحد.

وعلى الرغم من هذا النجاح المالي الباهر، إلا أن التقارير تشير إلى أن مجموعة شركات ماسك واجهت تباطؤاً في النمو خلال العام الماضي، حيث سجلت خسائر بلغت نحو 5 مليارات دولار في عام 2025. وتعود هذه الخسائر بشكل رئيسي إلى الاستثمارات الضخمة وغير المسبوقة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتطوير البنية التحتية الفضائية التي لم تحقق عوائد فورية بعد.

في المقابل، لم يمر هذا الصعود دون معارضة سياسية وقانونية، حيث دعت السناتورة الأمريكية إليزابيث وارن هيئة الأوراق المالية والبورصات إلى تعليق الاكتتاب بشكل مؤقت. وطالبت وارن بضرورة إجراء تحقيقات دقيقة للتأكد من شفافية الإجراءات وحماية المستثمرين من أي شبهات احتيال قد تشوب هذه العملية المالية الضخمة والمستويات السعرية المرتفعة.

من جانبها، انتقدت منظمات حقوقية دولية، ومنها منظمة أوكسفام، تركز هذه الثروة الهائلة في يد شخص واحد، معتبرة أن وصول ثروة فرد إلى ألف مليار دولار يمثل خللاً بنيوياً في الاقتصاد العالمي. وأكدت المنظمة أن هذا التفاوت الصارخ لا يهدد فقط مبادئ الاقتصاد العادل، بل يمتد أثره ليقوض أسس الديمقراطية السليمة في المجتمعات الحديثة.

وبالتزامن مع هذا التتويج المالي، واجه ماسك موجة غضب عارمة بسبب مواقفه السياسية، وتحديداً فيما يتعلق بأعمال الشغب المعادية للمهاجرين التي اندلعت في مدينة بلفاست بعاصمة أيرلندا الشمالية. واتهم باحثون ماسك باستخدام منصته 'إكس' للترويج لروايات عنيفة حصدت ملايين المشاهدات، مما ساهم في تأجيج التوترات العرقية والدعوات للاحتجاج العنيف في الشوارع.

وأفادت مصادر ميدانية بأن المواجهات في بلفاست أسفرت عن حرق مساكن وسيارات ومحال تجارية مملوكة لمهاجرين، من بينها متجر لمواطن سوري تعرض للحرق للمرة الثانية. وقد ترافقت هذه الأعمال مع كتابات معادية للإسلام على الجدران، وسط اتهامات لشخصيات يمينية متطرفة بالتنسيق مع ماسك لتضخيم دعوات التظاهر والتحريض عبر الفضاء الرقمي.

وكشف تقرير لمركز مكافحة الكراهية الرقمية أن منشورات ماسك حول اضطرابات بلفاست كانت المحرك الأساسي لانتشار الخطاب التحريضي، حيث حصدت وحده أكثر من 64 مليون مشاهدة. وأوضح التقرير أن ماسك استغل مأساة بلفاست لتمرير أجندات مناهضة للهجرة، مما أدى إلى انفجار في التعليقات التي تدعو علانية إلى ممارسة العنف ضد الأجانب والمهاجرين.

ويرى مراقبون أن سلطة ماسك على منصة 'إكس' تمنحه قدرة غير مسبوقة على تشكيل الرأي العام العالمي وتوجيهه نحو مسارات مثيرة للجدل. ومع امتلاكه لأكبر عدد من المتابعين على المنصة، أصبح قادراً على صياغة المحتوى الذي يراه ملايين المستخدمين، وهو ما يضعه في دائرة المسؤولية المباشرة عن السلوكيات التي تروج لها خوارزميات المنصة.

وكانت منصة 'إكس' قد أعادت تفعيل حسابات لشخصيات متهمة بترويج خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، وذلك عقب استحواذ ماسك عليها في عام 2022. هذا التوجه أثار قلقاً دولياً واسعاً، خاصة بعد رصد آلاف التعليقات التي تطالب بتنفيذ إعدامات ميدانية وجرائم كراهية في الردود على منشورات ماسك وحلفائه من اليمين المتطرف.

وفي سياق متصل، ندد محتجون أمام مقر بورصة ناسداك باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي التابعة لماسك في إنتاج محتويات غير أخلاقية تستهدف النساء والأطفال. ورغم تعهدات المنصة بمنع هذه المحتويات تحت الضغوط الدولية، إلا أن خبراء تقنيين أكدوا استمرار إمكانية إنتاجها ونشرها، مما يعزز الانتقادات الموجهة لسياسات الإشراف على المحتوى.

وعلى الصعيد الاقتصادي البحت، يرى محللون أن القيمة السوقية لشركات ماسك لا تستند فقط إلى الأرقام الحالية، بل إلى وعود بأسواق مستقبلية لم تولد بعد. فالمستثمرون يراهنون على مشاريع مثل استيطان المريخ ومراكز البيانات الفضائية، وهي طموحات تجعل من سبايس إكس شركة فريدة من نوعها لا تقارن بأي منافس آخر في قطاع التكنولوجيا.

ختاماً، يبقى صعود إيلون ماسك إلى قمة الهرم المالي العالمي حدثاً مثيراً للانقسام، فبينما يراه البعض عبقرياً يقود البشرية نحو آفاق جديدة، يراه آخرون خطراً على الاستقرار الاجتماعي. وبين الثروة التريليونية والاتهامات بالتحريض العنصري، يظل ماسك الشخصية الأكثر تأثيراً وجدلاً في المشهد العالمي الراهن، متجاوزاً حدود المال إلى صياغة السياسة والأمن الدوليين.