أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

المناهج الفلسطينية .. حين يصبح التعليم سؤال سيادة لا بند تفاوض


ليس التعليم في فلسطين نشاطاً محايداً، ولا المناهج نصوصاً تقنية قابلة للتعديل على طاولة المانحين، بل هما موقع اشتباك مفتوح بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إنتاج إنسان حر يمتلك وعيه وسرديته وقدرته على تسمية العالم من موقعه، ومشروع استعماري يعمل على تفريغ الوعي من معناه، وتحويل المعرفة إلى أداة تطبيع مع القهر، وإعادة تشكيل الذات الفلسطينية بوصفها ذاتاً قابلة للتكيّف لا للصمود المعرفي.
ففي السياق الفلسطيني، لا تُكتب المناهج في فراغ، ولا تُقرأ خارج التاريخ، ولا تُدرَّس بمعزل عن الجغرافيا المُستباحة. كل صفحة مدرسية تحمل أثر الحاجز، وكل مفهوم تربوي يمرّ عبر سؤال الوجود، وكل محاولة لـتحييد التعليم هي في جوهرها محاولة لإعادة تعريف الفلسطيني خارج تجربته التاريخية، وفصل المعرفة عن شرطها الأخلاقي والسياسي، وإعادة إنتاج الاستعمار بلغة تربوية ناعمة.
إن ما يجري اليوم ليس نقاشاً تربوياً حول جودة محتوى أو كفايات تعليمية، بل نقل قسري للتعليم من فضاء السيادة إلى منصة التقاضي السياسي، حيث تُستدعى المناهج بوصفها “مشتبهاً به”، ويُستجوب الوعي الفلسطيني أمام محاكم أخلاقية زائفة، تُدار من خارج السياق، وتُغذّى بتحريض الاحتلال، وتُموَّل بشروط تُفرغ الحق من جوهره، وتحوّل التربية من فعل تحرري إلى ملف امتثال.
في هذا الإطار، يصبح الدفاع عن المناهج دفاعاً عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الحدّ الأدنى من التماسك الاجتماعي، لأن التنازل عن هذا الحدّ لا يعني تطويراً، بل تفكيكاً بطيئاً للنسيج الوطني، وإعادة هندسة صامتة للوعي الجمعي، تبدأ من الصف ولا تنتهي عند السياسة.
أولاً: من انصياع المانحين إلى شرعنة التحريض – كيف نُقلت المناهج إلى قفص الاتهام؟
تتجلى الأزمة الراهنة في أن التعليم الفلسطيني لم يعد مجرد مساحة تربوية، بل صار محوراً لمناورة سياسية تُعيد تدوير تحريض الاحتلال داخل أروقة المؤسسات الدولية التي تدّعي الحياد. فحين تُقدَّم الرواية الإسرائيلية بوصفها معطى علمياً، تُفقد سياقاتها الاستعمارية، ويُعاد تكييفها كمعيار لتقييم ما يُكتب عن فلسطين في الصفوف المدرسية. في هذا المشهد، لا يُمحى الانتهاك، بل يُعاد ترميزه: تتحول الإبادة التعليمية إلى ظرف استثنائي، والاعتداء على المدارس إلى مجرد خلفية أمنية، بينما يُلقى على الفلسطيني وحده عبء إثبات وجوده وحقه في تسمية تجربته وجلاده.
هذا الانزلاق المنهجي يعكس قفزاً عن الحقيقة: لا يُسأل الاحتلال عن قتل الطلبة والمعلمين، ولا عن تحويل المدرسة إلى هدف عسكري، ولا عن عسكرة الفضاء التعليمي، ولا عن محو الهوية داخل سياق سيادة وطنية منتهكة. بل يُعاد توجيه السؤال إلى النص الفلسطيني ذاته: هل عبّر بشكل صحيح عن ألمه؟ هل سمّى الفعل باسمه؟ هل تجاوز حدود ما يُسمح به دولياً؟ وهكذا، لا يُحاسب الفعل الاستعماري، بل يُعاد ضبط خطاب الضحية بوصفه مشكلة، فيما تبقى بنية الاحتلال المستمرة من العنف بعيداً عن المساءلة.
يتحوّل التمويل الدولي هنا من دعم إلى أداة ضبط سياسي، تُشترط على المناهج الفلسطينية أن تُعاد صياغتها لتتماشى مع خطاب القوة. وتصبح المدرسة مشروطة، ليس بالإعمار وحده، بل بإعادة بناء الذاكرة وفق مقاييس الخارج. السؤال إذاً لا يعود “كيف نعلّم”، بل: ما الذي يُسمح لنا تذكره؟ وما الذي يجب أن يُمحى لنكون “معتدلين” وجديرين بالدعم؟ هذا المنطق يُفرغ التعليم من مضمونه السيادي، ويحوّله إلى خدمة مشروطة، ويضعف قدرة المجتمع على حماية ذاكرته كركيزة أساسية للصمود الوطني.
ثانياً: المقارنة الغائبة عمداً – لماذا لا تُفحَص مناهج الاحتلال؟
يُطرح المنهاج الفلسطيني باستمرار بوصفه إشكالية، بينما تُستثنى مناهج الاحتلال من أي مساءلة مقارنة جادّة. وهنا لا نتحدث عن غياب أدوات، بل عن غياب إرادة سياسية ومعرفية متعمَّدة. فالمعايير الدولية موجودة، والدراسات المنهجية متاحة، ومبادئ التربية على حقوق الإنسان، ونبذ العنصرية، وبناء السلام، واضحة ومعلنة، لكن تفعيلها يتوقف عندما يتعلق الأمر بمساءلة البنية التعليمية الاستعمارية.
مع ذلك، لا تُطرح دراسة مقارنة شاملة بين المنهاجين الفلسطيني والإسرائيلي بوصفها شرطاً أخلاقياً ومعرفياً. لماذا؟ لأن المقارنة ستفضح أن المشكلة ليست في سردية الضحية، بل في بنية تعليم استعماري يُنتج التفوق الإثني، ويُطبع العنف، ويُجرّم الوجود الفلسطيني رمزياً، ويحوّل الآخر إلى غائب أو تهديد دائم. المقارنة ستنقل النقاش من “لغة كتاب” إلى “مشروع دولة”، ومن “تحريض مزعوم” إلى عقيدة تربوية إحلالية.
غياب المقارنة ليس فراغاً أكاديمياً، بل قرار سياسي واعٍ، يهدف إلى إبقاء الفلسطيني في موقع الدفاع الدائم عن حقه في الذاكرة، وإعفاء الاحتلال من المساءلة، وتحويل التعليم إلى ساحة ضغط إضافية تُستكمل بها أدوات السيطرة التي فشلت عسكرياً وأمنياً، لكن يُعاد إنتاجها تربوياً بمهارة عالية.
ثالثاً: لماذا نتعلّم؟ التعليم بوصفه إنتاج معنى لا تكيّفاً مع القهر
السؤال الجوهري الذي يُراد دفنه هو: لماذا نتعلّم؟ هل نتعلّم لنكون مقبولين في تقارير المانحين؟ أم لنبني إنساناً قادراً على فهم واقعه، وتسمية قهره، وتأويل تاريخه، والدفاع عن كرامته دون أن يتحول إلى نسخة مُروَّضة من ذاته؟
التعليم، في السياق الفلسطيني، هو فعل إنتاج معنى. والمعنى هنا ليس تجريداً فلسفياً، بل صلة حيّة بين الذاكرة والتاريخ والحق. حين يُختزل الأسير إلى “مظلوم” فقط، يُمحى البعد السياسي لجريمة الاعتقال. وحين تُختزل الصهيونية إلى “احتلال”، يُخفى جوهرها كمنظومة إحلالية استعمارية. وحين تُختزل القدس إلى “مدينة سلام”، تُنزَع عنها حقيقتها كعاصمة فلسطينية أبدية ذات سيادة وهوية.
المناهج الفلسطينية، بصيغتها الحالية، ليست مثالية، لكنها الحدّ الأدنى المقبول وطنياً وأخلاقياً وتربوياً. والتفريط بهذا الحدّ لا يفتح باب الإصلاح، بل يفتح باب التفتت، ويُعرّض وحدة الوعي الجمعي لمخاطر عميقة، لأن التعليم هو الخيط الذي يشدّ الذاكرة إلى المستقبل، وأي قطع لهذا الخيط يُربك المجتمع في تعريف ذاته وأولوياته.
ختاماً، التعليم في فلسطين ليس ملفاً تفاوضياً أو بنداً تقنياً، ولا المناهج ورقة قابلة للمقايضة. التعليم هو شرط الوجود في وجه مشروع يريد إتمام الإبادة بالمعنى بعد الإبادة بالجسد. الدفاع عن المناهج ليس دفاعاً عن نصوص، بل عن حق تقرير المصير المعرفي، وعن الذاكرة، وعن المستقبل، وعن قدرة المجتمع على الاستمرار بوصفه جماعة تاريخية لا مجرد أفراد معزولين.
الإصرار على إخضاع التعليم الفلسطيني لشروط سياسية هو إصرار على تفريغ الوعي من قدرته على التحرر. وفي المقابل، فإن التمسك بالمناهج، وتطويرها من داخل الإرادة الوطنية، والدعوة إلى مقارنات عادلة، هو فعل صمود عقلاني وأخلاقي، يؤكد أن المعرفة ليست منحة، بل حق، وأن الوعي ليس ترفاً، بل ساحة المعركة الأخيرة، والأكثر حسماً، ودرعاً أمام محاولات إعادة إنتاج الاحتلال داخل فضاء التربية.

تحليل

الإثنين 23 فبراير 2026 9:21 صباحًا - بتوقيت القدس

على حافة الهاوية: بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة واستعراض القوة في المواجهة الأميركية الإيرانية

تحليل إخباري

تتسارع التطورات في المشهد الأميركي الإيراني على نحو يعكس لحظة مفصلية قد تعيد رسم توازنات الإقليم برمته. ففي 22 شباط 2026، نقل موقع "أكسيوس" عن مسؤول أميركي رفيع أن واشنطن مستعدة لعقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف إذا تسلمت خلال 48 ساعة مقترحاً إيرانياً مفصلاً بشأن اتفاق نووي. هذا العرض المشروط لا يبدو مجرد خطوة إجرائية، بل رسالة سياسية مزدوجة: الباب لم يُغلق بعد أمام الدبلوماسية، لكنه لن يبقى مفتوحاً طويلاً. إدارة دونالد ترمب تضع الكرة في الملعب الإيراني، وتربط أي لقاء بإظهار طهران جدية مكتوبة، في إشارة إلى أن زمن البيانات العامة قد انتهى.

اللافت أن المسؤول الأميركي لم يستبعد بحث اتفاق مؤقت قبل التوصل إلى اتفاق شامل، وهو ما يعكس إدراكاً لتعقيد الهوة بين مطلب "عدم التخصيب" الذي تتبناه واشنطن، وإصرار طهران على الاحتفاظ بحقها في التخصيب ولو رمزياً. هذا الطرح المرحلي يكشف عن براغماتية تكتيكية، لكنه يحمل أيضاً مخاطر تكريس حلول مؤقتة قد تتحول إلى أزمات مؤجلة. فالتجربة السابقة مع الاتفاقات المرحلية أظهرت أن غياب الثقة البنيوية يجعل كل تفاهم عرضة للانهيار عند أول اختبار سياسي.

في المقابل، صعّد ترمب لهجته في 20 شباط، ملوحاً بالخيار العسكري إذا فشلت المفاوضات، ومشيراً إلى أن "أحداثاً سيئة" قد تقع، بل ولمّح إلى أن تغيير النظام في طهران قد يكون "أفضل ما يمكن أن يحدث". هذه اللغة تتجاوز إطار منع الانتشار النووي إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية الإيرانية، ما يثير تساؤلات حول الهدف النهائي: هل هو اتفاق نووي مضبوط تقنياً، أم إعادة هندسة التوازن الداخلي الإيراني؟ هذا التداخل بين الأمني والسياسي يضعف رسائل الطمأنة ويعزز الشكوك الإيرانية بأن المسألة أعمق من مجرد أجهزة طرد مركزي.

التصعيد الخطابي تزامن مع أكبر حشد بحري أميركي في المنطقة منذ عام 2003. فقد انتشرت حاملة الطائرات آبراهام لينكولن USS Abraham Lincoln  برفقة مدمرات موجهة بالصواريخ، إضافة إلى الحاملة جيرالد فورد USS Gerald Ford، الأكبر في العالم، مع تعزيزات جوية واسعة شملت مقاتلات متقدمة وطائرات إنذار مبكر وتموين. هذا الانتشار يمنح واشنطن قدرة ردع عالية ومرونة عملياتية، لكنه في الوقت ذاته يرفع سقف التوقعات ويقلص هامش التراجع دون كلفة سياسية. حين تُحشد حاملتا طائرات، يصبح التراجع من دون مقابل ملموس أقرب إلى خسارة رمزية.

مع ذلك، يلاحظ غياب قوات برية كبيرة، ما يوحي بأن واشنطن لا تستعد لغزو أو احتلال، بل لخيارات جوية وصاروخية محدودة. غير أن مفهوم "الضربة المحدودة" ذاته يظل إشكالياً. فإيران ، وفق الخبراء، راكمت خلال السنوات الماضية أدوات رد غير تقليدية، من الصواريخ الدقيقة إلى الطائرات المسيّرة، فضلاً عن شبكة حلفاء إقليميين قادرين على توسيع مسرح العمليات. أي استهداف مباشر للقيادة، وخصوصاً إذا طال المرشد الأعلى علي خامنئي ، قد يدفع إلى رد يتجاوز الحسابات التكتيكية نحو مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

في هذا السياق، جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتعكس مزيجاً من التحدي والانفتاح. فقد أكد أن إيران لا تسعى إلى حرب لكنها لن تقبل التهديد، وأن نافذة الاتفاق لا تزال مفتوحة إذا التزمت واشنطن برفع فعلي للعقوبات، معتبراً أن الحشد العسكري رسالة ضغط سياسي أكثر منه تمهيداً لحرب. هذه المقاربة تكشف عن محاولة إيرانية دقيقة للموازنة بين احتواء التصعيد والحفاظ على صورة الصلابة داخلياً، إذ إن القيادة في طهران تدرك أن التراجع تحت وطأة التهديد قد يُفسَّر ضعفاً يمس شرعيتها، لكنها في الوقت ذاته تعي أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة سيحمل كلفة باهظة اقتصادياً وأمنياً.

ومن هنا تتقاطع الحسابات الداخلية مع المعادلات الإقليمية والدولية في نقطة حساسة: فكل خطوة عسكرية أميركية، حتى لو وُصفت بأنها محدودة أو جراحية، قد تفتح مسارات رد متعددة تتجاوز حدود الضربة ذاتها، سواء عبر أدوات تقليدية أو غير تقليدية، أو من خلال توسيع نطاق الاشتباك جغرافياً. كما أن أي اضطراب واسع سيصيب أمن الخليج وأسعار الطاقة والملاحة في مضيق هرمز، ما يضع الحلفاء الأوروبيين والقوى الكبرى أمام خيارات صعبة بين دعم الردع ومنع الانفجار. 

بذلك، بحسب الخبراء، تصبح الدبلوماسية، على ضيق نافذتها، أقل كلفة من اختبار فرضيات القوة. غير أن نجاحها يتطلب آليات تحقق صارمة وجدولاً زمنياً واضحاً لرفع العقوبات، وإرادة سياسية قادرة على تحويل الرسائل النارية إلى تفاهمات مكتوبة. وبين استعراض القوة وتبادل المقترحات، تبقى المنطقة معلّقة على قدرة الطرفين على إدراك أن أي خطأ في الحساب قد يحوّل الضغط التكتيكي إلى تحول استراتيجي لا يملك أحد السيطرة الكاملة على مآلاته.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

رمضان غزة بلا مآذن: الاحتلال يغيب 312 إماماً ويدمر مئات المساجد

يحل شهر رمضان المبارك على قطاع غزة هذا العام بملامح حزينة ومختلفة تماماً عما اعتاد عليه الفلسطينيون، حيث يغيب عشرات الأئمة والخطباء الذين صدحت أصواتهم لسنوات في صلوات التراويح والقيام. وتأتي هذه الأجواء في ظل حرب مستمرة خلفت دماراً واسعاً طال البنية التحتية الدينية والاجتماعية، مما أجبر السكان على البحث عن بدائل لممارسة شعائرهم الدينية وسط الركام.

وأفادت مصادر رسمية في قطاع غزة بأن الاحتلال الإسرائيلي تسبب في تغييب 312 خطيباً وواعظاً وإماماً، بالإضافة إلى عدد كبير من محفظي القرآن الكريم الذين قضوا خلال أشهر الحرب. هؤلاء الرموز كانوا يشكلون ركيزة أساسية في تعزيز السلم المجتمعي وترسيخ القيم الروحية، وكان لرحيلهم أثر عميق في نفوس المصلين الذين افتقدوا دروسهم الدينية المؤثرة.

وعلى صعيد المنشآت الدينية، كشفت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن أرقام صادمة، حيث دمرت آلة الحرب الإسرائيلية 1050 مسجداً بشكل كلي، بينما تعرض 191 مسجداً لدمار جزئي. هذه الإحصائية تعني أن الغالبية العظمى من المساجد التي كانت قائمة قبل الحرب، والبالغ عددها 1275 مسجداً، أصبحت خارج الخدمة أو تحولت إلى ركام.

وأمام هذا الواقع القاسي، لم يجد أهالي غزة بداً من إقامة صلواتهم في خيام بسيطة مصنوعة من الخشب والنايلون، نصبت فوق أنقاض المساجد المدمرة أو بجوارها. كما يستغل المصلون الجدران المتصدعة للمساجد التي لم تنهدم بالكامل لأداء الصلوات، في مشهد يجسد الإصرار على ممارسة الشعائر الدينية رغم انعدام الإمكانيات.

وصرح مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي بأن الاحتلال تعمد استهداف الرموز الدينية والاجتماعية التي تؤدي دوراً محورياً في توجيه المجتمع. وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني يفتقد في ليالي رمضان الحالية تلك الأصوات التي كانت تملأ المساجد بالخشوع والإيمان، مما أضفى مسحة من الحزن على الشهر الفضيل.

ولم تقتصر المعاناة على المسلمين فحسب، بل طالت الطوائف المسيحية في القطاع التي فقدت 20 من أبنائها جراء الاستهداف المباشر لدور العبادة المسيحية. هذا الاستهداف الممنهج يوضح أن العدوان لم يفرق بين المعتقدات، بل استهدف الهوية الحضارية والدينية الشاملة للمجتمع الفلسطيني في غزة.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن الخسائر المادية المباشرة التي لحقت بالقطاع الديني تقدر بنحو مليار دولار أمريكي، تشمل المساجد والكنائس والمرافق التابعة لها. كما لم تسلم المقابر من آليات الاحتلال التي قامت بتجريفها واستهدافها، في انتهاك صارخ لحرمة الأموات والقوانين الدولية التي تحمي الأعيان الدينية.

ومن أبرز الشخصيات التي فقدتها غزة، الداعية يوسف سلامة، وزير الأوقاف الأسبق وأحد خطباء المسجد الأقصى المبارك، الذي استشهد في غارة استهدفت منزله بمخيم المغازي. كان سلامة قامة علمية ودينية مرموقة، وشغل مناصب إدارية وأكاديمية هامة، وترك رحيله فراغاً كبيراً في المشهد الديني الفلسطيني.

كما استشهد الداعية وائل الزرد، الذي اشتهر بإمامته للمسجد العمري الكبير وخطبه الحماسية التي كانت تجذب آلاف المصلين. الزرد الذي كان يحمل درجة الدكتوراه في علم الحديث، استشهد متأثراً بإصابته بعد قصف منزله، مخلفاً وراءه إرثاً من العلم الشرعي الذي كان يدرسه في الجامعات الفلسطينية.

وفي حي الصبرة، فقدت الساحة الدعوية الدكتور وليد عويضة، مدير عام التحفيظ بوزارة الأوقاف وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين. عويضة كان له بصمة واضحة في تربية الأجيال الناشئة على حفظ القرآن الكريم وتوجيههم نحو القيم الإسلامية السمحة قبل أن تنهي حياته غارة إسرائيلية غادرة.

أما في مدينة خان يونس، فقد استشهد الداعية نائل مصران رفقة عائلته داخل خيمتهم التي لجأوا إليها، بعد أن قضى مئات الأيام في حث الناس على الصبر والثبات. مصران كان يجمع بين العلوم الدنيوية والدينية، حيث كان مهندساً مدنياً وحاصلاً على الدكتوراه في أصول الفقه، مما جعله نموذجاً للمثقف الشامل.

وتؤكد المصادر أن استهداف رجال الدين ودور العبادة يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، الذي يمنح حماية خاصة لهذه الأعيان في أوقات النزاع. ويرى مراقبون أن هذه السياسة تهدف إلى كسر الروح المعنوية للسكان وطمس المعالم الثقافية والدينية التي تميز قطاع غزة.

ورغم كل هذا الدمار، يصر الفلسطينيون على إحياء شعائر شهر رمضان بما يتوفر لديهم من إمكانيات بسيطة داخل مراكز الإيواء والخيام. هذا التمسك بالعبادة يبعث برسالة قوية حول صمود الشعب الفلسطيني وقدرته على التكيف مع أقسى الظروف من أجل الحفاظ على هويته ودينه.

إن غياب هذه الأصوات الندية والوجوه الدعوية في رمضان الحالي يترك غصة في قلوب الغزيين، لكن ذكراهم تظل حاضرة في كل صلاة تقام فوق الركام. ويبقى الأمل معقوداً على إعادة إعمار ما دمره الاحتلال، لتعود المآذن من جديد وتصدح بالتكبير في أرجاء القطاع المحاصر.

رياضة

الإثنين 23 فبراير 2026 9:11 صباحًا - بتوقيت القدس

فاجعة في الملاعب المصرية: وفاة لاعب ناشئ دهساً أثناء توزيع وجبات الإفطار

خيم الحزن على الوسط الرياضي في محافظة الدقهلية المصرية عقب إعلان وفاة اللاعب الناشئ معتصم زكريا، عضو فريق كرة القدم بنادي عمال المنصورة لمواليد 2011، إثر حادث سير مأساوي وقع مساء السبت. وأفادت مصادر محلية بأن اللاعب الشاب، البالغ من العمر 14 عاماً، تعرض لعملية دهس من قبل سيارة مسرعة أثناء تواجده على الطريق للمشاركة في نشاط خيري يتمثل في توزيع وجبات الإفطار على المسافرين والصائمين قبيل رفع أذان المغرب.

ونعى الاتحاد المصري لكرة القدم، برئاسة المهندس هاني أبو ريدة وأعضاء مجلس الإدارة، الفقيد الراحل في بيان رسمي، معربين عن خالص تعازيهم لأسرة اللاعب وفرع الاتحاد بالدقهلية. وجاء في البيان أن المنظومة الكروية تلقت ببالغ الأسى نبأ رحيل الموهبة الشابة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويلهم ذويه الصبر والسلوان في هذا المصاب الجلل.

من جانبه، أكد نادي عمال المنصورة عبر منصاته الرسمية رحيل لاعبه في الحادث الأليم الذي وقع أثناء قيامه بمهمة إنسانية. وقد أثارت الحادثة موجة واسعة من التعاطف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أشاد المتابعون بحسن خاتمة اللاعب الذي فارق الحياة وهو يسعى لخدمة الآخرين في شهر رمضان المبارك.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 8:56 صباحًا - بتوقيت القدس

مقتل زعيم عصابة 'إل مينشو' في المكسيك بتعاون استخباراتي أميركي سري

كشفت مصادر دفاعية عن تفاصيل جديدة تتعلق بمقتل نمسيو أوسيغيرا، الشهير بلقب 'إل مينشو'، زعيم عصابة 'خاليسكو نيو جينيريشن' وأحد أبرز المطلوبين دولياً. وأوضحت المصادر أن مجموعة عمل استخباراتية أميركية جديدة، يقودها الجيش، لعبت دوراً محورياً في تزويد السلطات المكسيكية بالمعلومات اللازمة لتنفيذ الغارة التي جرت يوم أمس الأحد.

وتشكلت هذه المجموعة المشتركة بين عدة وكالات حكومية أميركية بسرية تامة في أواخر العام الماضي، بهدف ملاحقة وتتبع قادة عصابات المخدرات العابرة للحدود. وبالرغم من الدعم الاستخباراتي، أكد مسؤولون أميركيون أن العملية الميدانية كانت مكسيكية خالصة، حيث نفذتها قوات الأمن المحلية دون تدخل عسكري مباشر من واشنطن.

ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الدفاع المكسيكية، فإن اشتباكات عنيفة اندلعت في ولاية خاليسكو بغرب البلاد، أسفرت عن إصابة أوسيغيرا بجروح بالغة الخطورة. وقد لفظ الزعيم المطارد أنفاسه الأخيرة أثناء محاولة نقله عبر مروحية طبية إلى العاصمة مكسيكو سيتي، بعد سنوات من الملاحقة الأمنية المكثفة.

من جانبه، وصف نائب وزير الخارجية الأميركي، كريستوفر لانداو، تصفية 'إل مينشو' بأنها إنجاز أمني ضخم يتجاوز حدود المكسيك ليصل تأثيره إلى كامل منطقة أميركا اللاتينية. وأشار لانداو إلى أن هذا التطور يعكس نجاح التعاون الأمني الوثيق بين البلدين في مواجهة الجريمة المنظمة التي تهدد الاستقرار الإقليمي.

وفور الإعلان عن مقتل زعيم العصابة، اجتاحت موجة من العنف والاضطرابات عدة مناطق مكسيكية، حيث قام مسلحون موالون للعصابة بإضرم النيران في عشرات المركبات. كما عمدت المجموعات المسلحة إلى إغلاق الطرق السريعة الرئيسية في أكثر من ست ولايات، في محاولة للرد على الضربة القاصمة التي تلقتها المنظمة.

وفي ولاية ميتشواكان المجاورة، أكد الحاكم ألفريدو راميريز بيدولا تلقيه تقارير ميدانية تفيد بتعطل حركة السير وإغلاق مسارات حيوية نتيجة التداعيات الأمنية المتسارعة. وتعمل قوات الجيش والشرطة المكسيكية حالياً على استعادة السيطرة على الطرق وتأمين المنشآت الحيوية خشية تصاعد وتيرة الهجمات الانتقامية.

تأتي هذه العملية في وقت تشهد فيه المكسيك توترات أمنية غير مسبوقة ناتجة عن الصراعات الدامية بين كارتلات المخدرات المتنافسة. ويرى مراقبون أن غياب 'إل مينشو' قد يؤدي إلى فراغ في السلطة داخل عصابة خاليسكو، مما قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصفيات الداخلية والنزاعات المسلحة على النفوذ.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 8:41 صباحًا - بتوقيت القدس

صور أقمار صناعية تكشف تسارع التحصينات النووية وإعادة بناء القدرات الصاروخية الإيرانية

أظهرت صور أقمار اصطناعية حديثة تسارعاً ملحوظاً في أعمال تحصين المنشآت النووية الإيرانية، بالتزامن مع إعادة بناء مواقع صاروخية كانت قد تضررت خلال المواجهات العسكرية الأخيرة. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه المؤشرات الدولية حول احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية وشيكة ضد أهداف استراتيجية في العمق الإيراني.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الإدارة الأمريكية تلقت تقارير تفيد بجاهزية الجيش لتنفيذ هجوم محتمل مع نهاية الأسبوع الجاري. وقد ترافق ذلك مع رصد تعزيزات عسكرية واسعة شملت قطعاً بحرية وأسراباً جوية أمريكية وصلت إلى منطقة الشرق الأوسط خلال الأيام القليلة الماضية لرفع مستوى التأهب.

وبحسب تحليلات تقنية لمعهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن، فإن طهران تعمد إلى استخدام كميات ضخمة من الخرسانة المسلحة لتدعيم منشآتها الحساسة. كما رصدت الصور عمليات تغطية لمواقع حيوية بطبقات كثيفة من التربة لتقليل أثر أي غارات جوية قد تستهدف تلك المراكز الحيوية في المستقبل القريب.

ووثقت الصور الملتقطة في العاشر من فبراير الجاري استمرار العمل في مداخل أنفاق تابعة لمجمع ضخم تحت الأرض بالقرب من منطقة نطنز. وتظهر اللقطات بوضوح صب كتل خرسانية جديدة عند المداخل الشرقية والغربية للمجمع، مع انتشار مكثف لآليات البناء والمعدات الثقيلة في محيط الموقع المستهدف بالتحصين.

وفي مجمع بارشين العسكري الواقع جنوب شرق العاصمة طهران، وتحديداً في منشأة 'طالقان 2'، اكتمل بناء هيكل خرساني ضخم يحيط بالموقع بالكامل. وبدأت الفرق الفنية عمليات طمر الهيكل بالتراب، وهي خطوة تهدف وفق تقديرات الخبراء إلى تعزيز قدرة المنشأة على الصمود أمام القنابل الخارقة للتحصينات.

وعلى صعيد القدرات الصاروخية، كشفت التحليلات عن نشاط مكثف لإعادة إعمار منشآت دمرت خلال الضربات الإسرائيلية في يونيو الماضي. وتتركز هذه الأعمال في قواعد استراتيجية كانت قد خرجت عن الخدمة جزئياً نتيجة الاستهداف المباشر لمنصات الإطلاق ومخازن الوقود الصلب.

وفي قاعدة الإمام علي الصاروخية بمدينة خرم آباد، أظهرت صور من مطلع يناير الماضي إعادة بناء ثلاث منشآت حيوية من أصل 12 منشأة تعرضت للتدمير الكامل. كما تجري عمليات ترميم لمنشأة رابعة، بينما لا تزال ثلاث منشآت أخرى تحت الإنشاء وسط عمليات حفر وتوسعة لمنصات إطلاق الصواريخ الباليستية.

أما في مجمع 'تير 7' الصناعي القريب من أصفهان، فقد رصدت الأقمار الاصطناعية إعادة بناء منشآت مرتبطة بإنتاج أجزاء أجهزة الطرد المركزي. ويأتي هذا التحدي رغم العقوبات الدولية المفروضة على هذا المجمع منذ أكتوبر 2025، مما يعكس إصرار طهران على استعادة قدراتها التصنيعية النووية.

دبلوماسياً، تجري في مدينة جنيف السويسرية مفاوضات غير مباشرة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين في محاولة لنزع فتيل الأزمة المتصاعدة. وأكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوصل إلى ما وصفها بـ 'مبادئ توجيهية'، إلا أن الأجواء العامة لا تزال تشير إلى فجوة واسعة بين الطرفين.

في المقابل، صرح نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس بأن طهران لم تلتزم بالخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس دونالد ترامب. وأشار فانس إلى أن الإدارة الأمريكية تراقب عن كثب التحركات الإيرانية الميدانية، معتبراً أن استمرار البناء في المواقع النووية يعد تصعيداً غير مقبول.

وتأتي هذه التطورات بعد مواجهة عسكرية عنيفة استمرت 12 يوماً بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، شهدت تبادلاً مكثفاً للصواريخ والطائرات المسيرة. وكانت واشنطن قد أعلنت حينها أن الضربات الجوية دمرت مواقع نووية وصاروخية بالكامل، وهو ما تفنده صور الأقمار الاصطناعية الجديدة التي تظهر عودة النشاط.

ويرى مراقبون أن وتيرة البناء المتسارعة في المواقع العسكرية الإيرانية تعكس استراتيجية 'السباق مع الزمن' قبل أي مواجهة محتملة. فإيران تسعى لتأمين منشآتها تحت طبقات من الخرسانة والتراب لجعل تكلفة استهدافها عسكرياً باهظة وغير مضمونة النتائج بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها.

وتشير التقارير الفنية إلى أن مجمع 'تير 7' يعد حلقة وصل أساسية في البرنامج النووي، وإعادة إعماره تعني استئناف إنتاج المكونات الدقيقة لأجهزة الطرد المركزي. وهذا التطور يضع المفاوضين في جنيف أمام واقع ميداني معقد، حيث تفرض إيران وقائع جديدة على الأرض تسبق أي اتفاق سياسي محتمل.

ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف في المنطقة مع اقتراب نهاية الأسبوع والموعد المفترض للجاهزية العسكرية الأمريكية. وبينما تستمر الآليات الإيرانية في صب الخرسانة فوق منشآتها، تواصل القوات الأمريكية تعزيز تواجدها في القواعد القريبة، مما ينذر بجولة جديدة من التصعيد قد تغير موازين القوى الإقليمية.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

هدى عموري.. حفيدة قادة ثورة 1936 التي هزت أركان التصنيع العسكري الإسرائيلي في بريطانيا

تجسد الناشطة هدى عموري، مؤسسة حركة 'فلسطين أكشن'، امتداداً حياً لتاريخ النضال الفلسطيني الذي بدأه أجدادها في ثلاثينيات القرن الماضي. ولدت عموري في بريطانيا عام 1994 لعائلة مهجرة من مدينة طولكرم، حيث كان والد جدها، إبراهيم العموري، أحد القادة البارزين في ثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني، قبل أن يتم اغتياله على يد قوات الاحتلال في عام 1938.

نشأت هدى في بيئة علمية بمدينة برادفورد، حيث عمل والدها جراحاً ووالدتها طبيبة، لكن الجرح الفلسطيني ظل حاضراً في وجدانها من خلال مرويات التهجير القسري التي عاشتها عائلتها إبان حرب عام 1967. هذا الإرث العائلي دفعها لاحقاً إلى تحويل مسارها من دراسة إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة مانشستر إلى الانخراط الكامل في العمل السياسي والميداني نصرة للقضية الفلسطينية.

كانت محطة التطوع في جزيرة ليسبوس اليونانية عام 2015 نقطة تحول جوهرية في حياة عموري، حيث عاينت مآسي اللاجئين السوريين الفارين من الحرب. رأت هدى في وجوه اللاجئين تكراراً لنكبة عائلتها، مما دفعها للبحث عن جذور الدعم البريطاني للاحتلال الإسرائيلي، واكتشاف استثمارات جامعتها في شركات أسلحة تمد الجيش الإسرائيلي بالعتاد القاتل.

بدأت عموري نشاطها داخل أسوار جامعة مانشستر عبر حملات المقاطعة (BDS)، حيث نجحت في طرد شركات داعمة للاحتلال من الحرم الجامعي وإلغاء فعاليات تروج للرواية الإسرائيلية. لم تكتفِ بالعمل الطلابي، بل أسست في يوليو 2020 حركة 'فلسطين أكشن' بالتعاون مع الناشط ريتشارد برنارد، لتبدأ مرحلة جديدة من 'العمل المباشر' ضد مصالح الاحتلال في القارة الأوروبية.

ركزت الحركة استراتيجيتها على استهداف شركة 'إلبيت سيستمز'، أكبر شركة أسلحة إسرائيلية خاصة تعمل في بريطانيا، والتي تزود جيش الاحتلال بنحو 85% من طائراته المسيرة وذخائره. تمكن ناشطو الحركة من إلحاق خسائر بملايين الدولارات بالشركة عبر سلسلة من الاقتحامات والاحتجاجات التي أجبرت مصانع تابعة لها في أولدهام ولندن على الإغلاق النهائي.

تجاوز تأثير 'فلسطين أكشن' حدود التظاهر التقليدي، حيث أدت حملاتها الممنهجة إلى إلغاء عقود ضخمة بقيمة 280 مليون جنيه إسترليني بين وزارة الدفاع البريطانية والشركات الإسرائيلية. وترى الحركة أن بريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية وأخلاقية عن معاناة الفلسطينيين منذ وعد بلفور عام 1917، وتعتبر أن وقف هذا التواطؤ هو السبيل الوحيد لإنهاء الاستعمار.

واجهت الحركة تضييقات أمنية وسياسية شديدة، بلغت ذروتها عندما صنفتها حكومة حزب العمال برئاسة كير ستارمر كـ 'منظمة إرهابية' في يوليو 2025. جاء هذا القرار في أعقاب عمليات تخريب استهدفت قواعد جوية بريطانية ومصانع للصناعات الدفاعية، حيث وصفت وزيرة الداخلية إيفيت كوبر نشاط الحركة بأنه 'تخريب إجرامي غير مقبول' يخرج عن إطار الاحتجاج السلمي.

لم تتوقف ضغوط السلطات البريطانية عند التصنيف، بل شملت اعتقال المئات من الناشطين وتوجيه تهم جنائية ثقيلة لهم في محاولة لتقويض نشاط الحركة المتصاعد. ومع ذلك، استمرت عموري ورفاقها في الدفاع عن مشروعية عملهم، مؤكدين أن تعطيل آلات القتل الإسرائيلية هو واجب أخلاقي وقانوني يتماشى مع مبادئ حقوق الإنسان الدولية.

في تطور قضائي لافت، قضت المحكمة العليا في إنجلترا وويلز في فبراير 2026 بأن قرار حظر الحركة يتعارض مع مبادئ حرية التعبير المكفولة قانوناً. واعتبر هذا الحكم انتصاراً تاريخياً لهدى عموري، حيث أكد القضاء أن النشاط السياسي الموجه ضد شركات الأسلحة يندرج ضمن الحقوق الديمقراطية، مما وجه ضربة قوية لمحاولات الحكومة تجريم التضامن مع فلسطين.

امتد نشاط 'فلسطين أكشن' دولياً ليصل إلى الولايات المتحدة، حيث استهدف الناشطون مصانع شركة 'إلبيت' في نيوهامبشير وماساتشوستس، مما أدى لاعتقالات واسعة في صفوفهم. كما نفذت الحركة عمليات رمزية ضد منشآت مملوكة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في اسكتلندا، احتجاجاً على سياساته الداعمة لتهجير سكان قطاع غزة وإعادة استيطانها.

تؤكد مصادر مطلعة أن نجاح الحركة في إغلاق مقار 'إلبيت سيستمز' في لندن يمثل ذروة التأثير الميداني الذي يمكن أن يحققه العمل الشعبي المنظم. وقد أصبحت هدى عموري رمزاً لجيل جديد من الفلسطينيين في الشتات الذين يرفضون الاكتفاء بالخطابات السياسية، ويفضلون المواجهة المباشرة مع الشركات التي تتربح من دماء أبناء شعبهم في غزة والضفة.

يرى مراقبون أن الربط بين ثورة 1936 ونشاط 'فلسطين أكشن' في 2026 يعكس استمرارية النضال الفلسطيني عبر الأجيال، رغم تغير الأدوات والساحات. فبينما كان الجد يواجه الانتداب البريطاني بالسلاح في جبال طولكرم، تقود الحفيدة معركة قانونية وميدانية في قلب لندن لقطع شريان الإمداد العسكري عن الاحتلال الإسرائيلي.

إن الحكم القضائي الأخير لا يمثل نهاية المعركة بالنسبة لعموري، بل هو بداية لمرحلة جديدة من التصعيد ضد الشركات المتواطئة في 'الإبادة الجماعية' بقطاع غزة. وتشدد الناشطة الفلسطينية في تصريحاتها على أن الحركة ستواصل ملاحقة النفوذ الإسرائيلي في بريطانيا حتى إنهاء كافة أشكال التعاون العسكري والأمني بين البلدين.

بهذا الانتصار، تثبت هدى عموري أن الإرادة الشعبية قادرة على مواجهة أعتى الأنظمة السياسية والشركات العسكرية العالمية، معيدة الاعتبار للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية. ويبقى مسار 'فلسطين أكشن' نموذجاً ملهماً لحركات التضامن العالمي التي تسعى لتحويل الشعارات إلى أفعال ملموسة تؤثر في موازين القوى على الأرض.

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 7:09 صباحًا - بتوقيت القدس

ماذا يريد ترامب من التلويح بضرب إيران؟

ليس السؤال ما إذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب سيضغط على الزناد، بل ماذا يريد أن يحقّق قبل أن يفعل. فالحشود العسكرية في الخليج، وحاملات الطائرات التي تتقدّمها “يو إس إس أبراهام لينكولن” و“يو إس إس جيرالد فورد”، ليست مجرد استعراض قوة، بل رسالة سياسية مركّبة عنوانها: إعادة تعريف قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وإجبار إيران على التفاوض من موقع أضعف.

ترامب لا يتحرك في فراغ. هو يدرك أن حرباً شاملة مع إيران مقامرة مكلفة وغير مضمونة النتائج، وقد تنقلب عليه داخلياً. لذلك يبدو أنه يبحث عن معادلة أكثر دقة: ضربة محدودة، محسوبة، عالية التأثير، تُضعف قدرة الردع الإيرانية من دون أن تفتح أبواب جحيم إقليمي شامل. إعادة ضبط ميزان القوى، لا إسقاط الطاولة.

منذ انسحابه من الاتفاق النووي في ولايته الأولى، بنى ترامب مقاربته على “الضغط الأقصى”. اليوم يعيد إنتاجها بصيغة عسكرية. يمنح مهلة، يتحدث عن الدبلوماسية، لكنه يلوّح بالقوة في الخلفية. يريد اتفاقاً يتجاوز النووي، ليشمل الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، وهو ما ترفضه طهران التي تصر على حصر التفاوض في الملف النووي.

التسريبات التي نشرها موقع اكسيرس حول خطط قد تطال حتى المرشد الإيراني علي خامنئي ليست تهديداً عابراً، بل جزء من لعبة ضغط نفسي وسياسي: إيصال رسالة بأن كل الخيارات مطروحة، حتى تلك التي تعني عملياً الانتقال إلى مرحلة تغيير النظام.

لكن هل يريد ترامب فعلاً إسقاط النظام الإيراني؟ هنا تتعقّد الصورة.
الإطاحة بالنظام مغامرة كبرى بلا ضمانات. وزير الخارجية ماركو روبيو أقرّ بصعوبة التنبؤ بما سيحدث إذا سقطت القيادة الإيرانية. والتجربة العراقية لا تزال ماثلة في الذاكرة الأميركية: إسقاط سريع، وفوضى طويلة. لذلك يبدو أن الخيار الأكثر واقعية هو استهداف أدوات القوة لا رأس النظام: ضرب بنية الحرس الثوري الإيراني، شلّ القدرات الصاروخية، وإضعاف شبكات النفوذ الإقليمي. إنها حرب لإجبار ايران على إعادة حساباتها، لا لإسقاطها — على الأقل في الحسابات المعلنة.

غير أن قراءة اللحظة الراهنة تقتضي مقارنة ضرورية مع السابع من أكتوبر. آنذاك كانت إسرائيل في حالة صدمة، وكان محور المقاومة في موقع قوة نسبية، ما دفع إدارة جو بايدن إلى حشد قواتها لردع أي تدخل إيراني مباشر. طهران اختارت عدم الانخراط، عبر رسائل غير مباشرة أكدت التزامها بقواعد الاشتباك. ذلك القرار يُنظر إليه اليوم، في بعض التقديرات، كسوء تقدير استراتيجي كلّفها أثماناً متراكمة. أما اليوم، فتبدو إيران ومحورها في موقع أضعف نسبياً، ما قد يدفع واشنطن وتل أبيب إلى اعتبار اللحظة فرصة لإعادة رسم المعادلة الإقليمية.

لا يمكن فصل التهديد العسكري عن السياق السياسي الأميركي. ترامب يقدّم نفسه بوصفه الرئيس الذي “يعيد الردع” ويحقق السلام بالقوة. بعد وقف إطلاق النار في غزة، يسعى إلى تثبيت مقاربة أميركية–إسرائيلية مشتركة لإعادة تشكيل الإقليم. ضربة لإيران، حتى لو كانت محدودة، يمكن تسويقها داخلياً كدليل على الحزم والقدرة على فرض الشروط.

لكن المعارضة الديمقراطية تحذّر من الانجرار إلى مستنقع جديد من دون تفويض واضح من الكونغرس. وأي تصعيد خارج السيطرة قد يتحول إلى عبء سياسي ثقيل.

المعضلة أن “الضربة المحدودة” تفترض أن الطرف الآخر سيقبل بالقواعد الجديدة. إيران توعدت بالرد، ولديها أوراق إقليمية متعددة. القواعد الأميركية في الخليج أهداف محتملة، ومضيق هرمز شريان حيوي للطاقة العالمية. أي اشتباك واسع قد يتحول إلى تصعيد متدحرج يصعب احتواؤه. كما حذّر ريتشارد هاس، لا أحد يستطيع الجزم بأن المواجهة ستُضعف النظام الإيراني؛ فقد تعيد توحيد الداخل حوله.

في المحصلة، يريد ترامب ثلاثة أمور متداخلة: اتفاقاً أوسع من النووي يعيد صياغة الدور الإيراني، استعادة صورة الردع الأميركي بعد سنوات من التآكل من وجهة نطره، وإنجازاً سياسياً داخلياً يثبت أنه قادر على فرض شروطه بالقوة إذا لزم الأمر.

فالشرق الأوسط لا يعاقب فقط من يبدأ الحروب، بل من يعتقد أنه يستطيع التحكم في نهاياتها. فالضربة قد تبدو سهلة في بدايتها، لكنها تنطوي على تداعيات تتجاوز الحسابات الأميركية، وقد تمتد إلى اكثر من منطقة كلبنان  والخليج. أي مغامرة عسكرية، حتى لو كانت محدودة، تحمل مخاطرة لا يمكن التنبؤ بها، وتعيد التأكيد أن التاريخ في هذه المنطقة لا يكافئ القوة وحدها، بل يختبر قدرة من يقرر إشعال النار على توقعاتهم في نهاية المشهد.

أقلام وأراء

الإثنين 23 فبراير 2026 6:11 صباحًا - بتوقيت القدس

تحت ذريعة النووي: هل تقترب المنطقة من مواجهة شاملة لإعادة هندستها؟

انشغل العالم الغربي لسنوات طويلة بملف إيران النووي، وهو المسار الذي أفضى إلى توقيع اتفاق دولي إبان ولاية الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. وكان هذا الاتفاق يمثل اختباراً حقيقياً لنوايا طهران، إلا أن انسحاب دونالد ترامب منه في ولايته الأولى أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، حيث لم تتجاوز إيران نسب التخصيب المتفق عليها إلا بعد هذا الانسحاب.

تصر إيران باستمرار على أن برنامجها النووي مخصص للأغراض المدنية السلمية، وتبدي مرونة في إخضاعه للرقابة الدولية الصارمة. ومع ذلك، تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها فرض عقوبات اقتصادية قاسية، مما يشير إلى أن الهدف يتجاوز الملف النووي نحو محاولة تقويض النظام القائم أو إجباره على الاستسلام الكامل للإملاءات الغربية.

تظهر الازدواجية الغربية بوضوح عند مقارنة التعامل مع إيران بدول أخرى مثل الهند وباكستان اللتين انضمتا للنادي النووي دون معارضة تذكر. كما أن التغاضي عن البرنامج النووي الكوري الشمالي والسكوت المطبق عن الترسانة النووية الإسرائيلية يثير تساؤلات جوهرية حول الدوافع الحقيقية وراء التصعيد ضد طهران.

يرى مراقبون أن الضجيج المثار حول إيران يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية المصالح الإسرائيلية، حيث تعتبر تل أبيب أي قدرة إيرانية تهديداً وجودياً لها. وتستغل دولة الاحتلال هذه المخاوف للتحريض المستمر ضد أي تقارب دبلوماسي بين واشنطن وطهران، مطالبة بشروط تعجيزية تضمن بقاءها القوة الوحيدة المهيمنة في المنطقة.

إلى جانب الهواجس الإسرائيلية، يتم توظيف 'البعبع الإيراني' كذريعة لتأجيج مخاوف دول الجوار العربي، سعياً لتوسيع نطاق 'اتفاقات أبراهام'. وتهدف هذه السياسة إلى خلق تحالفات أمنية وعسكرية تجمع بين إسرائيل ودول خليجية تحت مظلة التصدي المشترك للتهديدات الإيرانية المفترضة، وهو ما يخدم الرؤية الأمريكية للمنطقة.

على الرغم من محاولات التهدئة الإيرانية تجاه جيرانها، إلا أن الإدارة الأمريكية تواصل العمل على منع طهران من تطوير أي برنامج نووي، سواء كان مدنياً أو عسكرياً. ويبرز دور بنيامين نتنياهو كلاعب أساسي في هذا التحريض، حيث كان الرافض الأول لاتفاق 2015، وظل يضغط حتى تمكن من إقناع ترامب بإلغائه.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن المفاوضات السابقة لم تكن سوى غطاء لعمليات استهداف ممنهجة جرت خلال الأعوام الماضية. وقد ادعت أطراف أمريكية وإسرائيلية تحقيق إنجازات كبيرة في تدمير البنية التحتية الصاروخية والنووية الإيرانية، لكن العودة للتهديد بالحرب توحي بأن الأهداف الاستراتيجية لم تتحقق بعد.

يبدو أن الفشل في إسقاط النظام الإيراني عبر الاحتجاجات الشعبية والضغوط الاقتصادية قد دفع نحو خيارات أكثر عدوانية. ويتضح من مجريات الأحداث أن الهدف النهائي هو إعادة هندسة الشرق الأوسط بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية والأمريكية، مع محاولة قطع الطريق على أي تمدد للمصالح الصينية في المنطقة.

ثمة مؤشرات على وجود تنسيق عالي المستوى بين واشنطن وتل أبيب، رغم ما يشاع أحياناً عن وجود خلافات بين نتنياهو وترامب. ويبدو أن اللقاءات الأخيرة بينهما تهدف لترتيب الأوراق لمواجهة محتملة، بينما تظل طهران في حالة استنفار دائم، واضعة يدها على الزناد تحسباً لأي غدر عسكري.

يتبع ترامب سياسة تشتيت الانتباه عبر تصريحات متناقضة، فتارة يتحدث عن ضربات جراحية محدودة، وتارة يلوح بحرب شاملة تستخدم فيها قواعد فضائية. وفي غضون ذلك، يستمر الحشد العسكري الأمريكي الضخم في المنطقة، بما يشمل حاملات الطائرات والمدمّرات وجسراً جوياً لا يتوقف عن نقل العتاد.

أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن حاملة الطائرات 'فورد' قد تصل إلى المنطقة في غضون أيام قليلة، وهو ما يتقاطع زمنياً مع المهلة التي حددها ترامب. هذا التزامن يثير القلق من أن المهلة الممنوحة للتفاوض ليست سوى وقت إضافي لاستكمال الحشود العسكرية اللازمة لبدء عملية عسكرية واسعة النطاق.

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، المقرب من ترامب، كان صريحاً في تصريحاته الأخيرة خلال زيارته لإسرائيل، حيث أكد أن واشنطن وتل أبيب على وشك اتخاذ إجراءات حاسمة. ووصف غراهام القيادة الإيرانية بأوصاف قاسية، مشدداً على عدم وجود أي فجوة في المواقف بين ترامب ونتنياهو بشأن التعامل مع طهران.

إن التكلفة الباهظة لهذا الحشد العسكري، والتي تقدر بمئات الملايين من الدولارات، تشير إلى أن الأمر تجاوز مجرد سياسة الردع أو الاحتواء. فالولايات المتحدة لا تحرك أساطيلها بهذا الحجم إلا إذا كانت هناك نية فعلية لتنفيذ عمل عسكري يغير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.

في الختام، تبقى الأيام القادمة حبلى بالاحتمالات، حيث أن المهلة الزمنية القصيرة التي حددها ترامب لا تكفي لمعالجة ملفات معقدة تراكمت عبر عقود. والأرجح أن المنطقة تقف على فوهة بركان، بانتظار لحظة الصفر التي قد تشعل حرباً كبرى تهدف لتثبيت سيادة الاحتلال وإعادة رسم الخارطة السياسية.

اسرائيليات

الإثنين 23 فبراير 2026 6:11 صباحًا - بتوقيت القدس

المحكمة العليا الأمريكية تكسر تفرد ترامب وتقيد صلاحياته الجمركية

شهدت الساحة السياسية والقانونية في الولايات المتحدة تحولاً جذرياً عقب صدور حكم تاريخي من المحكمة العليا، يقضي بعدم دستورية تفرد الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم وتعريفات جمركية شاملة. هذا القرار استند إلى عدم شرعية استخدام قانون الطوارئ لتجاوز صلاحيات الكونغرس في القضايا التجارية، مما يضع حداً لسياسة 'العصا الغليظة' الاقتصادية التي انتهجها ترامب ضد أكثر من 100 دولة.

يأتي هذا الحكم في وقت يواجه فيه ترامب تراجعاً في نفوذه المطلق، رغم سيطرته الظاهرية على مفاصل النظام السياسي والحزب الجمهوري. وقد اعتبر مراقبون أن قرار المحكمة يمثل بداية 'طوفان' لكسر احتكار السلطة التنفيذية، خاصة بعد أن صوت قاضيان من الذين عينهم ترامب نفسه ضده، مما يعكس استقلالية القضاء في مواجهة التغول الرئاسي.

على الصعيد الدولي، أثار ترامب جدلاً واسعاً بتأسيس ما يسمى 'مجلس السلام العالمي' في واشنطن، تحت مسمى 'معهد دونالد جي ترامب للسلام'. وقد نصب ترامب نفسه رئيساً لهذا المجلس مدى الحياة، فارضاً رسوم عضوية تصل إلى مليار دولار تذهب لصندوق خاص يشرف عليه مباشرة، في خطوة اعتبرت تهميشاً متعمداً للمنظمات الدولية القائمة.

المجلس الجديد شهد مشاركة شخصيات مثيرة للجدل، يتقدمهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للجنائية الدولية بتهم جرائم حرب في غزة. كما شارك طوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، في الجلسة الافتتاحية التي وصفتها مصادر بأنها كانت استعراضية ومسرحية، تهدف لتعزيز صورة ترامب كصانع سلام عالمي وفق رؤيته الخاصة.

في المقابل، واجهت مبادرة ترامب مقاطعة دولية حاشدة من قبل الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا. وجاءت هذه المقاطعة احتجاجاً على محاولة المجلس مصادرة دور الأمم المتحدة، وتجاهله التام للحقوق الفلسطينية والمرجعيات القانونية التي تلزم إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة.

وتشير التقارير إلى أن أهداف 'مجلس السلام' تتجاوز الدبلوماسية لتشمل مشاريع اقتصادية كبرى، حيث طرح جاريد كوشنير مشروعاً عقارياً ضخماً لقطاع غزة بكلفة 25 مليار دولار. ويهدف المشروع لتحويل سواحل غزة إلى منتجعات سياحية للأثرياء، وهو ما يراه منتقدون محاولة لتصفية القضية الفلسطينية عبر بوابة الاستثمار العقاري وإلغاء حق العودة.

ولم يتردد ترامب في استخدام لغة التهديد ضد الدول الرافضة للانضمام لمجلسه، حيث لوح برفع الرسوم الجمركية على الواردات الفرنسية بنسبة 200%. هذا الأسلوب في التعامل مع الحلفاء أدى إلى زيادة الاستقطاب الدولي، ودفع دولاً مثل النرويج والفاتيكان وكرواتيا إلى اتخاذ موقف حازم برفض العضوية في كيان يحل محل الشرعية الدولية.

داخلياً، يعاني المواطن الأمريكي من تبعات هذه السياسات، حيث تسببت الرسوم الجمركية المرتفعة في زيادة الأعباء المالية على المستهلكين. ورغم ادعاءات الإدارة بإنهاء الحروب، إلا أن التحركات العسكرية وحشد التعزيزات ضد إيران يشير إلى استمرار نهج التصعيد، مما أدى لتراجع شعبية ترامب لمستويات قياسية في عامه الأول.

الكونغرس الأمريكي، الذي يهيمن عليه الجمهوريون، يواجه انتقادات حادة بسبب 'الولاء الأعمى' لقرارات ترامب وتمرير تعيينات لوزراء ومدراء وكالات تفتقر للكفاءة. ومع ذلك، فإن حكم المحكمة العليا الأخير أعاد الأمل في إمكانية تفعيل نظام توازن السلطات، ومنع الرئيس من الانفراد بقرارات الحرب والسلم أو السياسات الضريبية الكبرى.

إن التحولات الراهنة تشير إلى أن مشروع ترامب القائم على 'التفرد التنفيذي' بدأ يصطدم بصخرة القضاء ورفض الحلفاء الخضوع للترهيب الاقتصادي. وبينما يسعى ترامب لجمع الأموال تحت غطاء 'إعادة إعمار غزة'، تظل التساؤلات قائمة حول قدرته على الاستمرار في هذا النهج وسط تزايد التحديات القانونية والسياسية في الداخل والخارج.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 5:27 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة 'خور عبد الله' تتجدد: خرائط عراقية لدى الأمم المتحدة تثير احتجاجاً كويتياً وقلقاً إقليمياً

عادت قضية 'خور عبد الله' لتتصدر المشهد السياسي والدبلوماسي بين بغداد والكويت، بعد خطوة عراقية تمثلت في إيداع قوائم إحداثيات وخريطة محدثة للمجالات البحرية لدى الأمم المتحدة. وتأتي هذه الخطوة استناداً إلى أحكام اتفاقية قانون البحار لعام 1982، حيث تهدف بغداد من خلالها إلى توثيق حدودها السيادية وفق رؤيتها القانونية والفنية.

في المقابل، لم تتأخر الكويت في إبداء رد فعل حازم، حيث سلمت مذكرة احتجاج رسمية إلى القائم بالأعمال العراقي، معتبرة أن الإحداثيات الجديدة تتضمن ادعاءات تمس مناطق بحرية تقع تحت سيادتها الكاملة. وأكدت المصادر الكويتية أن هذه المناطق، ومن ضمنها 'فشت العيج' و'فشت القيد'، هي مرتفعات مائية ثابتة ومستقرة تاريخياً وقانونياً لصالحها.

وشددت الخارجية الكويتية في بيانها على ضرورة الالتزام بالتفاهمات الثنائية المسبقة والمرجعيات الدولية، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 833. وترى الكويت أن أي تحرك أحادي الجانب في هذا الملف يمثل خروجاً عن الأطر القانونية التي رسمت الحدود بين البلدين عقب حرب الخليج الثانية.

من جهتها، دافعت السلطات العراقية عن موقفها مؤكدة أن تحديد المجالات البحرية هو شأن سيادي بحت ينسجم مع التطورات الحديثة في القانون الدولي للبحار. وأوضحت مصادر رسمية أن الإيداع يهدف إلى توحيد الإجراءات السابقة في وثيقة فنية واحدة تعتمد النظام الجيوديسي العالمي لعام 1984 لضمان الدقة والوضوح القانوني.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك العراقي يعزز الموقف القانوني لبغداد في تحديد البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والجرف القاري. كما تأتي هذه الخطوة في ظل جدل داخلي عراقي واسع أعقب حكم المحكمة الاتحادية العليا عام 2023، والذي قضى بعدم دستورية المصادقة على اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله.

وعلى الصعيد الإقليمي، برزت مواقف داعمة للكويت من قبل دول خليجية، حيث أعلنت قطر تضامنها الكامل مع السيادة الكويتية على مناطقها البحرية. كما أعربت السعودية والإمارات عن قلقهما إزاء أي تعديلات قد تمس المنطقة المغمورة المقسومة، والتي تخضع لترتيبات ثنائية خاصة بين الرياض والكويت.

ويشير خبراء سياسيون إلى أن الخطوة العراقية تحمل أبعاداً قانونية تهدف لتثبيت حقوق بحرية عبر أدوات معترف بها دولياً. ويرى الدكتور ليث القيسي أن لجوء بغداد للأمم المتحدة يمنحها منصة رسمية لتوثيق ملفها، مما يؤسس لقاعدة بيانات يمكن استخدامها في أي تحكيم دولي مستقبلي قد يطرأ على الملف.

وفي ذات السياق، اعتبر محللون أن الاعتراض الكويتي يندرج في إطار حماية المكتسبات القانونية التي تحققت منذ عام 1991. وأكدوا أن معالجة هذا الملف المعقد تتطلب حواراً تقنياً عميقاً بين خبراء القانون البحري والهندسة الجيوديسية بعيداً عن التجاذبات السياسية والإعلامية التي قد تزيد من حدة التوتر.

من جانبه، أوضح الكاتب علي الحارثي أن المناطق المتداخلة في الخليج تتسم بحساسية مضاعفة نظراً لارتباطها بأمن الطاقة وحركة الملاحة العالمية. وأشار إلى أن أي تغيير في الخرائط المودعة يفرض ضرورة مراعاة الاتفاقيات الثنائية القائمة، خاصة في المناطق التي تشهد استثمارات مشتركة للموارد الطبيعية.

وتشير القراءات السياسية إلى أن الخرائط في منطقة الشرق الأوسط ليست مجرد وثائق فنية، بل هي اختبارات ثقة سياسية محملة بإرث تاريخي ثقيل. فبينما يسعى العراق لإعادة تعريف موقعه البحري بعد عقود من الحروب، تتمسك الكويت بقرارات الشرعية الدولية التي رسمت حدودها الحالية.

المجتمع الدولي يراقب هذه التطورات باهتمام، نظراً لأن استقرار الممرات المائية في الخليج يعد ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي. ويرى مراقبون أن مسار التسوية الأمثل يكمن في القنوات الدبلوماسية الهادئة التي تجمع الفنيين والمسؤولين بعيداً عن ضغوط الرأي العام المحلي في كلا البلدين.

تاريخياً، بقيت اتفاقية خور عبد الله نقطة تجاذب مستمرة رغم استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بعد عام 2003. وقد أدى قرار المحكمة الاتحادية العراقية الأخير إلى فتح الباب مجدداً أمام تساؤلات حول مدى التزام العراق بالاتفاقيات الدولية الموقعة في فترات سابقة.

وتقوم حالياً شعبة شؤون المحيطات وقانون البحار بالأمم المتحدة بنشر القوائم المودعة، مما يتيح للدول الأعضاء الاطلاع عليها وتسجيل ملاحظاتها الرسمية. هذه الآلية تمنح النزاع طابعاً مؤسسياً دولياً، وقد تؤدي إلى تراكم ملفات قانونية تستخدم في حال اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

يبقى السؤال الجوهري قائماً حول ما إذا كان الطرفان سيتجهان نحو التحكيم الدولي الشامل، أم سيفضلان مسار التفاوض الثنائي المباشر. وتؤكد لغة البيانات الرسمية الصادرة من بغداد والكويت حرصاً متبادلاً على التمسك بالقانون الدولي، رغم التباين الواضح في تفسير الإحداثيات والحدود البحرية.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 3:44 صباحًا - بتوقيت القدس

رمضان تحت الخيام: فيضانات المغرب تضاعف معاناة النازحين في القنيطرة

يستقبل سكان المناطق المتضررة من الفيضانات في شمال غرب المغرب شهر رمضان المبارك في ظل ظروف إنسانية واجتماعية بالغة التعقيد، حيث لا تزال مئات العائلات تعيش في خيام مؤقتة. واضطر الكثيرون لمغادرة قراهم هرباً من السيول الجارفة التي اجتاحت المنطقة، معتقدين أن النزوح سيكون مؤقتاً، لكن الواقع فرض عليهم قضاء الشهر الفضيل بعيداً عن ديارهم.

وفي منطقة القنيطرة، نصبت السلطات مخيماً مؤقتاً يضم عشرات الخيام الزرقاء لإيواء النازحين الذين فقدوا مساكنهم جراء الأمطار الاستثنائية التي هطلت في شهري يناير وفبراير. وتفتقر هذه المخيمات لأدنى مقومات الحياة الكريمة، حيث تغيب المياه الجارية والكهرباء، مما يضطر العائلات للاعتماد على الشموع للإضاءة عند حلول وقت الإفطار.

ويروي أحمد الحبشي، وهو عامل بناء يبلغ من العمر 37 عاماً، مأساته موضحاً أنه لا يزال يعيش في خيمة رغم مرور أسابيع على الكارثة. ويقول الحبشي إنه يضطر لإعداد وجبة الإفطار بما يتوفر من إمكانيات بسيطة ومحدودة، مشيراً إلى أن العودة إلى قريته 'ولد عامر' تبدو مستحيلة في الوقت الراهن بسبب الدمار الذي لحق بمنزله.

وتظهر مقاطع الفيديو التي يوثقها النازحون حجم الكارثة، حيث لا تزال المياه تحاصر المنازل والوحول تغطي الجدران المهدمة بشكل جزئي أو كلي. ويؤكد المتضررون أن العودة إلى الحياة الطبيعية قد تستغرق عدة أشهر، نظراً للحاجة الماسة لعمليات إعادة الإعمار وتنظيف المنطقة من مخلفات السيول والأطيان التي وصلت لمستويات قياسية.

من جانبها، تعبر فاطمة لعجوج، وهي عاملة في قطاف التوت تبلغ من العمر ستين عاماً، عن حزنها العميق لتغير طقوس رمضان التي اعتادت عليها طوال حياتها. وتوضح أن النقص الحاد يشمل المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والحليب ومكونات وجبة 'الحريرة' التقليدية، في ظل انعدام القدرة الشرائية وتوقف العمل في الحقول المدمرة.

وتشير المصادر إلى أن السلطات والجهات المسؤولة عن المخيم تقوم بتوزيع كميات محدودة من الأرز والمياه بشكل يومي، لكنها لا تكفي لسد احتياجات العائلات الكبيرة. هذا الوضع دفع الكثيرين للشعور باليأس، خاصة مع فقدانهم لمصادر رزقهم الدائمة في الأراضي الزراعية التي جرفتها المياه وأفسدت محاصيلها بالكامل.

وعلى بعد كيلومترات قليلة من المخيم، وتحديداً في بلدة المكرن الواقعة على ضفاف نهر سبو، لا تزال آثار الكارثة شاخصة في كل زاوية من زوايا الشوارع والمنازل. فالوحول لا تزال تغطي الطرقات الرئيسية، والجدران المحطمة تشهد على قوة الفيضانات التي أوقعت أربعة قتلى وأدت لإجلاء أكثر من 180 ألف شخص بحسب البيانات الرسمية.

وتعيش يمنى شطاطة، البالغة من العمر 42 عاماً، تجربة مريرة بكونها تقضي أول رمضان خارج منزلها الذي سكنته لعقدين من الزمن. ورغم محاولتها العودة إلى بيتها الصغير مؤخراً، إلا أنها وجدته غير قابل للسكن وبحاجة لترميمات جذرية، حيث أصبحت الجدران آيلة للسقوط في أي لحظة نتيجة تشبعها بالمياه.

وفي محاولة للحفاظ على بعض التقاليد، يسعى منصور عمراني لتوفير مياه الشرب لعائلته من مسجد القرية المجاور، بينما تحاول زوجته وبناته إعداد طبق الكسكس التقليدي. ويقول عمراني إن الفرحة التي كانت تصاحب التحضيرات الرمضانية غابت هذا العام، وحل مكانها الخوف الدائم من انهيار سقف المنزل فوق رؤوسهم.

وكان عمراني يمتلك دكاناً صغيراً للبقالة في إحدى غرف منزله، لكن الفيضانات دمرت بضاعته تماماً وأفقدته مصدر دخله الوحيد الذي كان يعيل به بناته الثلاث. وتعكس قصته حجم الخسائر الاقتصادية الصغيرة التي تعرض لها سكان المنطقة، والذين باتوا يعتمدون الآن على المساعدات الشحيحة أو ما تبقى من مدخراتهم البسيطة.

أما عبد المجيد لكيحل، وهو بائع جوال، فيشكو من التعب الجسدي والنفسي المتراكم نتيجة الليالي الطويلة التي قضاها في المخيمات الموحشة. ويؤكد لكيحل أن صعوبة التنقل بسبب الأوحال منعت الجيران والأقارب من تبادل الزيارات الرمضانية المعتادة، مما زاد من شعور العزلة والضيق بين أفراد المجتمع المحلي المتضرر.

ويصف النازحون حياتهم الحالية بأنها تسير 'يوماً بيوم'، دون وجود رؤية واضحة للمستقبل أو موعد محدد لانتهاء هذه الأزمة الإنسانية. فالمواد الغذائية لم تعد متوفرة في الأسواق المحلية كما كانت في السابق، والأسعار شهدت ارتفاعاً ملحوظاً مما زاد من تعقيد مهمة ربات البيوت في تأمين وجبات الإفطار والسحور.

وتستمر معاناة هؤلاء النازحين في ظل غياب الحلول الجذرية لمشكلة السكن، حيث يطالب المتضررون بتدخل أسرع لترميم المنازل المتضررة وتوفير تعويضات عادلة. ويبقى الأمل معلقاً على تكاتف الجهود الرسمية والشعبية لتجاوز هذه المحنة، وإعادة الحياة إلى القرى التي تحولت إلى مناطق منكوبة بفعل الطبيعة.

وفي ختام المشهد، تجتمع العائلات في الخيام المظلمة حول مائدتها المتواضعة، مستذكرة أيام الرخاء التي سبقت الكارثة، وداعية الله أن تنتهي هذه الغمة قريباً. وتظل قصة هؤلاء النازحين في القنيطرة شاهداً على التحديات الكبيرة التي تواجه الفئات الهشة أمام التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية المتزايدة في المنطقة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

واشنطن تقود جولة مفاوضات حاسمة بشأن الصحراء الغربية وتدفع باتجاه اتفاق قبل الصيف

تستعد العاصمة الأمريكية واشنطن لاستضافة الجولة الثالثة من المفاوضات المتعلقة بمقترح الحكم الذاتي في منطقة الصحراء الغربية، والمقرر عقدها يومي الاثنين والثلاثاء. تأتي هذه الخطوة في إطار حراك دبلوماسي مكثف تقوده الولايات المتحدة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية بالنزاع الإقليمي الطويل.

وتشهد هذه المرحلة تسارعاً غير مسبوق في وتيرة اللقاءات، حيث تعد هذه الجولة هي الثالثة في غضون أقل من شهر واحد. وكان المسار قد بدأ بجولة أولى في ولاية فلوريدا نهاية يناير الماضي، تلتها جولة ثانية احتضنتها العاصمة الإسبانية مدريد قبل نحو أسبوعين، مما يعكس رغبة دولية في حسم الملف.

يشارك في هذه المفاوضات وفود رفيعة المستوى تضم وزراء خارجية كل من المغرب والجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى الممثل الدبلوماسي لجبهة البوليساريو. كما تحضر الأمم المتحدة كطرف مراقب ومسهل عبر مبعوثها الشخصي للصحراء، ستيفان دي ميستورا، لضمان توافق المخرجات مع القرارات الدولية.

يتولى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، رئاسة هذه الجولات التفاوضية المباشرة. وقد أعرب بولس في تصريحات صحفية عن تفاؤله بإمكانية الوصول إلى أرضية مشتركة، مشيراً إلى أن الإدارة الأمريكية تهدف لإبرام اتفاق رسمي قبل حلول فصل الصيف.

وتشير تقارير مطلعة إلى أن شهر مايو المقبل قد يشهد التوقيع النهائي على الاتفاق في حال تجاوز العقبات الفنية والقانونية. وتركز النقاشات الحالية على تفاصيل دقيقة تتعلق بمضمون الحكم الذاتي وكيفية تطبيقه على أرض الواقع بما يضمن استقرار المنطقة وتنميتها.

المسار الأول للمفاوضات ينصب على الجوانب السياسية والسيادية، حيث يناقش الوفد المغربي مع جبهة البوليساريو تفاصيل المقترح المكون من 40 صفحة. وتتضمن النقاط الحساسة آلية تعيين رئيس حكومة الإقليم، وما إذا كان التعيين سيصدر عن الملك أو عبر البرلمان المحلي المنتخب.

كما تشمل المباحثات الرموز السيادية لمنطقة الحكم الذاتي، بما في ذلك العلم الخاص بالإقليم ومدى صلاحيات المؤسسات المحلية. ويسعى المفاوضون إلى إيجاد صيغة توازن بين السلطة المركزية في الرباط والإدارة الذاتية الموسعة التي يطالب بها المجتمع الدولي كحل واقعي.

وتمثل إدارة الموارد الطبيعية أحد أكبر التحديات التي تواجه المتفاوضين في جولة واشنطن الحالية. ويجري البحث في كيفية تقاسم عائدات الفوسفات والصيد البحري والنشاط الزراعي، بالإضافة إلى وضع أطر قانونية لاستغلال الثروات المستقبلية المحتملة مثل الغاز والبترول في المنطقة.

أما المسار الثاني للمفاوضات، فيتعلق بصياغة شكل العلاقة المستقبلية بين منطقة الحكم الذاتي ودول الجوار، وتحديداً الجزائر وموريتانيا. وتهدف هذه التفاهمات إلى ضمان اندماج اقتصادي وأمني يحمي الحدود المشتركة ويعزز التعاون الإقليمي في شمال أفريقيا.

وفي هذا السياق، برزت مطالب موريتانية تدعو إلى الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الحيوية، خاصة فيما يتعلق بميناء نواذيبو. ويقترح الجانب الموريتاني خلق تكامل بين مينائه وميناء الداخلة لتجنب التنافس السلبي، بالإضافة إلى تسهيل حركة تنقل السكان والقبائل عبر الحدود الشمالية.

كما تتضمن المقترحات الموريتانية تحويل منطقة 'لكويرة' إلى مركز تنسيق تجاري ونقطة عبور مدنية بعيدة عن المظاهر العسكرية. ويهدف هذا التصور إلى تحويل المنطقة الحدودية إلى جسر للتواصل الاقتصادي والاجتماعي يخدم كافة الأطراف الموقعة على الاتفاق المرتقب.

من جانبه، يترقب مجلس الأمن الدولي تقريراً مفصلاً في أبريل المقبل حول مدى التقدم المحرز في هذه المفاوضات. ويستند التحرك الحالي إلى القرار الأممي رقم 2797، الذي اعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي قاعدة أساسية وجدية للتوصل إلى حل سياسي دائم.

ومن المتوقع أن تشمل المباحثات إعادة النظر في تفويض قوات 'المينورسو' التابعة للأمم المتحدة والمتواجدة في المنطقة منذ عقود. وقد يتم تحويل مهام هذه القوات من مراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم الاستفتاء إلى أدوار جديدة تدعم تطبيق اتفاق الحكم الذاتي وإرساء الأمن.

تأتي هذه الضغوط الأمريكية المكثفة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية كبرى تتطلب إنهاء النزاعات المزمنة. ويرى مراقبون أن نجاح جولة واشنطن سيمهد الطريق لإنهاء واحد من أقدم النزاعات في القارة الأفريقية، مما سيفتح آفاقاً جديدة للتنمية والتعاون المغاربي.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس

عائدون إلى غزة يروون تفاصيل إجراءات الاحتلال الاستفزازية في معبر رفح خلال رمضان

يواجه المواطنون الفلسطينيون العائدون إلى قطاع غزة عبر معبر رفح الحدودي إجراءات تعسفية وصفوها بالاستفزازية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتتزامن هذه المضايقات مع شهر رمضان المبارك، حيث يتعمد الاحتلال تأخير المسافرين وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية قاسية تزيد من وطأة الصيام والتعب الجسدي.

وكانت سلطات الاحتلال قد أعادت فتح الجانب الفلسطيني من المعبر في الثاني من فبراير الجاري، بعد احتلاله وإغلاقه منذ مايو 2024. ومع ذلك، تظل الحركة عبر المعبر محدودة جداً وتخضع لقيود أمنية مشددة تجعل من رحلة العودة مغامرة محفوفة بالمخاطر والترهيب النفسي.

وشهد مساء السبت وصول نحو 50 فلسطينياً إلى القطاع، بعد أن تم إرجاع بعضهم عدة مرات في أيام سابقة من قبل سلطات الاحتلال. وأفاد العائدون بأنهم تعرضوا لعمليات تفتيش دقيقة ومنعوا من إدخال أبسط المستلزمات الشخصية، بما في ذلك هدايا وألعاب الأطفال، باستثناء كميات ضئيلة من الملابس.

من جانبها، أكدت حركة حماس أن ما يتعرض له العائدون يمثل انتهاكاً ممنهجاً وخرقاً فاضحاً لآليات تشغيل المعبر المتفق عليها. وأوضحت الحركة في بيان لها أن الاحتلال يمارس صنوفاً من الإيذاء الجسدي والنفسي بحق المسافرين، داعية الوسطاء الدوليين للتدخل لوضع حد لهذه التجاوزات الإسرائيلية.

وروت السيدة أم عبد العزيز السرسك، إحدى العائدات إلى مدينة خان يونس، تفاصيل رحلتها التي استغرقت أكثر من 20 ساعة من الجانب المصري وصولاً إلى مجمع ناصر الطبي. وأشارت إلى أن جيش الاحتلال تعمد إبقاء العائدين، وبينهم أطفال صائمون، داخل الحافلات لساعات طويلة في أجواء مشحونة بالتوتر العسكري.

ووصفت السرسك المشهد داخل المعبر بأنه أشبه بمنطقة عسكرية مغلقة، حيث تحيط الدبابات والآليات بالحافلات من كل جانب. وأضافت أن هذه الإجراءات تهدف إلى كسر إرادة الفلسطينيين الراغبين في العودة إلى ديارهم، رغم الإشادة بتسهيلات الجانب المصري في المقابل.

وفي سياق متصل، ذكر المواطن أبو سعيد الهبيل أن الإجراءات الإسرائيلية تهدف بشكل أساسي إلى كسب الوقت وتعطيل وصول الفلسطينيين إلى مدنهم. وأوضح أن جنود الاحتلال كانوا يقتادون المسافرين فرادى للتحقيق، حيث تستغرق الجلسة الواحدة مع كل فرد ما يقارب 45 دقيقة.

وأشار الهبيل إلى أنه حاول العودة إلى القطاع خمس مرات منذ الإعلان عن فتح المعبر جزئياً، وفي كل مرة كان يتم إرجاعه دون أسباب واضحة. وعبر عن سعادته الغامرة بلقاء أطفاله وعائلته بعد سنوات من الفراق القسري الذي فرضته الحرب والحصار المستمر.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن نحو 80 ألف فلسطيني سجلوا أسماءهم رسمياً في قوائم العودة إلى قطاع غزة. ويعكس هذا الرقم إصراراً شعبياً واسعاً على رفض مخططات التهجير والتمسك بالبقاء فوق الأرض الفلسطينية رغم حجم الدمار الهائل الذي خلفه العدوان.

وعلى الجانب الآخر، تبرز أزمة إنسانية حادة تتعلق بآلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لمغادرة القطاع بشكل عاجل. وتقدر الجهات الصحية وجود 22 ألف حالة بحاجة للعلاج في الخارج، في ظل انهيار المنظومة الطبية نتيجة الاستهداف المباشر للمستشفيات.

وقبل اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر 2023، كان معبر رفح يعمل كشريان حياة وحيد للفلسطينيين بعيداً عن التحكم الإسرائيلي المباشر. وكانت حركة السفر تدار بتنسيق فلسطيني مصري كامل، قبل أن يعيد الاحتلال فرض سيطرته العسكرية على المنفذ الحدودي.

وكان من المفترض أن يؤدي اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025 إلى إنهاء السيطرة الإسرائيلية على المعبر وتسهيل حركة الأفراد والبضائع. إلا أن حكومة الاحتلال تنصلت من التزاماتها، واستمرت في استخدام المعبر كأداة للضغط والابتزاز السياسي ضد المدنيين.

وتأتي هذه المعاناة في ظل حصيلة ثقيلة للعدوان الإسرائيلي الذي استمر لأكثر من عامين، مخلفاً دماراً طال 90% من البنية التحتية. وقد سجلت وزارة الصحة استشهاد أكثر من 72 ألف مواطن وإصابة ما يزيد عن 171 ألفاً آخرين في إحصائية غير نهائية.

ويبقى معبر رفح الشاهد الأكبر على سياسات الحصار والتنكيل التي ينتهجها الاحتلال ضد سكان قطاع غزة. ورغم كل هذه العوائق، يواصل الفلسطينيون في الشتات والنزوح محاولاتهم الدؤوبة للعودة إلى منازلهم، مؤكدين على حقهم الطبيعي في العيش فوق ترابهم الوطني.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 3:42 صباحًا - بتوقيت القدس

استشهاد الشاب محمد حنني متأثراً بإصابته برصاص الاحتلال في نابلس

أعلنت مصادر طبية في الضفة الغربية، فجر اليوم الأحد، عن استشهاد الشاب محمد حنني متأثراً بإصابته الخطيرة التي أصيب بها برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اقتحام مدينة نابلس.

وأوضحت مصادر محلية أن الشهيد حنني كان قد تعرض لإصابة مباشرة بالرصاص الحي في وقت سابق، وصفتها الأطقم الطبية بأنها بليغة وحرجة للغاية، وذلك أثناء تصدي المواطنين لاقتحام قوات الاحتلال بلدة بيت فوريك الواقعة شرقي مدينة نابلس.

وكانت المواجهات قد اندلعت في البلدة عقب توغل آليات الاحتلال، حيث أطلق الجنود الرصاص الحي والمعدني باتجاه الشبان، مما أدى لإصابة حنني ونقله على وجه السرعة إلى المستشفى في محاولة لإنقاذ حياته، قبل أن يعلن الأطباء عن ارتقائه فجر اليوم.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 3:26 صباحًا - بتوقيت القدس

رمضان تحت الحصار: كيف يحول الاحتلال طقوس الفلسطينيين إلى رحلة معاناة؟

استقبلت عائلة الصابر في مدينة نابلس شهر رمضان المبارك بمرارة تفوق الوصف، حيث أقدمت جرافات الاحتلال على هدم منزل العائلة المكون من طابقين قبل يوم واحد فقط من بدء الشهر الفضيل. ووقفت السيدة تغريد الصابر 'أم عمار' فوق أنقاض بيتها الذي لم يمضِ على بنائه عشر سنوات، معبرة عن أسفها لتحول أجواء الحماس والفرح التي كانت تجمع الأبناء والأحفاد إلى رحلة تشتت ونزوح بين بيوت الأقارب.

لم تقتصر سياسة التنغيص على هدم الحجر، بل امتدت لتطال السكينة داخل المنازل عبر اقتحامات ليلية متكررة تزامنت مع وقت السحور. ففي بلدة يعبد جنوب جنين، اقتحمت قوات الاحتلال منزل الأسير المقعد عدنان حمارشة في ليلة الرابع من رمضان، وعاثت فيه خراباً متعمداً طال محتويات المنزل الأساسية، مما أفسد على العائلة لحظات التعبد والتحضير للصيام.

وتعرض نجل الأسير حمارشة، الشاب عمر، لاعتداء جسدي عنيف شمل الضرب والخنق قبل أن يتم اعتقاله واقتياده إلى جهة مجهولة دون مبرر قانوني. وتأتي هذه الخطوة في سياق ترهيب العائلات الفلسطينية وكسر إرادتها، خاصة وأن العائلة كانت تترقب الإفراج عن والدهم الأسير الذي أمضى أكثر من عامين في الاعتقال الإداري.

وصفت ليلى حمارشة ما جرى مع والدها بـ 'التلاعب النفسي' الممنهج، حيث تعمدت سلطات الاحتلال تجديد الاعتقال الإداري لوالدها في اللحظات الأخيرة التي سبقت موعد تحرره المفترض في ثاني أيام رمضان. وكان أفراد العائلة قد انتظروا لساعات طويلة عند حاجز الظاهرية العسكري قبل أن يعودوا بخيبة أمل وصدمة جراء قرار التمديد المفاجئ.

وفي سياق متصل، أكدت مصادر محلية أن جيش الاحتلال يتعمد تنفيذ عمليات التفتيش والتنكيل في ساعات الفجر الأولى لتعطيل شعائر السحور وصلاة الفجر. كما رصدت المصادر قيام الجنود بطرد المصلين من المساجد القريبة من مناطق الاقتحام، مما يعكس رغبة في استهداف الموروث الديني والاجتماعي المرتبط بالشهر الفضيل.

من جانبه، أشار الناشط صلاح الخواجا إلى أن هذه الممارسات تندرج ضمن عملية ترهيب واسعة تهدف إلى خلق حالة من الفزع الدائم لدى المواطنين. وأوضح أن التضييقات طالت حتى شخصية 'المسحراتي' في القرى والبلدات، حيث بات المتطوعون يخشون الملاحقة أو الاستهداف المباشر من قبل دوريات الاحتلال التي تجوب الشوارع ليلاً.

وعلى صعيد التنقل، تحولت الحواجز العسكرية المنتشرة بين المحافظات إلى نقاط إذلال واحتجاز متعمد للمواطنين، خاصة في الساعات التي تسبق أذان المغرب. وتتعمد قوات الاحتلال إغلاق المداخل الرئيسية وافتعال أزمات مرورية خانقة، مما يحرم مئات العائلات من الوصول إلى منازلهم والاجتماع على مائدة الإفطار في الوقت المحدد.

أما في القدس المحتلة، فقد بلغت القيود ذروتها بفرض شروط تعجيزية على المصلين الراغبين في الوصول إلى المسجد الأقصى المبارك. وحددت سلطات الاحتلال أعمار المسموح لهم بالدخول من الرجال بما يتجاوز 55 عاماً، وللنساء فوق 50 عاماً، مع إخضاع الجميع لتفتيش دقيق وإجراءات أمنية مشددة عند بوابات المدينة المقدسة.

وشهدت الجمعة الأولى من رمضان تطبيق آلية 'المسارات المحددة' التي تلزم المصلين بالمرور عبر ممرات إلكترونية وتسجيل بصماتهم عند الدخول والخروج. واعتبر مراقبون هذه الخطوة تصعيداً غير مسبوق يهدف إلى مراقبة حركة الفلسطينيين وتحويل حق العبادة إلى امتياز خاضع للتقديرات الأمنية والمزاجية لضباط الاحتلال.

وتوعدت سلطات الاحتلال المصلين الذين يتأخرون عن مواعيد الخروج المحددة بالحرمان من دخول القدس في المرات القادمة، معتبرة بقاءهم داخل المدينة بعد الصلاة 'مخالفة أمنية'. وتتزامن هذه الإجراءات مع تصريحات استفزازية لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي تعمد اقتحام منطقة باب المغاربة لتأكيد سياسة التقسيم الزماني والمكاني.

وفي البلدة القديمة بالقدس، غابت مظاهر البهجة المعتادة بعد صدور قرارات عسكرية تمنع تعليق الزينة الرمضانية في الحارات والأزقة التاريخية. وأفاد ناشطون مقدسيون بأن الاحتلال يسعى لطمس الهوية الثقافية للمدينة عبر منع الفعاليات الجماعية وإسكات مدفع رمضان التقليدي الذي ارتبط بذاكرة المقدسيين لعقود طويلة.

كما طالت إجراءات القمع المؤسسات الثقافية والاجتماعية، حيث تم إغلاق جمعية 'برج اللقلق' ومنعها من إضاءة الفانوس الرمضاني الضخم الذي كان يعد رمزاً للصمود والبهجة. وشملت القرارات أيضاً منع إدخال وجبات الإفطار الجماعية إلى ساحات المسجد الأقصى، في محاولة للتضييق على المعتكفين والوافدين من مناطق بعيدة.

وتشير الإحصائيات إلى صدور أوامر إبعاد بحق أكثر من 1400 مواطن مقدسي عن المسجد الأقصى خلال الفترة الأخيرة، شملت شخصيات اعتبارية وخطباء وصحفيين. وتهدف هذه السياسة إلى تفريغ المسجد من رموزه وتسهيل عمليات الاقتحام التي ينفذها المستوطنون تحت حماية مشددة من قوات الشرطة والجيش.

ورغم كل هذه التحديات وبرودة الطقس، يواصل الفلسطينيون زحفهم نحو المسجد الأقصى لإحياء صلوات التراويح وعمارة الساحات بأعداد غفيرة. ويمثل هذا التواجد الشعبي الواسع رسالة تحدٍ واضحة للاحتلال، وتأكيداً على التمسك بالحقوق الدينية والوطنية في وجه محاولات العزل والتهويد المستمرة.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 3:26 صباحًا - بتوقيت القدس

رمضان غزة تحت وطأة الحصار: المساعدات لا تغطي نصف الاحتياجات الأدنى

يستقبل قطاع غزة شهر رمضان المبارك هذا العام في ظل ظروف استثنائية ومعقدة، حيث يعد هذا الموسم الأول الذي يأتي بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. ورغم الآمال التي عُلقت على فتح المعابر جزئياً، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن التحسن في العمل الإغاثي ظل محدوداً للغاية ولم يرتقِ لمستوى الكارثة الإنسانية القائمة.

وتشير البيانات الميدانية إلى واقع قاسٍ يعيشه نحو 2.4 مليون نسمة في القطاع، حيث لا تتجاوز نسبة الالتزام الفعلي بدخول شاحنات المساعدات 43% من الحد الأدنى المطلوب. هذا العجز يضع السكان الذين يعتمدون بشكل شبه كلي على المعونات الدولية في مواجهة مباشرة مع خطر الجوع المستمر وانعدام الأمن الغذائي الحاد.

وأفادت مصادر رسمية في غزة بأن العمل الإغاثي شهد تحولاً نسبياً في نمط التدخلات، حيث انتقل من الاستجابة الطارئة المرتبطة بالقصف المباشر إلى محاولات لتوسيع نطاق التوزيعات الميدانية. ومع ذلك، تبقى البيئة التشغيلية شديدة الهشاشة بسبب القيود المستمرة على كميات وأصناف المواد المسموح بدخولها عبر المعابر الخاضعة لسيطرة الاحتلال.

ويؤكد مسؤولون في العمل الإغاثي أن الحاجة الفعلية لضمان تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية تتطلب تدفقاً مستداماً لا يقل عن 750 شاحنة يومياً. وفي ظل الأرقام الحالية، تظل الفجوة واسعة بين ما يدخل فعلياً وبين المتطلبات الضرورية للبقاء على قيد الحياة، خاصة في ظل تدمير البنية التحتية اللوجستية.

من جانبه، أوضح إسماعيل الثوابتة، مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي أن التغيير الذي طرأ على المشهد الإغاثي يبقى 'محدوداً وطفيفاً' ولا يلامس جوهر الأزمة. وأشار إلى أن آثار العدوان الإسرائيلي المدمرة لا تزال قائمة، مما يجعل مظاهر الجوع والفقر تتصدر المشهد الرمضاني في مختلف مناطق القطاع.

وفي سياق متصل، رصد خبراء في التنمية تحولاً نوعياً في طبيعة العمل الإنساني رغم المعوقات، حيث بدأت المؤسسات في تحسين إدارة سلاسل الإمداد وتعزيز آليات الوصول الميداني. لكن هذه الجهود تصطدم بتحديات لوجستية داخلية معقدة، أبرزها الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي منذ أكتوبر 2023 وتضرر شبكات النقل.

وذكرت مصادر مطلعة أن فتح المعابر جزئياً شكل 'انفراجة محدودة' سمحت بحركة بعض الأفراد والحالات الطبية، لكنها فشلت في إحداث تغيير جوهري في تدفق البضائع. وتواجه عمليات التخزين والتوزيع صعوبات بالغة نتيجة تضرر المخازن وسلاسل التبريد الضرورية للحفاظ على المواد الغذائية الحساسة.

وعلى صعيد العمل الميداني، تصف مؤسسات إغاثية دولية ومحلية الوضع بأنه 'كارثي بكل المقاييس'، حيث تعيش آلاف العائلات في خيام تفتقر لأبسط مقومات الحياة. وتتفاقم هذه الاحتياجات مع اتساع رقعة الدمار وفقدان مصادر الدخل الدائمة لغالبية أرباب الأسر في القطاع المحاصر.

وتعتمد بعض الجمعيات الخيرية على الشراء من السوق المحلي لتأمين الوجبات الساخنة، إلا أن هذه الاستراتيجية تواجه عقبة الارتفاع الجنوني في الأسعار. وتتأثر الأسواق المحلية مباشرة بمدى فتح أو إغلاق المعابر، مما ينعكس على قدرة المؤسسات الإغاثية في تأمين احتياجات المستفيدين المتزايدة.

وتواجه الفرق الإنسانية منظومة متشابكة من التحديات الأمنية واللوجستية، تشمل التحكم في أصناف السلع وطول إجراءات التفتيش وعدم انتظام حركة الشاحنات. كما تعاني المؤسسات من محدودية الوصول إلى المناطق الواقعة بمحاذاة 'الخط الأصفر'، مما يؤخر وصول المعونات للمستحقين في تلك المناطق.

ويشكل النقص الحاد في الوقود عائقاً رئيساً أمام استمرارية الخدمات الأساسية وعمليات النقل والتوزيع، مما يلقي بظلاله على كافة جوانب العمل الإنساني. وتتزايد المخاوف من استهداف مرافق الإغاثة وسلاسل الإمداد من قبل مجموعات مسلحة مدعومة من سلطات الاحتلال لعرقلة وصول المساعدات.

وتحاول المؤسسات الإغاثية سد الثغرات عبر توزيع الوجبات الرمضانية وتشغيل المطابخ المجتمعية 'التكايا' لدعم الأسر الأشد فقراً. كما تشمل الأنشطة الحالية دعم مراكز الإيواء بالخيام والأغطية، وتقديم برامج الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال الذين يعانون من آثار الصدمات النفسية الممتدة.

ورغم هذه الجهود، يؤكد مراقبون أن ما يحدث حالياً هو مجرد 'إدارة للأزمة بأدوات محدودة' لا تعالج جذور المشكلة الإنسانية العميقة. فالفجوة بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتراكمة تزداد اتساعاً نتيجة ارتفاع معدلات البطالة وانعدام الأمن الغذائي بشكل غير مسبوق في تاريخ القطاع.

وفي الختام، يشدد العاملون في الحقل الإنساني على ضرورة وجود إرادة دولية حقيقية تضمن وصولاً آمناً ومنتظماً للمساعدات الإغاثية. ويرى الخبراء أن الاستجابة الحالية قد تمنع الانهيار الكامل للنظام المجتمعي، لكنها تظل غير كافية للانتقال نحو مسار تعافٍ حقيقي ومستدام لسكان قطاع غزة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 2:57 صباحًا - بتوقيت القدس

إعادة انتخاب كيم جونغ أون أميناً عاماً لحزب العمال في كوريا الشمالية

أفادت مصادر رسمية في بيونغ يانغ بإعادة انتخاب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أميناً عاماً لحزب العمال الحاكم. وجاء هذا القرار خلال أعمال المؤتمر التاسع للحزب، حيث أكدت التقارير أن الاختيار تم بالإجماع وبما يتماشى مع رغبة كافة المندوبين المشاركين في الاجتماعات الحزبية الرفيعة.

وذكرت المصادر أن قيادة كيم ساهمت بشكل جذري في تعزيز قدرات البلاد على ردع الحروب، لا سيما مع تحول القوة النووية إلى المحور الأساسي للدفاع الوطني. ويُنظر إلى هذا المؤتمر، الذي يُعقد مرة كل خمس سنوات، كمنصة نادرة للكشف عن آليات الحكم والتوجهات الاستراتيجية للدولة التي تتسم بالسرية التامة.

خلال كلمته الافتتاحية، شدد الزعيم الكوري الشمالي على ضرورة تحسين مستويات المعيشة للمواطنين، مقراً بالضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تواجهها البلاد. وأوضح أن الحزب يضع نصب عينيه مهاماً تاريخية عاجلة تهدف إلى إعادة بناء الهيكل الاقتصادي وتطوير الحياة الاجتماعية في أسرع وقت ممكن.

ويعد هذا المؤتمر البوصلة التي تحدد مسارات الدولة الكورية الشمالية في مختلف القطاعات، بدءاً من مشاريع الإسكان وصولاً إلى خطط الاستعداد العسكري. وتعكس التصريحات الرسمية رغبة القيادة في إحداث توازن بين القوة العسكرية والتنمية الاقتصادية التي تضررت بفعل العقوبات الدولية المستمرة.

وعلى مدار عقود طويلة، منحت بيونغ يانغ الأولوية القصوى للتسلح النووي والقدرات العسكرية على حساب الموارد الغذائية والاحتياجات الأساسية. ومع ذلك، حاول كيم منذ توليه السلطة في عام 2011 التركيز على النهوض بالاقتصاد الوطني كجزء من استراتيجيته لتعزيز شرعية الحكم واستقرار الدولة.

وكان كيم قد أظهر صراحة غير معهودة في مؤتمر الحزب السابق عام 2021، حين اعترف بوقوع أخطاء في معظم مجالات التنمية الاقتصادية. ويسعى المؤتمر الحالي إلى تلافي تلك الإخفاقات عبر وضع خطط أكثر واقعية للتعامل مع الأزمات المعيشية التي تفاقمت في السنوات الأخيرة.

وفي سياق متصل، أعلن الزعيم الكوري أن المؤتمر التاسع سيميط اللثام عن المرحلة القادمة من برنامج الأسلحة النووية المثير للجدل. وتراقب الدوائر الدولية هذه الإعلانات بحذر، نظراً لما تمثله من مؤشرات على طبيعة التصعيد أو التهدئة في شبه الجزيرة الكورية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وشهدت جلسات المؤتمر أيضاً تصويتاً على تعديل اللوائح الداخلية للحزب، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانضباط الحزبي وتدعيم الصفوف القيادية. وتهدف هذه التعديلات إلى ضمان تطبيق المعايير الحزبية بإنصاف وصرامة، مما يعزز قبضة القيادة المركزية على مفاصل القرار في البلاد.

ويعتبر هذا الاجتماع هو التاسع من نوعه في تاريخ الحزب الذي تهيمن عليه عائلة كيم منذ عقود طويلة. وكان انعقاد المؤتمر قد توقف لفترة طويلة في عهد الزعيم الراحل كيم جونغ إيل، قبل أن يعيد كيم جونغ أون إحياء هذه التقاليد الحزبية بانتظام منذ عام 2016.

ختاماً، يرى مراقبون أن إعادة انتخاب كيم جونغ أون ليست مجرد إجراء روتيني، بل هي رسالة ثبات للداخل والخارج على حد سواء. فبينما تستمر البلاد في تطوير ترسانتها العسكرية، تظل التحديات الاقتصادية هي الاختبار الحقيقي لقدرة الحزب الحاكم على الوفاء بوعوده للشعب الكوري الشمالي.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 2:26 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابة شاب واعتقالات واسعة وهدم منازل في تصعيد إسرائيلي جديد بالضفة

أصيب شاب فلسطيني بجروح في الرأس، مساء الأحد، جراء إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي الرصاص المطاطي خلال اقتحامها مدينة البيرة وسط الضفة الغربية المحتلة. وأكدت مصادر طبية أن طواقم الهلال الأحمر تعاملت مع الإصابة في منطقة سطح مرحبا ونقلتها إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم، فيما وصفت المصادر المحلية المواجهات بالعنيفة.

وشهد مخيم الأمعري وحي سطح مرحبا في البيرة اقتحاماً واسعاً من قبل القوات الإسرائيلية، التي أطلقت وابلاً من الرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع تجاه المواطنين ومنازلهم. وبالتزامن مع ذلك، انتشرت آليات الاحتلال في بلدة تقوع جنوب شرق بيت لحم، حيث نفذت عمليات تمشيط واستفزاز للأهالي وسط إطلاق قنابل الصوت والغاز، مما أدى لحالات اختناق عولجت ميدانياً.

وفي إطار سياسة التضييق العمراني، أصدرت محكمة إسرائيلية قراراً يقضي بهدم منزل فلسطيني مكون من طابقين في بلدة الخضر غرب بيت لحم، تحت ذريعة البناء دون ترخيص. وقد أبلغت سلطات الاحتلال أصحاب المنزل بضرورة إخلائه فوراً تمهيداً لتنفيذ عملية الهدم، وهو ما يأتي بعد أسبوع من هدم بناية سكنية مأهولة في مدينة الخليل.

أما في الأغوار الشمالية، فقد اعتقلت قوات الاحتلال ستة مواطنين من قرية بردلة عقب تعرضهم لاعتداء وحشي من قبل مجموعة من المستوطنين. وأفادت مصادر حقوقية أن الاعتقال جاء بعد أن حاول المواطنون الدفاع عن أنفسهم وحظائر أغنامهم من هجوم المستوطنين، في مشهد يتكرر يومياً لتهجير السكان من المناطق الرعوية.

وفي محافظة نابلس، واصلت قوات الاحتلال ممارساتها القمعية بإجبار أصحاب المحلات التجارية في بلدة حوارة على إغلاق أبوابها تحت تهديد السلاح. ولم تقدم سلطات الاحتلال أي تبريرات قانونية لهذا الإجراء الذي يهدف إلى شل الحركة الاقتصادية في البلدة التي تعاني من حصار مشدد واعتداءات متواصلة منذ أشهر طويلة.

من جانبها، كشفت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقرير حديث لها عن تصاعد خطير في وتيرة إرهاب المستوطنين، حيث سجل شهر يناير الماضي وحده 468 اعتداءً. وتنوعت هذه الانتهاكات بين العنف الجسدي المباشر، واقتلاع الأشجار المثمرة، وإحراق المحاصيل الزراعية، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في مختلف محافظات الضفة.

وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث ارتفعت حصيلة الضحايا في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر إلى أكثر من 1117 شهيداً. كما تشير البيانات الرسمية إلى إصابة نحو 11 ألفاً و500 فلسطيني، في حين تجاوز عدد المعتقلين في سجون الاحتلال حاجز 22 ألفاً، بما يشمل القدس الشرقية المحتلة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 12:56 صباحًا - بتوقيت القدس

طبول الحرب تقرع في الخليج: سيناريوهات المواجهة بين واشنطن وطهران وإعادة ترتيب البيت الإيراني

يعود التوتر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية إلى واجهة الأحداث العالمية بشكل أعنف، حيث ترصد مصادر عسكرية حشداً أمريكياً غير مسبوق في المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. وتشير التقارير إلى نشر قرابة أربعين ألف جندي في قواعد مختلفة، مدعومين بحاملتي طائرات وتسع سفن حربية وعشرات المقاتلات، مما يوحي بجدية واشنطن في توجيه ضربة عسكرية محتملة.

على الجانب الآخر، برز علي لاريجاني، البالغ من العمر 67 عاماً، كقائد فعلي لشؤون الدولة الإيرانية بتكليف مباشر من المرشد الأعلى، متجاوزاً في نفوذه دور الرئيس مسعود بزشكيان. ويشغل لاريجاني حالياً رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي، حيث يقود التحركات الدبلوماسية والعسكرية في ظل حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها البلاد.

اتخذت القيادة الإيرانية إجراءات احترازية صارمة لمواجهة أي استهداف محتمل، حيث حدد المرشد الأعلى أربع طبقات متعاقبة للخلافة في المناصب السيادية والعسكرية. كما صدرت توجيهات للمسؤولين بتسمية أربعة بدلاء لكل منهم لضمان استمرارية القيادة في حال وقوع عمليات اغتيال أو انقطاع في الاتصالات الحيوية.

ميدانياً، وضعت طهران قواتها المسلحة في أعلى درجات التأهب، ونشرت منصات الصواريخ الباليستية على طول الحدود الغربية والسواحل الجنوبية المطلة على الخليج. وتزامنت هذه التحركات مع إجراء مناورات عسكرية تضمنت محاكاة لإغلاق مضيق هرمز واختبار فاعلية المنظومات الصاروخية والمسيرات الانتحارية.

تعتبر إسرائيل الطرف الأكثر حماساً في المنطقة لدفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة مع طهران، معتبرة البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً لمشروعها. وتأتي زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأخيرة لواشنطن في إطار التنسيق لهذا التصعيد، خاصة بعد الضربات الصاروخية التي طالت العمق الإسرائيلي في وقت سابق.

في المقابل، تتبنى تركيا والسعودية مواقف حذرة ومعارضة لأي تصعيد عسكري شامل، حيث تخشى أنقرة من تدفق اللاجئين وإحياء المشاريع الانفصالية الكردية على حدودها. أما الرياض، فتبدو قلقة من اضطراب أمن الطاقة وعودة التوتر الحدودي مع اليمن، خاصة في ظل الهدنة الهشة التي ترعاها طهران مع حركة أنصار الله.

تمتلك طهران أوراق ضغط استراتيجية قد تحول أي مواجهة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية خانقة، وعلى رأسها التهديد بإغلاق مضيق هرمز. ويرى خبراء أن استهداف ناقلات النفط قد يقفز بأسعار الخام إلى حاجز 200 دولار للبرميل، مما سيؤثر بشكل مباشر على المستهلك الأمريكي والاقتصاد الصيني والأوروبي.

داخلياً، فعلت إيران خطة أمنية شاملة تشمل نشر وحدات خاصة وكتائب الباسيج في المدن الكبرى لمنع أي اضطرابات قد تصاحب العمليات العسكرية. وتهدف هذه الخطة إلى تعقب شبكات التجسس وضمان استقرار الجبهة الداخلية في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة والعقوبات الاقتصادية المستمرة.

رغم الخطاب التصعيدي من قبل الرئيس ترامب ووزير خارجيته مارك روبيو، إلا أن واشنطن تدرك الطبيعة البراغماتية للنظام الإيراني وقدرته على التفاوض. فالتاريخ يشهد على تفاهمات سابقة في ملفات أفغانستان والعراق، مما يجعل خيار التفاوض تحت النار قائماً لتجنب حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

يبرز سيناريو الضربة الجوية الإسرائيلية المحدودة كأحد الخيارات المطروحة لتقليل الكلفة السياسية والعسكرية على الولايات المتحدة. ويهدف هذا السيناريو إلى حصر المواجهة بين طرفين وتجنب تعطيل إمدادات النفط العالمية، مع تدخل واشنطن لاحقاً لفرض شروط تفاوضية جديدة على طهران.

السيناريو الثاني يتضمن شن حرب مشتركة بين واشنطن وتل أبيب تستهدف شل القدرات العسكرية والمدنية للنظام الإيراني بضربة قاضية. لكن هذا الخيار يحمل مخاطر هائلة في حال تمكنت إيران من امتصاص الضربة الأولى والرد بشكل واسع يستهدف القواعد الأمريكية والمفاعلات النووية الإسرائيلية.

يبقى خيار الوساطة العمانية هو المخرج الدبلوماسي الأكثر ترجيحاً، حيث يجري العمل على اتفاق يقضي بتنازل طهران عن اليورانيوم المخصب بنسبة عالية. ويتضمن هذا المقترح العودة لاتفاق عام 2015 مع إبقاء بعض العقوبات إرضاءً لإسرائيل وضمان استمرار الضغط على النظام الإيراني من الداخل.

تراقب القوى الدولية مثل روسيا والصين الموقف عن كثب، حيث ترفضان أي تصعيد عسكري يهدد مصالحهما الاستراتيجية في المنطقة. وتعتبر موسكو وبكين طهران حليفاً اقتصادياً وسياسياً مهماً، وأي زعزعة لاستقرارها ستنعكس سلباً على توازنات القوى العالمية في مواجهة الهيمنة الأمريكية.

في نهاية المطاف، تجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام معادلة معقدة توازن بين حماية مصالح حليفتها إسرائيل والحفاظ على استقرار الاقتصاد العالمي. فالحرب مع إيران ليست مجرد نزهة عسكرية، بل هي مقامرة قد تعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط وتؤثر على مستقبل الرئاسة الأمريكية في ظل انتخابات الكونغرس القادمة.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

طبول الحرب تقرع: ماذا يخطط ترامب تجاه إيران وما هي حدود الضربة المحتملة؟

يحيط الغموض بالأهداف النهائية للتحركات العسكرية الأمريكية المكثفة في منطقة الشرق الأوسط، حيث يواصل الرئيس دونالد ترامب إرسال رسائل تهديد مباشرة لطهران. ورغم تعزيز القدرات القتالية، لم تكشف واشنطن بوضوح عما إذا كانت الضربة المحتملة ستستهدف أجنحة الحرس الثوري، أم الترسانة الصاروخية كما تطالب إسرائيل، أم أنها تهدف إلى تقويض ركائز النظام الإيراني بالكامل وإعادته إلى ما قبل حقبة 1979.

وفي تطور لافت، منح ترامب القيادة الإيرانية مهلة زمنية تتراوح بين 10 إلى 15 يوماً لإثبات جديتها في التوصل لاتفاق نووي شامل، ملوحاً بخيارات عسكرية في حال الفشل. وبحسب تقارير صحفية، فإن الخطط المعروضة على طاولة البيت الأبيض تتضمن سيناريوهات بالغة الخطورة، من بينها استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، في وقت تصر فيه واشنطن على أن أي اتفاق جديد يجب أن يفكك القدرات البالستية ويوقف دعم الفصائل المسلحة في المنطقة.

ميدانياً، أفادت مصادر بأن الجيش الأمريكي ينشر حالياً قوة ضاربة تضم 13 سفينة حربية، تتقدمها حاملة الطائرات 'يو إس إس أبراهام لينكولن'، مع انضمام حاملة الطائرات الأكبر عالمياً 'جيرالد فورد' إلى الأسطول في المتوسط. هذا الحشد العسكري يهدف، بحسب مراقبين، إلى فرض توازن قوى جديد عبر 'حملة قصيرة وعالية التأثير' تشل البنية التحتية الإيرانية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.

وعلى الصعيد السياسي، تثير هذه التحركات قلقاً داخلياً في واشنطن، حيث تطالب المعارضة الديمقراطية بضرورة العودة للكونغرس قبل اتخاذ قرار الحرب. وفي المقابل، حذرت قوى إقليمية ودول خليجية من تداعيات أي مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى نشر الفوضى وزعزعة استقرار المنطقة بشكل غير مسبوق، خاصة في ظل توعد طهران بالرد على أي هجوم يطال أراضيها.

منوعات

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

الحريرة المغربية.. أيقونة الموائد الرمضانية وسر توازن النكهات الأصيلة

تتربع شوربة الحريرة على عرش المائدة المغربية خلال شهر رمضان المبارك، حيث لا يعتبر الإفطار مكتملاً بدون هذا الطبق الدافئ الذي يفوح برائحة التقاليد. فهي تمثل الركيزة الأساسية والمدخل الرئيسي لوجبة الطعام، وعادة ما تُزين الموائد بجانبها حبات التمر وقطع الشباكية التقليدية لتخلق توازناً بين الملوحة والحلاوة.

تعد الحريرة وجبة غذائية متكاملة بامتياز، إذ تجمع في مكوناتها بين البروتينات الحيوانية والنباتية والألياف. هذا المزيج الفريد يمنح الصائم طاقة متوازنة ويساعد الجسم على استعادة نشاطه بعد ساعات طويلة من الامتناع عن الطعام والشراب، مما يجعلها خياراً صحياً مثالياً.

تمتد جذور هذا الطبق العريق إلى قرون مضت، حيث يرى المؤرخون أنها نتاج تلاقح ثقافي فريد بين الحضارات الأندلسية والأمازيغية والعربية. وقد تطورت الوصفة عبر الزمن لتصبح رمزاً للهوية المطبخية في دول المغرب العربي، وتحديداً في المغرب والجزائر حيث ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأجواء الرمضانية.

تبدأ عملية التحضير بتجهيز المكونات الأساسية التي تشمل 200 غرام من لحم الغنم أو البقر المقطع لمكعبات صغيرة، بالإضافة إلى نصف كوب من العدس ونصف كوب من الحمص المنقوع. كما تتطلب الوصفة بصلة مفرومة وعود كرفس وحفنة من الكزبرة والبقدونس الطازج لإضفاء النكهة العشبية المميزة.

فيما يخص الجانب السائل والنكهات المعززة، تعتمد الحريرة على الطماطم المبشورة ومعجون الطماطم المركز. وتكتمل اللوحة العطرية بإضافة مزيج من التوابل الدافئة مثل الزنجبيل والكركم والفلفل الأسود، مع كمية مناسبة من الماء لطهي كافة المكونات حتى تصل لمرحلة النضج التام.

تبدأ خطوات العمل بوضع اللحم في قدر على نار متوسطة مع قليل من الزيت وتقليبه جيداً حتى يتغير لونه ويتحمر قليلاً. بعد ذلك، يُضاف البصل والكرفس والطماطم ومعجونها، وتُقلب المكونات معاً لتتجانس النكهات قبل الانتقال إلى مرحلة إضافة البقوليات والماء.

يُضاف الحمص والعدس والتوابل إلى القدر، وتُترك المكونات لتغلي وتنضج على نار هادئة لمدة تتراوح بين 45 إلى 60 دقيقة. ومن النصائح الهامة في هذه المرحلة تأخير إضافة الملح حتى الدقائق الأخيرة، وذلك لضمان نضج البقوليات بسرعة ودون أن تصبح قاسية.

تأتي المرحلة الحاسمة وهي مرحلة التدويرة أو التكثيف، حيث يُضاف الدقيق المذاب في الماء تدريجياً إلى القدر مع التحريك المستمر. هذه الخطوة تتطلب مهارة لمنع تكون أي تكتلات، وهي التي تمنح الحريرة قوامها المخملي المعروف الذي يجمع بين السيولة والكثافة المشبعة.

في اللحظات الأخيرة قبل التقديم، تُضاف الكزبرة والبقدونس المفروم للحفاظ على لونهما الأخضر الزاهي ونكهتهما القوية. ويمكن أيضاً إضافة عصير نصف ليمونة لمن يرغب في لمسة من الحموضة المنعشة التي تكسر دسامة اللحم والبقوليات، مما يعزز من تجربة التذوق.

يؤكد الخبراء أن سر نجاح الحريرة يكمن في التوازن الدقيق؛ فلا يجب الإفراط في التوابل حتى لا تضيع نكهة المكونات الأصلية. كما أن التحريك المستمر عند إضافة خليط الدقيق هو الضمان الوحيد للحصول على القوام المثالي الذي يجعل من هذا الطبق أيقونة لا تغيب عن البيوت المغربية.

عربي ودولي

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

طارق رحمن يقود بنغلاديش نحو عهد جديد: استحقاقات الحكم وتحديات الاستقرار

دخلت بنغلاديش مرحلة سياسية مفصلية عقب الانتخابات العامة التي جرت في الثاني عشر من شباط/ فبراير 2026، والتي أسفرت عن تحول دراماتيكي في موازين القوى. فقد منح الناخبون تفويضاً شعبياً حاسماً لصالح حزب بنغلاديش الوطني (BNP)، مما مهد الطريق لزعيمه طارق رحمن لتولي رئاسة الحكومة المقبلة.

تأتي هذه التطورات بعد سنوات من الاستقطاب الحاد والصراع المرير بين القوى السياسية الكبرى في البلاد. ويجد رحمن نفسه اليوم أمام مهمة شاقة تتمثل في إدارة انتقال سياسي يتسم بالهشاشة، خاصة في ظل الانقسامات الغائرة التي خلفها سقوط النظام السابق عقب احتجاجات 2024 العنيفة.

تعتبر الوحدة الوطنية المطلب الأبرز في المرحلة الراهنة، حيث يسعى رئيس الوزراء الجديد لإرساء مناخ سياسي سلمي ينهي عقوداً من المواجهات بين حزب بنغلاديش الوطني ورابطة عوامي. وتترقب الأوساط السياسية والمجتمع المدني مدى قدرة الحكومة الجديدة على تبني نهج شمولي يستوعب كافة الأطياف.

على الصعيد الاقتصادي، يواجه طارق رحمن سقفاً مرتفعاً من التوقعات الشعبية التي تطالب بتعافٍ سريع وملموس. وتعاني البلاد منذ فترة طويلة من معدلات تضخم مرتفعة وأزمة بطالة خانقة، بالإضافة إلى اختناقات هيكلية في قطاعات حيوية كالطاقة والخدمات المصرفية.

يرى خبراء اقتصاديون أن كبح جماح التضخم وتحفيز النمو يمثلان الأولوية القصوى للحكومة في أشهرها الأولى. وإذا لم تنجح الإدارة الجديدة في إرسال إشارات واضحة لخطوات إصلاحية ملموسة، فإن صبر الجمهور، وخاصة فئات الشباب، قد ينفد سريعاً.

تمثل استعادة الثقة في مؤسسات الدولة تحدياً جوهرياً آخر أمام القيادة الجديدة، بعد سنوات من الوهن الذي أصاب القضاء وأجهزة إنفاذ القانون. ويتطلب بناء نظام ديمقراطي مستقر إجراء إصلاحات هيكلية عميقة تضمن الشفافية القانونية وحماية حقوق المواطنين الأساسية.

رغم الفوز الانتخابي القوي، لا يبدو أن رحمن سيتمتع بسلطة مطلقة في ظل الخارطة البرلمانية الجديدة. فقد حققت قوى إسلامية، وفي مقدمتها 'الجماعة الإسلامية'، مكاسب ملحوظة تجعل منها صوتاً مؤثراً داخل قبة البرلمان، مما يفرض واقعاً سياسياً جديداً.

سيكون على رئيس الوزراء الجديد ممارسة استراتيجية سياسية محنكة للتفاوض مع هذه المجموعات المتباينة أيديولوجياً. إن الحفاظ على توازن الائتلاف الحاكم مع التمسك بالمبادئ الديمقراطية والنهج المعتدل سيكون الاختبار الحقيقي لقدرات رحمن القيادية في المرحلة المقبلة.

لا تزال أصداء انتفاضة عام 2024 تتردد في الشارع البنغالي، حيث يطالب الناشطون والشباب بتغيير جذري ينهي حقبة الفساد وانعدام الفرص. وتنتظر هذه الفئات من الحكومة الجديدة خطوات فعلية نحو المساءلة والشفافية التي وعدت بها خلال الحملة الانتخابية.

يعد ملف مكافحة الفساد من أكثر الملفات تعقيداً نظراً لتغلغله في قطاعات واسعة من المجتمع والمنظومة الإدارية. وسيتطلب تفكيك شبكات النفوذ القديمة إرادة سياسية صلبة وآليات محاسبة قوية لا تستثني أحداً، مع الحفاظ على استقرار بيئة الاستثمار.

دبلوماسياً، تبرز حاجة بنغلاديش لصياغة سياسة خارجية متوازنة تضمن مصالحها الوطنية وتدعم تنميتها الاقتصادية. ويتحتم على رحمن توجيه العلاقات المعقدة مع القوى الإقليمية والدولية بحكمة، خاصة في ظل ردود الفعل المتباينة التي أثارها فوزه الانتخابي.

إن الطريقة التي ستدير بها الحكومة الجديدة الضغوط الخارجية ستحدد دور بنغلاديش المستقبلي في منطقة جنوب آسيا. ويشكل بناء روابط متينة مع الشركاء الدوليين ركيزة أساسية لجذب الاستثمارات ودعم الاستقرار الإقليمي في ظل المتغيرات الجيوسياسية الراهنة.

تؤكد الوقائع أن النجاح في صناديق الاقتراع ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة سياسية طويلة وشاقة. فالمسؤولية الملقاة على عاتق طارق رحمن تتجاوز تشكيل الحكومة إلى ضرورة تثبيت أركان مشهد سياسي منقسم وتلبية احتياجات معيشية ملحة للمواطنين.

ستكشف الأشهر القادمة مدى قدرة القيادة الجديدة على ترجمة الوعود الانتخابية إلى تقدم مستدام على أرض الواقع. فالفشل في تحقيق تطلعات الشارع قد يفتح الباب مجدداً أمام موجات من الاستياء الشعبي والتقلبات السياسية التي عانت منها البلاد طويلاً.

اسرائيليات

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يكشف عن مساعٍ لتشكيل تحالف دولي يضم دولاً عربية لمواجهة 'المحاور الراديكالية'

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع لمجلس الوزراء، عن توجهات حكومته لبناء تحالف إقليمي ودولي واسع يهدف إلى إعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة. وأشار نتنياهو إلى أن هذا التحالف سيعمل كجبهة موحدة في مواجهة ما وصفها بالمحاور المتشددة التي تهدد الاستقرار الإقليمي من وجهة نظره.

وأوضحت مصادر مطلعة أن المنظومة المقترحة لن تقتصر على النطاق الإقليمي القريب، بل ستمتد لتشمل قوى دولية صاعدة مثل الهند، بالإضافة إلى دول من القارة الأفريقية وآسيا. ويسعى نتنياهو من خلال هذا الطرح إلى دمج إسرائيل في نسيج تحالفات عابرة للقارات تضمن لها دوراً مركزياً في السياسة الدولية.

وتحدث نتنياهو عن ضرورة وجود رؤية مشتركة تجمع هذه الدول، خاصة في ظل تصاعد نفوذ ما أسماه بالمحور الشيعي والمحور السني الراديكالي. واعتبر أن التحديات الراهنة تفرض على الدول التي وصفها بـ 'المعتدلة' أن تتوحد لحماية مستقبلها وقوتها في وجه التهديدات المتزايدة.

وزعم رئيس الوزراء الإسرائيلي أن حكومته تمكنت من توجيه ضربات قوية ومؤثرة للمحور الشيعي في الآونة الأخيرة، مما يمهد الطريق لتعزيز هذا التحالف الجديد. ويرى نتنياهو أن النجاح في تفكيك قدرات الخصوم يتطلب استكمال البناء السياسي عبر شراكات استراتيجية مع دول تشارك إسرائيل نفس الرؤية الأمنية.

وتأتي هذه التصريحات تزامناً مع ترتيبات لزيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، مما يعكس الرغبة الإسرائيلية في تعزيز المحور (الهندي-الإسرائيلي-الأوروبي). ويشمل هذا المخطط ضم اليونان وقبرص كشركاء أساسيين في منطقة شرق المتوسط لتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي.

وشدد نتنياهو على أن التعاون بين أطراف هذا التحالف سيحقق فوائد استراتيجية كبرى، ولن يقتصر الأمر على الجوانب العسكرية فقط بل سيمتد للمجالات التنموية. وأكد أن الهدف النهائي هو ضمان متانة إسرائيل وتأمين مستقبلها عبر خلق بيئة إقليمية داعمة لتوجهاتها السياسية.

وفي سياق متصل، يرى مراقبون أن حديث نتنياهو عن 'محاور سنية وشيعية' يهدف إلى استغلال الانقسامات الطائفية في المنطقة لتحقيق مكاسب سياسية. ويسعى الخطاب الإسرائيلي إلى تصوير إسرائيل كحليف طبيعي لبعض الدول العربية في مواجهة قوى إقليمية أخرى، متجاوزاً بذلك جوهر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

ولم يصدر حتى اللحظة أي تعقيب رسمي من الدول العربية أو الأفريقية التي أشار إليها نتنياهو في حديثه حول الانضمام لهذا التحالف المفترض. وتلتزم العواصم المعنية بالصمت تجاه هذه الادعاءات التي تضعها في خندق واحد مع الاحتلال الإسرائيلي ضد قوى إقليمية أخرى.

وتشير التحليلات إلى أن نتنياهو يحاول تسويق عقيدة أمنية جديدة تقوم على تحويل الصراع من طابعه العربي الإسرائيلي إلى صراع بين 'الاعتدال والراديكالية'. وتعتبر هذه الاستراتيجية وسيلة للهروب من الضغوط الدولية المتعلقة بحقوق الفلسطينيين عبر طرح ملفات أمنية كبرى تهم القوى الدولية.

كما يهدف إقحام دول مثل اليونان والهند إلى تحويل إسرائيل إلى جسر بري وبحري يربط آسيا بأوروبا، مما يجعل أمن الاحتلال مصلحة اقتصادية دولية. هذا التوجه يسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يهمش القضايا التقليدية ويركز على المصالح اللوجستية والأمنية المشتركة.

ويرى منتقدون أن هذا الطرح يمثل محاولة لصناعة 'ناتو إقليمي' تكون فيه إسرائيل هي العقل المدبر والمركز العملياتي. ويهدف هذا المشروع إلى شرعنة وجود الاحتلال كقوة لا يمكن الاستغناء عنها في المنظومة الأمنية الدولية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وعلى الصعيد الداخلي، يحاول نتنياهو من خلال هذه التصريحات إظهار قدرته على قيادة إسرائيل نحو آفاق دبلوماسية جديدة رغم العزلة الدولية المتزايدة. ويستخدم ملف 'التحالفات الكبرى' كأداة دعائية لتعزيز موقفه السياسي أمام الجمهور الإسرائيلي والشركاء الدوليين على حد سواء.

وفي المقابل، تثير هذه التصريحات مخاوف من تأجيج الصراعات الطائفية في المنطقة عبر تصنيف القوى بناءً على انتماءات مذهبية. ويحذر خبراء من أن الانجرار وراء هذه الرؤية قد يؤدي إلى حرق المنطقة في صراعات لا تنتهي، تخدم في النهاية الأجندة التوسعية للاحتلال.

يبقى التساؤل قائماً حول مدى واقعية تشكيل مثل هذا التحالف في ظل التناقضات الكبيرة في مصالح الدول التي ذكرها نتنياهو. فبينما تسعى إسرائيل لفرض هيمنتها، تظل الشعوب العربية والإسلامية متمسكة برفض التطبيع والتحالف مع كيان يواصل انتهاكاته المستمرة في الأراضي الفلسطينية.

منوعات

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

إمبراطورية الست.. تفكيك خمس مغالطات تاريخية في مسيرة أم كلثوم

لم تكن أم كلثوم مجرد صوت طربي استثنائي عبر التاريخ العربي، بل مثلت ظاهرة ثقافية واجتماعية تجاوزت حدود الفن لتصبح جزءاً أصيلاً من الوجدان القومي. ومع مرور العقود على رحيلها، لا تزال سيرتها مادة خصبة للجدل، حيث اختلطت الوقائع التاريخية بالأساطير الشعبية التي تغذيها منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مجتزأة ومعلومات تفتقر للدقة.

تشيع روايات تصف 'الست' بالحدّة والغطرسة، إلا أن المراجع التاريخية، ومنها كتاب الصحفي محمود عوض، تؤكد أن ما اعتبره البعض فظاظة كان في جوهره انضباطاً مؤسسياً صارماً. فقد أدارت أم كلثوم فرقتها الموسيقية بعقلية القائد العسكري، حيث كان الالتزام بالمواعيد والدقة في الأداء خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو ما ضمن جودة منتجها الفني الفريد.

في المقابل، يغفل الكثيرون الجانب الإنساني والمرح في شخصيتها، حيث أكدت شهادات المقربين مثل وجدي الحكيم ومحمد التابعي امتلاكها لروح نكتة حاضرة وسرعة بديهة لافتة. كانت تستخدم الفكاهة كأداة دبلوماسية لتلطيف أجواء العمل المرهقة، وكثيراً ما اخترقت بدعاباتها كبرياء كبار المثقفين والمسؤولين في صالوناتها الثقافية.

أما عن علاقتها بالسلطة، فالتاريخ يشير إلى أنها كانت تمثل 'سلطة موازية' لا تتبع الحاكم بل تتحالف مع الدولة المصرية ككيان سيادي. فبالرغم من حصولها على وسام الكمال في العهد الملكي، إلا أنها استطاعت بذكائها الحفاظ على مكانتها بعد ثورة 1952، بفضل إدراك جمال عبد الناصر لثقلها في الوجدان الشعبي.

لم تكن علاقة أم كلثوم بعبد الناصر علاقة تبعية، بل كانت شراكة وطنية تجلت بوضوح بعد نكسة عام 1967. فقد بادرت من تلقاء نفسها بجولات عالمية لدعم المجهود الحربي، وجمعت ملايين الدولارات لصالح الجيش المصري، مما حولها من مطربة إلى سفيرة فوق العادة تفرض بروتوكولها الخاص حتى أمام الرؤساء.

تلاحق أم كلثوم اتهامات 'بوليسية' تزعم تورطها في حادث غرق المطربة أسمهان عام 1944 بدافع الغيرة الفنية، وهي روايات تفتقر لأي دليل مادي. المصادر المعاصرة للواقعة تؤكد أن أسمهان كانت غارقة في صراعات استخباراتية دولية معقدة، بينما كانت أم كلثوم في تلك الفترة تتربع على قمة فنية لا يزاحمها فيها أحد.

من أغرب الأساطير المنتشرة هي زعم احتواء منديلها الشهير على مواد مخدرة تساعدها على 'السلطنة' فوق المسرح. الحقيقة العلمية التي كشفها أطباؤها، ومنهم الدكتور زكي سويدان، توضح أن أم كلثوم كانت تعاني من نشاط مفرط في الغدة الدرقية، وهو ما تسبب لها في أعراض جسدية واضحة رافقتها لسنوات طويلة.

أدى مرض الغدة الدرقية إلى إصابة أم كلثوم بفرط التعرق في كفي اليد ورعشة في الأطراف، مما جعل المنديل ضرورة تكتيكية لتجفيف يدها ومنع انزلاق الميكروفون. كما كان المنديل وسيلة ذكية لمداراة ارتعاش يدها الناتج عن المرض ورهبة المسرح، حفاظاً على صورتها القوية والمتماسكة أمام جمهورها العريض.

يفسر الأطباء أيضاً ارتداءها الدائم للنظارة السوداء منذ عام 1954 بإصابتها بجحوظ في العينين ناتج عن مضاعفات الغدة الدرقية. هذه التفاصيل الطبية تدحض تماماً فرضيات المواد المخدرة، وتؤكد أن انضباطها الصحي والمهني كان صارماً لدرجة تقديس صوتها كأمانة لا يمكن العبث بها تحت أي ظرف.

في العصر الرقمي الحالي، ظهرت مغالطات بصرية جديدة، منها فيديو منتشر لعزف الناي سيد سالم في أغنية 'بعيد عنك'. يروج البعض للمقطع كدليل على تفاعلها اللحظي، لكن التوثيق الإذاعي يؤكد أن تلك الحفلة التي أقيمت عام 1966 لم تُصور تلفزيونياً، وما يتم تداوله هو تركيب صوتي على لقطات صامتة من حفلات أخرى.

يعكس هذا 'الوهم البصري' مدى تعلق الجمهور بأم كلثوم، لدرجة ابتكار صور بصرية تعوض غياب التوثيق لبعض لحظاتها التاريخية. إن إعادة تركيب المشاهد يثبت أن الأسطورة الكلثومية لا تزال حية وقادرة على توليد محتوى جديد، حتى وإن كان يفتقر في بعض الأحيان إلى الدقة التاريخية المطلوبة.

إن تفكيك هذه المغالطات الخمس يكشف عن شخصية مركبة جمعت بين الريفية الأصيلة والذكاء السياسي الحاد والانضباط الفني المطلق. لم تكن أم كلثوم مجرد مؤدية للأغاني، بل كانت مؤسسة وطنية متنقلة استطاعت أن تدير موهبتها وحياتها العامة بذكاء استثنائي جعلها عابرة للأنظمة والعهود السياسية.

يبقى التحدي الأكبر أمام الأجيال الجديدة هو القدرة على التمييز بين الحقيقة التاريخية الموثقة وبين السرديات الدرامية التي تهدف للإثارة على منصات التواصل. فالعودة إلى شهادات المعاصرين والمراجع الطبية والسياسية هي السبيل الوحيد لفهم أبعاد 'إمبراطورية الست' بعيداً عن التشويه أو التقديس الأعمى.

في الختام، تظل أم كلثوم رمزاً للهوية العربية وقوة ناعمة لم تتكرر، حيث استطاعت تحويل فنها إلى أداة للبناء الوطني والاجتماعي. إن دراسة سيرتها بعمق تظهر كيف يمكن للفنان أن يكون مؤثراً في مصير أمته، شريطة أن يمتلك الرؤية والإخلاص والانضباط الذي ميز مسيرة كوكب الشرق عبر عقود من العطاء.

فلسطين

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

احتجاجاً على خطاب مخرج فلسطيني.. وزير البيئة الألماني ينسحب من حفل جوائز 'برليناله'

شهد حفل توزيع جوائز مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) توتراً دبلوماسياً لافتاً، عقب انسحاب وزير البيئة الألماني كارستن شنايدر من القاعة. وجاءت هذه الخطوة تعبيراً عن رفض الوزير الألماني لمضامين خطاب ألقاه المخرج السوري الفلسطيني عبد الله الخطيب، والذي تضمن انتقادات حادة لسياسات برلين تجاه العدوان المستمر على قطاع غزة.

وأكد متحدث باسم وزارة البيئة الألمانية أن شنايدر، الذي كان يمثل الحكومة الاتحادية في الحفل، قرر مغادرة المكان فور بدء المخرج الخطيب في توجيه اتهاماته. وأوضح المتحدث في تصريحات صحفية أن الوزير يعتبر التصريحات التي أدلى بها المخرج 'غير مقبولة' وتتناقض مع الموقف الرسمي الألماني الداعم لإسرائيل، مما دفعه للنأي بنفسه عن المشهد بالانسحاب الفوري.

وكان المخرج عبد الله الخطيب قد صعد إلى منصة التتويج لتسلم جائزة أفضل عمل روائي أول عن فيلمه 'يوميات من الحصار'، وهو عمل سينمائي يوثق معاناة الفلسطينيين ومحاولاتهم للبقاء على قيد الحياة في ظل ظروف الاحتلال القاسية. وحمل الخطيب العلم الفلسطيني أثناء صعوده، موجهاً رسالة سياسية قوية أمام الحضور الدولي من السينمائيين والنقاد.

وفي كلمته التي أثارت الجدل، وجه الخطيب اتهامات مباشرة للحكومة الألمانية بوصفها شريكاً في ما أسماه 'حرب الإبادة الجماعية' التي يتعرض لها قطاع غزة المحاصر. وشدد المخرج على أن التاريخ سيسجل المواقف الدولية بوضوح، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني لن ينسى من وقف معه أو من اصطف ضده في هذه المرحلة الفارقة من نضاله.

وتفاعل الجمهور داخل القاعة مع خطاب الخطيب بمزيج من التصفيق الحار وهتافات التأييد، بينما أطلق آخرون هتافات مقاطعة تعبيراً عن معارضتهم لموقفه. وأضاف الخطيب في كلمته المؤثرة أنه يتطلع لليوم الذي يقام فيه مهرجان سينمائي دولي في غزة المحررة، مؤكداً إيمانه بأن فلسطين ستنال حريتها في نهاية المطاف رغم كل التحديات.

من جانبها، تواصل الحكومة الألمانية تبني الرواية الإسرائيلية التي تصف العمليات العسكرية في غزة بأنها 'دفاع عن النفس'، وترفض بشكل قاطع توصيفها بالإبادة الجماعية. ويأتي انسحاب الوزير شنايدر ليعكس حجم الانقسام والضغط السياسي الذي يمارسه المسؤولون الألمان تجاه أي صوت ينتقد الدعم العسكري والسياسي المقدم للاحتلال في المحافل الثقافية.

يُذكر أن فيلم 'يوميات من الحصار' حظي بإشادات نقدية واسعة قبل فوزه بالجائزة، حيث يسلط الضوء على التفاصيل الإنسانية الدقيقة للحياة تحت الحصار الخانق. وتأتي هذه الواقعة لتنضم إلى سلسلة من الاحتجاجات والمواقف السياسية التي باتت تفرض نفسها على المهرجانات السينمائية العالمية الكبرى، حيث يتحول الفن إلى منصة للمطالبة بالعدالة الدولية.

اقتصاد

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

تعثر صفقة تخارج 'لوك أويل' الروسية من حقل غرب القرنة لصالح 'شيفرون' الأمريكية في بغداد

شهدت العاصمة العراقية بغداد تعثراً مفاجئاً في اللحظات الأخيرة لإتمام صفقة كبرى في قطاع الطاقة، كان من المقرر بموجبها أن تبيع شركة 'لوك أويل' الروسية حصتها في حقل غرب القرنة/2 النفطي إلى شركة 'شيفرون' الأمريكية. وجاء هذا التوقف بعد سلسلة من الاجتماعات المكثفة التي عقدت منذ صباح اليوم الأحد لوضع اللمسات النهائية على عملية الانتقال، إلا أن الخلافات المالية حالت دون التوقيع الرسمي.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الشركة الروسية اشترطت الحصول على مبلغ 500 مليون دولار من نظيرتها الأمريكية مقابل التنازل عن حصتها في الحقل الاستراتيجي الواقع جنوب العراق. بالإضافة إلى ذلك، طالبت 'لوك أويل' الحكومة العراقية بسداد مستحقات مالية متأخرة تصل قيمتها إلى 400 مليون دولار كشرط أساسي لإتمام إجراءات التخارج القانوني.

في المقابل، أبدت شركة 'شيفرون' الأمريكية رفضاً قاطعاً لدفع أي مبالغ مالية لقاء انتقال الحصة إليها، مبررة موقفها بأن انسحاب الشركة الروسية يأتي نتيجة مباشرة للعقوبات الاقتصادية المفروضة على موسكو. وترى الشركة الأمريكية أن العملية يجب أن تُصنف كإعادة ترتيب قانوني للأصول وليس كعملية بيع تجارية تقليدية تخضع للمساومات المالية.

ودخلت وزارة النفط العراقية كطرف أساسي في هذه المفاوضات المعقدة لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن الفجوة المالية أدت في نهاية المطاف إلى إرجاء التوقيع المرتقب. وتسعى الوزارة حالياً لإيجاد صيغة قانونية ومالية ترضي كافة الأطراف وتضمن استمرارية العمليات التشغيلية في واحد من أكبر حقول النفط في البلاد.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر حكومية عن تأجيل زيارة المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي، توم براك، التي كانت مقررة إلى بغداد لرعاية مراسم التوقيع في القصر الحكومي. ويعكس هذا التأجيل حساسية الملف النفطي وتداخله مع الصراع الجيوسياسي الأوسع بين واشنطن وموسكو على نفوذ الطاقة في منطقة الشرق الأوسط.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن شركة تسويق النفط العراقية 'سومو' كانت قد منحت الشركة الروسية مهلة نهائية انتهت في السادس من يناير الماضي لتسوية أوضاعها. وتواجه 'لوك أويل' صعوبات بالغة في الاستمرار بعملياتها نتيجة القيود المالية التي تمنع المؤسسات العراقية من التعامل مع الشركات الخاضعة للعقوبات الدولية.

ويرى مراقبون أن حكومة محمد شياع السوداني تضع تعزيز حضور الشركات الأمريكية في قطاع النفط والغاز ضمن أولوياتها الاستراتيجية. وتهدف هذه التحركات إلى تحسين العلاقات الثنائية مع واشنطن وجذب استثمارات تكنولوجية متطورة تساهم في زيادة الإنتاج النفطي العراقي وتطوير البنية التحتية للطاقة.

وعلى الصعيد السياسي، تبرز مخاوف من انعكاسات التجاذبات الداخلية على قطاع النفط، خاصة مع تداول أنباء عن ضغوط أمريكية محتملة قد تطال البنك المركزي العراقي. وترتبط هذه الضغوط بمسارات تشكيل الحكومة المقبلة وطبيعة التحالفات السياسية التي قد تؤثر على استقرار التعاون الاقتصادي مع الجانب الأمريكي.

إن الصراع الحالي في حقل غرب القرنة/2 يتجاوز كونه مجرد خلاف تجاري على أرقام مالية، بل يمثل نقطة اشتباك جديدة في حرب النفوذ بين القوى العظمى. ويجد العراق نفسه في موقف حرج يتطلب موازنة دقيقة بين التزاماته تجاه الشركاء الروس القدامى وبين حاجته الماسة للغطاء السياسي والاقتصادي الأمريكي.

ومن المتوقع أن تستمر المشاورات في الأيام القادمة خلف الأبواب المغلقة للوصول إلى تسوية تمنع توقف العمل في الحقل النفطي. ويبقى التحدي الأكبر أمام بغداد هو كيفية إدارة هذا التخارج دون الإضرار بسمعتها الاستثمارية أو الدخول في صدام مباشر مع أي من القطبين الدوليين المتنافسين على أرضها.

منوعات

الإثنين 23 فبراير 2026 12:11 صباحًا - بتوقيت القدس

مسجد النور بالشارقة.. أيقونة معمارية تجسد السكينة في تفاصيل الزخرفة الإسلامية

يبرز مسجد النور في إمارة الشارقة كواحد من أهم المعالم التي تعكس رقي العمارة الإسلامية المعاصرة، حيث يستقبل زواره بمداخل مهيبة تتقدمها أبواب خشبية ضخمة. هذه الأبواب مرصعة بالنحاس ومزدانة بزخارف متقنة تتكرر فيها الوحدات الجمالية بتناغم بصري يوحي باللانهاية، في إشارة رمزية لدوام الذكر.

عند العبور إلى قاعة الصلاة، ينتقل الزائر إلى عالم من الهدوء والسكينة بفضل الفضاء الداخلي الرحب والمتوازن الذي يبعث في النفس الطمأنينة. وتتميز القاعة بتصميم يخلو من التعقيد الإنشائي، لكنه غني بالتفاصيل الدقيقة التي تدعو للتأمل، مع أرضيات مغطاة بسجاد فاخر ينسجم مع الألوان الهادئة للمكان.

تضفي الانسيابية في توزيع الأعمدة والأقواس داخل المسجد إحساساً بالامتداد الروحي، مما يخلق مساحة مفتوحة تتيح للمصلين التركيز في عبادتهم دون حواجز بصرية. وترتفع الجدران بوقار لافت، مكسوة بنقوش هندسية ونباتية دقيقة تتمازج فيها الخطوط العربية والآيات القرآنية لتشكل لوحة فنية تحيط بالمكان.

يعتمد التصميم الداخلي بشكل أساسي على اللون الأبيض ودرجاته الفاتحة، وهو خيار مقصود لتعزيز انعكاس الضوء الطبيعي ومنح القاعة شعوراً بالنقاء والاتساع. هذا التوظيف اللوني يجعل من الجدران مساحات مضيئة تساهم في خلق جو من الصفاء الذهني لكل من يدخل المسجد.

النوافذ في مسجد النور ليست مجرد فتحات للتهوية، بل هي منافذ فنية يتسلل منها ضوء الشمس ليرسم حكايات من النور على الزوايا المختلفة. تتنوع أشكال النوافذ بين المستطيلة والمقوسة، حيث ينثر زجاجها الملون أشعة دافئة فوق السجاد والجدران، مما يخلق ظلالاً متحركة تتبدل مع حركة النهار.

تتدلى من سقف القاعة ثريات ضخمة صُممت بحرفية عالية لتشبه النجوم المتلألئة في فضاء المسجد الداخلي. وتوزع هذه الثريات أضواءها بتوازن دقيق، بحيث لا تبهر الأبصار ولا تخفت، بل تغمر المصلى بإضاءة دافئة تعزز من مشاعر السكينة والوقار في نفوس المصلين والزوار.

وفي قلب المسجد، يتصدر المحراب جدار القبلة كعنصر مركزي يجمع بين الفن والعبادة في تناغم فريد. ويمثل المحراب نقطة التقاء الجمال المعماري بالهيبة الروحية، ليحول المسجد إلى فضاء متكامل يجمع بين الإبداع البشري في البناء وبين الطمأنينة التي ينشدها العابد في خلوته.

أقلام وأراء

الأحد 22 فبراير 2026 11:27 مساءً - بتوقيت القدس

دراما 'رأس الأفعى'.. محاولة جديدة لربط الأزمات الاقتصادية بخصوم السلطة

منذ ما يزيد عن عقد من الزمان، وتحديداً منذ عام 2013، باتت مواسم الدراما الرمضانية منصة ثابتة لإعادة إنتاج سردية سياسية أحادية الجانب. تركز هذه الأعمال على تصوير جماعة الإخوان المسلمين كمصدر وحيد للاضطرابات، في مقابل تقديم الأجهزة الأمنية كحائط صد أخير يحمي كيان الدولة من التفكك.

يأتي مسلسل 'رأس الأفعى' كحلقة جديدة في هذا السياق، حيث يتبنى رواية تعتبر الدكتور محمود عزت، نائب المرشد العام للجماعة، المحرك الأساسي لكافة أعمال العنف والأزمات الاقتصادية. يذهب العمل بعيداً في تصوير 'لجنة افتعال الأزمات' التي يُزعم أنها تسببت في أزمة الدولار وتعطيل المرافق العامة.

تكمن الإشكالية الكبرى في هذه السردية الدرامية في تجاهلها لمعطيات الواقع الملموس الذي يعيشه المصريون يومياً. فالذاكرة الرقمية والواقع المعاش يثبتان أن الأزمات الاقتصادية ليست نتاج غرف سرية، بل هي مرتبطة بسياسات مالية واقتصادية رسمية ومعلنة من قبل السلطة التنفيذية.

لقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً غير مسبوق في الاقتراض الخارجي، والتركيز على مشروعات إنشائية كبرى أثارت جدلاً واسعاً حول جدواها الاقتصادية وأولوياتها. هذه القرارات أدت بشكل مباشر إلى تضخم تاريخي وانخفاض حاد في قيمة العملة المحلية، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين.

يثير اعتقال الدكتور محمود عزت منذ عام 2020 تساؤلات منطقية حول استمرار الأزمات وتفاقمها رغم غياب القيادات المحركة المزعومة. فإذا كان المحرك الخفي خلف القضبان منذ سنوات، فلماذا لم يشهد المشهد الاقتصادي أي تحسن ملموس، بل استمرت التحديات في التصاعد؟

إن تصوير الجماعة كفصيل مسلح يمتلك نفوذاً هائلاً يصطدم بغياب أي أنماط مقاومة مسلحة ممتدة عند اعتقال قياداتها التاريخية. هذا التناقض يضع الرواية الدرامية في مأزق أمام المنطق السياسي الذي يفترض وجود قوة موازية قادرة على التأثير الفعلي في مفاصل الدولة.

يعتبر مراقبون أن تحميل فصيل سياسي واحد مسؤولية الفشل الإداري والاقتصادي هو نوع من التبسيط المخل لمشهد معقد للغاية. هذا التوجه يحول الفن من مساحة للنقاش الحر والإبداع إلى مجرد أداة دعاية سياسية تهدف لتثبيت وجهة نظر السلطة الحاكمة.

المواطن المصري في نهاية المطاف لا يبني قناعاته بناءً على ما يعرض عبر الشاشات، بل من خلال واقعه المعيشي الصعب. فالأسعار المرتفعة وتراجع جودة الخدمات الأساسية هي الحقائق التي لا يمكن طمسها عبر إنتاج مسلسلات تتبنى خطاب التخويف المستمر.

إن صناعة 'عدو دائم' وتعليق الإخفاقات عليه لم تعد استراتيجية فعالة في ظل الانفتاح المعلوماتي الذي يشهده العالم اليوم. فالشعوب باتت تدرك أن الإدارة الكفؤة للموارد والمساءلة الحقيقية هي السبيل الوحيد للخروج من نفق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

النقاش الجاد حول مستقبل البلاد يجب أن يتجاوز مرحلة تدوير السرديات المستهلكة التي لم تعد تقنع الشارع. الإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة الخلل البنيوي في الاقتصاد والإدارة، وليس من خلال البحث عن 'شماعات' سياسية لتبرير القصور في الأداء الحكومي.

المعادلة الحالية في المشهد المصري لم تعد صراعاً بين فصائل سياسية متنافسة بقدر ما هي تحدٍ بين إدارة ناجحة وأخرى متعثرة. الإدارة الناجحة هي التي تفتح آفاقاً للمواطنين وتوفر لهم حياة كريمة، بينما تستمر الإدارة الأخرى في إنتاج الأزمات والبحث عن مبررات خارجية.

تؤكد مصادر تحليلية أن الحل للأزمات الراهنة ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية لتغيير النهج المتبع في إدارة الدولة. فالاستمرار في نهج الشيطنة لا يحل مشكلة الفقر أو البطالة، بل يزيد من حالة الاستقطاب المجتمعي التي تضر بمصلحة الوطن العليا.

إن 'رأس الأفعى' الحقيقي، كما يراه البعض، هو الفساد وسوء الإدارة وغياب الشفافية التي تغلغلت في مفاصل المؤسسات. هذه هي السموم الحقيقية التي تهدد استقرار البيوت المصرية وتعيق أي محاولة جادة للنهوض بالدولة وتحقيق التنمية المستدامة المنشودة.

في الختام، تظل الدراما مرآة للمجتمع، وعندما تتحول هذه المرآة إلى وسيلة لتزييف الواقع، فإنها تفقد قيمتها الفنية وتأثيرها المعنوي. المستقبل يتطلب مواجهة الحقائق بشجاعة، والاعتراف بالأخطاء السياسية والاقتصادية كخطوة أولى نحو الإصلاح الشامل والعدالة الاجتماعية.

عربي ودولي

الأحد 22 فبراير 2026 10:56 مساءً - بتوقيت القدس

جولة مفاوضات جديدة في جنيف بين واشنطن وطهران وبزشكيان يرى مؤشرات مشجعة

كشف وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، عن ترتيبات لعقد جولة مفاوضات جديدة ومباشرة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية في مدينة جنيف السويسرية يوم الخميس المقبل. وأوضح البوسعيدي في تصريحات رسمية أن هذه الخطوة تأتي في إطار مساعي إتمام صفقة بشأن الملف النووي، مشيراً إلى وجود قوة دفع إيجابية تحيط بالتحضيرات الجارية لهذه الجولة المرتقبة.

من جانبه، أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن تفاؤله الحذر تجاه المسار الدبلوماسي الحالي، مؤكداً أن الجولات الأخيرة من المحادثات أفرزت مؤشرات وصفها بالمشجعة. وشدد بزشكيان على أن بلاده تراقب التحركات الأمريكية في المنطقة عن كثب، مؤكداً اتخاذ كافة الاستعدادات اللازمة للتعامل مع أي سيناريوهات محتملة قد تطرأ على المشهد السياسي أو الميداني.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تقارير نقلتها مصادر إعلامية عن مسؤولين أمريكيين، أبدوا فيها استعداد واشنطن للانخراط في جولة محادثات جديدة شريطة تسلم مقترح إيراني مفصل خلال الساعات الثماني والأربعين القادمة. وتهدف هذه الشروط الأمريكية إلى ضمان جدية الجانب الإيراني في التوصل إلى اتفاق نووي جديد ينهي حالة التوتر المتصاعدة في الشرق الأوسط.

على الصعيد الميداني، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في المنطقة عبر نشر حاملتي طائرات، وهو ما اعتبره مراقبون وسيلة ضغط موازية للمسار الدبلوماسي. وقد سبق هذه الجولة المرتقبة لقاءان عقدا بوساطة عُمانية، الأول في مسقط مطلع الشهر الجاري، والثاني في جنيف قبل نحو أسبوع، مما يعكس كثافة الجهود الدبلوماسية المبذولة.

في المقابل، لا يزال خطاب التهديد حاضراً في أروقة البيت الأبيض، حيث لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باللجوء إلى العمل العسكري في حال فشل المساعي الدبلوماسية. ويربط ترمب بين التوصل لاتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي وبين وقف ما يصفه بالسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار، مانحاً الدبلوماسية مهلة زمنية قصيرة للحسم.

وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أكد من جهته أن الفرصة لا تزال سانحة للتوصل إلى حل دبلوماسي يخدم مصالح جميع الأطراف المعنية. وأشار عراقجي في تصريحات صحفية إلى أن الفرق الفنية تعمل حالياً على صياغة عناصر الاتفاق وإعداد مسودة نصية يمكن البناء عليها خلال اجتماع جنيف المقرر يوم الخميس المقبل.

ورغم التفاؤل بالحل السياسي، شدد عراقجي على حق طهران في الدفاع عن نفسها ضد أي عدوان أمريكي محتمل، واصفاً أي هجوم عسكري بأنه عمل غير مشروع. وأوضح الوزير الإيراني أن بلاده قد تضطر لاستهداف القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة في حال تعرضها للاعتداء، نظراً للمحدودية الجغرافية لمدى الصواريخ الإيرانية الحالية.

وتسعى طهران من خلال هذه المفاوضات إلى انتزاع اتفاق يضمن رفع العقوبات الدولية التي أثقلت كاهل اقتصادها الوطني لسنوات طويلة. وأكدت الحكومة الإيرانية في أكثر من مناسبة رغبتها في التوصل إلى اتفاق سريع وشامل ينهي العزلة الاقتصادية ويحقق الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية.

في غضون ذلك، نقلت مصادر مطلعة أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يقودان الجهود الأمريكية للتفاوض، وينتظران رداً إيرانياً ملموساً. وأبدى ويتكوف استغرابه من عدم تراجع إيران أمام الضغوط العسكرية الأمريكية المتزايدة، مشيراً إلى أن الرئيس ترمب يمتلك بدائل متعددة للتعامل مع الملف الإيراني.

وحدد الرئيس الأمريكي مهلة تتراوح بين عشرة إلى خمسة عشر يوماً لتقييم مدى جدية طهران في تقديم تنازلات جوهرية قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن الخيار العسكري. وتتمحور نقطة الخلاف الجوهرية حول نسبة تخصيب اليورانيوم، حيث يصر ترمب على مبدأ 'صفر تخصيب' بينما تطالب إيران بالحفاظ على حقوقها النووية السلمية.

وتشير تسريبات إعلامية إلى أن الإدارة الأمريكية قد تدرس مقترحاً يسمح لإيران بتخصيب رمزي ومحدود للغاية، بما لا يسمح لها بإنتاج سلاح نووي في المستقبل. ويهدف هذا المقترح الوسطي إلى كسر الجمود في المفاوضات وإيجاد مخرج يحفظ ماء وجه الطرفين مع ضمان الرقابة الدولية الصارمة على المنشآت الإيرانية.

وتتهم القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، طهران بالسعي الحثيث لامتلاك قنبلة ذرية تحت غطاء برنامج مدني، وهو ما تنفيه إيران جملة وتفصيلاً. وتؤكد طهران أن كافة أنشطتها النووية تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وأن أهدافها تقتصر على توليد الطاقة والأبحاث الطبية.

ويرى محللون أن جولة جنيف المقبلة قد تكون الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة، خاصة مع اقتراب المهلة التي حددها ترمب من نهايتها. وتلعب سلطنة عُمان دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر، مستندة إلى تاريخ طويل من الوساطات الناجحة بين واشنطن وطهران في ملفات معقدة.

ويبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستسفر عنه لقاءات الخميس، في ظل تداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية وتصاعد حدة التصريحات من الجانبين. وتتجه أنظار المجتمع الدولي نحو جنيف، آملة في صدور دخان أبيض يعلن عن اتفاق يجنب المنطقة والعالم تداعيات صراع مسلح جديد في ممرات التجارة والطاقة الدولية.