اسرائيليات

الإثنين 15 يونيو 2026 11:37 صباحًا - بتوقيت القدس

يعالون يحذر من 'فصل عنصري' بالضفة ويؤكد: إيران خرجت أقوى من المواجهة

أطلق وزير الحرب الإسرائيلي السابق، موشيه يعالون، تحذيرات شديدة اللهجة حيال المسار الذي تنتهجه الحكومة الحالية، مؤكداً أن السياسات المتبعة في الضفة الغربية والمواجهة مع إيران تضع إسرائيل أمام مخاطر الانهيار السياسي والأمني. وأوضح يعالون أن غياب الحلول السياسية وتصاعد العنف الميداني يهددان هوية الدولة ومستقبلها الاستراتيجي بشكل غير مسبوق.

وفي قراءة لنتائج الصراع مع طهران، اعتبر يعالون أن الحرب الأخيرة لم تحقق أهدافها المعلنة، بل انتهت بتعزيز موقع إيران الإقليمي بدلاً من إضعافه. وأشار إلى أن طهران استطاعت الخروج من هذه الجولة بموقف أكثر صلابة، رغم سلسلة الضربات الجوية والعمليات التي نفذتها إسرائيل والولايات المتحدة ضد أهداف إيرانية.

وانتقد الوزير السابق بشدة العمليات العسكرية الأخيرة في لبنان وضد الأهداف الإيرانية، واصفاً إياها بـ 'الفشل الذريع' نتيجة عدم ترجمة القوة العسكرية إلى مكاسب سياسية حاسمة. ورأى أن غياب رؤية استراتيجية متكاملة لما بعد الحرب جعل من استخدام القوة مجرد أداة استنزاف لا تخدم المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى.

وحول الملف النووي والاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، أعرب يعالون عن قلقه من تجاهل القضايا الجوهرية مثل برنامج الصواريخ الباليستية وأنشطة الأذرع الإيرانية في المنطقة. وحذر من أن أي تسوية محتملة قد تمنح طهران فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقها، وربما التوجه نحو خيارات تصعيدية تحاكي النموذج النووي الكوري الشمالي.

وفيما يخص الأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شن يعالون هجوماً حاداً على سياسات الحكومة في الضفة الغربية، معتبراً أنها تقود إسرائيل نحو 'نظام فصل عنصري فعلي'. واتهم جهات رسمية بتشجيع أعمال العنف والاعتداءات التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين بهدف دفعهم لترك أراضيهم قسراً.

وأشار يعالون إلى أن الأجهزة الأمنية والشرطة الإسرائيلية تعاني من حالة شلل أو تقصير متعمد في التعامل مع الانتهاكات بالضفة الغربية، مما ساهم في اتساع دائرة التوتر. وأكد أن هذا التقصير الرسمي يعكس غياب الإرادة السياسية في لجم المجموعات المتطرفة التي باتت تفرض أجندتها على أرض الواقع.

وكشف الوزير السابق عن تفاصيل جولة ميدانية أجراها في الضفة، حيث عاين حجم الاعتداءات التي يتعرض لها الفلسطينيون، مشيراً إلى حالات قتل وإصابات بليغة لم يتم التحقيق فيها بجدية. وذكر مثالاً لمواطن فلسطيني فقد ساقه جراء إطلاق نار من مستوطنين، لافتاً إلى أن غياب المحاسبة القضائية يغذي ثقافة الإفلات من العقاب.

وأثار يعالون جدلاً واسعاً بحديثه عن تغلغل تيارات فكرية داخل الأوساط الدينية القومية تتبنى مفاهيم 'تفوق العرق اليهودي'، مشبهاً هذه الخطابات بنماذج تاريخية متطرفة. وحذر من أن هذه الأفكار تمثل خطراً وجودياً على مستقبل المجتمع الإسرائيلي وتضعه في صدام مباشر مع القيم الدولية.

وفي رؤيته للحل السياسي، شدد يعالون على ضرورة الفصل الجغرافي والسياسي بين الإسرائيليين والفلسطينيين كخيار وحيد لتجنب سيناريو الدولة ثنائية القومية. واستذكر في هذا السياق رؤية رئيس الوزراء الراحل إسحاق رابين، مؤكداً أن استمرار الوضع الراهن سيجعل من 'الأبارتهايد' واقعاً لا يمكن الهروب منه.

وعلى الصعيد السياسي الداخلي، دعا يعالون قوى المعارضة إلى تجاوز خلافاتها وتشكيل قائمة موحدة تضم نفتالي بينيت ويائير لابيد وغادي آيزنكوت. ورأى أن هذا التكتل هو السبيل الوحيد لتقديم بديل حقيقي للحكومة الحالية التي يقودها بنيامين نتنياهو، والتي وصف سياساتها بالمدمرة.

وبالرغم من إشادته بقدرات غادي آيزنكوت، إلا أن يعالون اعتبر أن نفتالي بينيت هو الأكثر جاهزية لقيادة المرحلة المقبلة نظراً لخبرته السياسية المتراكمة. وحذر قادة المعارضة من الوقوع في فخاخ نتنياهو السياسية التي نجحت سابقاً في تفكيك التحالفات المنافسة له وإضعافها.

واعتبر يعالون أن إسرائيل تمر بمنعطف تاريخي يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة التيارات المتطرفة داخل الحكومة، مؤكداً أن المصلحة الوطنية تقتضي تغليب الحلول الاستراتيجية على المكاسب الحزبية الضيقة. وأوضح أن استمرار النهج الحالي سيؤدي إلى عزلة دولية وتدهور أمني لا يمكن السيطرة عليه.

وختم تصريحاته بالتأكيد على أن القوة العسكرية وحدها لا يمكن أن تضمن الأمن المستدام دون وجود أفق سياسي واضح، سواء في التعامل مع الملف الإيراني أو القضية الفلسطينية. وأشار إلى أن الاعتماد المفرط على الحلول الأمنية أثبت فشله في تحقيق الاستقرار المنشود طوال السنوات الماضية.

تعكس هذه المراجعة الحادة من قبل شخصية بوزن يعالون عمق الانقسام داخل المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، وتكشف عن مخاوف جدية لدى النخبة العسكرية السابقة من مآلات السياسات اليمينية المتطرفة على مستقبل إسرائيل في المنطقة.

اسرائيليات

الإثنين 15 يونيو 2026 11:21 صباحًا - بتوقيت القدس

إجماع إسرائيلي على رفض الاتفاق الأمريكي الإيراني ونتنياهو يتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

كشفت مصادر إعلامية عن مواقف متشددة تبناها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تجاه الملف اللبناني خلال اتصاله الأخير بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه حدة الانتقادات الداخلية في إسرائيل تجاه الاتفاق الوشيك بين واشنطن وطهران، وسط مخاوف من تداعياته على الحسابات الأمنية الإسرائيلية في المنطقة.

وأفادت مصادر بأن نتنياهو أبلغ ترمب بوضوح أن إسرائيل لن تنسحب من المواقع التي تسيطر عليها حالياً في جنوب لبنان، مؤكداً التمسك بالبقاء فيها لفترة غير محددة. وطالب نتنياهو بمنح الجيش الإسرائيلي حرية كاملة لمواصلة العمليات العسكرية التي تستهدف البنى التحتية لحزب الله والتعامل مع أي تهديدات أمنية مستقبلية في المنطقة الحدودية.

وعلى الرغم من عدم صدور موقف أمريكي رسمي يدعم هذه المطالب حتى اللحظة، إلا أن تقارير عبرية أشارت إلى أن تل أبيب تعتبر نفسها غير ملزمة بالبند المتعلق بلبنان في الاتفاق الدولي الجاري. وتؤكد هذه التقارير أن إسرائيل لن توقف عملياتها العسكرية، في محاولة لتثبيت واقع ميداني جديد يمنحها تفوقاً أمنياً دائماً.

ويعكس هذا التوجه الإسرائيلي محاولة لإعادة إنتاج معادلة مشابهة لما جرى عقب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، حيث استمرت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل العمق اللبناني. وقد وصلت تلك العمليات حينها إلى مناطق البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهو ما تسعى الحكومة الحالية لتشريعه كحق دائم في أي تفاهمات جديدة.

ونقلت صحف إسرائيلية عن مسؤولين كبار أن هذا الموقف جرى توضيحه للرئيس الأمريكي مع الإصرار على الاستمرار فيه حتى لو أدى ذلك إلى صدام دبلوماسي مع الإدارة الأمريكية. وترى الأوساط السياسية في تل أبيب أن الانسحاب من الجنوب اللبناني في هذا التوقيت يمثل خطراً استراتيجياً لا يمكن القبول به تحت أي ضغوط دولية.

في سياق متصل، يرى مراقبون أن التصعيد العسكري الأخير ومحاولات التقدم نحو نقاط أعمق في الجنوب اللبناني يهدف إلى تعزيز أوراق التفاوض الإسرائيلية. وتسعى إسرائيل من خلال هذه التحركات الميدانية إلى فرض شروطها قبل البدء الفعلي في تنفيذ أي بنود تتعلق بالتهدئة الشاملة المرتبطة بالاتفاق الأمريكي الإيراني.

من جانبه، أكد خبراء في الشأن الإسرائيلي أن المجتمع السياسي في تل أبيب، بمختلف تياراته من اليمين إلى المعارضة، أظهر توافقاً غير معتاد في رفض مذكرة التفاهم المرتقبة. واعتبرت أوساط واسعة أن واشنطن 'تخلت عن حليفتها' من أجل إبرام صفقة مع طهران تخدم مصالح الإدارة الأمريكية الحالية على حساب أمن إسرائيل.

ولم تقتصر الانتقادات على مضمون الاتفاق فحسب، بل شملت اتهامات لترمب بالتراجع عن شروطه القاسية السابقة وتقديم تنازلات مجانية للنظام الإيراني. وفي المقابل، حملت المعارضة الإسرائيلية نتنياهو مسؤولية هذا الفشل، معتبرة أن تقديراته الخاطئة بشأن إمكانية إسقاط النظام الإيراني هي التي قادت إلى هذه العزلة الدولية.

وتنبع أسباب الرفض الإسرائيلي من قناعة راسخة بأن أي تفاهم مع طهران يمثل إقراراً دولياً باستمرار النظام الإيراني وتعزيز نفوذه الإقليمي. وكانت إسرائيل تهدف من خلال التصعيد العسكري والسياسي إلى تغيير المعادلة السياسية في طهران بشكل جذري، وليس مجرد تقييد البرنامج النووي لفترة زمنية محددة.

كما تشير التقارير إلى أن الاتفاق الجديد لم يتناول ملفات حيوية بالنسبة لتل أبيب، وعلى رأسها البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني ودعم الفصائل الحليفة في المنطقة. وترى إسرائيل أن استمرار تخصيب اليورانيوم، حتى تحت الرقابة، لا يلبي مطالبها الدنيا التي تدعو إلى تفكيك كامل وشامل للمشروع النووي الإيراني.

وفي ردود الفعل الرسمية، صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بأن إسرائيل 'ليست ملزمة' بأي اتفاقات تبرمها واشنطن مع طهران، مشدداً على استقلالية القرار الإسرائيلي. ومن جهته، اعتبر يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين أن الاتفاق بدد الإنجازات العسكرية التي حققها الجيش الإسرائيلي طوال الأشهر الماضية.

ووصف بيني غانتس، رئيس حزب معسكر الدولة، الاتفاق بأنه 'فشل إستراتيجي' تاريخي، محذراً من أن تداعياته ستجبر إسرائيل على خوض صراعات معقدة على جبهات متعددة. وأوضح غانتس أن هذا المسار سيؤدي إلى استنزاف إسرائيل دبلوماسياً وعسكرياً وقانونياً في المحافل الدولية خلال السنوات القليلة المقبلة.

وعلى الصعيد الدولي، أعلن رئيس وزراء باكستان شهباز شريف عن التوصل رسمياً لاتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران ينهي العمليات العسكرية على مختلف الجبهات. ومن المقرر أن تُقام مراسم توقيع هذا الاتفاق التاريخي في سويسرا يوم الجمعة المقبل، بحضور أطراف دولية رفيعة المستوى لضمان تنفيذ بنوده.

وفي طهران، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن نص مذكرة تفاهم إسلام آباد أصبح نهائياً وجاهزاً للتوقيع في جنيف. ويأتي هذا الإعلان تزامناً مع تأكيدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باكتمال التفاهمات، مما يضع إسرائيل أمام واقع سياسي جديد يحاول نتنياهو التمرد عليه عبر التصعيد في الساحة اللبنانية.

اسرائيليات

الإثنين 15 يونيو 2026 11:07 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تترقب توقيع اتفاق مع واشنطن: تحديات الوحدة الداخلية واستحقاقات الملف النووي

تتسارع الخطوات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن عقب الإعلان عن مذكرة تفاهم تهدف إلى إنهاء حالة التوتر العسكري وتدشين مرحلة جديدة من التفاهمات السياسية. وقد بدأت ملامح الموقف الرسمي الإيراني تتضح بشكل أكبر، حيث تركز القيادة الإيرانية حالياً على ضرورة الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية لمواجهة التحديات التي قد تفرضها الاستحقاقات المقبلة.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماع موسع مع قيادات إعلامية محلية أن المرحلة الراهنة تتطلب وحدة الكلمة والابتعاد عن الانقسامات. وأوضح بزشكيان أن القرارات الكبرى المتعلقة بالأمن القومي وقضايا الحرب والسلم تخضع لإشراف مباشر من المرشد الأعلى والمجلس الأعلى للأمن القومي، وهي ملزمة لكافة الأطراف السياسية.

وتأتي هذه الدعوات للوحدة في ظل بروز أصوات معارضة داخلية، حيث شهدت بعض المدن الإيرانية تجمعات احتجاجية رفعت شعارات ترفض بنود مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة. وقد طالت الانتقادات شخصيات بارزة في الدولة، من بينهم وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، مما يعكس حالة من الجدل السياسي حول الجدوى من هذا الاتفاق.

من جانبها، تنظر الدوائر الرسمية في طهران إلى هذه المذكرة باعتبارها ثمرة سياسية لما تصفه بالإنجازات الميدانية التي تحققت خلال فترة التصعيد الأخيرة. وترى السلطات أن الأهداف الاستراتيجية تجاوزت المواجهة العسكرية المباشرة لتصل إلى فرض واقع جديد يضمن مصالح إيران الحيوية في المنطقة وممراتها المائية الدولية.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن الاتفاق يتضمن بنوداً جوهرية تتعلق بإعادة تشغيل الموانئ الإيرانية بشكل كامل ورفع القيود المفروضة عليها، بالإضافة إلى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وتعتبر طهران أن هذه الخطوات تكرس معادلة أمنية جديدة تمتد من الساحة اللبنانية وصولاً إلى باب المندب، مما يعزز نفوذها الإقليمي.

وينقسم المسار الزمني لتنفيذ التفاهمات إلى مرحلتين أساسيتين، حيث تركز المرحلة الأولى على الجوانب الإجرائية والأمنية العاجلة. وتشمل هذه المرحلة تثبيت وقف إطلاق النار على كافة الجبهات المشتعلة، والبدء بإجراءات بناء الثقة بين الأطراف الموقعة لضمان استمرارية الهدوء الميداني.

أما المرحلة الثانية، فتوصف بأنها الأكثر تعقيداً وحساسية، إذ تتعلق بشكل مباشر بتفاصيل الملف النووي الإيراني المثير للجدل. وستتناول المفاوضات في هذه المرحلة مستويات تخصيب اليورانيوم، وحجم المخزونات المتوفرة لدى طهران، بالإضافة إلى تحديد مصير أعداد أجهزة الطرد المركزي العاملة في المنشآت النووية.

وتتمسك طهران بمطالب حازمة تتعلق بضرورة الرفع الشامل لكافة أشكال العقوبات الأمريكية، سواء كانت أولية أو ثانوية، بالإضافة إلى العقوبات الدولية التي أُعيد تفعيلها. وتشدد المصادر الإيرانية على أن أي اتفاق نهائي يجب أن يقدم ضمانات تفوق ما كان منصوصاً عليه في الاتفاق النووي الموقع عام 2015.

وفيما يخص الجانب التقني، ترفض إيران بشكل قاطع أي مقترحات تهدف إلى تفكيك بنيتها التحتية النووية، مؤكدة حقها المشروع في امتلاك تكنولوجيا التخصيب للأغراض السلمية. ومن المتوقع أن تشهد هذه النقاط جولات مفاوضات شاقة ومطولة بين الخبراء من كلا الجانبين في العواصم الأوروبية.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، كشفت تقارير عن احتمالية عقد لقاءات تمهيدية في العاصمة القطرية الدوحة بين ممثلين عن واشنطن وطهران قبل مراسم التوقيع الرسمي. ومن المرجح أن تتبع هذه اللقاءات جولة مفاوضات تقنية موسعة في مدينة جنيف السويسرية لوضع اللمسات الأخيرة على الآليات التنفيذية للاتفاق الشامل.

فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

التربية الدينية إلكترونياً... هل بات امتحان "التوجيهي" أمام التحول نحو الرقمنة؟

صادق الخضور: الوزارة استكملت استعداداتها لضمان تنفيذ الامتحان بكفاءة وفي بيئة موحدة لجميع الطلبة والإعلان بهذا التوقيت مرده التحقق من استكمال الجاهزية التقنية
ثروت زيد: التجربة ستؤدي إلى زيادة الضغوط النفسية على الطلبة بحيث يتحول الامتحان إلى اختبار لقدرة الطالب على التعامل مع الأعطال التقنية والظروف الطارئة
خالد الشحاتيت: طبيعة الامتحان الإلكتروني ستنعكس إيجاباً على نتائج الطلبة ومن المتوقع ارتفاع المعدلات العامة مقارنة بالاختبارات الورقية
د. يحيى الصرفندي: إجراء امتحان التربية الدينية إلكترونياً يأتي في إطار التوجه نحو التحول الرقمي ومواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة
يوسف أبو راس: الامتحان الإلكتروني يوفر مستوى أعلى من النزاهة خاصة أنه يُعقد بقاعات رسمية وتحت رقابة مباشرة لكن الغش لن ينتهي بصورة كاملة
سهى الخفش: التجربة ليست جديدة بالكامل وجرى تطبيق النظام نفسه في غزة خلال أربع دورات سابقة بمختلف المباحث دون تسجيل ملاحظات أو مشكلات
جودت صيصان: التحدي الأساسي لا يتعلق بفكرة الامتحان الإلكتروني ذاتها وإنما بتوقيت تطبيقها وجاهزية البيئة التعليمية لاستقبالها


رام الله - خاص بـ"القدس"- يفتح قرار وزارة التربية والتعليم العالي اعتماد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة هذا العام، باباً واسعاً للنقاش حول مستقبل بقية الامتحانات وآليات تطويرها، في ظل سعي وزارة التربية والتعليم إلى مواكبة التحول الرقمي وتوظيف التكنولوجيا في عمليات التقييم.
وبينما تؤكد الوزارة جاهزيتها الفنية والتقنية لتنفيذ الامتحان، تتباين مواقف الخبراء التربويين في أحاديث منفصلة مع"القدس"، بين مؤيد يرى في الخطوة بداية ضرورية للتحديث، ومتحفظ يدعو إلى مزيد من الإعداد والتدرج قبل تعميم التجربة.
ويجمعون على أن النظام الإلكتروني يحمل مزايا عديدة، أبرزها تسريع عمليات التصحيح وإعلان النتائج، وتقليل الأعباء المالية والإدارية، وتوفير قدر أكبر من الدقة في رصد العلامات، إلى جانب الحد من بعض أشكال الغش التقليدية عبر استخدام تطبيقات مخصصة وإجراءات رقابية وتقنية داخل القاعات.
ويعتبر مؤيدو التجربة أنها تمثل فرصة لاختبار جاهزية النظام التعليمي الفلسطيني للانتقال نحو أنماط تقييم أكثر ارتباطاً بالتكنولوجيا الحديثة.
في المقابل، يثير القرار مخاوف لدى عدد من التربويين الذين يرون أن توقيت تطبيقه قبيل الامتحانات الوزارية خلق حالة من القلق والإرباك بين الطلبة وأولياء الأمور، خاصة في ظل عدم اعتياد الطلبة على هذا النمط من الاختبارات خلال العام الدراسي.
ويحذرون من أن نجاح التجربة لا يعتمد على الجانب التقني فقط، بل يرتبط بقدرتها على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص وقياس المهارات المعرفية بصورة متوازنة.


تطوير استراتيجية التعليم الإلكتروني

يؤكد الوكيل المساعد للشؤون الطلابية في وزارة التربية والتعليم العالي والناطق الرسمي باسم الوزارة صادق الخضور أن قرار عقد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة يأتي في إطار تنفيذ ما تبناه مجلس الوزراء من أهمية تطوير استراتيجية التعليم الإلكتروني بما يضمن اللجوء إليه كخيار مسند ومعزز، وبما يشمل الاهتمام بجزئية التقييم الإلكتروني التي ظل عدم الاهتمام بها في فترات سابقة مأخذاً، مؤكداً أن الوزارة استكملت استعداداتها لضمان تنفيذ الامتحان بكفاءة وفي بيئة موحدة لجميع الطلبة.
ويشير الخضور إلى أن الإعلان عن الامتحان الإلكتروني في هذا التوقيت مرده التحقق من استكمال الجاهزية التقنية، ورفع مستوى موثوقية النظام الإلكتروني، والتأكد من قدرته على دخول جميع طلبة الثانوية العامة دون حدوث مشكلات فنية قد تؤثر على سير الامتحان.
ويؤكد الخضور أن الطواقم الفنية والتقنية واصلت العمل خلال الفترة الماضية على تجهيز المدارس وفحص جاهزية القاعات ومتابعة مختلف التفاصيل المرتبطة بالتطبيق، بما يشمل الطلبة النزلاء في مراكز الإصلاح والتأهيل.

تجربة ليست جديدة

ويشدد الخضور على أن التجربة ليست جديدة بالكامل، إذ سبق تطبيق امتحان التربية الدينية والعلوم وأحكامه إلكترونياً على مدار أربع دورات في قطاع غزة، دون تسجيل ملاحظات تتعلق بصعوبة الأسئلة أو آلية التقديم، الأمر الذي منح الوزارة مؤشرات إيجابية بشأن إمكانية تعميم التجربة.

مزايا متعددة

ويبيّن الخضور أن الامتحان الإلكتروني يوفر مزايا متعددة، أبرزها التصحيح المباشر عبر التطبيق، ما يختصر الوقت والجهد والتكاليف، مؤكداً أن جميع قاعات الامتحانات في المحافظات المختلفة أصبحت جاهزة من الناحيتين الفنية والتقنية، بما يضمن توفير مستوى موحد من الاستعدادات في المدن والقرى والمناطق المستهدفة، مشيراً إلى أن بعض المديريات، أنهت جاهزيتها الكاملة مبكراً.
ويؤكد الخضور أن الامتحان سيشمل طلبة الضفة الغربية بما فيها القدس في مبحثي التربية الدينية الإسلامية والمسيحية، إضافة إلى طلبة الفرع الشرعي في مبحث القرآن الكريم وعلومه، وكذلك طلبة قطاع غزة الموجودين خارج الوطن، والبالغ عددهم نحو ألفي طالب موزعين على 46 سفارة حول العالم.

فرق دعم فني في جميع المدارس

وبحسب الخضور، فإن وزارة التربية والتعليم العالي وفرت فرق دعم فني في جميع المدارس للتعامل مع أي إشكاليات محتملة، كما اتخذت إجراءات تقنية ورقابية تضمن موثوقية النظام، موضحاً أن التطبيق الذي يجرى وفقه الامتحان سيواصل العمل حتى في حال انقطاع الكهرباء أو الإنترنت، بينما يتطلب إرسال الإجابات النهائية توفر الاتصال بالشبكة.

ترتيبات خاصة لذوي الإعاقة

وفيما يتعلق بالطلبة ذوي الإعاقة، يوضح الخضور أن الوزارة وضعت ترتيبات خاصة لضمان تكافؤ الفرص، بما في ذلك توفير معلمين لمساندة الطلبة  أثناء الامتحان، مؤكداً أن الامتحان أُعد وفق جدول مواصفات وضعه خبراء ومشرفون تربويون متخصصون، وسيتكون من 50 فقرة اختيار من متعدد مع إمكانية العودة إلى الأسئلة وتعديل الإجابات، داعياً الطلبة إلى تحميل التطبيق المعتمد والاستعداد لخوض التجربة بثقة وطمأنينة، مؤكدا أن الوزارة تتفهم أي ملاحظة موضوعية مرتبطة بالنظام.

توجه قائم على اعتبارات إدارية واقتصادية

يعتبر الخبير التربوي أ. ثروت زيد أن قرار وزارة التربية والتعليم العالي عقد امتحان التربية الدينية لطلبة الثانوية العامة إلكترونياً داخل القاعات يعكس توجهاً قائماً على اعتبارات إدارية واقتصادية أكثر من كونه إصلاحاً تربوياً متكاملاً، محذراً من أن تطبيق التجربة في صورتها الحالية قد يثير إشكاليات تتعلق بالعدالة التربوية وتكافؤ الفرص والنزاهة التقييمية.
ويوضح زيد أن الدوافع الكامنة خلف القرار تتمثل في السعي إلى تقليص النفقات المرتبطة بالطباعة والتصحيح والإجراءات اللوجستية للامتحانات، إلى جانب الرغبة في تسريع إصدار النتائج وتعزيز صورة التحديث الرقمي للمؤسسة التعليمية.
ويرى زيد أن هذا التوجه يحول التكنولوجيا من أداة لتطوير العملية التعليمية إلى وسيلة لتحقيق أهداف إدارية وتقشفية، لافتاً إلى أن اعتماد الامتحان الإلكتروني في مبحث واحد قد يكون مقدمة لتوسيع التجربة على بقية المباحث مستقبلاً.
ويرى زيد أن اختيار مبحث التربية الدينية قد يفتح الباب لتأويلات تضر بالنسيج الاجتماعي، وتخلق أزمة ثقة مع المؤسسة التربوية بدواعي الانصياع لشروط سياسية خارجية.

مخاوف من الغش

وفيما يتعلق بالنزاهة، يشكك زيد في اعتبار الأتمتة ضمانة كافية لمنع الغش، مؤكداً أن الإجراءات التقنية، مهما بلغت من التطور، لا تكفي وحدها لحماية صدقية الامتحان في ظل غياب الهندسة الفيزيائية وشاشات الحماية داخل القاعات.
ويؤكد زيد أن الغش قد ينتقل من أشكاله التقليدية إلى أنماط جديدة أكثر سرعة وتعقيداً، ما قد يؤثر على الصدق البنيوي للاختبار.
ويبدي زيد تحفظات على جاهزية بنك الأسئلة وقدرته على إنتاج نماذج متعددة بصورة سريعة دون إخضاعها لمعايير إحصائية دقيقة تقيس مستويات الصعوبة والتمييز، معتبراً أن ذلك قد ينعكس على مبدأ العدالة بين الطلبة ويؤدي إلى تفاوت غير مبرر في فرصهم.
ويتطرق زيد إلى المقارنات التي تُعقد مع اختبارات دولية مثل "SAT"، مشيراً إلى أن تلك الاختبارات تستند إلى مؤسسات مستقلة وبنوك أسئلة خضعت لعمليات معايرة طويلة، كما أنها لا تشكل المعيار الوحيد للقبول الجامعي.

تحذيرات من الضغوط النفسية

ويتوقع زيد أن تؤدي التجربة إلى زيادة الضغوط النفسية على الطلبة، بحيث يتحول الامتحان من أداة لقياس التحصيل المعرفي إلى اختبار لقدرة الطالب على التعامل مع الأعطال التقنية والظروف الطارئة.
ويحذر زيد من تأثير الفوارق التكنولوجية بين الطلبة، ومن اختزال مبحث ذي أبعاد قيمية وفكرية في أسئلة مغلقة قد تعزز الحفظ وتحد من التفكير النقدي والتحليلي.

أهمية بناء نظام تقييم شامل ومتدرج

ويؤكد زيد أن الإصلاح الحقيقي لنظام الثانوية العامة "التوجيهي" لا يكمن في التحول بالامتحان التقليدي، بل في بناء نظام تقييم شامل ومتدرج يقيس مهارات التفكير والتحليل والإبداع، وينتقل من التركيز على إتقان المحتوى إلى التعلم العميق، داعياً إلى اعتماد التقييم التراكمي بوصفه بديلاً أكثر عدالة وقدرة على توظيف التكنولوجيا لخدمة التعليم وتطوير قدرات الطلبة.

تساؤلات عن الخطوة المفاجئة

يعتبر الخبير التربوي ومدير مدرسة الشهيد ماجد أبو شرار الثانوية للذكور في مدينة دورا خالد الشحاتيت أن الدوافع الحقيقية وراء قرار عقد وزارة التربية والتعليم العالي امتحان التربية الإسلامية لطلبة الثانوية العامة إلكترونياً هذا العام لا تزال غير واضحة بصورة كاملة، رغم أن التبريرات التي قُدمت عبر وسائل الإعلام ركزت على أن ذلك لتسريع عملية عقد الامتحان وتصحيحه وخفض التكاليف المرتبطة بإدارة امتحانات الثانوية العامة.
ويوضح الشحاتيت أن هذه الخطوة تختلف عما أُبلغت به المدارس والطلبة منذ بداية العام الدراسي، مشيراً إلى أن التعليمات الرسمية التي وُزعت آنذاك لم تتضمن أي نص يتعلق بعقد امتحانات إلكترونية أو تغيير في شكل الامتحانات المعتمد، الأمر الذي أثار تساؤلات لدى العديد من المعنيين بالعملية التعليمية.

خطوة نحو تعزيز النزاهة

وفيما يتعلق بنزاهة الامتحان حين عثده بهذه الطريقة، يشدد الشحاتيت على أن القوانين التربوية وأخلاقيات مهنة التعليم تقتضي توفير أعلى درجات النزاهة والعدالة بين الطلبة، لافتاً إلى أن اعتماد بنك أسئلة إلكتروني وتغيير ترتيب الفقرات من طالب إلى آخر يمكن أن يسهم في تعزيز هذه النزاهة.
ويرجح الشحاتيت أن تنعكس طبيعة الامتحان الإلكتروني إيجاباً على نتائج الطلبة، متوقعاً ارتفاع المعدلات العامة مقارنة بالاختبارات الورقية.
ويرى الشحاتيت أن أي تطوير في نظام الثانوية العامة يصب في مصلحة الطلبة يعد خطوة إيجابية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الفلسطينيون، مؤكداً أن نجاح التجربة يتطلب استعداداً تقنياً ومادياً ونفسياً شاملاً.

ضرورة الإعداد الجيد

ويشير الشحاتيت إلى أن نجاح أي فكرة تربوية يرتبط بحسن الإعداد لها قبل الترويج لها، محذراً من أن غياب التحضير الكافي قد يدفع إلى الدخول في جدل للدفاع عن القرار بدلاً من التركيز على مبرراته وأهدافه.
ويوضح الشحاتيت أن القرار أصبح واقعاً، ما يستدعي توجيه الجهود نحو إنجاح التجربة وتجاوز حالة الإرباك لدى الطلبة، معرباً عن ثقته بأن تكامل العمل داخل الأسرة التربوية سيسهم في تحقيق ذلك، على أن تخضع التجربة لاحقاً للتقييم والمراجعة وفق نتائجها الفعلية.

التوجه نحو التحول الرقمي

يؤكد الخبير التربوي د.يحيى الصرفندي أن قرار وزارة التربية والتعليم العالي عقد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة هذا العام يأتي في إطار التوجه نحو التحول الرقمي ومواكبة التطورات التكنولوجية المتسارعة، معتبراً أن الخطوة تعكس رغبة الوزارة في بناء بدائل تعليمية وتقييمية قادرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية التي قد تواجه العملية التعليمية مستقبلاً.
ويوضح الصرفندي أن من أبرز الدوافع التي تقف خلف القرار سعي الوزارة إلى تهيئة البيئة التعليمية للتعامل مع النظم الإلكترونية بعد التجارب التي مرت بها فلسطين خلال جائحة كورونا وما رافقها من إغلاقات وتعطيل للتعليم الوجاهي، إضافة إلى الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي قد تفرض في أي وقت اللجوء إلى بدائل رقمية.

العامل المالي أحد الأسباب المهمة

ويشير الصرفندي إلى أن العامل المالي يشكل أحد الأسباب المهمة، نظراً لما يوفره الامتحان الإلكتروني من تقليل لكلف الطباعة والتصحيح والرصد، فضلاً عن إمكانية استخراج النتائج بصورة أسرع وأكثر سهولة.
ويلفت الصرفندي إلى أن التعليم الإلكتروني ليس أمراً جديداً على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، إذ جرى تطبيقه سابقاً في المدارس والجامعات وما زال، كما تم استخدام الامتحانات الإلكترونية في مؤسسات التعليم العالي خلال فترات سابقة، رغم ما رافق التجارب الأولى من تحديات وصعوبات تقنية وتنظيمية.

تفاؤل بإمكانية نجاح التجربة

وفي تقييمه لفرص نجاح التجربة، يعرب الصرفندي عن تفاؤله بإمكانية نجاحها، مشيراً إلى أن الامتحان سيُعقد داخل المدارس وتحت إشراف مباشر من المراقبين، بخلاف التجارب التي نُفذت سابقاً من المنازل، الأمر الذي يعزز من مستوى الضبط والمتابعة.
ويؤكد الصرفندي أنه إذا توفرت البنية التحتية التقنية والأجهزة والكوادر الفنية في قاعات الامتحان يسهم في توفير بيئة مناسبة لتنفيذ الامتحان، مع استثناء بعض المناطق التي تعاني ظروفاً استثنائية.

أسئلة الاختيار من متعدد مهمة.. ولكن


ويوضح الصرفندي أن أسئلة الاختيار من متعدد المعتمدة في الامتحان تعد من أكثر أنماط التقييم الموضوعية شيوعاً على المستوى العالمي، لما توفره من عدالة في التصحيح وإمكانية حصول جميع الطلبة على التقييم ذاته بعيداً عن الاجتهادات الفردية.
في المقابل، يشير الصرفندي إلى أن الاقتصار على هذا النمط من الأسئلة يحرم الامتحان من التنوع الذي يفضل توفره في مواصفات الامتحان؛ كالأسئلة المقالية والصواب والخطأ وغيرها من الأنماط التي تراعي الفروق الفردية بين الطلبة وتقيس مهارات تفكير متعددة.

خطوة مهمة تقلص الغش

وبشأن النزاهة والحد من الغش، يوضح الصرفندي أن إجراء الامتحان داخل القاعات وتحت الرقابة المباشرة، إلى جانب استخدام تطبيقات إلكترونية مخصصة وإجراءات تقنية للحد من الوصول إلى مصادر خارجية، من شأنه أن يقلص فرص الغش إلى حد كبير.
ورغم إقراره بأن محاولات الغش الإلكتروني قد تظل قائمة بأشكال مختلفة، فإن الصرفندي يرى أن الضوابط التقنية والرقابية المتاحة قادرة على الحد منها وإبقائها ضمن مستويات منخفضة جداً.

إمكانية عودة الطالب إلى الأسئلة السابقة

ويشير الصرفندي إلى أنه من المزايا الإيجابية التي يوفرها النظام الإلكتروني إمكانية عودة الطالب إلى الأسئلة السابقة وتعديل إجاباته قبل إنهاء الامتحان، الأمر الذي يمنحه مرونة أكبر أثناء التقديم.

أهمية تكيف الطلبة والاستعداد للامتحان

ويدعو الصرفندي الطلبة إلى تكييف أساليب دراستهم مع طبيعة أسئلة الاختيار من متعدد والتركيز على فهم المادة وتنظيم، وتخزين المعلومات بطريقة تساعدهم على التعامل مع هذا النمط من التقييم.
ويؤكد الصرفندي أن النتائج المتوقعة للامتحان ستكون إيجابية في المجمل، خاصة أن مبحث التربية الدينية يعد من المباحث التي يحقق فيها الطلبة عادة مستويات مرتفعة من التحصيل، معرباً عن اعتقاده بأن التجربة قد تحقق نتائج إيجابية وربما تكون في مصلحة الطلبة أكثر من النظام الورقي التقليدي إذا جرى تنفيذها وفق المعايير والإجراءات المعلنة، معرباً عن خالص دعائه لأبنائنا الطلبة بالنجاح بأعلى العلامات.

تطوير منظومة التقييم الوطنية

يعتبر الخبير التربوي أ. يوسف أبو راس أن قرار وزارة التربية والتعليم العالي اعتماد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة لعام 2026، يأتي في سياق توجه استراتيجي نحو التحول الرقمي وتطبيق سياسات التعليم الإلكتروني، موضحاً أن الوزارة تستند في هذا التوجه إلى جملة من الاعتبارات التربوية والإدارية والتقنية الهادفة إلى تطوير منظومة التقييم الوطنية وتحسين كفاءتها.
ويوضح أبو راس أن من أبرز الدوافع التي تقف وراء القرار إدخال أدوات التقييم الإلكتروني ضمن منظومة الامتحانات الرسمية، ورفع كفاءة إدارة الامتحانات من خلال التصحيح الآلي والفوري للإجابات، بما يسهم في اختصار الوقت والجهد اللازمين لعمليات التصحيح والرصد وإعلان النتائج، إضافة إلى تقليل النفقات المرتبطة بالطباعة والنقل والتصحيح اليدوي، والبناء على تجارب إلكترونية سابقة اعتُبرت ناجحة، فضلاً عن تعزيز الدقة والعدالة عبر الحد من الأخطاء البشرية المرتبطة بالتصحيح التقليدي.
ويشير أبو راس إلى أن الوزارة أكدت عدم اتخاذ القرار إلا بعد استكمال الجاهزية التقنية والتأكد من قدرة النظام على استيعاب جميع الطلبة، مستندة إلى تجارب إلكترونية سابقة نُفذت في قطاع غزة في ظروف استثنائية.

أهمية آليات التنفيذ ومستوى الجاهزية الميدانية

ويشدد أبو راس على أن نجاح التجربة لا يرتبط بفكرة الامتحان الإلكتروني بحد ذاتها، بقدر ما يرتبط بآليات التنفيذ ومستوى الجاهزية الميدانية.
ويشير أبو راس إلى أن الامتحان الإلكتروني يوفر مستوى أعلى من النزاهة مقارنة بالنظام التقليدي، خاصة أنه يُعقد داخل قاعات رسمية وتحت رقابة مباشرة، ما يقلل من فرص تبادل الإجابات والتلاعب بعمليات التصحيح والرصد. ويرى أبو راس أن اعتماد أسئلة الاختيار من متعدد يتيح تصحيحاً آلياً موحداً لجميع الطلبة، الأمر الذي يعزز العدالة في التقييم.

الغش لن يختفي بصورة كاملة

ويرى أبو راس أن الغش لن يختفي بصورة كاملة، إذ إن الحد منه يتطلب إجراءات صارمة تشمل كفاءة المراقبة، ومنع إدخال الهواتف والسماعات الذكية، وتأمين الشبكات والأجهزة، وتنظيم توزيع الطلبة داخل القاعات، إلى جانب اعتماد ترتيبات عشوائية للأسئلة والإجابات للحد من فرص التعاون غير المشروع بين الطلبة.
ويتوقع أبو راس أن تحقق التجربة عدة نتائج إيجابية، من بينها تسريع إعلان النتائج، وخفض التكاليف التشغيلية، وتعزيز خبرات الطلبة والمعلمين في مجال التقييم الرقمي، وفتح المجال أمام تحويل مباحث أخرى إلى النمط الإلكتروني مستقبلاً، فضلاً عن توفير بيانات دقيقة حول أداء الطلبة في كل سؤال.

تحديات تتعلق بالقلق النفسي لدى الطلبة

ويحذر أبو راس من تحديات تتعلق بالقلق النفسي لدى الطلبة غير المعتادين على هذا النوع من الامتحانات، إضافة إلى احتمالية حدوث أعطال تقنية أو تفاوت في المهارات الرقمية بين الطلبة.

توقيت الإعلان يثير الجدل

ويؤكد أبو راس أن الجدل الذي رافق القرار يعود بدرجة كبيرة إلى توقيت الإعلان عنه، إذ شعر كثير من الطلبة وأولياء الأمور بأن التغيير جاء متأخراً ودون تدريب كافٍ.
ويشدد أبو راس على أن التقييم الحقيقي للتجربة سيكون بعد انتهاء الدورة الحالية، من خلال قياس عدد الأعطال والشكاوى ومستوى الرضا في المجتمع والميدان التربوي ومدى انعكاس ذلك على نتائج الطلبة وعدالة الامتحان.

حالة من الارتباك والقلق


توضح الخبيرة التربوية أ. سهى الخفش أن الإعلان المفاجئ عن عقد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة قبل أيام قليلة من انطلاق الامتحانات الوزارية تسبب بحالة من الارتباك والقلق بين الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين، خاصة أن القرار جاء مغايراً لطبيعة الامتحان التي أُعلنت منذ بداية العام الدراسي واعتمد الطلبة عليها في استعداداتهم.
وتشير الخفش إلى أن اعتماد أسئلة الاختيار من متعدد قد يمنح الطلبة قدراً أكبر من السهولة مقارنة بالنمط التقليدي، إلا أن العديد منهم أمضوا وقتاً وجهداً كبيرين في حفظ الأدلة الشرعية والنصوص القرآنية والأحاديث النبوية بصورة حرفية وفق متطلبات الامتحانات المعتادة، الأمر الذي جعل التحول المفاجئ يثير تساؤلات ومخاوف لدى شريحة واسعة من الطلبة.

توفير الوقت والجهد على المعلمين

وتلفت الخفش إلى أن من أبرز الأسباب التي تقف خلف القرار تبني وزارة التربية والتعليم لاستراتيجية التعليم الإلكتروني التي يجري العمل بها في مؤسسات التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب سعيها لتقليل الأعباء المالية المرتبطة بتصحيح الامتحانات وتوفير الوقت والجهد على المعلمين، فضلاً عن تسريع إعلان النتائج من خلال التصحيح الإلكتروني المباشر.
وتؤكد الخفش أن التجربة ليست جديدة بالكامل، إذ جرى تطبيق النظام نفسه في قطاع غزة خلال أربع دورات سابقة وفي مختلف المباحث دون تسجيل ملاحظات تتعلق بصعوبة الأسئلة أو حدوث مشكلات تقنية، رغم الظروف الاستثنائية التي يعيشها الطلبة هناك.
ورغم تأكيدات الوزارة بشأن الجاهزية التقنية وتوفير فرق دعم فني وزيادة أعداد المراقبين للحفاظ على نزاهة الامتحان والحد من الغش، ترى الخفش أن حالة القلق ما زالت قائمة بسبب عدم تعود الطلبة على هذا النمط من الاختبارات خلال العام الدراسي.

توقعات بنتائج مرضية

ومع ذلك، تتوقع الخفش أن تكون النتائج النهائية إيجابية ومرضية، وأن تمهد التجربة لتوسيع نطاق الامتحانات الإلكترونية في مباحث أخرى خلال السنوات المقبلة.

خطوة مهمة وجريئة

يؤكد الخبير التربوي ومدير مركز "يوسمارت" للتدريب أ. جودت صيصان أن اعتماد امتحان التربية الدينية إلكترونياً لطلبة الثانوية العامة لعام 2026 يمثل خطوة مهمة وجريئة في مسار التحول الرقمي في قطاع التعليم، إلا أن التجربة لا تزال بحاجة إلى مزيد من النضج والاستعدادات لضمان تحقيق أهدافها التربوية بشكل كامل.
ويوضح صيصان أن المبررات التي قدمتها وزارة التربية والتعليم لاعتماد الامتحان الإلكتروني، والمتمثلة في تعزيز التحول الرقمي، وتقليل الكلف المالية، وتسريع إعلان النتائج، تعد دوافع منطقية ومتسقة مع التوجهات التعليمية الحديثة، مشيراً إلى أن تطبيق مثل هذه الخطوات كان من الممكن أن يتم في وقت أبكر أسوة بالعديد من الأنظمة التعليمية الأخرى، كما أن الاستفادة من الخبرات المتراكمة في إدارة الامتحانات خلال الظروف الاستثنائية تعكس قدرة المؤسسة التعليمية على التكيف والتطوير.
ويلفت صيصان إلى أن التحدي الأساسي لا يتعلق بفكرة الامتحان الإلكتروني ذاتها، وإنما بتوقيت تطبيقها وجاهزية البيئة التعليمية لاستقبالها، خاصة أن القرار يأتي في مرحلة حساسة ومفصلية بالنسبة لطلبة الثانوية العامة، ما قد يضيف أعباء نفسية وتقنية جديدة على الطلبة، في ظل تفاوت مستويات المهارات الرقمية والبنية التحتية بين المدارس.

أدوات مهمة للحد من الغش

وفيما يتعلق بالنزاهة، يعتبر صيصان أن الإجراءات التقنية المعتمدة، مثل بعثرة الأسئلة واستخدام التطبيقات المغلقة، تشكل أدوات مهمة للحد من الغش، لكنها لا تمثل حلاً كاملاً للمشكلة، مؤكداً أن النزاهة الحقيقية ترتبط أيضاً ببناء ثقافة تقييم قائمة على قياس الفهم والتحليل وليس الحفظ والاستذكار فقط.
ويؤكد صيصان أن نجاح التجربة لن يقاس بسرعة تنفيذها، بل بقدرة الوزارة على المتابعة والتقييم المستمر ومعالجة الفجوات التقنية والنفسية وتحقيق العدالة بين جميع الطلبة.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

الأزمة المالية الفلسطينية: يد واحدة لا تصفق


من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى الحكومة وتحميل وزارة المالية مسؤولية كل تأخير في الرواتب أو تراجع في الخدمات العامة، لكن الأصعب هو قراءة المشهد المالي الفلسطيني بكامل تعقيداته وفهم حجم الضغوط الاستثنائية التي تواجهها المالية العامة في هذه المرحلة. فقبل إصدار الأحكام على أي أداء مالي، لا بد من التوقف عند طبيعة الموارد المتاحة وحجم التحديات التي تعصف بها.
تعتمد الموازنة الفلسطينية بشكل رئيس على ثلاثة مصادر أساسية للتمويل، هي: أموال المقاصة التي يجبيها الاحتلال الإسرائيلي نيابة عن الحكومة الفلسطينية، والإيرادات المحلية المتأتية من الضرائب والرسوم والخدمات، إضافة إلى المنح والمساعدات الخارجية.
وفي الظروف الطبيعية، تشكل أموال المقاصة ما بين 65% و70% من إجمالي الإيرادات العامة، بمتوسط شهري يتراوح بين 800 و900 مليون شيكل، ما يجعلها العمود الفقري للمالية العامة الفلسطينية، والعامل الأكثر تأثيراً في قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها المالية.
إلا أن الواقع المالي الراهن يبتعد كلياً عن أي ظروف اقتصادية طبيعية. فالاحتلال يواصل احتجاز واقتطاع أجزاء كبيرة من أموال المقاصة في إطار سياسة تستهدف تقويض قدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار، في وقت يشهد فيه الدعم الخارجي تراجعاً غير مسبوق مقارنة بالسنوات الماضية، بالتزامن مع انخفاض الإيرادات المحلية نتيجة الانكماش الاقتصادي وتداعيات الحرب على قطاع غزة.
وأمام هذا المشهد، وجدت الحكومة الفلسطينية نفسها أمام واحدة من أعقد الأزمات المالية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، بعدما تعرضت مصادر الإيرادات الثلاثة لضغوط متزامنة وغير مسبوقة في آن واحد.
وفي ظل هذه الظروف، لا تدير وزارة المالية أزمة سيولة عابرة أو عجزاً مالياً تقليدياً، بل تواجه تحدياً بنيوياً يمس قدرة المالية العامة على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها الأساسية. فهي مطالبة بتأمين نسبة من رواتب الموظفين العموميين، وتوفير النفقات التشغيلية للمؤسسات الحكومية، والحفاظ على الخدمات الأساسية التي يستفيد منها أكثر من 5.5 مليون فلسطيني، والاستمرار في الوفاء بالالتزامات المالية رغم محدودية الموارد وتعاظم الضغوط.
ولذلك اضطرت الحكومة خلال فترات طويلة إلى صرف الرواتب بنسب تراوحت بين 50% و70% من الراتب المستحق، ليس تجاهلاً لحجم المعاناة التي يعيشها الموظفون وأسرهم، وإنما في محاولة لإدارة الموارد المحدودة بأعلى قدر ممكن من الكفاءة، وتوزيعها على أكبر عدد من الالتزامات الأساسية، بما يحول دون الانهيار الكامل للخدمات العامة أو توقف صرف المستحقات بصورة تامة.
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لا يعفي الحكومات المتعاقبة من المسؤولية. فمن حق المواطنين أن يتساءلوا: لماذا لم يتم الاستعداد لمثل هذه المرحلة؟ ولماذا لم تُبنَ سياسات اقتصادية أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات؟ ولماذا بقي الاقتصاد الفلسطيني رهينة لعوامل خارجية بهذا الحجم؟
هذه أسئلة مشروعة، وبعض المسؤولية يقع بالفعل على الحكومات المتعاقبة التي لم تنجح في بناء اقتصاد أكثر استقلالية أو في تطوير بدائل كافية للتعامل مع الأزمات طويلة الأمد. غير أن الإقرار بهذه المسؤولية لا ينبغي أن يحجب العامل الأكثر تأثيراً في الأزمة، والمتمثل في السياسات الإسرائيلية التي تستهدف بشكل مباشر قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو والاستدامة.
فمن غير المنطقي أن يتحول الاحتلال، الذي احتجز أو اقتطع ما يزيد على 13.8 مليار شيكل من الأموال الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، ويقيد الحركة والتجارة، ويصادر الأراضي، ويقوض فرص الاستثمار والتنمية، إلى عامل ثانوي في النقاش العام، بينما تصبح الحكومة وحدها المتهم الأول والأخير في كل أزمة مالية أو اقتصادية.
النقد ضروري، والمساءلة حق مشروع، لكن العدالة تقتضي وضع المسؤوليات في سياقها الحقيقي، بعيداً عن التبسيط أو اختزال المشهد في طرف واحد.
الإشكالية الحقيقية أن جانباً واسعاً من النقاش العام بات منشغلاً بتوصيف الأزمة أكثر من الانشغال بمسارات التعامل معها والتخفيف من آثارها. فالجميع يتحدث عن حجم المشكلة، بينما يتراجع الحديث عن البدائل الممكنة، أو عن الأفكار والمبادرات التي يمكن أن تسهم في تعزيز القدرة على الصمود ومواجهة التداعيات المتفاقمة للأزمة.
وفي ظل حرب اقتصادية تستهدف الإنسان الفلسطيني ومؤسساته وموارده، تصبح الحاجة إلى التفكير الجماعي في الحلول أكثر إلحاحاً من تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بتوصيف الواقع.
كما أن الجمهور بحاجة إلى معرفة أوسع وأعمق بتفاصيل الأزمة المالية. ففهم التحديات لا يعني تبريرها أو القبول بها، لكنه يساعد على تقييمها بصورة أكثر واقعية وموضوعية. والمواطن الذي يمتلك المعلومات الدقيقة يكون أكثر قدرة على المشاركة في النقاش العام، وأكثر استعداداً لتقديم المقترحات والحلول، وأقل عرضة للشائعات والمعلومات المضللة التي تزدهر عادة في أوقات الأزمات.
ولم تعد المواجهة تقتصر على أبعادها العسكرية والسياسية، بل اتخذت بعداً اقتصادياً مباشراً يستهدف مقومات الصمود المجتمعي وقدرة الفلسطينيين على الاستمرار والإنتاج والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. إنها حرب تستهدف الموظف والعامل والتاجر والمزارع، كما تستهدف المؤسسات والخدمات والموارد وفرص التنمية، وتسعى إلى إضعاف الثقة والأمل والاستقرار بقدر ما تستهدف الاقتصاد نفسه.
ورغم كل الانتقادات المشروعة، يواصل آلاف الموظفين في المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتهم العاملون في وزارة المالية، أداء مهامهم اليومية لإدارة أزمة مالية شديدة التعقيد والتشابك، وهي أزمة كان من شأنها أن ترهق دولاً تمتلك موارد وإمكانات أكبر بكثير. وقد نختلف مع بعض السياسات أو القرارات، لكن من الإنصاف الاعتراف بأن إدارة هذا الواقع الاستثنائي ليست مهمة سهلة.
المطلوب اليوم ليس التوقف عن النقد، بل الارتقاء به. فالنقد الذي يكتفي بتشخيص المشكلات دون تقديم بدائل يبقى ناقصاً، أما النقد المسؤول فهو الذي يجمع بين المساءلة والاقتراح، وبين كشف الخلل والمساهمة في معالجته، بما يعزز القدرة الوطنية على الصمود والمواجهة.
إن إدارة الأزمة المالية الفلسطينية ليست مسؤولية وزارة المالية وحدها، بل هي تحدٍ وطني يتطلب شراكة حقيقية بين المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص والخبراء والأكاديميين والإعلام والمواطنين. فالمساءلة تظل حقاً أصيلاً للمواطن، كما أن الشفافية تبقى واجباً على المؤسسات، لكن مواجهة التحديات الاستثنائية تتطلب أيضاً وعياً جماعياً بحجم المخاطر وطبيعة التحديات.
فالأزمات الكبرى لا تُواجَه بالاتهامات المتبادلة، بل بتكامل الجهود وتوحيد الطاقات الوطنية. وفي ظل حرب تستهدف الأرض والإنسان والاقتصاد معاً، يصبح تعزيز الصمود الاقتصادي مسؤولية وطنية مشتركة، لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى يخوضها الشعب الفلسطيني دفاعاً عن مستقبله وحقه في الحياة الكريمة.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

القدس في الإعلام العربي (إعلان "القدس عاصمة الإعلام العربي".. بلا مضمون)


أزعم أن القدس ما فتئت غائبة، إلى حدّ ما، عن خطابنا الإعلامي والفكري والسياسي الوطني والثقافي، ويتم تناولها بشكل موسمي ومناسباتي. والمدينة مستهدفة باستراتيجية احتلالية حاسمة، وما زالت تحت المطرقة الصهيونية الثقيلة وظلالها السوداء.
والسؤال اليوم، وبمناسبة "القدس عاصمة الإعلام العربي": كيف تناولت الصحافة الفلسطينية والعربية مدينة القدس؟
وأكاد أقول: لقد بقي التعامل مع القدس والتعاطي مع ما يخصها إعلامياً موسميّاً، وفي المناسبات، وبطريقة ردّ الفعل، ما يظهر غياب المنهاج والرؤية وتوفير ما يلزم لاستراتيجية وازنة، واعية، متكاملة، بوصلتها القدس. ونلاحظ أن صحافة ما قبل أوسلو هي صحافة ناقلة وليست مؤصِّلة أو رائية أو مستشرفة، ولم تفطن كثيراً لما يعدّه الاحتلال للمدينة المقدسة. إنها صحافة السطح وليس العمق. كما أنها صاحبة خطاب مشغول باللحظة المتفجرة الدامية والضرورة. وهي صحافة لا تستند إلى البحث والدراسة، وقد استمرأت قاموس السياسي والوطني. عداك عن أنها صحافة الموضوعات السريعة وغير المتواصلة أو المتصلة. وهي صحافة "علاقات عامة" أكثر منها صحافة مهنية، وتبرر أحياناً وتنافح بنفَس فصائلي في بعض الأحايين. وهي صحافة أقرب إلى الكتابة الميدانية التثويرية، لكنها صحافة وطنية بامتياز ومنحازة للثورة والشعب والمقاومة. كما أنها متعددة المصطلحات، وتذهب أحياناً نحو الترميز، وتمجّد الصورة المفترضة عن الفلسطيني، بل إن خطابها يعجّ بالفلسطنة، ويطغى فيه السياسي على الثقافي أو الفكري.
أما الصحافة الفلسطينية ما بعد أوسلو، أي بعد أن تكشفت المخططات الاحتلالية وظهرت نوازع الشر الإسرائيلية التي تستهدف القدس بكثافة، فقد صارت الصحافة أكثر انتباهاً لما يمور في المدينة المقدسة، وبكيفية أكثر مهنية وحرفية ودراية وإحاطة، ومشفوعة بالإحصائيات والإثباتات، وبدأت تربط بين الظواهر والأسباب والعوامل، وتلاحق ارتداداتها وتداعياتها، وأضحت أقرب إلى الجانب الأكاديمي، وباتت أكثر موضوعية وصراحة وخبرة ومباشرة، لكن جزءاً منها لم يصل إلى الكيفية المطلوبة من حيث التكامل والزخم والتواصل.
وشعبنا الفلسطيني يحتاج، أكثر من غيره، إلى إعلام قوي، مهني، عصري، متنوع، وقادر على الوصول إلى القريب والبعيد، لأنه يواجه آلة إعلامية احتلالية هائلة الإمكانات، وتستند إلى قدرات واستطالات إعلامية وسينمائية ومنابر ومطبوعات في كل أرجاء الدنيا.
ولأن إعلامنا الفلسطيني يواجه أيضاً طوفاناً أسود يَهدر، وقد وصل إلى البيوت الفلسطينية، ويحمل هذا الطوفان الإعلامي، عبر الفضائيات ووسائل التواصل الجديدة، ما يستدعي خلق مناعة فلسطينية لا تتأثر بتلك المنتوجات والمطابخ، كما يتطلب أن يعمل إعلامنا على توفير الحصانة لمدارك أطفالنا وشعبنا، وهم يتعرضون لحملات إعلامية تحاول أن تغرّبهم عن جذورهم، وتفرغهم من محتواهم الوطني والسياسي والثقافي، وتخلق حالة من العدمية فيهم، وتصب ثقافة جديدة هي ثقافة المسخ والاستهلاك والعري والتطبيع.
وإذا كان الحديث عن الإعلام ودوره في قضية القدس خصوصاً، والقضية الفلسطينية عموماً، فإننا نتحدث عملياً عن المقولة السياسية الرسمية، فلا يمكن للإعلام أن يسبق السياسة، ولا يمكن للإعلامي أو الوسيلة الإعلامية الرسمية أن تقفز على السقوف السياسية أو تتجاوزها أو تناقضها. فالإعلام الرسمي، بكل أنواعه وأدواته ومصطلحاته، هو ترجمة أو تفسير أو تبرير أو تغطية أو شرعنة للخطاب السياسي. وبالتالي، إذا حصرنا كلامنا في الإعلام الرسمي العربي، ودوره في التعبئة أو التحريض أو المواجهة، أو إنتاج مقولة إعلامية تشكل ردّاً حضارياً ومقاوماً، فإن أمام هذا الإعلام من المعوقات ما يكفي حتى يفشل في هذه المهمة تماماً، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: إن ثمة استقطاباً حقيقياً في المواقف السياسية من القضية الفلسطينية، وهو ليس استقطاباً سياسياً فقط، بل استقطاب أيديولوجي أيضاً. هذا الاستقطاب يؤدي إلى مواقف متباينة ومتعارضة، بل ومتخاصمة، الأمر الذي ينعكس سلباً على دور إعلامي منسق وموحد وذي رسالة واحدة. إن هذا الاستقطاب يخلق إعلاماً مضللاً وتضليلياً وواهماً ومتوهماً ومشوهاً، لأن الرواية الإعلامية تقدم بطريقة انتقائية جداً، الأمر الذي ينعكس ليس فقط في اللغة المستخدمة، وإنما في تكوين الرؤية والرواية أيضاً.
ثانياً: الإعلام الرسمي المرتبط، أو الخادم عملياً للمقولة السياسية، يقع ضحية العلاقة المختلفة مع إسرائيل ذاتها. فنحن في زمن تمايزت فيه العلاقة مع إسرائيل، فكيف للإعلام الرسمي أن يتوحد في الكلام عن مثل هذا النظام المقلق والمجرم والمستفز؟ وما هي حدود التحريض؟ وما هي حدود الموقف السياسي؟ وما هي سقوف الاعتراض؟ لا يمكن للإعلام العربي الرسمي أن يتفق حتى على الحد الأدنى من الرواية الإعلامية الواحدة فيما يتعلق بإسرائيل. يجب الاعتراف هنا بأن اتفاقات السلام التي وقعت مع إسرائيل، حتى اللحظة، وذاك التطبيع المجاني والعلاقات الناتئة، لم تستوف كامل شروطها، أي الانسحاب من الأرض المحتلة وإنهاء الاحتلال تماماً، حتى يمكن لنا، كعرب، أن نتفق على لغة واحدة تجاه هذا الكيان الذي يحتل أراضينا.
ثالثاً: لا يمكن للإعلام الرسمي أن يتخذ مواقف سياسية محددة هي غائبة أصلاً، بمعنى أنه لا يمكن للإعلام أن يخترع لغته بغياب الموقف السياسي الحقيقي. بصراحة أكثر، لا يمكن للإعلام الرسمي أن يتخذ مواقف محددة من الصراع العربي الإسرائيلي دون أن يُسند بمواقف وخطاب سياسي واضح وجاد وحازم. وأعود إلى جملتي الأولى، فالإعلام الرسمي لا يمكن له أن يقفز عن الخطاب السياسي، وإذا كان هذا الخطاب مفككاً ومتردداً ومهزوماً، فإن الإعلام سيكون كذلك أيضاً.
رابعاً: يقع الإعلام الرسمي في دائرة الاستهداف الدولي، من حيث خشيته من تهمة الدعوة إلى الإرهاب والأصولية والجمود وعدم الانفتاح وعدم الليبرالية وقبول الآخر، إلى آخر هذه التهم الباطلة. والإعلام الرسمي وقع تماماً في المصيدة، بحيث أخذ يدافع عن نفسه وينفي عنه هذه التهمة، وبدلاً من تحويل قضية الاحتلال وتهويد القدس إلى قضية عالمية، فإن نفي تهمة "الإرهاب" أصبحت هي القضية. وهذا، عادةً، تصرف الضعفاء الذين يقعون دائماً في دائرة التبرير، بدلاً من إنتاج المقولة الذاتية التي تمتلك من القوة والامتلاء ما يجعلها تدافع عن نفسها بنفسها. وبدلاً من أن نكون أصحاب الحق، تحولنا إلى متهمين، لدرجة أن هناك من يريد أن "ينقي" مناهجنا من بعض النصوص.
لنتصور أن نطلب تفتيش مناهج التدريس في إسرائيل أو في بعض مدارس الولايات المتحدة. لنتصور ذلك وحسب. ولنتصور الصفاقة والوقاحة التي يتميز بها معظم قادة إسرائيل، الذين يطالبون بوقف التحريض، في الوقت الذي يُباد ويُطرد فيه الناس من بيوتهم، أو يُحاصرون، أو تُصادر أراضيهم، وتُحرق أشجارهم. إلى هنا وصلنا تماماً. حتى هذا الوضع لم نستطع أن نحوله إلى قضية عالمية، رغم كل الإمكانات. كما قلت، المسألة ليست مسألة إعلامية، بل هي سياسية بالأساس.
خامساً: للإعلام الرسمي العربي حساباته الداخلية أيضاً، فهو حذر من أن تتحول هذه القضية إلى ورقة داخلية يستغلها الخصوم أو المعارضة أو القوى السياسية الداخلية. وبالتالي، فإن التوجس والحذر والاستخدام النقي المطهّر للخطاب الإعلامي تجاه القدس والقضية الفلسطينية يأخذ بعين الاعتبار تلك الحسابات التي تجيز هذا التناول أو هذه المعالجة الإعلامية.
سادساً: وأخيراً، فإن عالمنا العربي يعيش احتلالات مختلفة، منها ما هو مباشر تماماً، ومنها ما هو مقنّع، ومنها ما هو بالاستدعاء، للدلالة على عودة منطقتنا العربية إلى الهيمنة الاستعمارية مرة أخرى، وهو دليل فشل إلى حدّ كبير، وهو أيضاً يقود إلى الانشغال بالشأن المحلي تماماً، فقراً وتخلفاً وحروباً إثنية وطائفية. وبالتالي فإن الحديث عن القضية الفلسطينية لن يكون بالضرورة شأناً أول أو قضية أولى.
وإذا تجرأنا على الحديث عن الاستلاب والتغريب، فإن القضية الفلسطينية تتحول إلى قضية ثانوية في الإعلام العربي. وليس من المستغرب أن تكون دولة عربية كبيرة لا تضع أخبار القضية الفلسطينية على صدر منابرها الأولى ولا الثانية، بل في التاسعة والعاشرة. وللدقة، فإن دولاً صغيرة وكبيرة تفعل ذلك، وهو عمل لا براءة فيه ولا سذاجة.
المشكلة هنا أن إسرائيل لا تحتل أرضنا فقط، ولا تهددنا فحسب، لكنها تهدد الجميع بلا استثناء، والأدلة أقوى وأوضح من الإشارة إليها.
لهذه الأسباب الستة، لا يمكن للإعلام العربي الرسمي أن يجتمع على رواية واحدة أو معالجة واحدة لقضية القدس، أو القضية الفلسطينية بوجه عام، فهذا الإعلام يختلف في التسميات والمصطلحات والتوجهات والأيديولوجيات والحسابات والرؤى والأهداف. نقول ذلك بواقعية، ودون تجميل، ودون إحساس بجلد الذات أو الذنب. نقوله من أجل أن نصل إلى نتائج عملية بهدوء، فما دمنا مختلفين إلى هذا الحد، فإننا سنترك الساحة خالية لمن سيملؤها إرهاباً أو تشدداً أو خطاباً آخروياً لا يقبل النقاش ولا الآخر.
إن عدم إيقاف إسرائيل عند حدها من خلال النظام العربي الرسمي، سياسةً وإعلاماً، سيعطي الذريعة كاملة والشرعية لكل تلك التيارات الجاهزة لأن تدير المشهد كله. لهذا السبب بالذات، فإن استراتيجية عربية رسمية أقوى وأكثر حزماً تجاه إسرائيل ضرورية تماماً لتلافي الوضع قبل انفجاره.
إن تعنت إسرائيل وغطرستها وضربها بعرض الحائط كل الجهود العربية الرسمية، لا يمكن لإعلام رسمي متوجس وحذر أن يقنع أو يعبئ أو يدافع. إن هذا تحذير لا بد من الانتباه إليه، فإسرائيل ببساطة تهين كل شيء، المقدس والعالي والرفيع والماجد فينا، والإعلام الرسمي هنا إما أن يقع في دائرة الأوهام أو في دائرة الاستسلام، ليس إلا.
هذا هو حال الإعلام الرسمي العربي، الذي تعرفون تماماً إلى أين وصلت نتائجه، وماذا حقق.
أما بالنسبة للإعلام التجاري العربي، فهو إلى حد كبير يتميز بالمتعوية والاستهلاكية والربحية، وليس من الخطأ القول إنه يحمل أيضاً خطاباً علمانياً حداثوياً، وتيرته أسرع وأعمق من البنية العربية اقتصاداً وثقافةً وعقيدةً. وليس من الخطأ القول إن هذا الإعلام التجاري يبدو، لوهلة ما، وكأن لا علاقة له بالجمهور الذي يتوجه إليه، أو حتى بالمنطقة التي يتواجد فيها.
إن هذا الإعلام، الذي كان نتيجة عمليات العلمنة والحداثة وخصخصة السوق وانفتاح الأنظمة وتخفيف قبضتها على الإعلام، لأسباب لا داعي لذكرها الآن، يتصرف وكأنه يريد استغلال الفرصة التجارية أكثر من أي اهتمام آخر.
لم يستطع الإعلام التجاري إطلاقاً أن يعبر عن هموم شعوب العرب أو قلقهم أو المخاطر والتحديات التي يمرون بها. أكثر من ذلك، يبدو هذا الكلام وكأنه غائب أو مغيب حتى في أكثر لحظات الأمة العربية والإسلامية توتراً. إذ كان من العيب أن تكون غزة تتعرض للذبح، وجنوب لبنان للاجتياح والحرق، ثم نرى هذا الإعلام غارقاً إلى أذنيه في عالم من الترفيه، الذي يبدو كاذباً تماماً، في مجتمع تتجاوز نسبة الأمية فيه 60%.
لم يُبدِ هذا الإعلام اهتماماً بالقضية الفلسطينية إلى حد كبير، وهو غير معني بها، وهو أيضاً غير معني بقضية لبنان أو السودان أو اليمن أو ليبيا أو سوريا، ولا بالبطالة أو الأمية ولا بأي شيء آخر، بل يوهم الجمهور بأنه على اتصال بالعالم والحداثة والتقدم، من خلال أكثر مظاهر تلك الأمور سطحيةً وتفاهة.
ولست هنا ضد الترفيه، ولكن ضد أن يتحول هذا الترفيه إلى بديل أو ذريعة أو واجهة أو تغرير أو تضليل، وهو ما يحصل فعلاً، للأسف.
أما الإعلام من النوع الثالث، فهو الإعلام المؤدلج، صاحب الرؤية والرواية اللتين تصدران عن قناعات وأنساق فكرية كاملة متكاملة. فإن هذا النوع من الإعلام، وإن كان منشغلاً بالقضية الفلسطينية ضمن انشغالات أخرى أيضاً، فإنه إعلام سهل الاستهداف والعزل، من خلال اتهامه أو محاربته، أو حتى منعه من الانتشار.
فتهم الإرهاب والتشدد وعدم الواقعية والتحريض والعبث بأمن البلاد والعباد تهم جاهزة لمحاصرة هذا النوع من الإعلام، الذي قد يكون من الصواب أن نقول إنه يدعي امتلاك الحقيقة النهائية، أو اختطافه للرؤية والأسلوب، أو مقارباته الضعيفة في بعض الأحيان.
ولكن، وعلى الرغم من كل ذلك، فإن هذا النوع من الإعلام، الذي يفتقد للجماهيرية والانتشار بسبب عدم اعتماده على الإبهار والشعبوية والترفيه، ولو بحدوده الدنيا، يُحارب بطرق عديدة، الأمر الذي يؤكد أن دعاة الديمقراطية الكاذبة يفشلون كل مرة في امتحان الديمقراطية عندما يتعلق الأمر بفلسطين وشعبها.
وبالنسبة للإعلام من النوع الرابع، فهو الإعلام الذي يُوجَّه إلينا باللغة العربية من قبل أعدائنا أو خصومنا أو الدول الطامعة أو الطامحة. فحتى الصين تفتح علينا قنواتها، وهناك روسيا وأميركا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا وتركيا، وليس أولاً ولا أخيراً إسرائيل.
لنتأمل معاً المعنى والهدف من كل هذه القنوات التي تغسل أدمغتنا وأدمغة ناشئتنا. ما الذي تريده منا هذه الدول، ومن بعدها القنوات؟ وما هي الرواية الإعلامية الخاصة بفلسطين والقدس التي يمكن لمثل هؤلاء أن يرسموها أمامنا؟ وهل سماؤنا فارغة من قنواتنا حتى تمتلئ بمثل هذه القنوات؟
وماذا ستقول ألمانيا بشأن القدس، وهي التي لا تتردد في إقامة علاقات أمنية وتجارية مع إسرائيل، وهي أيضاً التي تريد أن تستثمر في بترول العرب ومعادنهم؟ وما الذي ستقوله فرنسا؟ أليس هذا مدعاة للوقوف طويلاً أمام هذه الظاهرة؟
فأمة عربية عريقة تعتقد أنها جاهزة لقيادة العالم، يصل بها الحد إلى أن تتعرض لمثل هذا الغزو، حتى في غرف نومها.
إن هذا الإعلام الخطير الذي يُوجَّه إلينا هو إعلام مدمر بكل معنى الكلمة. فإسرائيل في هذا الإعلام ليست محتلة، أما دارفور فهي تستحق الانفصال، ولبنان يترمد ويستباح، وأي إثنية تستحق أن تتمتع بالسيادة.
ألا يحق لنا القول إن معظم هذا الإعلام إنما يفعل فعل جيوش احتلال عسكرية أو أكثر؟
لهذا كله، لم نستطع أن نسوق قضيتنا، ولم نستطع أن نقنع العالم حتى بدموعنا، لأن العالم مصالح وليس مجرد محاججة عقلية أو إعلامية. ولأن الإعلام العالمي له أجندات تختلف عن أجنداتنا، ولأن من يملك ويمول ويسيطر على الإعلام لا يمكن له أن يضيء أو يسلط الضوء على قضايانا.
ونعتقد بسذاجة أنه إذا شرحنا قضيتنا للعالم الغربي سيفهمنا. هذا فهم ساذج تماماً، فالغربي له مصالح وأهداف ورؤية. بالتأكيد سيتأثر باستشهاد خمسين ألف طفل أو نسف مدن كاملة، ولكنه في نهاية الأمر، ومنذ أكثر من سبعة وسبعين عاماً، يدعم إسرائيل لأنها تحقق مصالحه.
في الحروب هناك ضحايا، هكذا يقول الفكر الاستعماري الذي ذبح الملايين. ومن السذاجة الاعتقاد والقول إن الإعلام، مهما كان فعالاً، سيؤثر على الجمهور، إلا إذا انتظرنا ألف سنة.
أما العمل الحقيقي والصحيح، فهو الحديث إلى هذا العالم بلغة المصالح. عندئذٍ سنرى، وبأقل من ثانية واحدة، أن إعلام العالم كله اختلف وأصبح يتحدث عن معاناة الفلسطينيين وضرورة إنهائها، وسيكتشف العالم فجأة أن إسرائيل عنصرية.
لا يجب أن ننتظر من الإعلام أكثر من دوره، ولا يجب أن نجلد إعلامنا دائماً بأنه مقصر، فنحن المقصرون، ليس إلا.
ظل أن أقول: إن ثمة إعلاماً عربياً يسيء، بشكل ذكي وحرفي، إلى قضايانا الكبرى الوطنية والعقائدية، من حيث:
أ- يقوم بتصوير وتقديم الصراع العربي الإسرائيلي على أنه صراع وجهات نظر وليس صراع وجود.
ب- يسوق الاحتلال الإسرائيلي باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الواقع الذي يجب أن نتعايش معه.
ج- يقدم ويعمم المصطلحات التي تكرس المواقف التي تدفع المتلقي العربي إلى القبول بالاحتلال، وإدانة المقاومة، واعتبارها رجساً يلوث حياتنا.
د- يعرض المقدسات والتابوهات إلى النقاش السطحي، ويجعلها مبتذلة لوجهات النظر التي تتناولها باستخفاف ومجانية.
إن الإعلام العربي بحاجة إلى المزيد من التفكيك والنقاش والحفر فيه، لتبيان كل مكوناته وتداعيات فعله.
وثمة إعلام افتراضي جديد هو وسائل التواصل الاجتماعي: فيسبوك، وتيك توك، ومسنجر، وواتساب، وإنستغرام. وهذه الوسائل مرهونة بيد الشارع، أو يقف خلفها موجّه يسيرها.
وأزعم أن الهبات الشعبوية والجماهيرية وبعض النخب أفادت كثيراً من هذه الوسائل، ووظفتها لصالح قضاياها وتوجهاتها، وقد ظهرت آثارها في خلق موجات من التعاطف وكشف الحقائق. غير أن كل ذلك بحاجة إلى دراسة خاصة تبين مدى فاعلية هذه الوسائل وجدواها وتنظيمها.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة في ورقتي “ ما بعد إيران” و” اليوم التالي في غزة

عند مقارنة ورقة “نزع سلاح حماس”لكوبي ميخائيلي مع الورقتين السابقتين (“بعد إيران: تحويل الاهتمام إلى غزة” وورقة “اليوم التالي في غزة” أو نموذج المناطق الخضراء والحمراء) للباحثين ديكل وافر نجد أنها ليست متناقضة، بل تمثل مستوى مختلفًا من التفكير الاستراتيجي.
يمكن تلخيص الفروقات على النحو التالي:
الموضوع     ورقة “بعد إيران”     ورقة “المناطق الخضراء والحمراء”     ورقة  “نزع سلاح حماس”
السؤال الرئيسي     ماذا تفعل إسرائيل الآن بعد انتهاء المواجهة مع إيران؟     كيف تُدار غزة خلال المرحلة الانتقالية؟    كيف نمنع حماس من العودة كقوة عسكرية؟
الأفق: الزمني     قصير إلى متوسط     متوسط     طويل المدى.
التركيز:     الخروج من حالة الاستنزاف     بناء نظام حكم بديل     إعادة هندسة البيئة السياسية والأمنية.
القضية المركزية:     وقف الجمود الحالي     إدارة غزة عمليًا     احتكار السلاح ومنع إعادة التسلح.
أول فرق جوهري: تعريف المشكلة
في ورقة “بعد إيران”، المشكلة هي: استمرار الحرب دون استراتيجية خروج.
الورقة تنتقد الواقع القائم وتقول إن إسرائيل وصلت إلى نقطة تناقص العائد العسكري.
في ورقة “نزع سلاح حماس”، المشكلة مختلفة: حتى لو توقفت الحرب، كيف نمنع حماس من العودة؟ أي أن النقاش ينتقل من إنهاء الحرب إلى شكل النظام الذي سيولد بعدها.
ثاني فرق: الموقف من حماس
ورقة “بعد إيران” أكثر واقعية تجاه الواقع الحالي.
وتفترض أن حماس لن تختفي فورًا.
لذلك تطرح: * احتواء تدريجي. تقليص النفوذ.منافسة الحركة سياسيًا وإداريًا.
ورقة “نزع سلاح حماس”، أكثر تشددًا.
وتضع خطًا أحمر واضحًا: لا يجوز أن يبقى أي جناح عسكري مستقل لحماس.
يمكن أن تبقى الحركة سياسيًا أو اجتماعيًا وفق بعض السيناريوهات، لكن لا يمكن أن تحتفظ بالسلاح.
وهنا تظهر المقارنة المتكررة مع نموذج حزب الله في لبنان الذي تعتبره الورقة فشلًا يجب عدم تكراره.
ثالث فرق: دور السلطة الفلسطينية.
في ورقة “بعد إيران”
السلطة عنصر من عناصر الحل. لكنها: ضعيفة. تحتاج إصلاحًا. لا تستطيع العودة فورًا.
لذلك يتم الحديث عن إدارة انتقالية فلسطينية أوسع.
في ورقة “نزع سلاح حماس”
السلطة تصبح أكثر مركزية.
لأن الهدف النهائي هو:
سلطة فلسطينية واحدة تحتكر السلاح. أي أن الورقة تنظر إلى السلطة كأداة ضرورية لتحقيق نزع السلاح.
رابع فرق: دور الدول العربية
في “بعد إيران”، الدول العربية عامل مساعد.
في “نزع سلاح حماس”
الدول العربية جزء أساسي من الخطة.
خصوصًا: السعودية. مصر. الإمارات. الأردن.
لأنها بحسب الورقة توفر: الشرعية السياسية. التمويل. الإشراف على إعادة الإعمار. الضغط على الأطراف الفلسطينية.
خامس فرق: البعد الفكري
هذا ربما أهم اختلاف.
ورقة “بعد إيران”
تركز على: الأمن. الإدارة. إعادة الإعمار. الحكم.
ورقة “نزع سلاح حماس”
تضيف بعدًا جديدًا: “نزع الحمساوية” أو تفكيك البيئة التي أنتجت حماس. ولهذا تتحدث عن: المناهج التعليمية. الإعلام. المؤسسات الدينية. المجتمع المدني.
أي أنها لا تكتفي بتفكيك السلاح، بل تستهدف البنية السياسية والاجتماعية التي تسمح بعودة الحركة أو ظهور نسخة جديدة منها.
الاستنتاج الأهم: إذا جمعنا الأوراق الثلاث في تسلسل واحد، فإنها تبدو وكأنها أجزاء من خطة متكاملة داخل بعض دوائر التفكير الأمني الإسرائيلي:
المرحلة الأولى
(ورقة بعد إيران)
أوقف حالة الاستنزاف وابحث عن استراتيجية خروج من الحرب.
المرحلة الثانية
(ورقة المناطق الخضراء والحمراء)
ابنِ نظام حكم بديلا تدريجيًا في غزة وابدأ إعادة الإعمار خارج سيطرة حماس.
المرحلة الثالثة
(ورقة نزع سلاح حماس)
استخدم هذا النظام الجديد لإزالة احتكار حماس للسلاح ومنع عودتها كقوة عسكرية أو كسلطة حاكمة.
لذلك يمكن القول إن الورقتين الأوليين تركزان على إدارة غزة بعد الحرب، بينما ورقة “نزع سلاح حماس” تركز على إعادة تشكيل ميزان القوة الفلسطيني الداخلي على المدى الطويل بحيث لا تعود حماس لاعبًا عسكريًا مهيمنًا حتى لو بقي لها حضور سياسي أو اجتماعي.


أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

روائيون رحلوا وتركوا في القلب غصة ووردة


أكتب للذكرى والوفاء، لا للرثاء وحده. أكتب عن روائيين وقصاصين كانوا أصدقاء وإخوة وأساتذة، ثم رحلوا بصمت، كما عاشوا، وكما أرادوا دائماً. لم يطلبوا ضجيجاً يرافق أسماءهم، ولم يسعوا إلى صناعة أساطير شخصية حول إبداعهم، بل تركوا أعمالهم تتكلم عنهم، ومضوا تاركين في القلب غصة لا تزول، ووردة لا تذبل.
يجدر أن نتذكرهم، ويجدر أن نعيد قراءتهم، وأن نقدمهم من جديد للأجيال التي لم تعاصرهم، لأن الأدب الحقيقي لا يموت برحيل أصحابه، بل يبدأ حياة أخرى كلما امتدت إليه يد قارئ جديد.
أتذكر زكي العيلة، صاحب الجملة المشبعة بالغضب والحنين في آن واحد، الكاتب الذي جعل من القصة القصيرة جمرة تتوهج بين أصابع القارئ. كان يعرف كيف يلتقط التفاصيل الصغيرة ويحولها إلى أسئلة كبرى عن الوطن والإنسان والخسارة، وكيف يمنح كلماته حرارة التجربة وصدقها، حتى تبدو قصصه وكأنها كُتبت بمداد القلب.
وأتذكر عزت الغزاوي، سيد البناء القصصي المتين، وصاحب التدفق السلس الذي يخفي وراءه مهارة نادرة في الكشف والإيحاء. في قصصه القصيرة كما في رواياته المكثفة، ظل النقد والمحاسبة هاجسين دائمين، يواجه بهما الذات والمجتمع والواقع السياسي دون صخب أو ادعاء، معتمداً على الفن وحده ليقول ما يريد قوله.
وأتذكر أحمد حرب، الذي كان يتعامل مع الرواية كما يتعامل المهندس مع مخطط معماري شديد الإحكام. لم يترك تفصيلاً في مكانه مصادفة، وكانت أعماله قائمة على وعي عميق بالبناء والتركيب. كان أيضاً من أوائل من وجهوا النقد الحاد، ومن أوائل من حذروا من المخاطر والتحديات التي تلوح في الأفق، قارئاً للتحولات بعين الكاتب وبصيرة المثقف.
ولا يمكن أن تغيب صورة غريب عسقلاني، الذي بقيت قصصه ورواياته وفية لمناطق الحنين، ولتبدلات الناس والمكان، وللذاكرة التي تصارع النسيان. كانت جملته الأنيقة تنضح بالموسيقى، وتنساب بخفة، لكنها تحمل في داخلها أثقال التجربة الفلسطينية بكل تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها.
كان هؤلاء جميعاً أصحاب رؤية وموقف، وأصحاب صنعة أدبية رفيعة. لكنهم كتبوا في ظروف مختلفة، وفي لحظة تاريخية أخرى. لم يكونوا من جيل المؤسسين الرواد، ولم يعرفوا المنفى بما وفره من انفتاح واتساع وفرص للانتشار والحضور، ولم يتم تعميدهم أبطالاً ترافق أسماءهم الهالات والأساطير.
كتبوا في زمن التغير الكبير، زمن الانحسار والانكسار وتبدل اللغة وتبدل المعايير. عاشوا في مدن محتلة، مغلقة ومحاصرة، لكن مخيلاتهم بقيت أكثر اتساعاً من الجغرافيا، وحريتهم الداخلية كانت أقوى من كل الجدران والحواجز.
كما وجدوا أنفسهم في مواجهة انفجار إعلامي صنع معايير جديدة للنجومية والانتشار، حيث أصبحت المنصات والروافع الرقمية جزءاً من صناعة الاسم، بينما ظلوا أوفياء لرهانهم الأول: النص الجيد والكتابة الصادقة.
كتبوا ما كتبوا بصدق وحرقة وإبداع، ولم يساوموا على كلمتهم. قالوا ما أرادوا قوله، ثم مضوا بهدوء، تاركين أعمالاً تستحق أن تعاد قراءتها بعيداً عن ضجيج المناسبات.
أما بالنسبة إليّ، فهم ليسوا مجرد أسماء في تاريخ الأدب الفلسطيني، بل هم أصدقائي وإخوتي وأساتذتي. تعلمت منهم أكثر مما تعلمت من الكتب، وتقاسمت معهم لحظات الحلم والاختلاف والأمل. ولهذا أحتفل اليوم بذكراهم، وأستعيد عطرهم الذي لم يغادر أنحاء فلسطين، مؤمناً بأن الأوفياء لا يرحلون على الاطلاق، ما دامت كلماتهم قادرة على أن تنبض بالحياة في قلوب قرائهم.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

نقلة نوعية في مناطق 48


حالة من النضج والتكيف يجتاح وعي القوى السياسية العربية الفلسطينية في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948، وهذا يعود لأسباب جوهرية:
أولها وعي المجتمع العربي الفلسطيني في ضرورة توسيع حجم المشاركة في الحياة السياسية والنشاط العام، على أثر ممارسات حكومة نتنياهو الأكثر تطرفاً منذ قيام المستعمرة عام 1948:
اتساع الجرائم الجنائية المنظمة، تقليص موازنات البلديات وصلاحياتها وتقزيم دورها، اعتقالات واسعة بحق الشباب الرافضين لسياسات حكومة المستعمرة وأدواتها، القتل والإبادة والتطهير العرقي في مناطق الاحتلال الثانية عام 1967 في الضفة والقطاع، الهدف حرمان أهل النقب من الحياة الطبيعية والقرى غير المعترف بها، مما يسبب أزمة السكن والإقامة وعدم الاستقرار لدى قطاعات شعبية وفقدان حقها في العيش الكريم.
وثانيها اتساع دور الأحزاب السياسية العربية، وامتدادها وتنوعها، بعد أن اقتصرت حتى عام 1992 على الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، في ولادة الحزب الديمقراطي العربي، والحركة الإسلامية، والتجمع الوطني الديمقراطي، ووصولهم إلى عضوية الكنيست إضافة إلى قوى سياسية لم تقبل بعد، أو قوى سياسية مستنكفة عن المشاركة سياسياً في انتخابات الكنيست.
ثالثها فشل الأحزاب العربية من اختراق المجتمع الإسرائيلي باستثناء الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية، حيث تمكنا من كسب انحيازات إسرائيلية لعدالة قضيتي الشعب الفلسطيني: 1- المساواة في مناطق 48، 2- الاستقلال لمناطق 67، وإن كانوا محدودي الاهتمام بعدالة حق اللاجئين المشردين خارج فلسطين من العودة إلى المدن والقرى التي سبق وطردوا منها واستعادة ممتلكاتهم منها وفيها وعليها.
النضج والتكيف الذي يجتاح المجتمع العربي الفلسطيني في مناطق 48، سيعطي نتائج توسيع قاعدة المشاركة السياسية جماهيرياً في الانخراط بالأحزاب العربية، وفي الوصول إلى صناديق الاقتراع والعامل الثالث الهام وهو رؤية متقدمة تسعى إلى اختراق المجتمع الإسرائيلي، واستبدال كلمة "الأقلية" العربية الفلسطينية إلى كلمة "المشاركة" في مؤسسات صنع القرار، وهذا ما قاده وسعى إليه وبإلحاح ونضج وقوة النائب منصور عباس، وحركته السياسية "القائمة الموحدة" وقاعدته الشعبية "الحركة الإسلامية"، القائمة على: 1- إسقاط حكومة نتنياهو الممثلة للتحالف بين اليمين السياسي المتطرف مع الأحزاب الدينية اليهودية المتشددة القائمة على السلوك العنصري الفاشي المتطرف، والعمل على التحالف مع: 1- اليمين الإسرائيلي المعتدل نسبياً، 2- اليسار الصهيوني، وكما يقول نعمل من أجل التخلص من الأكثر سوءاً إلى الأقل سوءاً.
بينما يسعى محمد حسن كنعان رئيس الحزب القومي العربي لإقامة تحالف "فلسطيني إسرائيلي"، "عربي عبري" مع إبراهام بورغ، رئيس الكنيست السابق القائم على رفض الصهيونية في مناطق 48، ورفض الاحتلال لمناطق 67، والعمل المشترك من أجل المساواة في مناطق 48 والاستقلال في مناطق 67، وخوض الانتخابات على هذا الأساس مع مجموعات وأحزاب سياسية ثلاثة مستجدة ما زالت إمكانياتها متواضعة ولكنها تملك الموقف والقرار الإيجابي على قاعدة الشراكة.
وبالاتجاه نفسه لدى النائب أيمن عودة الذي سينهي فترة خدمته ولن يترشح مرة أخرى للبرلمان، ولكنه يسعى لإقامة تنظيم مشترك "فلسطيني إسرائيلي" و"عربي عبري" بهدف زيادة الوعي والتأثير في اختراق المجتمع الإسرائيلي وكسب إنحيازات من بين صفوفه نحو عدالة المطالب الفلسطينية.
نقلة نوعية تجتاح المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، ستترك أثرها البالغ على مستقبل المستعمرة وسياساتها.



أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

الثغرة الكبرى في خطة اليوم التالي لغزة: الجميع يتحدث عن حماس ولا أحد يتحدث عن الدولة


أعادت ورقة معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) حول مستقبل غزة بعد الحرب طرح السؤال الذي يشغل المؤسسة الأمنية والسياسية في إسرائيل منذ أشهر: كيف يمكن منع عودة حماس إلى حكم القطاع؟
تقترح الورقة مزيجاً من الضغط العسكري المستمر وإقامة إدارات فلسطينية محلية وإطلاق مشاريع إعادة إعمار في المناطق التي يتم إخراج الحركة منها مع إشراك تدريجي للسلطة الفلسطينية وقوى محلية أخرى في إدارة الشؤون المدنية والأمنية.
قد تبدو هذه الأفكار عملية من منظور إدارة الأزمة لكنها تكشف في الوقت نفسه عن ثغرة جوهرية في التفكير السائد حول غزة فكل النقاش يدور حول كيفية إبعاد حماس عن السلطة بينما يكاد يغيب السؤال الأهم: ما هو النظام السياسي الذي يُفترض أن يحل محلها؟
المشكلة أن معظم التصورات المطروحة تتعامل مع غزة باعتبارها مساحة تحتاج إلى إدارة لا باعتبارها جزءاً من مشروع سياسي يفترض أن ينتهي بقيام دولة ومؤسسات مستقرة ولهذا ينصب التركيز على الأشخاص والجهات والبدائل لا على طبيعة النظام نفسه.
يُسأل الفلسطينيون باستمرار عمّن يجب أن يحكم غزة: حماس؟ السلطة الفلسطينية؟ إدارة انتقالية؟ لجان محلية؟ عشائر؟ مجموعات مدعومة من الاحتلال او الخارج؟
لكن السؤال الطبيعي في أي مكان آخر من العالم مختلف تماماً: لماذا يجب أن يختار الناس أصلاً بين هذه البدائل المسلحة أو شبه المسلحة؟ ولماذا لا يكون الهدف بناء دولة واحدة تحتكر السلطة والقانون والسلاح الشرعي؟
إذا كانت المشكلة في وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة فإن استبدال قوة مسلحة بأخرى لا يحل المشكلة وإذا كان تعدد مراكز القوة سبباً للفوضى وعدم الاستقرار فإن إنشاء مراكز قوة جديدة تحت مسميات مختلفة لن يؤدي إلى بناء نظام مستقر بل إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.
قد تختلف الأسماء والولاءات لكن النتيجة تبقى واحدة: سلاح متعدد، ومرجعيات متعددة، وغياب لسلطة واحدة قادرة على فرض القانون على الجميع.
إن المواطن الفلسطيني العادي لا يحتاج إلى فصيل جديد يحكمه ولا إلى مليشيا جديدة تدّعي حمايته ما يحتاجه هو مؤسسات تعمل وقضاء مستقل وشرطة مهنية وسلطة سياسية تستمد شرعيتها من الناس لا من السلاح.
ولهذا فإن جوهر النقاش يجب أن ينتقل من سؤال “من سيحكم غزة؟” إلى سؤال “كيف ستُحكم غزة؟”.
هل سيكون هناك قانون واحد يطبق على الجميع؟ هل ستكون هناك مؤسسات منتخبة وقابلة للمحاسبة؟ هل سيكون هناك جهاز أمني واحد يخضع لقرار سياسي موحد؟ وهل سيخضع الجميع بمن فيهم حماس وغيرها من الفصائل للقواعد نفسها؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع الدول لا الأسئلة المتعلقة بتوزيع النفوذ بين القوى المتصارعة.
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية ويغيب عن معظم الطروحات الإسرائيلية الخاصة باليوم التالي: إذا كانت إسرائيل تطالب حماس بالتخلي عن سلاحها فما هو البديل الذي سيحمي المجتمع الفلسطيني بأكمله؟
الجواب المنطقي يجب أن يكون وجود سلطة وطنية فلسطينية قادرة وشرعية تحتكر السلاح وتوفر الحماية لجميع المواطنين فالمسألة لا تتعلق فقط بمستقبل الحركة أو كوادرها بل بمستقبل أكثر من مليوني إنسان يعيشون في القطاع.
وإذا كانت بعض الخطط تتحدث عن قوى محلية أو مجموعات مسلحة أو شبكات نفوذ جديدة تتولى إدارة بعض المناطق فإن الخشية لا تقتصر على احتمال استهداف عناصر حماس بل تمتد إلى احتمال ظهور مراكز قوة جديدة تفرض إرادتها على السكان خارج إطار القانون والمؤسسات وتمارس الثأر أو الانتقام أو تخلق أشكالاً جديدة من الفوضى.
التاريخ الحديث في العديد من مناطق النزاع يُظهر أن تفكيك قوة مسلحة لا يؤدي تلقائياً إلى قيام دولة ففي كثير من الأحيان ينشأ فراغ تملؤه مجموعات أخرى فتنتقل المجتمعات من هيمنة قوة إلى هيمنة قوة أخرى دون أن تصل إلى حكم القانون.
ولهذا فإن الفلسطيني الذي لا ينتمي إلى حماس ولا إلى أي فصيل آخر لديه مصلحة أساسية في أن تكون نهاية الحرب بداية لقيام نظام يحمي الجميع بالتساوي لا بداية لصراع جديد بين قوى متنافسة على السلطة والنفوذ.
إن المخرج الحقيقي لا يكمن في استبدال فصيل بفصيل أو سلطة محلية بأخرى بل في مشروع سياسي شامل يقود إلى دولة فلسطينية ذات مؤسسات موحدة وسلطة منتخبة وقضاء مستقل وأجهزة أمنية رسمية واحدة تحتكر السلاح وتخضع للقانون.
في مثل هذا النموذج لا تكون حماس استثناءً ولا غيرها استثناءً بل تتحول جميع الحركات والفصائل إلى أحزاب سياسية تعمل في المجال العام وفق قواعد ديمقراطية متفق عليها بينما تتولى الدولة وحدها مسؤولية الأمن وإنفاذ القانون.
قد يبدو هذا الهدف بعيداً في ظل الحرب والانقسام والاحتلال وانعدام الثقة لكنه يبقى أكثر واقعية على المدى الطويل من أي محاولة لإدارة غزة عبر ترتيبات مؤقتة أو سلطات متنافسة أو مراكز قوة متعددة.
وربما تكمن المشكلة الأساسية في معظم النقاشات الدائرة حول مستقبل غزة في أنها تنشغل بالسؤال الخطأ فبدلاً من التركيز على الأشخاص والفصائل والبدائل المؤقتة ينبغي أن ينصب الاهتمام على بناء المؤسسات والقواعد التي تنظم الحياة السياسية والأمنية للجميع فالدول لا تُبنى بتغيير الجهة الحاكمة فقط بل بإقامة نظام يقوم على القانون والمساءلة واحتكار السلطة الشرعية للسلاح.
لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يتحقق بمجرد الإعلان عنه بل يتطلب مساراً سياسياً واقعياً يعالج الانقسام القائم ويوفر الشرعية الشعبية ويؤسس لمؤسسات قادرة على الحكم وتقديم الخدمات و الإعمار وحماية المواطنين ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط من سيحكم غزة بعد الحرب بل كيف يمكن تحويل مرحلة ما بعد الحرب إلى خطوة على طريق بناء دولة فلسطينية قادرة وموحدة بدلاً من أن تكون مجرد فصل جديد من إدارة الأزمة.
وعندها فقط يمكن قياس نجاح أي خطة لليوم التالي: ليس بقدرتها على إبعاد طرف أو استبدال آخر بل بقدرتها على تقريب الفلسطينيين من دولة تحكمها المؤسسات والقانون وتمنح مواطنيها الأمن والتمثيل والكرامة على قدم المساواة.
ولهذا فإن نجاح أي خطة لليوم التالي لا يقاس فقط بقدرتها على منع عودة حماس إلى الحكم بل بقدرتها على الإجابة عن سؤال أكبر بكثير: هل تقود هذه الخطة نحو بناء دولة فلسطينية حقيقية أم أنها تؤسس لمرحلة جديدة من إدارة الأزمة؟ حتى الآن يبدو أن الجميع يتحدث عن حماس بينما لا يتحدث أحد بما يكفي عن بقية الشعب الفلسطيني وعن حقه في الحماية وحقه في دولة ومؤسسات وقانون واحد يسري على الجميع وربما تكون هذه هي الثغرة الأكبر في كل النقاش الدائر حول مستقبل غزة.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو يهرب للأمام بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت


تقول إسرائيل بأنها استهدفت الضاحية الجنوبية تحت يافطة التفاهمات مع الجانب الأمريكي، كون أي عملية اغتيال لا تُعد ضمن مفهوم الممنوعات، وبغض النظر إن كان هذا الاغتيال في الضاحية أو في بيروت الكبرى او بعلبك او بالأحرى في كل لبنان، لكن يبدو ان قصة الاغتيال ليست سوى حجة وأن الاستهداف جاء ردا على استهداف مستوطنات شمال إسرائيل من قبل حزب الله بعدة مسيرات، وان استهداف الضاحية جاء أيضا وفقا إلى قرار الكابينت الإسرائيلي الذي يريد فرض معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال بعد أن كانت الضاحية مقابل حيفا.
إن اختيار القيام بعملية الاغتيال في اليوم المتوقع فيه توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية يؤشر إلى أن نتنياهو والإسرائيلي سيبذلون كل شيء في سبيل تخريب الاتفاق المتبلور، وكما يبدو الساحة اللبنانية ستبقى العنوان في ذلك.
يتضح اليوم أنه دون ان يكون هناك أمر عملياتي أمريكي واضح لا لبس فيه إلى نتنياهو للالتزام بشكل كامل وكلي بما تم التوافق عليه، فـ "نتنياهو" لن يلتزم وسيجد مبرارات ضمن التفاهمات السابقة الأمريكية الإسرائيلية وتحت يافطة الدفاع عن النفس التي أدت إلى عمليات الإبادة والتطهير العرقي في غزة والجنوب اللبناني.
قصف الضاحية الجنوبية سوف يُعزز موقف التيار المتشدد في إيران الرافض حتى لمذكرة التفاهم المُحتملة، وإيران الآن على موعد مع الرد على الخرق الإسرائيلي باستهداف الضاحية لأنها لن تقبل اتفاقا غير ملزم لحليفة أمريكا التي جاءت من أقاصي البحار والمحيطات لكي تشاركها عدوانها وحربها في كل الإقليم.
الآن، تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية، والجدية التي تريدها إيران لكي تثق بالأمريكي هو في فرض معادلات جديدة يكون أساسها الالتزام بأي اتفاق متبلور او تعهد ملزم، لذلك أعتقد أن الإيراني سيرد ولن يذهب لأي توقيع مع إدارة البيت الأبيض قبل ان يتأكد بشكل لا لبس فيه بأن ما يتم التوافق عليه هو ملزم للأمريكي وحلفائه وبالذات إسرائيل، وهذا سيكون بعد أن ترد إيران على اعتداء الضاحية، بل أعتقد ان وحدة الساحات هذه المرة سوف تتجلى بشكل واضح في رد إيران وحلفائها وبالذات الحوثي.
نستطيع القول الآن لا توقيع قادم، والأمر سيخرج عن السيطرة إذا لم يتم تداركه بسرعه وبالذات من قبل الأمريكي والرئيس ترامب بالذات، رغم قناعاتي بأن الرئيس ترامب لن يجرؤ على اتخاذ قرارات دراماتيكية تؤثر بشكل ملموس على إسرائيل وأمنها، خاصة أن ملف "إبستين" موجود على الطاولة.
نتنياهو يهرب للأمام وينفذ تهديداته بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، لأنه لا يستطيع أن يقبل بواقع سيصبح فيه "كبش فداء" للعدوان الأمريكي الإسرائيلي الفاشل على إيران ولبنان.

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

تحولات في موازين القوى أم إدارة جديدة للصراعات؟


قد لا يكون ما تشهده المنطقة اليوم من تطورات مرتبطاً بقوة الردع الإيرانية وحدها، بل أيضاً بخشية الولايات المتحدة من انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية واسعة تهدد مصالحها الاستراتيجية وقواعدها العسكرية المنتشرة فيه، فضلاً عن انعكاساتها على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية واستقرار النظام المالي الدولي.
فالولايات المتحدة، رغم استمرار موقفها المناهض لحق شعبنا في حريته واستقلاله الوطني، واعتبارها إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً لاعتبارات عدة كنت أشرت لها بمقالات سابقة، تنظر في الوقت ذاته إلى الاستقرار الإقليمي ضمن مفهومها، باعتباره جزءاً من منظومة مصالحها الأوسع. ومن هذا المنطلق، قد تتدخل لضبط سلوك حلفائها أو خصومها عندما ترى أن التصعيد قد يخرج عن السيطرة ويهدد توازنات النظام الإقليمي والدولي وخاصة محاولاتها لاستدامة هيمنتها واستراتيجيات أمنها.
وفي السياق ذاته، فإن تباين سلوك إسرائيل بين استمرار عمليات العدوان في غزة ولبنان، وعدم الذهاب إلى مواجهة واسعة مع إيران، قد يعكس حدود القوة العسكرية في البيئة الراهنة، وتعقيد حسابات الردع، إضافة إلى الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية المتصلة بالانقسام السياسي وكلفة الحروب المتواصلة وصعوبة تحقيق حسم استراتيجي مستقر.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أكثر ميلاً اليوم إلى إدارة الأزمات بدل إعادة تشكيل المنطقة عبر تدخلات حاسمة أو ترتيبات مفروضة. ويتسق مع ذلك ما يُتداول من حديث عن مسارات تفاوض غير مباشر أو تفاهمات أولية بين الولايات المتحدة وإيران، بما يعكس توجهاً متزايداً نحو احتواء التوترات عبر أدوات دبلوماسية مرحلية ضمن منطق إدارة الصراعات لا حسمها.
أما على المستوى الإقليمي والدولي الأوسع، فيبدو أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عما عرفته خلال العقود الماضية، في ظل مجموعة من التحولات المتداخلة، أبرزها:
-- تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج سياسية منفردة كما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
-- صعود قوى إقليمية فاعلة مثل إيران وتركيا بأدوار متفاوتة.
-- تنامي دور روسيا والصين في الشرق الأوسط ضمن تنافس دولي متصاعد.
-- استمرار الحرب على غزة وما كشفته من حدود القوة العسكرية في فرض حلول سياسية نهائية.
-- تصاعد تأثير القوى والحركات غير الحكومية في معادلات الصراع.
-- ميل القوى الدولية والإقليمية إلى تجنب حرب شاملة مفتوحة.
هذه التحولات لا تعني انتقالاً حاسماً في موازين القوى، بقدر ما تشير إلى حالة من "التوازن القلق" الذي تتراجع فيه قدرة أي طرف على فرض إرادته الكاملة. حتى القوى التقليدية الكبرى وإسرائيل كدولة توسعية، باتت تواجه بيئة أكثر تعقيداً تحد من قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة تخدم رؤيتها.
وتؤكد التجارب الأخيرة في غزة ولبنان، وكذلك في المواجهات مع إيران، أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنتاج تسويات سياسية دائمة، إذ تتسع الفجوة بين القدرة على استخدام القوة وبين القدرة على تحويلها إلى مكاسب استراتيجية مستقرة.
وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بإدارة الأزمات ومنع انفجارها من سعيها إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي.
ومن زاوية أخرى، فإن هذا التحول ينعكس مباشرة على القضية الفلسطينية. فمن جهة، قد يفتح المجال أمام تعددية أكبر في المواقف الدولية ويقلل من احتكار الولايات المتحدة لمسار التسوية المفترضة. ومن جهة أخرى، قد يدفع بعض القوى إلى تبني مقاربات تقوم على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، عبر ترتيبات أمنية أو إغاثية أو انتقالية طويلة الأمد.
وهنا تكمن الإشكالية المركزية، إذ تبقى القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني قائمة على إنهاء الأحتلال أولاً وتجسيد الحقوق غير القابلة للتصرف، وليس مجرد ملف إداري أو أمني او اقتصادي قابل للإدارة طويلة الأمد. وفي ظل غياب حل سياسي جذري، قد تتحول محاولات الأحتواء إلى شكل من أشكال تكريس الوضع القائم.
غير أن أي تحول دولي، مهما كان حجمه، لن يلغي الحاجة إلى ارادة سياسية ورؤية فلسطينية موحدة ومشروع وطني تحرري واضح قادر على استثمار المتغيرات الدولية والإقليمية. فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى لا تمنح نتائجها تلقائياً، بل تتوقف على قدرة الشعوب على تحويلها إلى فرص سياسية.
وفي المحصلة، فإننا لسنا أمام انتقال حاسم في موازين القوى بقدر ما نحن أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على الحسم وقدرات اسرائيل على تفوق الردع، وتتقدم فيها سياسات إدارة الأزمات والتوازنات.
ويبقى التحدي الأهم فلسطينياً هو الانتقال من موقع المتلقي للتغيرات إلى موقع الفاعل القادر على توظيفها وتغييرها لا مجرد القبول بها والتكيف معها، بما يخدم إنهاء الأحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

أقلام وأراء

الإثنين 15 يونيو 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب الاقتصادية كأداة للسيطرة الكولونيالية في الضفة الغربية


على ضفة أخرى من ضفاف المواجهة، وفي ظل حالة الصمود وتجذر الفلسطيني بالأرض  وإصراره على الحياة رغم كل ما يعانيه من معاناة بسبب الاجراءات الإسرائيلية  التي لم تقتصر على القتل والتعذيب والابعاد والاعتقال، عملت الحكومة الإسرائيلية على فتح  جبهة اخرى للانتقام من الفلسطينيين عبر الحرب الاقتصادية بكل تجلياتها من تقطيع اوصال المدن والبلدات الفلسطينية وفرض الاغلاق والحصار من خلال الحواجز والبوابات التي تجاوزت الـ (1000)حاجز وبوابة منتشرة على مداخل المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية اضافة الى حرمان الآلاف من العمال  من  العودة الى عملهم في الداخل الإسرائيلي  واحتجاز اموال المقاصة الفلسطينية، بل  اطلقت فصلا جديدا من فصول الجريمة ومحاولة الانتصار اليائسة من خلال تشريعات اقتصادية للسيطرة على الارض ونهب الموارد الطبيعية لخلق بيئة طاردة للفلسطيني من ارضه ووطنه.
 في مقابل ذلك تقوم الحكومة الإسرائيلية بتقديم محفزات وتسهيلات مالية واقتصادية وضريبية للمستوطنات في الضفة الغربية من أجل تعزيز السيطرة الكولونيالية، لأن السيطرة على الاقتصاد من الناحية التاريخية تشكل ركيزة أساسية  لتعزيز الحضور الديموغرافي اليهودي وتثبيت النفوذ على الأرض وقد استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين  كوسيلة مؤثرة لإحداث اختلالات في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العربي الفلسطيني، بما انعكس على مستوى استقراره وقدرته على الصمود مواجهة التحديات.
وتثبيتا لتلك السياسة الاقتصادية الإسرائيلية فقد أقر الكنيست الإسرائيلي فجر الخميس الموافق 4 يونيو/ حزيران 2026م بالقراءتين الثانية والثالثة مشروع قانون، يمنح سكان المستوطنات في  الضفة الغربية حزمة امتيازات مالية وضريبية غير مسبوقة  وبأثر رجعي، ابتداءً من كانون الثاني 2026، ويظل ساري المفعول حتى 31 كانون الأول 2027 ويجوز لوزير المالية بموافقة اللجنة المالية، تمديد صلاحية القانون بعد المصادقة عليه لفترات إضافية مستقبلا  كدعم للمستوطنين في الضفة الغربية، اذ يمنح هذا القانون امتياز الإعفاءات الضريبية، اضافة الى ميزات خاصة  لأبناء المستوطنين الطلاب، الانتقال من وإلى المستوطنات في مركبات مصفحة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية ويمنح  القانون كل مستوطن مقيم في الضفة الغربية  الحصول على إعفاء ضريبي، وفقًا للنسبة والحد الأقصى المنصوص عليهما في قانون ضريبة الدخل، مع إمكانية اختياره بين هذا الإعفاء وإعفاء آخر إذا كان يستحق أكثر من إعفاء، حيث اقر هذا القانون بأغلبية (32 )عضوًا و عارضه( 23) عضوا.
ونص القانون  ايضا على منح سكان 58 مستعمرة حوافز ضريبية تتمثل في تخفيضات على ضريبة الدخل تصل إلى 7%، وبحد أقصى يبلغ 10 آلاف شيكل سنوياً للفرد، في الوقت ذاته تقدر الكلفة السنوية لتلك الامتيازات بنحو 130 مليون شيكل، ما يعكس حجم الدعم المالي الذي تخصصه الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الاستيطان وتوفير مزايا اقتصادية للمستوطنات، وهذا يشكل مؤشر قوي على  توظيف الأدوات المالية والضريبية في ترسيخ الوجود الاستيطاني وتشجيع التوسع الديموغرافي داخل المستعمرات المقامة في الضفة الغربية.
تكريس الفصل القانوني والإداري للاحتلال
تم اقرار هذا القانون في  إطار منظومة متكاملة من السياسات والإجراءات القانونية  والإدارية والمالية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية بهدف تعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وترسيخ مقوماته الديموغرافية والاقتصادية بما يتوافق  مع التوجهات الرامية إلى تكريس واقع الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية من خلال توسيع الامتيازات الممنوحة للمستوطنين وتُثير هذه السياسات إشكاليات قانونية وسياسية واسعة، نظراً لتعارضها مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
ومن الناحية التاريخية بعد ان أحكمت إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية في  حرب عام 1967، وجدت نفسها أمام معضلة لم تكن في حساباتها فالأرض التي سعت إلى ضمّها كانت تضم نحو مليون فلسطيني، ما جعل أي خطوة نحو الضم الكامل محفوفة بتحديات ديموغرافية وسياسية وأمنية معقدة، وقامت بفرض نظام يقوم على الفصل القانوني والإداري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع تكريس علاقات غير متكافئة بين الطرفين على مختلف المستويات وتم توظيف منظومة من القوانين والإجراءات الأمنية والإدارية لضبط السكان الفلسطينيين وإدارة وجودهم بما ينسجم مع الاعتبارات الديموغرافية والسياسية للدولة وفرض واقع  جديد حيث تم الجمع بين السيطرة على الأرض والموارد من جهة، والحفاظ على التفوق الديموغرافي والسياسي الإسرائيلي من جهة أخرى، في معادلة ما زالت تلقي بظلالها على المشهد الفلسطيني الإسرائيلي حتى يومنا هذا.
سياق استيطاني ضمن مشروع تهويد الضفة الغربية
ويعتبرّ الاستيطان أحد المرتكزات الأساسية التي قام عليها المشروع الصهيوني، إذ شكّل أداةً مركزية لتحقيق المشروع السياسي الهادف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين وقد بدأ بتشجيع الهجرة اليهودية و إنشاء المستعمرات الاستيطانية وتوسيعها وتهويد الأرض وإحكام السيطرة على الموارد الاقتصادية، بما يخدم ترسيخ الوجود الاستيطاني وتعزيز مقوماته السياسية والاقتصادية.
جاء هذا  القانون ليمنح سكان المستوطنات مزايا ضريبية خاصة مشابهة لما يتمتع بها سكان المدن والبلدات الإسرائيلية، في اشارة الى تكريس الضم الفعلي للمستوطنات، ضمن سياق الضم الصامت الذي تنفذه الحكومة الإسرائيلية الاكثر فاشية والاكثر تطرفا في تاريخ دولة إسرائيل، ويعمل هذه القانون  على إعادة تشكيل البنيه الاقتصادية عبر أدوات قانونية وعسكرية وبيروقراطية ويوظف كنظام   للهيمنة و السيطرة على الاراض والموارد  في الضفة الغربية.

أداة انتخابية سياسية في كسب أصوات المستوطنين
ان اقرار هذا القانون المقدم من عضو الكنيسيت تسفي سكوت من حزب الصهيونية الدينية في القوت الذي تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية وتظهر استطلاعات الراي عدم تجاوز حزب الصهيونية الدينية نسبة الحسم يأتي في اطار استراتيجية حزبية تستهدف تعزيز دعم القاعدة الانتخابية لحزب الصهيونية الدينية لدى جمهور المستوطنين والحصول على الاصوات في ظل السباق الانتخابي، في الوقت ذاته لا تنفصل اقرار هاذ القانون عن الاعتبارات الأيديولوجية والحسابات السياسية الداخلية، إذ يُنظر إليه باعتباره كما ينسجم المشروع مع التوجهات الرامية إلى توسيع وتعميق النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.

اقتصاد

الإثنين 15 يونيو 2026 9:58 صباحًا - بتوقيت القدس

هبوط حاد في أسعار النفط عقب اتفاق أمريكي إيراني لإنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز

شهدت أسواق الطاقة العالمية تراجعاً حاداً في أسعار النفط صباح اليوم الاثنين، حيث فقدت البراميل أكثر من 4 دولارات من قيمتها فور الإعلان عن توافق مبدئي بين الولايات المتحدة وإيران. وجاء هذا الهبوط مدفوعاً بتبدد المخاوف بشأن إمدادات النفط العالمية بعد التوصل لاتفاق ينهي حالة الحرب ويضمن استئناف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي. وقد سجلت العقود الآجلة لخام برنت انخفاضاً بنسبة 4.7% لتستقر عند 83.25 دولاراً، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 5.1% ليصل إلى أدنى مستوياته منذ مارس الماضي.

وفي سياق الوساطة الدولية، كشف رئيس الوزراء الباكستاني عن دور بلاده في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، مؤكداً أن العاصمة السويسرية ستشهد يوم الجمعة المقبل مراسم توقيع مذكرة تفاهم رسمية. من جانبه، شدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على أن المرحلة المقبلة ستشهد إنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية بشكل كامل. وتهدف هذه الخطوات إلى تأمين ممرات التجارة الدولية وضمان تدفق الطاقة دون عوائق عسكرية، مما انعكس فوراً على مؤشرات البورصات العالمية.

على الصعيد الأوروبي، أبدت دول مجموعة E4 التي تضم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، ترحيباً واسعاً بالانفراجة السياسية الأخيرة، معلنةً استعدادها لاتخاذ خطوات عملية لرفع العقوبات الاقتصادية. ويرتبط هذا التوجه بمدى التزام طهران بالتفاهمات الجديدة المتعلقة ببرنامجها النووي والخطوات التقنية التي اتخذتها مؤخراً. ويرى مراقبون أن هذا التحول الدبلوماسي قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط بعد سنوات من التوتر والصدام.

وتترقب الأوساط الاقتصادية الآن الجدول الزمني لعودة عمليات إنتاج وتصدير النفط من دول المنطقة إلى مستوياتها الطبيعية قبل اندلاع النزاع. وتعمل الفرق الفنية على تقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة تمهيداً لإعادة تأهيلها وضخ كميات إضافية في الأسواق العالمية. ومن المتوقع أن يؤدي استئناف الملاحة في مضيق هرمز إلى تخفيف الضغوط التضخمية الناتجة عن تكاليف الشحن والتأمين، مما يعزز من فرص التعافي الاقتصادي العالمي في المدى المنظور.

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل تبلغ واشنطن برفض الانسحاب من لبنان وتواصل عملياتها العسكرية جنوباً

شهدت مناطق جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً ميدانياً صباح اليوم الإثنين، حيث استهدفت طائرة مسيرة إسرائيلية سيارة مدنية في بلدة كفرتبنيت، ما أسفر عن وقوع إصابات متفاوتة بين المواطنين. وتزامن هذا الهجوم مع قصف مدفعي مكثف طال أطراف البلدة ومدينة النبطية الفوقا، في إطار استمرار العمليات الهجومية التي يشنها الاحتلال على القرى الحدودية.

وفي تطور ميداني آخر، نفذت وحدات من الجيش الإسرائيلي عمليات تفجير واسعة في محيط بلدة الخيام باتجاه منطقة الدردارة، كما تم رصد تفجير آلية مفخخة ومسيرة يتم التحكم بها عن بُعد على الطريق الواصل بين حاريص وتبنين. وتأتي هذه التحركات في ظل تحليق مستمر للطيران المسير الذي ألقى قنابل صوتية فوق قضاء بنت جبيل لترهيب السكان المحليين.

وعلى الصعيد السياسي، كشفت تقارير إعلامية عن موقف إسرائيلي متشدد تجاه مساعي التهدئة الدولية، حيث نقلت مصادر عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأكيده للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن تل أبيب لا تنوي الانسحاب من المواقع التي سيطرت عليها في لبنان. وأوضح نتنياهو أن حكومته غير ملزمة بأي تفاهمات قد تفرض قيوداً على تحركات جيشها داخل الأراضي اللبنانية في المرحلة المقبلة.

من جانبه، عزز وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير هذا التوجه بتصريحات علنية أكد فيها أن أي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران لن يكون ملزماً لإسرائيل بأي حال من الأحوال. وتعكس هذه التصريحات رغبة اليمين الإسرائيلي في الحفاظ على حرية العمل العسكري الكاملة في الجبهة الشمالية بعيداً عن الضغوط الدبلوماسية الدولية.

وفي ظل هذه الأجواء المتوترة، رصدت مصادر ميدانية حركة عودة محدودة لبعض العائلات النازحة نحو مدينة صور وعدد من القرى الواقعة جنوب نهر الليطاني. ورغم رغبة الأهالي في العودة إلى منازلهم، إلا أن الحذر الشديد يخيم على المنطقة بسبب استمرار التهديدات الإسرائيلية وعدم وضوح الرؤية بشأن وقف إطلاق النار.

بدورها، أطلقت البلديات المحلية والهيئة الصحية الإسلامية نداءات عاجلة للسكان تطالبهم بالتريث وعدم التسرع في العودة إلى المناطق الحدودية قبل صدور إعلانات رسمية تضمن سلامتهم. وحذرت الهيئات من أن المخاطر الميدانية، بما في ذلك الألغام والقصف المفاجئ، لا تزال قائمة وتشكل تهديداً مباشراً على حياة المدنيين في القرى التي شهدت اشتباكات.

في المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من الهجمات الصاروخية والمدفعية استهدفت نقاط تمركز القوات الإسرائيلية في محيط معتقل الخيام وبلدة طيرحرفا وقلعة الشقيف. وأكدت مصادر الحزب أن مقاتليه استهدفوا أيضاً مربضاً مدفعياً مستحدثاً في بلدة العديسة، مشددة على استمرار العمليات الدفاعية لصد التوغلات الإسرائيلية في العمق اللبناني.

اسرائيليات

الإثنين 15 يونيو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس

مخاوف في تل أبيب من 'اتفاق واشنطن وطهران': شرعية دولية جديدة للنظام الإيراني

تتصاعد حدة القلق داخل الأوساط السياسية والأمنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، مع تواتر الأنباء حول قرب توصل الإدارة الأمريكية إلى تفاهمات جديدة مع طهران. وترى محافل إسرائيلية أن هذا الاتفاق المرتقب قد يفتح الباب أمام إعادة تمكين إيران في المنطقة عبر تخفيف العقوبات الدولية ومنحها غطاءً شرعياً يعزز من حضورها الإقليمي.

وأفادت مصادر إعلامية عبرية بأن التوجه الحالي لواشنطن يمثل خيبة أمل كبيرة للقوى التي كانت تراهن على تشديد الحصار على النظام الإيراني. واعتبرت هذه المصادر أن أي تفاهم لا يشمل معالجة الملفات الجوهرية التي تثير قلق تل أبيب سيعتبر فشلاً استراتيجياً في احتواء التهديدات الإيرانية المتنامية.

ويبرز ملف الصواريخ الباليستية كأحد أهم نقاط الخلاف والقلق، حيث تشير التقارير إلى أن المسودة المطروحة للاتفاق لا تضع قيوداً واضحة على تطوير هذه القدرات. وهذا يعني بقاء العمق الإسرائيلي تحت تهديد مباشر من ترسانة صاروخية متطورة تستمر طهران في تحديثها دون رادع دولي حقيقي.

علاوة على ذلك، يغيب عن طاولة المفاوضات الحالية أي بند يتعلق بفك الارتباط بين طهران وحلفائها في المنطقة، وهو ما تعتبره مصادر عبرية ضوءاً أخضر لاستمرار الدعم المالي والعسكري لجماعات مسلحة. ويشمل ذلك تعزيز قدرات حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، بالإضافة إلى الفصائل المسلحة في العراق وحركة حماس.

وترى التحليلات الإسرائيلية أن الشعب الإيراني والمعارضة في الخارج سيكونون من أكبر الخاسرين من هذا التقارب المفاجئ. فبعد سنوات من الاحتجاجات والمطالبة بتغيير النظام، يأتي الاتفاق ليعطي قبلة حياة للسلطة في طهران، مما يحبط آمال التغيير السياسي التي دعمتها واشنطن في فترات سابقة.

وفي السياق اللبناني، تشير التقديرات إلى أن الاتفاق سيجهض آمال قطاعات واسعة من اللبنانيين في التخلص من الهيمنة الإيرانية على مفاصل الدولة. فاستمرار تدفق الدعم لحزب الله سيحول دون تحقيق أي تعافٍ اقتصادي أو سياسي حقيقي، ويجعل لبنان رهينة للتجاذبات الإقليمية المرتبطة بالمحور الإيراني.

كما يسود اعتقاد في تل أبيب بأن حركة حماس ستحصل على دفعة معنوية ومادية كبيرة نتيجة هذا الاتفاق، خاصة في ظل فشل الجهود العسكرية في إنهاء وجودها بشكل كامل. وترى المصادر أن تعزيز موقع المحور الإيراني سيجعل من مطالب نزع سلاح الفصائل الفلسطينية واللبنانية أمراً بعيد المنال في المستقبل المنظور.

وتقارن الأوساط الإسرائيلية بين التحركات الحالية والاتفاق النووي الذي وقع عام 2015، والذي وصفه الرئيس دونالد ترامب سابقاً بأنه 'سيئ وفاسد'. ويبدو من المفارقة أن الإدارة الحالية قد تعود لمسار مشابه رغم الانسحاب السابق وفرض عقوبات مشددة ألحقت أضراراً بالغة بالاقتصاد الإيراني في سنوات مضت.

وتنتقد التقارير العبرية ما تصفه بـ 'الازدواجية الغربية' في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، حيث يتم التركيز على ملفات معينة بينما يتم التغاضي عن ممارسات النظام الإيراني. ويأتي هذا الانتقاد في ظل تعيين ممثلين إيرانيين في لجان دولية تابعة للأمم المتحدة بدعم من دول أوروبية وغربية بارزة.

وعلى صعيد العلاقة بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، تشير المصادر إلى أن التنسيق العسكري التكتيكي لم يرقَ بعد إلى مستوى استراتيجية شاملة قادرة على حسم التهديد الإيراني. فرغم العمليات المشتركة والضربات النوعية، إلا أن الهدف النهائي المتمثل في تقويض النفوذ الإيراني لا يزال بعيداً عن التحقق.

وتحذر يديعوت أحرونوت من أن رفع العقوبات الاقتصادية سيمنح طهران الموارد اللازمة لتسريع برامجها العسكرية والنووية تحت غطاء الاتفاق. وهذا السيناريو يضع إسرائيل أمام خيارات صعبة، حيث قد تجد نفسها مضطرة للتحرك بشكل منفرد لحماية أمنها القومي بعيداً عن المظلة الأمريكية.

إن حالة الإحباط الإسرائيلية تنبع أيضاً من شعور تل أبيب بأن واشنطن تعطي الأولوية للاستقرار المؤقت على حساب الحلول الجذرية. فالاتفاق المرتقب قد يؤدي إلى تهدئة قصيرة الأمد، لكنه يزرع بذور صراعات أكبر في المستقبل عبر تقوية أطراف المحور الذي تقوده إيران في المنطقة.

وفي الختام، يبدو أن معالجة 'المعضلة الإيرانية' ستبقى ملفاً مفتوحاً ينتظر الإدارات القادمة في واشنطن وتل أبيب، في ظل غياب رؤية موحدة لإنهاء التهديد. وتظل الآمال الإسرائيلية معلقة على إمكانية حدوث تغيير في السياسة الأمريكية يعيد فرض الضغوط القصوى على طهران بدلاً من مهادنتها.

وتؤكد المصادر أن التداعيات لن تقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل ستمتد لتشمل التوازنات السياسية في الشرق الأوسط برمته. فاعتراف دولي جديد بإيران كقوة إقليمية شرعية سيغير من قواعد اللعبة ويفرض واقعاً جديداً يتعين على دول المنطقة التعامل معه بحذر شديد.

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 9:14 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق مفاجئ لوقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن بوساطة باكستانية

كشف رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن نجاح جهود الوساطة في التوصل إلى اتفاق سلام تاريخي بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأوضح شريف أن هذا الاتفاق جاء ثمرة لمحادثات مكثفة ومعقدة، حيث تعهد الطرفان بالوقف الفوري والدائم لكافة الأنشطة العسكرية والعدائية على جميع الجبهات المشتعلة، مع الإشارة صراحة إلى شمول التهدئة للساحة اللبنانية.

ومن المقرر أن تشهد العاصمة السويسرية مراسم التوقيع الرسمي على هذه المذكرة في التاسع عشر من حزيران الجاري، بحضور دولي رفيع المستوى. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن الوسطاء سيعملون خلال الأيام القليلة القادمة على تيسير سلسلة من الاجتماعات الفنية والسياسية لضمان دخول الاتفاق حيز التنفيذ بسلاسة، ووضع الآليات اللازمة لمراقبة الالتزام ببنود التهدئة الشاملة.

من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن قبولها بمذكرة التفاهم لم يأتِ إلا بعد ضمان إدراج كافة المطالب الأساسية لطهران ضمن النص النهائي للاتفاق. وشدد نائب وزير الخارجية الإيراني على أن بلاده لا تبني مواقفها على الثقة المطلقة بالجانب الأمريكي، بل على ضمانات ملموسة، مؤكداً أن طهران ستحتفظ بحق الرد واتخاذ إجراءات سيادية في حال رصد أي خروقات ميدانية من قبل الطرف الآخر.

وفيما يتعلق بالتبعات الاقتصادية والميدانية الفورية، أفادت مصادر إعلامية ببدء إجراءات إنهاء الحصار البحري الذي كانت تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية اعتباراً من ليلة الإعلان. ومن المتوقع أن تستمر المفاوضات بين الجانبين لمدة 60 يوماً إضافية عقب التوقيع الرسمي، وذلك بهدف صياغة اتفاق نهائي وشامل يعالج كافة القضايا العالقة بين القوتين الإقليمية والدولية.

وعلى الصعيد العالمي، أحدث الإعلان صدمة إيجابية في الأسواق الدولية، حيث سجلت أسعار النفط تراجعاً ملحوظاً بنسبة تجاوزت 3% فور انتشار أنباء التهدئة. ويرى مراقبون أن هذا الاتفاق قد يمهد الطريق لإعادة صياغة التوازنات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع النص الصريح على إنهاء العمليات العسكرية في مختلف الجبهات المرتبطة بالصراع الإيراني الأمريكي.

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس

ترقب دولي لتوقيع اتفاق واشنطن وطهران في جنيف وجدل أمريكي حول الأموال المجمدة

أعربت باكستان عن ترحيبها الرسمي بالتفاهمات المعلنة بين الولايات المتحدة وإيران، واصفة إياها بالخطوة الجوهرية نحو تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأكدت الخارجية الباكستانية أن هذا المسار الدبلوماسي يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الإقليمي وينهي حالة التوتر التي سادت لسنوات طويلة.

وفي سياق متصل، وجه وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار شكر بلاده للدول التي لعبت دور الوساطة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. وخص بالذكر جهود المملكة العربية السعودية ودولة قطر وتركيا ومصر، مشيراً إلى أن تكاتف هذه القوى ساهم في الوصول إلى هذه المرحلة المتقدمة من التفاوض.

من جانبها، كشفت مصادر مطلعة أن العاصمة السويسرية جنيف ستكون مسرحاً لمراسم التوقيع الرسمي على الاتفاق يوم الجمعة المقبل. وأشار جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلى احتمالية حضور الرئيس دونالد ترمب شخصياً لهذه المراسم، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها الإدارة لهذا الملف.

ورغم الأجواء التفاؤلية، وصف الرئيس ترمب الاتفاق بأنه 'إنجاز تاريخي' سيعيد رسم الخارطة السياسية والأمنية في المنطقة، لكنه لم يغفل الجانب الردعي. فقد أكد في تصريحات صحفية أن الخيار العسكري سيظل مطروحاً على الطاولة في حال إخفاق المسار الدبلوماسي في منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

ويهدف الاتفاق المرتقب بشكل أساسي إلى تأمين حركة الملاحة العالمية في مضيق هرمز، الذي يعد شريان الطاقة العالمي. وتتضمن البنود البدء الفوري في عمليات إزالة الألغام البحرية ورفع القيود عن السفن التجارية، مما ينهي شهوراً من التهديدات والهجمات المتبادلة في المياه الدولية.

وتسعى واشنطن من خلال هذا التفاهم إلى وضع ترتيبات طويلة الأمد تضمن الرقابة الصارمة على البرنامج النووي الإيراني. وبحسب مصادر مسؤولة، فإن الاتفاق سيوفر آليات تحقق دولية تمنع أي محاولات مستقبلية لتطوير قدرات عسكرية نووية، مقابل تخفيف تدريجي لبعض الضغوط الاقتصادية.

ومع ذلك، لا يزال الاتفاق يواجه تحديات قانونية وسياسية، حيث لم يتم نشر الوثيقة النهائية الموقعة حتى اللحظة. ويثير غياب النص الكامل تساؤلات حول طبيعة الالتزامات المتبادلة والجداول الزمنية للتنفيذ، خاصة في ظل وجود تباينات طفيفة في الروايات الرسمية الصادرة من واشنطن وطهران.

وفي الداخل الأمريكي، برز ملف الأموال الإيرانية المجمدة كأحد أكثر النقاط إثارة للجدل بين الإدارة والمعارضة الجمهورية. ونفت مصادر في الإدارة الأمريكية بشكل قاطع التقارير التي تحدثت عن نية واشنطن الإفراج الفوري عن نحو 12 مليار دولار لصالح إيران بمجرد التوقيع.

وأوضحت مصادر لوسائل إعلام أمريكية أن أي مكاسب مالية ستحصل عليها طهران ستكون مشروطة بالتحقق العملي من تنفيذ التزاماتها. ووصفت الإدارة المعلومات المتداولة حول 'الإفراج الفوري' بأنها مضللة، مؤكدة أن العملية ستخضع لرقابة صارمة وقياس دقيق لمدى التزام الجانب الإيراني.

من جهته، قاد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام جبهة المعارضة داخل الكونغرس، مطالباً بضرورة عرض الاتفاق النهائي على المشرعين لمراجعته. وأعرب غراهام عن قلقه من وجود فجوة بين ما يعلنه المفاوضون الأمريكيون وما تروج له طهران لمواطنيها حول مكاسب الاتفاق.

ويرى مراقبون أن الأيام القليلة القادمة ستشهد تصعيداً في السجال السياسي داخل الولايات المتحدة مع اقتراب موعد جنيف. ويحاول معارضو الاتفاق الضغط على إدارة ترمب لضمان عدم تقديم تنازلات اقتصادية واسعة قبل الحصول على ضمانات أمنية ملموسة وغير قابلة للتراجع.

وعلى الصعيد الميداني، تترقب شركات الملاحة الدولية البدء الفعلي في تنفيذ بنود الاتفاق المتعلقة بمضيق هرمز. ويمثل تأمين هذا الممر المائي أولوية قصوى للمجتمع الدولي لضمان استقرار أسعار الطاقة وتدفق التجارة العالمية دون عوائق عسكرية أو أمنية.

وتشير التقارير إلى أن الفرق الفنية بدأت بالفعل في إعداد الخطط اللوجستية لعمليات إزالة الألغام البحرية بالتنسيق مع قوى إقليمية. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة اختبار أولي لمدى جدية الطرفين في تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع ملموس على الأرض ينهي حالة التأزم.

ويبقى التساؤل القائم حول قدرة هذا الاتفاق على الصمود أمام الضغوط الداخلية في كلا البلدين. فبينما تبحث طهران عن متنفس اقتصادي سريع، تسعى واشنطن لتحقيق نصر دبلوماسي يضمن أمن حلفائها في المنطقة، وهو توازن دقيق سيتضح مدى نجاحه بعد نشر الوثيقة الرسمية في جنيف.

تحليل

الإثنين 15 يونيو 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

النظام السياسي الفلسطيني في مرحلة إعادة التشكل: دلالات تعديل قانون الانتخابات العامة

في لحظة سياسية تتسم بتراكم الأزمات وإعادة ترتيب قواعد العمل السياسي الفلسطيني، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرارًا بتعديل قانون الانتخابات العامة، في خطوة تتجاوز كونها تحديثًا تقنيًا، لتتحول إلى محاولة لإعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني من حيث التمثيل وآليات الحكم والعلاقة بين المؤسسات السياسية القائمة، في سياق التحضير لانتخابات تشريعية ووطنية متوقعة في عام 2026، وإعلان نية إجراء انتخابات رئاسية في عام 2027، وبعد سنوات طويلة من تعطّل المجلس التشريعي وحله بقرار رئاسي عام 2018، وغياب انتخابات منذ عام 2006.

شملت التعديلات رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي من 132 إلى 200 عضو، وهو تغيير لا يعكس مجرد توسع عددي، بل إعادة توزيع أوسع لمفهوم التمثيل السياسي داخل المؤسسة التشريعية، بما يتيح دخول قوى جديدة ويقلل نسبيًا من احتكار الفصائل الكبرى للمقاعد، ويعيد توزيع الفرص على قوى جديدة ومستقلين وشباب ونساء. كما تم خفض نسبة الحسم الانتخابية من 2% إلى 1%، وهو تعديل يبدو بسيطًا من الناحية الحسابية لكنه يحمل أثرًا سياسيًا عميقًا، إذ يفتح الباب أمام القوائم الصغيرة والمستقلين لدخول البرلمان بسهولة أكبر، ويزيد من عدد الفاعلين السياسيين داخله، بما يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التمثيل بشكل أكثر تنوعًا وتجزؤًا في الوقت نفسه. وإلى جانب ذلك، شملت التعديلات رفع عدد المرشحين في كل قائمة إلى 20، وتعزيز تمثيل النساء عبر اشتراط وجود امرأة واحدة على الأقل لكل ثلاثة مرشحين، إضافة إلى خفض سن الترشح إلى 23 عامًا بدلًا من 28 عامًا، بما يفتح المجال أمام جيل سياسي أصغر وأكثر تنوعًا.

هذا التوسع في قواعد المشاركة لا يمكن فصله عن نتائجه البنيوية، إذ إن الجمع بين زيادة عدد المقاعد وخفض نسبة الحسم يؤدي إلى إنتاج برلمان أكثر تعددية، لكنه في الوقت نفسه أقل قابلية لتشكيل أغلبية مستقرة. فكلما اتسعت قاعدة الدخول إلى المجلس، زادت الكتل والقوائم، وتراجعت إمكانية هيمنة فصيل واحد أو حتى تحالف محدود على القرار التشريعي. وبهذا المعنى، ينتقل النظام السياسي من منطق الحسم إلى منطق التفاوض المستمر، حيث تصبح التحالفات ضرورة دائمة وليست خيارًا، ويصبح الاستقرار مرهونًا بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة توازنات معقدة داخل مؤسسة أكثر ازدحامًا وتنوعًا.

في هذا السياق، تصبح العلاقة بين القوى السياسية الفلسطينية، وعلى رأسها حركة فتح وحركة حماس، أكثر تعقيدًا، إذ يصعب على أي طرف تحقيق أغلبية منفردة، ما يعني أن التأثير السياسي لن يرتبط فقط بحجم الكتلة الانتخابية، بل بقدرة كل طرف على بناء تحالفات مرنة مع قوى أخرى، بما في ذلك القوائم الصغيرة والمستقلين الذين قد يتحولون إلى عناصر حاسمة في ترجيح الكتل داخل البرلمان، وبدل أن يكون ميزان القوة قائمًا على التفوق العددي وحده، يصبح قائمًا أيضًا على القدرة على المناورة وبناء الشراكات داخل مشهد متعدد الأطراف.

سياسيًا، تعيد هذه التعديلات توزيع المكاسب بين الفاعلين المختلفين دون أن تمنح طرفًا واحدًا تفوقًا حاسمًا؛ إذ تستفيد حركة فتح من تعزيز موقعها داخل البنية السياسية العامة وقدرتها على إدارة تحالفات داخل برلمان أكثر تعددية، بينما تجد حركة حماس فرصة أوسع لتحويل ثقلها الشعبي إلى تمثيل مؤسسي داخل المجلس التشريعي، مع إمكانية امتداد هذا الحضور إلى المجلس الوطني ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية. في المقابل، يُعد المستقلون والقوائم الصغيرة الأكثر استفادة من الناحية الانتخابية المباشرة نتيجة خفض نسبة الحسم وتوسيع عدد المقاعد، ما يتيح لهم دخول البرلمان وتأدية دور تفاوضي مؤثر رغم محدودية حجمهم. أما تمثيل الخارج، فيستعيد جزءًا من وزنه داخل معادلة التمثيل الوطني من خلال ربط الداخل بالمجلس الوطني، لكنه يظل خاضعًا لمنطق التوافقات السياسية أكثر من كونه عنصر حسم مستقل. وبهذا المعنى، لا تفرز التعديلات رابحًا واحدًا بقدر ما تعيد تشكيل ميزان القوى داخل نظام أكثر تعددية وتوازنات معقدة.

في حال جرت الانتخابات دون توافق سياسي مسبق بين القوى الرئيسية، فإن المشهد قد يتجه إلى عدة مسارات محتملة: استمرار الانقسام داخل إطار برلماني مع كتل كبيرة غير قادرة على الحسم وما يرافقه من شلل جزئي وصعوبة في تمرير القوانين؛ أو تعايش اضطراري يتم فيه التعاون على القضايا اليومية مثل الميزانيات والخدمات مع بقاء الخلافات السياسية الكبرى دون حل؛ أو تشكيل حكومة توافق أو وحدة وطنية جزئية تحت ضغط داخلي أو خارجي لكنها تبقى هشّة بسبب التباين العميق في المشاريع السياسية؛ أو في السيناريو الأكثر تعقيدًا إعادة إنتاج الانقسام داخل المؤسسات، بحيث يتحول المجلس إلى ساحة صراع سياسي دائم تتعدد فيه مراكز القرار وتتداخل فيه الشرعيات ويُعطّل فيه العمل التشريعي أو يتباطأ بشكل مزمن.

وتزداد حساسية هذه التحولات مع البعد الأعمق المتعلق بالربط بين المجلس التشريعي والمجلس الوطني الفلسطيني، إذ يُفترض أن يصبح أعضاء المجلس التشريعي تلقائيًا أعضاء في المجلس الوطني، ما يعني أن نتائج الانتخابات لن تبقى محصورة داخل السلطة التشريعية، بل ستنتقل مباشرة إلى البنية التمثيلية الأوسع للشعب الفلسطيني ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

وهنا يظهر التحول الأهم: دخول قوى مثل حماس أو الجهاد الإسلامي، في حال مشاركتها وفوزها، لن يقتصر على التمثيل البرلماني، بل سيمتد تلقائيًا إلى المجلس الوطني، أي إلى المؤسسة الجامعة للتمثيل الفلسطيني في الداخل والخارج، دون أن يعني ذلك تلقائيًا اعترافًا بإسرائيل أو تغييرًا مباشرًا في المواقف السياسية، لأن العضوية في مؤسسة تمثيلية لا تعني تبني كامل مرجعيتها، بل تعني الدخول في إطار تفاوضي أوسع حول طبيعة القرار الوطني، ما يجعل تأثيره الحقيقي مرتبطًا بإعادة تشكيل ميزان القوى داخل المنظمة أكثر من كونه تحولًا أيديولوجيًا مباشرًا.

وفي هذا السياق، يصبح المجلس الوطني الفلسطيني ليس مجرد امتداد عددي للمجلس التشريعي، بل بنية سياسية أوسع تشمل أيضًا الفلسطينيين في الخارج، أي الشتات، بما يعني أن التمثيل الفلسطيني لا يقتصر على الداخل فقط، بل يمتد إلى دول متعددة تشكل فيها الجاليات الفلسطينية جزءًا أساسيًا من البنية السياسية والرمزية للتمثيل الوطني.

وهنا تظهر معادلة توازن أكثر تعقيدًا، إذ إن نتائج انتخابات الداخل لا تكفي وحدها لحسم الأغلبية داخل المجلس الوطني، لأن الخارج يشكل كتلة سياسية موازية ذات وزن تاريخي وتنظيمي مهم داخل منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الوقت نفسه، فإن تمثيل الخارج ليس منفصلًا تمامًا عن الداخل، ولا يقوم على انتخابات مباشرة واسعة، بل يتم غالبًا عبر التوافقات والتعيينات والتمثيل التنظيمي داخل الأطر السياسية القائمة، ما يجعل الخارج نفسه جزءًا من توازنات القوى داخل المنظمة وليس كتلة مستقلة تمامًا عنها. وبهذا المعنى، لا يمكن القول إن الداخل يحسم وحده ميزان المجلس الوطني، ولا يمكن أيضًا اعتبار الخارج عنصرًا منفصلًا بالكامل، بل إن الاثنين يشكلان منظومة توازن متداخلة، حيث يتفاعل النفوذ السياسي بينهما داخل بنية واحدة.

هذا التشابك بين الداخل والخارج يعني أن المجلس الوطني الفلسطيني لا يخضع لمنطق انتخابي مباشر بسيط، بل لمنطق توازنات مركبة، حيث لا تُحسم الأغلبية فقط عبر صناديق الاقتراع في الداخل، ولا عبر التعيين في الخارج، بل عبر تفاعل مستمر بين الكتلتين داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذا المعنى، يصبح التمثيل الفلسطيني منظومة مزدوجة: داخل يُنتج شرعية انتخابية، وخارج يُنتج شرعية تاريخية وتنظيمية، والاثنان معًا يشكلان ميزان القرار النهائي.

وبين هذه البنية المركبة، يتحول النظام السياسي من نموذج بسيط يقوم على برلمان داخلي وحكومة، إلى نظام أكثر تعقيدًا يمتد بين الداخل والشتات، وبين الانتخابات والتعيين، وبين التمثيل المباشر والتوازنات التنظيمية. وفي المحصلة، لا تعيد هذه التعديلات صياغة قانون الانتخابات فقط، بل تعيد صياغة طبيعة النظام السياسي نفسه: من نظام يقوم على أغلبية نسبية داخل مؤسسة تشريعية، إلى نظام ممتد بين الداخل والخارج، وبين الانتخابات والتوافق، وبين التمثيل المباشر والتوازنات التنظيمية، نظام أكثر تعددية واتساعًا، لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا وهشاشة، وأكثر ارتباطًا بقدرة الفاعلين السياسيين على تحويل التعددية من مصدر صراع دائم إلى آلية حكم قابلة للاستمرار.


فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد استيطاني في رام الله: محاولة لإحراق مسجد واعتداءات واسعة على الممتلكات

شهدت محافظة رام الله والبيرة، مساء الأحد، موجة جديدة من اعتداءات المستوطنين التي استهدفت عدة قرى وبلدات، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية جسيمة في ممتلكات المواطنين. وأفادت مصادر ميدانية بأن الهجمات تركزت في مناطق شرق وشمال غرب المحافظة، حيث سادت حالة من التوتر الشديد عقب محاولات استهداف دور العبادة والمنازل السكنية.

وفي قرية برقا شرق رام الله، اقتحمت مجموعات من المستوطنين المنطقة وشرعت في تحطيم أبواب مسجد النور، كما أضرموا النار عند مدخله في محاولة صريحة لإحراقه بالكامل. وقد تمكن أهالي القرية من التصدي للمهاجمين وإخماد الحريق قبل تمدده إلى داخل المسجد، فيما أسفر الاعتداء أيضاً عن إحراق مركبة كانت متوقفة في المكان.

وبالتزامن مع ذلك، تعرضت بلدة دير دبوان لهجوم مماثل استهدف منطقة المراح قرب المدخل الغربي، حيث أقدم المستوطنون على إضرام النيران في مركبتين وتحطيم زجاج مركبتين أخريين. وتأتي هذه الاعتداءات في سياق تصاعدي يهدف إلى ترهيب السكان المحليين وتدمير مقومات صمودهم في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

وفي قرية دير أبو مشعل، تعرض مزارعون فلسطينيون لرشق مكثف بالحجارة أثناء توجههم إلى أراضيهم الزراعية في الجهة الجنوبية من القرية، مما أدى لاندلاع مواجهات مع المستوطنين. وتدخلت قوات الاحتلال عقب الهجوم لتأمين انسحاب المستوطنين، دون أن يبلغ عن وقوع إصابات أو اعتقالات في صفوف المواطنين الذين حاولوا حماية أراضيهم.

وعلى الصعيد العسكري، اقتحمت آليات الاحتلال بلدتي سلواد ويبرود شرق رام الله، ونفذت جولات استفزازية في الشوارع والأحياء السكنية دون تسجيل حالات اعتقال. كما امتدت الاقتحامات لتشمل بلدة بيتا جنوب نابلس ومحيط قرية رابود في مدينة دورا جنوب الخليل، ضمن حملة تضييق واسعة تشهدها محافظات الضفة الغربية.

وفي محافظة نابلس، وثقت مصادر تربوية في مدرسة جالود قيام مستوطنين بإحراق غرف صفية وكتابة شعارات عنصرية تحريضية على جدران المدرسة. وتعكس هذه الحادثة الممنهجة استهداف المؤسسات التعليمية الفلسطينية، وهو ما يتماشى مع تقارير دولية تشير إلى ارتفاع قياسي في وتيرة العنف الممارس من قبل المجموعات الاستيطانية ضد المدنيين.

وتشير معطيات صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إلى أن هجمات المستوطنين باتت تسجل معدلاً يصل إلى 6 هجمات يومياً، مما يسفر عن إصابات وأضرار مادية واسعة. وتؤكد التقارير أن هذه الاعتداءات، المقترنة بقيود الوصول وهدم المنازل، أدت إلى نزوح آلاف الفلسطينيين قسرياً عن أراضيهم خلال العام الجاري.

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 7:13 صباحًا - بتوقيت القدس

الجنرال فاناتشي يطلق حزبه الجديد 'المستقبل الوطني' لمنافسة ميلوني في إيطاليا

أعلن الجنرال الإيطالي السابق روبرتو فاناتشي رسمياً دخوله معترك السياسة من بوابة حزب جديد أطلق عليه اسم 'المستقبل الوطني'، في خطوة تهدف إلى إعادة رسم خارطة القوى اليمينية في البلاد. وقد استُقبل الضابط السابق في قوات المظلات بحفاوة بالغة من أنصاره خلال المؤتمر التأسيسي، حيث وُصف بأنه يمثل تطلعات الفئات التي تشعر بالتهميش في المجتمع الإيطالي الحالي.

ويسعى فاناتشي، البالغ من العمر 57 عاماً، إلى وضع نفسه في مواجهة مباشرة مع رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني قبل الاستحقاقات الانتخابية المقررة العام المقبل. ويرى مراقبون أن هذا التحرك السياسي قد يربك حسابات الائتلاف الحاكم، خاصة أن فاناتشي يطرح نفسه كبديل أكثر راديكالية ووضوحاً في القضايا السيادية والاجتماعية المثيرة للجدل.

وفي خطاب اتسم بالنبرة الشعبوية، أكد فاناتشي أن حزبه يمثل 'المنبوذين والطبقة الدنيا' الذين سئموا من السياسات التقليدية، مشدداً على فخره بهذا التمثيل. ويهدف الجنرال من خلال هذه الاستراتيجية إلى استقطاب القاعدة الانتخابية الغاضبة التي ترى أن التحالف المحافظ الحالي لم يحقق التغييرات الجذرية المرجوة منذ وصوله إلى السلطة.

وتأتي هذه الخطوة بعد مرور أربعة أشهر فقط على انفصال فاناتشي عن حزب 'الرابطة' الذي يقوده ماتيو سالفيني، مما يعكس طموحه في قيادة تيار مستقل. وتمنح استطلاعات الرأي الأولية حركته الجديدة نحو 5% من أصوات الناخبين، وهي نسبة كفيلة بجعله لاعباً مؤثراً وقادراً على سحب البساط من تحت أقدام الأحزاب اليمينية التقليدية في إيطاليا.

وعلى صعيد السياسة الخارجية، يتبنى فاناتشي مواقف تثير قلق الأوساط الأوروبية، حيث يظهر تقارباً واضحاً مع روسيا وخطاباً نقدياً حاداً تجاه مؤسسات الاتحاد الأوروبي. كما يرتبط الجنرال بعلاقات وثيقة مع قوى اليمين المتطرف في القارة، وعلى رأسها حزب البديل من أجل ألمانيا، مما يعزز التوقعات بتشكيل جبهة معارضة قوية للسياسات الأوروبية الموحدة.

ويعد ملف الهجرة الركيزة الأساسية في برنامج حزب 'المستقبل الوطني'، إذ تعهد فاناتشي بتقليص نسبة الأجانب في إيطاليا بشكل دراماتيكي لتصل إلى 4% فقط من إجمالي السكان. وقد أثار تصريحه بشأن استبدال برامج دمج المهاجرين بـ 'برامج ترحيل' قسرية ردود فعل واسعة، مؤكداً عزمه على اتخاذ إجراءات غير مسبوقة في هذا الإطار حال وصوله للسلطة.

وفيما يتعلق بالأمن الداخلي، يضع الجنرال تشديد العقوبات وبناء سجون جديدة على رأس أولوياته، رغم الإحصائيات التي تشير إلى انخفاض معدلات الجريمة في البلاد. واتهم فاناتشي حكومة ميلوني صراحة بالتراجع عن الالتزامات التي قطعتها للناخبين، واصفاً مشروعه السياسي بأنه الوحيد الثابت والمستدام الذي لن يتنازل عن شعاراته الوطنية المتشددة.

تحليل

الإثنين 15 يونيو 2026 6:55 صباحًا - بتوقيت القدس

اتفاق واشنطن وطهران بين وعود السلام ومخاطر الانفجار: لبنان يكشف هشاشة التفاهم المرتقب

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 15/6/2026


تحليل إخباري


صرح مسؤولون أميركيون وإيرانيون، يوم الأحد، بأنهم توصلوا إلى اتفاق بشأن إطار عمل للسلام يهدف إلى إنهاء الحرب بين البلدين، ورفع الحصار الأمريكي المفروض على إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز؛ وهي خطوات قد تؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة بمجرد استئناف شحنات النفط عبر هذا الممر المائي الحيوي.


وكتب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على منصته "تروث سوشيال" (Truth Social) - قرابة الساعة 5:30 مساءً بتوقيت واشنطن (21:30 بتوقيت غرينتش) يوم الأحد - قائلاً: "لقد اكتمل الآن الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية". وجاء منشوره هذا بعيد إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف - الذي لعبت بلاده دور الوسيط - عن التوصل إلى اتفاق في وقت مبكر من يوم الاثنين بالتوقيت المحلي.


وكتب شريف أن الاتفاق سيُوقَّع رسمياً يوم الجمعة في سويسرا.


ولم تتضح على الفور بنود الاتفاق الدقيقة؛ إذ ذكر شريف في منشور على منصة "إكس" أن الاتفاق ينص على "الوقف الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان".


وقد شكل لبنان نقطة شائكة في المفاوضات، في ظل تجاهل كل من إسرائيل وحزب الله للدعوات التي أطلقها ترمب وآخرون لوقف الهجمات المتبادلة بينهما خلال الأسابيع الأخيرة.


كما صرح ترامب بأن مضيق هرمز -وهو ممر ملاحي رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية كانت إيران قد أغلقته فعلياً لعدة أشهر- سيُفتح يوم الجمعة، مشيراً إلى أنه أصدر أمراً بإنهاء الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية.


كتب ترمب: "يا سفن العالم، شغّلنَ محركاتكنّ. ودعنَ النفط يتدفق!"


انخفضت أسعار النفط عقب هذه الأنباء؛ إذ تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 4% في التعاملات المبكرة يوم الاثنين، في حين هبط خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بأكثر من 4.6%.


وصرح كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني، بأنه سيتم التفاوض على اتفاق أوسع نطاقاً خلال فترة وقف إطلاق النار التي تمتد لستين يوماً، بما في ذلك تخفيف العقوبات. كما ستتم مناقشة مصير البرنامج النووي الإيراني في تلك المحادثات اللاحقة، وفقاً لما ذكرته مصادر لوكالة "رويترز" في وقت سابق.


وقد قُتل الآلاف، معظمهم في إيران ولبنان، منذ أن شنت القوات الأمريكية والإسرائيلية هجومها الأول على إيران في 28 فبراير/شباط. وشنت إيران هجمات على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد أمريكية، كما فرضت حصاراً فعلياً على مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية؛ ورداً على ذلك، قامت القوات الأمريكية بفرض حصار على الموانئ الإيرانية.


تسارعت التطورات السياسية والدبلوماسية في المنطقة مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأحد، التوصل إلى اتفاق مع إيران، في خطوة وُصفت بأنها قد تمهد لإنهاء واحدة من أخطر المواجهات التي شهدها الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. وبينما تحدث ترمب بثقة عن اتفاق بات شبه مكتمل، وأشار إلى إنهاء الحصار البحري المفروض على إيران وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التفاهمات، بدا المشهد أكثر تعقيداً من الجانب الإيراني، حيث استمرت حالة الغموض والتردد الرسمي بشأن المصادقة النهائية على مذكرة التفاهم.


وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الاتفاق المرتقب سيفتح الباب أمام مفاوضات تمتد ستين يوماً بهدف تثبيت وقف العمليات العسكرية ووضع أسس تسوية أوسع تشمل ملفات أمنية واستراتيجية شائكة. كما تحدثت تقارير عن التزام إيراني بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي مقابل ترتيبات تتعلق بحرية الملاحة وتخفيف التوترات الإقليمية، غير أن التفاصيل النهائية لا تزال بعيدة عن الوضوح الكامل.


وفيما أعلنت باكستان، التي لعبت دوراً محورياً في الوساطة، أن مراسم التوقيع الرسمية ستُعقد في سويسرا خلال الأيام المقبلة، أكدت مصادر مقربة من فريق التفاوض الإيراني أن القرار النهائي لا يزال قيد المراجعة القانونية والسياسية والتقنية. هذا التباين بين الحماسة الأميركية والتحفظ الإيراني يعكس فجوة واضحة في قراءة الطرفين لطبيعة التفاهم وحدوده السياسية.


وجاءت الضربات الإسرائيلية على بيروت لتضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد. فقد استهدفت الغارات مواقع قالت إسرائيل إنها تابعة لحزب الله، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وتصاعد أعمدة الدخان فوق العاصمة اللبنانية. ورغم أن حكومة بنيامين نتنياهو بررت العملية بأنها رد على هجمات استهدفت شمال إسرائيل، فإن توقيتها أثار تساؤلات واسعة، خصوصاً أنها جاءت في لحظة حساسة تسبق الإعلان النهائي عن الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران.


ولم يُخفِ ترمب انزعاجه من العملية العسكرية، معتبراً أن الهجوم الإسرائيلي "ما كان يجب أن يحدث" في وقت تقترب فيه المنطقة من فرصة نادرة للتوصل إلى تفاهم سياسي. ويعكس هذا الموقف مؤشراً إضافياً إلى وجود تباينات متزايدة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية بشأن كيفية إدارة المرحلة المقبلة، ولا سيما أن أي تصعيد في لبنان قد يهدد بإفشال المسار التفاوضي بأكمله.


وفي موازاة ذلك، برزت قطر مجدداً كوسيط نشط عبر إرسال وفود إلى طهران لوضع اللمسات الأخيرة على التفاهم، بينما واصلت السعودية وتركيا دعم الجهود الرامية إلى تثبيت الاتفاق. ويشير تعدد الوسطاء إلى إدراك إقليمي واسع بأن أي انهيار للمفاوضات سيعيد المنطقة إلى دوامة التصعيد العسكري والاقتصادي.


وتكشف طريقة الإعلان عن الاتفاق حجم الاختلال في ميزان السرديات السياسية بين واشنطن وطهران. فبينما يسعى ترمب إلى تقديم الاتفاق باعتباره إنجازاً تاريخياً يثبت نجاح سياسة الضغط والقوة، تحاول القيادة الإيرانية تجنب الظهور بمظهر الطرف الذي قدم تنازلات تحت الضغط. ولهذا تبدو التصريحات الإيرانية أكثر حذراً وغموضاً. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور فقط حول بنود الاتفاق، بل حول كيفية تسويقه للرأي العام الداخلي في كلا البلدين، ومن سيُقنع جمهوره بأنه خرج منتصراً من المواجهة الطويلة.


ولا يمكن فصل الضربة الإسرائيلية على بيروت عن السياق السياسي المحيط بالمفاوضات. فإسرائيل تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب أميركي إيراني قد يؤدي إلى تخفيف العزلة عن طهران أو إعادة دمجها تدريجياً في النظام الإقليمي. ومن هذا المنطلق، تبدو العمليات العسكرية الأخيرة رسالة سياسية بقدر ما هي عملية أمنية. كما أنها تذكر واشنطن بأن أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن أن تتجاهل الحسابات الإسرائيلية، حتى لو كانت الإدارة الأميركية تفضل إعطاء الأولوية للدبلوماسية على حساب التصعيد العسكري.


وتكشف الاحتجاجات المتصاعدة داخل إيران عن انقسامً عميقً يتجاوز مجرد الخلاف حول اتفاق محدد. فالمتشددون يرون في أي تفاهم مع الولايات المتحدة تهديداً للهوية السياسية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية منذ عقود. أما المؤيدون للتفاوض فيعتبرون أن استمرار المواجهة المفتوحة يفرض أثماناً اقتصادية واجتماعية باهظة. وبين هذين الاتجاهين تجد القيادة الإيرانية نفسها أمام معادلة معقدة: الحاجة إلى تخفيف الضغوط الخارجية من جهة، والخشية من إثارة صراع داخلي سياسي من جهة أخرى.


ورغم الحديث المتزايد عن السلام، فإن الطريق نحو تسوية مستقرة لا يزال مليئاً بالعقبات. فالقضايا المرتبطة بالعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة والبرنامج النووي ومستقبل النفوذ الإقليمي لطهران لم تُحسم بصورة نهائية. كما أن أي حادث أمني في لبنان أو الخليج أو العراق قد يعيد خلط الأوراق بسرعة. لذلك يبدو الاتفاق المرتقب أقرب إلى إطار أولي لإدارة الصراع وليس إلى تسوية نهائية له. أما نجاحه الفعلي فسيعتمد على قدرة الأطراف على تجاوز أزماتها الداخلية قبل مواجهة تحديات المنطقة.


ويقف الشرق الأوسط أمام لحظة مفصلية قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من خفض التوترات أو تعيد إنتاج الصراعات بأشكال مختلفة. وبين التفاؤل الذي يبديه ترمب، والتحفظ الذي تبديه طهران، والاعتراضات التي تتصاعد في الداخل الإيراني، والقلق الإسرائيلي الواضح، تبدو المنطقة أمام اختبار سياسي معقد ستحدد نتائجه طبيعة التوازنات الإقليمية لسنوات مقبلة. وحتى موعد التوقيع المرتقب، سيظل السؤال الأساسي مطروحاً: هل نشهد بداية سلام حقيقي أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع؟

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 6:13 صباحًا - بتوقيت القدس

مأساة في فوهة بركان.. رحيل 'سبايدر مان اليمن' خلال عرض مغامر في الضالع

فقدت الأوساط اليمنية الشاب المغامر القعقاع بن عنتر العبسي، الذي اشتهر بلقب 'سبايدر مان اليمن'، في حادثة مأساوية هزت منصات التواصل الاجتماعي. ولقي الشاب حتفه إثر سقوطه المفاجئ في فوهة بركانية بمحافظة الضالع، وذلك أثناء ممارسته هوايته الخطرة في تسلق المنحدرات الجبلية الصخرية وأداء حركات بهلوانية أمام الزوار.

وكان العبسي قد نال شهرة واسعة بفضل مهاراته الاستثنائية في التعامل مع التضاريس الوعرة، حيث كان يتسلق المرتفعات الشاهقة دون معدات أمان احترافية. وقد استقطبت مقاطعه المصورة آلاف المتابعين، مما جعل منه أيقونة للمغامرة في المناطق الجبلية جنوبي البلاد، خاصة في منطقة دمت السياحية.

ولم تكن هذه الهواية مجرد شغف شخصي للفقيد الراحل، بل تحولت بمرور الوقت إلى مصدر رزق أساسي يعيل من خلاله أسرته في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. فقد كان القعقاع يقدم عروضاً حية للسياح والوافدين، ويقوم بكتابة أسمائهم على الصخور المطلة على الفوهة البركانية مقابل مبالغ مالية زهيدة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن الحادثة وقعت بينما كان القعقاع يؤدي عرضاً مباشراً أمام وفود سياحية وعشرات العدسات التي كانت توثق لحظات تسلقه. وفي لحظة خاطفة، فقد المغامر توازنه ليهوي إلى قاع الفوهة البركانية ويختفي تماماً عن الأنظار وسط ذهول وصدمة الحاضرين الذين لم يتمكنوا من مساعدته.

وباشرت فرق الدفاع المدني بمشاركة غواصين متخصصين عمليات بحث مضنية استمرت لساعات طويلة في محاولة لإنقاذ الشاب أو انتشال جثمانه. واجهت الفرق صعوبات بالغة نتيجة وعورة التضاريس وانبعاث الغازات الكبريتية السامة من جوف البركان الخامد، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في درجة حرارة المياه في القاع.

وبعد جهود شاقة، تمكنت الفرق من انتشال جثمان القعقاع، الذي كان في الثلاثينيات من عمره، لينهي بذلك مسيرة سنوات من المغامرة التي طالما جذبت الأنظار إلى جماليات الطبيعة في محافظة الضالع. وقد خيم الحزن على المنطقة فور تأكيد خبر الوفاة، نظراً لما كان يتمتع به الشاب من سمعة طيبة وشجاعة نادرة.

وأثارت الحادثة موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت آراء المعلقين بين متعاطف مع ظروف الشاب المعيشية ومنتقد لغياب وسائل الأمان. واعتبر البعض أن الاندفاع وراء 'المحتوى' والمشاهدات قد يدفع الشباب أحياناً إلى مخاطر غير محسوبة العواقب، مؤكدين أن الأرواح أغلى من أي شهرة.

من جانبها، أوضحت مصادر إعلامية أن الفقيد أمضى سنوات طويلة في ممارسة هذه الأنشطة في منطقة دمت، وهي منطقة معروفة بمواقعها الطبيعية الفريدة. وأشارت المصادر إلى أن مقاطع الفيديو التي كان ينشرها ساهمت بشكل كبير في الترويج السياحي للمنطقة وجذب الزوار من مختلف المحافظات اليمنية.

وتجدد النقاش في الشارع اليمني حول مسؤولية الجهات المعنية في تنظيم مثل هذه الأنشطة الخطرة وحماية أصحاب المواهب من المجازفة بحياتهم. وطالب ناشطون بضرورة توفير بدائل اقتصادية للشباب المبدعين، لضمان عدم اضطرارهم لممارسة مهن مميتة من أجل تأمين لقمة العيش لعائلاتهم.

وفي سياق متصل، دعا حقوقيون وناشطون محليون إلى فرض إجراءات سلامة صارمة في المواقع السياحية الوعرة، بما في ذلك إقامة حواجز حديدية وتسييج الفوهات البركانية والمنحدرات. وشدد هؤلاء على أهمية وضع ضوابط واضحة تمنع ممارسة الأنشطة الفردية الخطرة دون توفر تجهيزات احترافية وإشراف مباشر من فرق الإنقاذ.

وختاماً، تظل قصة 'سبايدر مان اليمن' شاهدة على التحديات الكبيرة التي يواجهها الشباب اليمني في سبيل البحث عن الذات والرزق وسط الأزمات. وقد أعادت وفاته تسليط الضوء على الحاجة الملحة لتنظيم قطاع السياحة والمغامرات بما يضمن سلامة الجميع ويحول دون تكرار مثل هذه الفواجع المؤلمة.

عربي ودولي

الإثنين 15 يونيو 2026 5:13 صباحًا - بتوقيت القدس

ترحيب دولي واسع بالاتفاق الأمريكي الإيراني لإنهاء الحرب وتأمين مضيق هرمز

لقي الاتفاق الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب ومعالجة الملفات العالقة ترحيباً دولياً وإقليمياً واسع النطاق. وتأمل العواصم العالمية أن يسهم هذا التفاهم في ترسيخ دعائم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الدبلوماسي.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قد كشف عبر منصة 'إكس' عن التوصل إلى اتفاق سلام يقضي بإنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية. وأوضح شريف أن مراسم التوقيع الرسمية ستُجرى في سويسرا يوم 19 يونيو/حزيران الجاري، وهو ما أكده لاحقاً الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعلانه اكتمال التوافق مع الجانب الإيراني.

من جانبها، سارعت دولة قطر للترحيب بالاتفاق، معتبرة إياه خطوة جوهرية نحو تحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأكدت الدوحة في بيان رسمي أن معالجة القضايا العالقة، ولا سيما ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز الذي عانى من اضطرابات منذ مارس الماضي، يمثل أولوية لتعزيز الأمن الإقليمي والدولي.

وأعرب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، عن تقديره للجهود الباكستانية والأطراف الدولية التي هيأت الظروف لهذا التفاهم. ودعا آل ثاني كافة الأطراف للانخراط في المفاوضات المقبلة بروح إيجابية وبناءة، مؤكداً أن قطر ستظل داعماً ثابتاً لكل المبادرات الرامية لتعزيز الاستقرار عبر الحوار.

وفي ذات السياق، شددت وزارة الخارجية القطرية على أهمية الإرادة التي أبداها الجانبان الأمريكي والإيراني لحل الخلافات عبر الوسائل السلمية. وأشارت الوزارة إلى أن هذا الاتفاق سيعزز النمو الاقتصادي العالمي من خلال تأمين ممرات التجارة الدولية، مثمنة دور الشركاء الإقليميين في خفض التصعيد وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.

وعلى الصعيد الأممي، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاتفاق بأنه 'خطوة حاسمة' نحو إحلال السلام الشامل في الشرق الأوسط. وحث غوتيريش الأطراف المعنية على استغلال هذا الزخم الجديد لمضاعفة الجهود الدبلوماسية الرامية للتوصل إلى حلول نهائية للنزاعات القائمة، مشدداً على أن المسار التفاوضي هو السبيل الوحيد لخفض التوترات.

وفي القارة الآسيوية، أعلنت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي ترحيب بلادها بالاتفاق، معربة عن تطلع طوكيو لتنفيذه بشكل كامل ومنتظم. وأكدت تاكايتشي على أهمية إعادة الفتح الفعلي لمضيق هرمز أمام حركة السفن الدولية، نظراً لما يمثله المضيق من أهمية قصوى لإمدادات الطاقة العالمية وحركة التجارة.

كما صدر بيان مشترك عن قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا يرحب بالخطوة، مع التأكيد على ضرورة استمرار العمل الدبلوماسي لضمان أمن المنطقة. وشدد القادة الأوروبيون في بيانهم على موقفهم الثابت بضرورة عدم امتلاك إيران للسلاح النووي، معربين عن استعدادهم للتعاون مع واشنطن وطهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

بدوره، ركز رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على الجانب الملاحي، مؤكداً ضرورة ضمان حرية الحركة في مضيق هرمز دون أي قيود أو رسوم إضافية. وجدد ستارمر التزام بلاده بالعمل مع الشركاء الدوليين لمنع انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، معتبراً أن الاتفاق الجديد يوفر إطاراً مناسباً لتحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الاتفاق يتضمن بنوداً تفصيلية تتعلق بآليات مراقبة وقف إطلاق النار وتفكيك بؤر التوتر في الساحات المشتركة. ومن المتوقع أن تبدأ لجان فنية مشتركة العمل فور توقيع الاتفاق في سويسرا لوضع الجداول الزمنية لتنفيذ التزامات الطرفين، بما يضمن عدم العودة إلى مربع التصعيد العسكري مجدداً.

ويرى مراقبون أن هذا التطور يمثل تحولاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الملف الإيراني، حيث غلبت لغة التفاوض على خيارات المواجهة. ويُنتظر أن تنعكس آثار هذا الاتفاق إيجاباً على أسواق الطاقة العالمية، التي شهدت حالة من القلق والترقب نتيجة التهديدات المستمرة بإغلاق الممرات المائية الحيوية.

ختاماً، تترقب الأوساط السياسية يوم 19 يونيو الجاري لمتابعة تفاصيل الوثيقة النهائية التي سيتم توقيعها في سويسرا. ويُعول المجتمع الدولي على التزام الأطراف الموقعة ببنود مذكرة التفاهم، لضمان تحويل هذا الاتفاق من مجرد تهدئة مؤقتة إلى ركيزة أساسية لنظام أمني إقليمي جديد ومستقر.

رياضة

الإثنين 15 يونيو 2026 4:43 صباحًا - بتوقيت القدس

مونديال 2026: تونس تواجه السويد في اختبار صعب وألمانيا تبحث عن استعادة هيبتها

تتجه أنظار عشاق كرة القدم العالمية اليوم الأحد، 14 يونيو/ حزيران، نحو ملاعب المونديال حيث تتواصل منافسات كأس العالم 2026 ببرنامج حافل يفتح ملفات مجموعتين جديدتين. وتضع مباريات اليوم عدداً من المنتخبات العريقة والطموحة أمام اختبارات مبكرة لا تقبل القسمة على اثنين في ظل نظام البطولة الجديد.

ويترقب الجمهور العربي بآمال عريضة الظهور الأول للمنتخب التونسي في هذه النسخة، حيث يواجه نظيره السويدي في لقاء يتوقع له أن يكون عالي التنافسية. وتأتي هذه المباراة في وقت يسعى فيه 'نسور قرطاج' لتحقيق انطلاقة قوية تضمن لهم مكاناً في حسابات التأهل المعقدة ضمن مجموعتهم.

في المقابل، يستهل المنتخب الألماني مشواره بمواجهة تبدو سهلة نظرياً أمام منتخب كوراساو، الذي يسجل حضوره التاريخي الأول في نهائيات كأس العالم. وتعد هذه المباراة بمثابة الفرصة الذهبية للماكينات الألمانية لمحو آثار الخيبات التي لاحقت الفريق في نسختي 2018 و2022 حين غادر من الدور الأول.

وتمثل مواجهة ألمانيا وكوراساو صراعاً بين الخبرة العريضة والطموح الوليد، حيث تسعى ألمانيا لتقديم أداء مقنع يعيد الثقة لجماهيرها حول العالم. ورغم الفوارق الفنية الكبيرة، إلا أن الحذر يبقى سيد الموقف لتجنب أي مفاجآت قد تربك حسابات المدرب الألماني في وقت مبكر جداً من البطولة.

وعلى صعيد آخر، تشهد المجموعة السادسة قمة كروية تجمع بين المنتخب الهولندي ونظيره الياباني، في لقاء يوصف بأنه اختبار للتوازن والانضباط التكتيكي. ويدخل 'الطواحين' اللقاء بطموحاتهم المعتادة للمنافسة على اللقب، معتمدين على ترسانة من النجوم المحترفين في كبرى الدوريات الأوروبية.

أما المنتخب الياباني، فقد أثبت في السنوات الأخيرة أنه لم يعد مجرد ضيف شرف، بل منافساً منظماً يمتلك سرعات فائقة في التحولات الهجومية. ويدرك 'محاربو الساموراي' أن الخروج بنتيجة إيجابية أمام هولندا سيعزز فرصهم بشكل كبير في تجاوز دور المجموعات والمضي قدماً في البطولة.

وفي مباراة أخرى لا تقل أهمية من الناحية الحسابية، يلتقي منتخب ساحل العاج مع نظيره الإكوادوري في مواجهة يغلب عليها الطابع البدني والالتزام الدفاعي. ويسعى ممثل القارة السمراء لإثبات قوته من خلال اللعب المباشر واستغلال المهارات الفردية للاعبيه في اختراق دفاعات الخصم.

المنتخب الإكوادوري بدوره يدخل اللقاء بروح قتالية عالية، حيث يعتمد على قدرته الفائقة في إغلاق المساحات وشن الهجمات المرتدة السريعة. وتعتبر هذه المباراة مفتاحاً أساسياً لكلا الفريقين لتحديد مسارهما في المجموعة الخامسة، خاصة في ظل المنافسة الشرسة المتوقعة على بطاقات العبور.

وبالعودة إلى الشأن العربي، فإن مواجهة تونس والسويد التي ستقام فجر الإثنين بتوقيت القدس، تمثل التحدي الأكبر للجهاز الفني التونسي. ويطمح 'نسور قرطاج' إلى استغلال الروح المعنوية العالية للاعبين لانتزاع نقاط المباراة أو على الأقل الخروج بنتيجة تضمن لهم البقاء في دائرة المنافسة.

وتدرك البعثة التونسية أن المجموعة التي تضم هولندا واليابان لا ترحم، مما يجعل من مباراة السويد بوابة العبور الضرورية نحو الأدوار الإقصائية. ويعول الجمهور التونسي على خبرة بعض العناصر الأساسية في التعامل مع الضغط الجماهيري والإعلامي المصاحب لمثل هذه المواعيد الكبرى.

المنتخب السويدي من جانبه، يعتمد على أسلوب لعب جماعي وقوة هجومية قادرة على استغلال أنصاف الفرص، وهو ما يفرض على الدفاع التونسي الحذر الشديد. وستكون المعركة في وسط الملعب هي الحاسمة في تحديد هوية الفريق القادر على السيطرة على مجريات اللعب وفرض إيقاعه الخاص.

إن برنامج اليوم المزدحم يعكس القيمة الفنية العالية لمونديال 2026، حيث تتداخل طموحات المنتخبات الكبيرة مع أحلام الفرق الصاعدة لصناعة التاريخ. ومع اتساع قاعدة المشاركة، أصبحت كل نقطة في دور المجموعات تزن ذهباً، ولا مجال للتعويض في ظل تقارب المستويات الفنية بين معظم المنتخبات.

ختاماً، فإن نتائج مباريات اليوم سترسم الملامح الأولى للمجموعتين الخامسة والسادسة، وستعطي مؤشراً حقيقياً حول جاهزية القوى التقليدية للمنافسة. وسيبقى الترقب سيد الموقف حتى صافرة النهاية في لقاء تونس، الذي يمثل الأمل العربي الأبرز في منافسات هذا اليوم المونديالي الطويل.

رياضة

الإثنين 15 يونيو 2026 4:43 صباحًا - بتوقيت القدس

فيفا يوضح ملابسات الجدل التحكيمي في مواجهة قطر وسويسرا بمونديال 2026

رافقت مواجهة المنتخب القطري ونظيره السويسري في نهائيات كأس العالم 2026 حالة من الجدل التحكيمي الواسع، إثر قرار احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب الأوروبي أثارت تساؤلات حول وجود تسلل يسبق الهجمة. وشهدت الدقيقة الرابعة عشرة من زمن اللقاء تدخل حارس المرمى القطري محمود أبو ندى على المهاجم ريمو فرويلر، وهو ما دفع حكم الساحة لإطلاق صافرته معلناً عن مخالفة داخل منطقة العمليات.

وعلى الرغم من اللجوء إلى تقنية الفيديو المساعد (VAR) لتأكيد القرار، إلا أن الشكوك ظلت تحوم حول صحة الهجمة من بدايتها، حيث طالب الجانب القطري بمراجعة حالة تسلل محتملة. وبعد توقف قصير للمراجعة، ثبت الحكم قراره بمنح ركلة الجزاء، التي انبرى لها اللاعب بريل إمبولو بنجاح، واضعاً المنتخب السويسري في المقدمة وسط اعتراضات فنية وجماهيرية.

وفي محاولة لتهدئة الأجواء وتوضيح الموقف، أصدر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بياناً رسمياً عبر منصاته الرقمية، أكد فيه أن عملية اتخاذ القرار داخل غرفة 'الفار' تمت وفق البروتوكولات المعتمدة. وأوضح البيان أن طاقم التحكيم راجع كافة الزوايا المتاحة وتأكد من سلامة الموقف القانوني قبل تأكيد ركلة الجزاء، نافياً وجود أي خطأ في جوهر القرار التحكيمي المتخذ.

وكشف 'فيفا' في توضيحه أن اللغط الذي حدث ناتج عن خلل تقني بحت يتعلق بنظام عرض الرسوم التوضيحية المخصصة للبث التلفزيوني، وهو ما حال دون ظهور خطوط التسلل للمشاهدين خلف الشاشات. وأشار الاتحاد الدولي إلى أن هذا العطل الفني لم يؤثر على دقة المراجعة التي تمت داخل الغرفة المغلقة، حيث كانت الخطوط والقياسات واضحة تماماً أمام حكام الفيديو.

هذا الغياب البصري لخطوط التسلل أدى إلى موجة انتقادات حادة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول المشجعون لقطات ثابتة تشير إلى تقدم المهاجم السويسري بلحظات قبل استلام الكرة. واعتبر محللون أن عدم عرض الإعادة التوضيحية للجمهور يضعف من مصداقية التقنية ويفتح الباب أمام التأويلات التي قد تؤثر على نزاهة المنافسة في المحفل العالمي.

من جانبه، دخل النجم الإنجليزي السابق والمحلل الرياضي غاري نيفيل على خط الأزمة، منتقداً الطريقة التي تدار بها مثل هذه الحالات في البطولة. وأكد نيفيل في تصريحات إعلامية أن الانطباع السائد لدى الجميع كان يشير إلى وجود حالة تسلل واضحة، متسائلاً عن السبب الحقيقي وراء حجب اللقطات التوضيحية عن الجمهور والناقلين الرسميين في لحظة حاسمة كهذه.

وشدد نيفيل على أن الشفافية هي الركن الأساسي في نجاح تقنية الفيديو، وأن غيابها يثير علامات استفهام كبرى حول الإجراءات المتبعة في غرفة العمليات. ورأى أن تبرير 'الفيفا' بوجود خلل تقني قد لا يكون كافياً لإقناع الجماهير التي تطالب برؤية الدليل البصري القاطع الذي بني عليه قرار احتساب الهدف السويسري.

يذكر أن المباراة انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لمثله، بعد أن نجح المنتخب القطري في العودة بالنتيجة خلال الأنفاس الأخيرة من اللقاء بفضل هدف المدافع بوعلام خوخي. وبهذه النتيجة، تقاسم الفريقان نقاط المباراة في استهلالية مشوارهما المونديالي، رغم أن الحديث عن 'دراما التحكيم' طغى على النتيجة الفنية النهائية للمواجهة.

اقتصاد

الإثنين 15 يونيو 2026 4:13 صباحًا - بتوقيت القدس

تراجع الدولار لأدنى مستوى في 10 أيام عقب إعلان اتفاق سلام بين واشنطن وطهران

شهدت أسواق العملات العالمية تراجعاً واضحاً في قيمة الدولار الأمريكي خلال تعاملات يوم الاثنين، حيث هبطت العملة الخضراء إلى أدنى مستوياتها في عشرة أيام مقابل سلة من العملات الرئيسية. وجاء هذا التحرك مدفوعاً بتقارير دبلوماسية أكدت توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مبدئي للسلام، مما قلل من جاذبية الدولار كملاذ آمن وزاد من شهية المستثمرين نحو الأصول ذات المخاطر العالية.

وأفادت مصادر رسمية من الجانبين الأمريكي والإيراني بأن الطرفين اتفقا على إطار عمل شامل يهدف إلى إنهاء حالة الحرب القائمة ورفع الحصار الاقتصادي المفروض على طهران. ويتضمن الاتفاق بنداً حيوياً يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بشكل كامل، وهو ما انعكس فوراً على أسواق الطاقة العالمية التي شهدت حالة من الارتياح النسبي بعد فترات طويلة من التوتر الجيوسياسي.

وفي سوق النفط، استجابت الأسعار سريعاً لهذه التطورات السياسية، حيث هوت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة تجاوزت 4% لتستقر عند مستوى 83.82 دولار للبرميل. ويرى مراقبون أن هذا الانخفاض يعكس توقعات الأسواق بزيادة المعروض النفطي واستقرار سلاسل الإمداد عبر واحد من أهم الممرات المائية في العالم، رغم التحذيرات من أن العودة الكاملة لتدفقات النفط قد تستغرق وقتاً طويلاً.

من جانبه، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نبرة حذرة رغم الإعلان عن الاتفاق، حيث صرح لوسائل إعلام دولية بأن استمرار هذا المسار مرتبط بالتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني. وهدد ترامب بالعودة إلى الخيار العسكري أو فرض إجراءات مالية مشددة تشمل الحصول على 20% من إيرادات المنطقة مقابل دور الولايات المتحدة في حماية الأمن الإقليمي، مما أبقى الأسواق في حالة من الترقب.

وعلى صعيد العملات الأخرى، استغل اليورو تراجع الدولار ليحقق مكاسب بنسبة 0.35% صاعداً إلى مستوى 1.1607 دولار، كما ارتفع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.3% ليصل إلى 1.3448 دولار. وسجلت العملات المرتبطة بالسلع مثل الدولار الأسترالي والنيوزيلندي ارتفاعات ملموسة، مدعومة بحالة التفاؤل التي سادت الأسواق الآسيوية عقب الإعلان عن التهدئة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي المقابل، انخفض مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة أمام ست عملات رئيسية بنسبة 0.31% ليصل إلى 99.492 نقطة، وهو المستوى الأضعف له منذ مطلع شهر حزيران/يونيو الجاري. وفي الوقت ذاته، تراجع الين الياباني إلى مستويات حرجة حول 160.150 مقابل الدولار، مما أثار تكهنات حول إمكانية تدخل السلطات النقدية اليابانية لدعم عملتها المحلية التي تذبذبت عند مستويات توصف بالخط الأحمر.

ويرى محللون ماليون في مراكز اقتصادية كبرى أن الأيام المقبلة ستشهد حالة من 'الانتظار والترقب' لمراقبة سرعة تنفيذ بنود الاتفاق على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بفتح مضيق هرمز. وأشار الخبراء إلى أن عودة تدفقات النفط الإيراني إلى مستوياتها الطبيعية قد تتطلب شهوراً من العمل اللوجستي والفني، وهو ما سيحدد المسار المستقبلي للدولار وأسعار الطاقة في النصف الثاني من العام.

فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 4:13 صباحًا - بتوقيت القدس

عباس يصدر تعديلات واسعة على قانون الانتخابات الفلسطينية تشمل رفع مقاعد التشريعي وخفض سن الترشح

أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً بقانون يتضمن تعديلات جوهرية وواسعة على قانون الانتخابات العامة، في خطوة تهدف إلى إعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني. وتأتي هذه التعديلات ضمن التحضيرات الجارية لإجراء الانتخابات التشريعية والوطنية المقبلة، حيث تسعى القيادة الفلسطينية من خلالها إلى تعزيز المشاركة الشعبية وتوسيع قاعدة التمثيل الديمقراطي في المؤسسات الرسمية.

وتضمنت القرارات الجديدة رفع عدد أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني من 132 عضواً إلى 200 عضو، مما يمنح تمثيلاً أوسع لمختلف الأطياف السياسية والمناطقية. كما قرر الرئيس خفض نسبة الحسم الانتخابية من 2% إلى 1% فقط، وهي خطوة استراتيجية تهدف إلى تمكين القوائم الصغيرة والمستقلة من الوصول إلى قبة البرلمان والمشاركة في عملية صنع القرار.

وفي سياق تعزيز دور المرأة في الحياة السياسية، فرضت التعديلات اشتراطات جديدة على القوائم الانتخابية تضمن تمثيلاً نسائياً أكثر فاعلية. حيث نص القانون المعدل على ضرورة وجود امرأة واحدة على الأقل ضمن كل ثلاثة مرشحين في القائمة، بالإضافة إلى رفع الحد الأدنى لعدد المرشحين في كل قائمة من 16 إلى 20 مرشحاً لضمان جدية الكتل المتنافسة.

وشهدت التعديلات استجابة لمطالب فئة الشباب عبر خفض سن الترشح لعضوية المجلس التشريعي من 28 عاماً إلى 23 عاماً، مما يفتح الباب أمام الأجيال الشابة لخوض المعترك السياسي. وتهدف هذه الخطوة إلى ضخ دماء جديدة في المؤسسات الفلسطينية، خاصة وأن المجلس التشريعي كان قد تعطل لسنوات طويلة منذ حله بقرار رئاسي في أواخر عام 2018.

ومن المقرر أن يصدر مرسوم رئاسي رسمي في وقت لاحق للدعوة لانتخابات المجلس التشريعي بالتزامن مع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من نوفمبر لعام 2026. وبحسب النظام الجديد، فإن الفائزين بعضوية التشريعي سيعتبرون أعضاءً حكميين في المجلس الوطني، ليكونوا ممثلين عن الفلسطينيين في الداخل ضمن هيكلية منظمة التحرير.

وعلى صعيد الانتخابات الرئاسية، أعلن الرئيس عباس أن الاقتراع لاختيار رئيس جديد للسلطة الفلسطينية سيجرى خلال عام 2027، لاستكمال مسار البناء الديمقراطي. وتأتي هذه الخطوات بعد مصادقة الرئاسة مطلع الشهر الجاري على النظام الانتخابي للمجلس الوطني، بناءً على توصيات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لترتيب البيت الداخلي.

وتسعى هذه التعديلات إلى تجاوز حالة الركود السياسي التي شهدتها الأراضي الفلسطينية منذ آخر انتخابات تشريعية جرت في عام 2006. وتؤكد مصادر رسمية أن الهدف النهائي هو إنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية عبر صناديق الاقتراع، وضمان تمثيل كافة القوى الفلسطينية في الداخل والخارج ضمن إطار مؤسساتي موحد وقوي.

فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

فرنسا تكشف تورط شركة إسرائيلية في عمليات تلاعب وتدخل رقمي بالانتخابات

وجهت السلطات الفرنسية اتهامات رسمية لشركة إسرائيلية متخصصة في التقنيات الرقمية تُدعى 'بلاك كور'، بالضلوع في عمليات تدخل سيبراني استهدفت الانتخابات البلدية في فرنسا. وأوضحت التقارير أن هذه الأنشطة لم تقتصر على الداخل الفرنسي فحسب، بل امتدت لتشمل عمليات مماثلة في دول أخرى من بينها أنغولا وتوغو واسكتلندا، وصولاً إلى انتخابات مدينة نيويورك الأمريكية.

جاء هذا الإعلان خلال مؤتمر صحفي عقده مارك أنطوان بريلان، رئيس الوكالة الوطنية لرصد ومكافحة التدخل الرقمي الأجنبي، بمشاركة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو. وأكد بريلان أن التحقيقات أثبتت وجود صلة مباشرة بين حملات التضليل الممنهجة والشركة التي تتخذ من إسرائيل مقراً لها، مشيراً إلى أن الهدف كان زعزعة المسارات الديمقراطية في عدة مناطق.

وبحسب الإفادة الرسمية، فإن الأنشطة الرقمية المشبوهة استهدفت بشكل مركز القوى السياسية والشخصيات التي تتبنى مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني. ورصد المحققون محاولات لتشويه سمعة مرشحين يعارضون السياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، مما يشير إلى أبعاد سياسية واضحة تقف خلف هذه الهجمات السيبرانية.

وفي مدينة نيويورك، كشفت المصادر أن التدخل استهدف العملية الانتخابية التي فاز بها زهران ممداني، ليصبح أول مسلم يتولى منصب عمدة المدينة في عام 2025. ويُعرف ممداني بانتقاداته الحادة والمستمرة للممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، وهو ما جعله هدفاً محتملاً لحملات التشهير التي قادتها الشركة الإسرائيلية.

أما في الساحة الفرنسية، فقد تركزت حملة التدخل على حزب 'فرنسا الأبية' اليساري، الذي يُعد من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية في أوروبا. وأوضح التحقيق أن ثلاثة مرشحين من الحزب تعرضوا لعمليات تشهير رقمي واسعة النطاق قبل الانتخابات البلدية التي جرت في مارس الماضي، بهدف إضعاف فرصهم الانتخابية.

وصف المسؤولون الفرنسيون ما حدث بأنه 'عملية منظمة للغاية' استخدمت طيفاً واسعاً من الأدوات التقنية المتطورة. وشملت هذه الأدوات إنشاء مواقع إلكترونية مزيفة وآلاف الحسابات الوهمية على منصات التواصل الاجتماعي، مع القدرة على إدارة حملات متزامنة بلغات متعددة للتأثير على الرأي العام وتزييف الحقائق.

من جانبه، أكد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أن حكومته طلبت توضيحات رسمية ومباشرة من الجانب الإسرائيلي بشأن أنشطة شركة 'بلاك كور'. وشدد لوكورنو على ضرورة التعاون لتحديد الجهات الراعية لهذه الحملات، مشيراً إلى أن فرنسا لن تتهاون مع أي تدخل خارجي ينطلق من أراضي دول صديقة.

وفي سياق متصل، أشار لوكورنو إلى أن هذه الحوادث تستوجب تحديث القوانين الانتخابية لتعزيز الضمانات الرقمية وحماية المسار الديمقراطي. وأضاف أن التلاعب بالمعلومات يمثل تهديداً وجودياً يتطلب إجراءات قانونية عاجلة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في عام 2027.

على الجانب الآخر، أصدرت السفارة الإسرائيلية في باريس بياناً أكدت فيه تلقيها الطلب الفرنسي، مشيرة إلى أنها تنتظر الحصول على كامل تفاصيل التحقيق. وزعمت السفارة أن إسرائيل لا تتدخل في العمليات السياسية الداخلية للدول الأخرى، وأنها ستجري فحصاً خاصاً بها فور استلام الوثائق اللازمة من السلطات الفرنسية.

وفي اسكتلندا، رصدت مصادر تقنية حسابات مرتبطة بالشركة الإسرائيلية تستهدف رئيس الوزراء جون سويني بشكل مباشر. وكان سويني قد وصف الأوضاع في قطاع غزة بأنها 'كارثة إنسانية من صنع الإنسان'، ملمحاً إلى وقوع جرائم إبادة جماعية، وهو ما يبدو أنه استدعى رداً رقمياً عدائياً من الشركة المذكورة.

شركة 'بلاك كور' كانت قد عرفت نفسها قبل حذف حضورها الرقمي بأنها 'شركة نخبة' متخصصة في حروب المعلومات الحديثة والتأثير الرقمي. وادعت الشركة في وقت سابق أنها توفر للحكومات والحملات السياسية استراتيجيات متطورة لتشكيل السرديات والسيطرة على الفضاء الإلكتروني، مما يعزز الشكوك حول طبيعة عملائها.

وكان وزير الداخلية الفرنسي قد أشار في وقت سابق من شهر مايو الماضي إلى رصد أساليب غير مسبوقة في التلاعب بالمعلومات خلال فترات الانتخابات. وتم إبلاغ السلطات القضائية بهذه الخروقات، حيث بدأت الأجهزة الأمنية في تتبع الأثر الرقمي الذي قاد في نهاية المطاف إلى الكشف عن دور الشركة الإسرائيلية.

تثير هذه القضية تساؤلات عميقة حول دور شركات التكنولوجيا الخاصة في تنفيذ أجندات سياسية عابرة للحدود لصالح جهات مجهولة. ويرى مراقبون أن استهداف الشخصيات المناصرة لفلسطين يعكس رغبة في قمع الأصوات الناقدة لإسرائيل على الساحة الدولية باستخدام سلاح 'الاغتيال المعنوي' الرقمي.

ختاماً، تترقب الأوساط السياسية في باريس ونيويورك ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية الجارية، وسط مطالبات بفرض عقوبات دولية على الشركات التي تتورط في تقويض الديمقراطية. وتظل القضية مفتوحة على احتمالات تصعيد دبلوماسي بين فرنسا وإسرائيل في حال ثبت تورط جهات رسمية في دعم هذه الأنشطة.

فلسطين

الإثنين 15 يونيو 2026 3:43 صباحًا - بتوقيت القدس

غارات إسرائيلية تستهدف قلب الضاحية الجنوبية: محاولة لفرض معادلات جديدة وإفشال التفاهمات الدولية

شهدت الضاحية الجنوبية لبيروت تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً جديداً استهدف منطقة حارة حريك المكتظة بالسكان، حيث نفذت مقاتلات حربية غارات بـ4 صواريخ دقيقة في وضح النهار. وتأتي هذه الضربات في سياق ميداني متوتر، حيث خلفت الغارة بحسب مصادر رسمية لبنانية ثلاثة شهداء وستة جرحى، وسط حالة من الذهول سادت بين السكان الذين كانوا يعتقدون أن المنطقة محيدة بفضل المساعي الدولية.

ويرى خبراء في الشأن الإسرائيلي أن هذا القصف يحمل ثلاثة أبعاد استراتيجية متقاطعة، أولها السعي لإفشال مسودة التفاهم الأمريكي الإيراني التي بدأت ملامحها تتبلور مؤخراً. وتهدف حكومة بنيامين نتنياهو من خلال هذا التصعيد إلى وضع عراقيل أمام أي مبادرة قد تفرض وقفاً لإطلاق النار لا يلبي سقف المطالب الإسرائيلية المتشددة، خاصة في ظل حاجة الإدارة الأمريكية لتهدئة الجبهات.

أما البعد الثاني فيتعلق بمحاولة تل أبيب كسر المعادلات التي حاولت طهران فرضها خلال الأسبوع الماضي، حين ردت بصواريخ على غارات سابقة استهدفت الضاحية. وتسعى إسرائيل حالياً إلى استعادة زمام المبادرة وفرض 'عقيدة الضاحية' من جديد، عبر استباق أي رد فعل إيراني محتمل وتأكيد قدرتها على الوصول إلى أي نقطة في العاصمة اللبنانية وبيروت الكبرى.

وفيما يخص الجبهة الداخلية الإسرائيلية، تبرز الغارات كأداة لامتصاص الغضب المتصاعد ضد نتنياهو، الذي يواجه اتهامات بالفشل في تحقيق شروط أمنية كافية ضمن مسودات الاتفاق المسربة. ويحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، تصدير الأزمة للخارج والظهور بمظهر القوي أمام خصومه السياسيين الذين يتهمونه بإضعاف إسرائيل وتهميش دورها في المفاوضات الدولية.

ميدانياً، تزامنت الغارات مع صدور إنذارات إسرائيلية عاجلة لسكان 29 قرية وبلدة في قضاءي النبطية وصيدا بضرورة الإخلاء الفوري والتوجه شمالاً. ورافق هذه الإنذارات قصف مدفعي وجوي عنيف طال مناطق كفر تبنيت ومجدل زون، في محاولة للضغط على الحاضنة الشعبية وتوسيع نطاق العمليات البرية التي تواجه صعوبات كبيرة في السيطرة على القرى الحدودية.

من جانبه، أوضح العميد حسن جوني، الخبير العسكري أن استهداف قلب الضاحية وليس أطرافها يمثل تحدياً مباشراً للبنان وإيران على حد سواء. وأشار جوني إلى أن الهدف المزعوم للغارة، سواء كان ضابط ارتباط أو غرفة عمليات، لا يقع ضمن صدارة الهرم القيادي، مما يعزز فرضية أن الرسالة سياسية بحتة تهدف لفرض واقع ميداني جديد قبل التوقيع على أي اتفاقيات وشيكة.

وعلى الصعيد الإيراني، توالت التحذيرات من طهران التي اعتبرت لبنان خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، محملة الولايات المتحدة وإسرائيل المسؤولية الكاملة عن خرق تفاهمات وقف التصعيد. وصدرت تصريحات عن مسؤولين عسكريين إيرانيين تؤكد أن 'الأصابع على الزناد' وأن القوات المسلحة مستعدة لضرب أهداف في قلب إسرائيل رداً على أي تجاوز للقواعد المعمول بها.

وفي الداخل الإسرائيلي، يمارس وزراء متطرفون مثل سموتريتش وبن غفير ضغوطاً هائلة لتوسيع دائرة التدمير في لبنان، حيث طالبوا بتطبيق سياسة الأرض المحروقة رداً على ما وصفوه بـ'تسلل المسيرات'. وتدعي مصادر في تل أبيب وجود ضوء أخضر أمريكي ضمني لاستهداف الضاحية في حال تعرض شمال إسرائيل لهجمات، وهو ما تستغله الحكومة لتبرير عملياتها الأخيرة.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن حزب الله لم يتبنَ رسمياً إطلاق أي مسيرات باتجاه الشمال الإسرائيلي مؤخراً، مما يضع الادعاءات الإسرائيلية في خانة 'الذرائع' لتنفيذ ضربات استباقية. ويؤكد مراقبون أن الحزب يلتزم عادة بالإعلان عن عملياته العسكرية، مما يجعل الرواية الإسرائيلية حول أسباب القصف غير مؤكدة وتفتقر للأدلة الميدانية الملموسة.

وبلغت حصيلة العدوان الإسرائيلي المستمر منذ مارس الماضي أرقاماً قياسية، حيث استشهد أكثر من 3756 شخصاً وأصيب ما يزيد عن 11 ألفاً آخرين. وتعكس هذه الأرقام حجم الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية والمناطق السكنية في لبنان، وسط عجز دولي عن فرض وقف دائم وشامل لإطلاق النار يحمي المدنيين من آلة الحرب.

ختاماً، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستؤول إليه التحركات الدبلوماسية في واشنطن وعواصم المنطقة، في ظل إصرار إسرائيل على استخدام القوة العسكرية كأداة تفاوضية. وتظل الضاحية الجنوبية لبيروت ساحة لتوجيه الرسائل النارية المتبادلة، حيث يسعى كل طرف لتحسين شروطه على طاولة المفاوضات التي يبدو أنها لا تزال متعثرة بفعل التصعيد الميداني المستمر.