على ضفة أخرى من ضفاف المواجهة، وفي ظل حالة الصمود وتجذر الفلسطيني بالأرض وإصراره على الحياة رغم كل ما يعانيه من معاناة بسبب الاجراءات الإسرائيلية التي لم تقتصر على القتل والتعذيب والابعاد والاعتقال، عملت الحكومة الإسرائيلية على فتح جبهة اخرى للانتقام من الفلسطينيين عبر الحرب الاقتصادية بكل تجلياتها من تقطيع اوصال المدن والبلدات الفلسطينية وفرض الاغلاق والحصار من خلال الحواجز والبوابات التي تجاوزت الـ (1000)حاجز وبوابة منتشرة على مداخل المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية اضافة الى حرمان الآلاف من العمال من العودة الى عملهم في الداخل الإسرائيلي واحتجاز اموال المقاصة الفلسطينية، بل اطلقت فصلا جديدا من فصول الجريمة ومحاولة الانتصار اليائسة من خلال تشريعات اقتصادية للسيطرة على الارض ونهب الموارد الطبيعية لخلق بيئة طاردة للفلسطيني من ارضه ووطنه.
في مقابل ذلك تقوم الحكومة الإسرائيلية بتقديم محفزات وتسهيلات مالية واقتصادية وضريبية للمستوطنات في الضفة الغربية من أجل تعزيز السيطرة الكولونيالية، لأن السيطرة على الاقتصاد من الناحية التاريخية تشكل ركيزة أساسية لتعزيز الحضور الديموغرافي اليهودي وتثبيت النفوذ على الأرض وقد استخدمت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة الضغط الاقتصادي على الفلسطينيين كوسيلة مؤثرة لإحداث اختلالات في البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العربي الفلسطيني، بما انعكس على مستوى استقراره وقدرته على الصمود مواجهة التحديات.
وتثبيتا لتلك السياسة الاقتصادية الإسرائيلية فقد أقر الكنيست الإسرائيلي فجر الخميس الموافق 4 يونيو/ حزيران 2026م بالقراءتين الثانية والثالثة مشروع قانون، يمنح سكان المستوطنات في الضفة الغربية حزمة امتيازات مالية وضريبية غير مسبوقة وبأثر رجعي، ابتداءً من كانون الثاني 2026، ويظل ساري المفعول حتى 31 كانون الأول 2027 ويجوز لوزير المالية بموافقة اللجنة المالية، تمديد صلاحية القانون بعد المصادقة عليه لفترات إضافية مستقبلا كدعم للمستوطنين في الضفة الغربية، اذ يمنح هذا القانون امتياز الإعفاءات الضريبية، اضافة الى ميزات خاصة لأبناء المستوطنين الطلاب، الانتقال من وإلى المستوطنات في مركبات مصفحة تابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية ويمنح القانون كل مستوطن مقيم في الضفة الغربية الحصول على إعفاء ضريبي، وفقًا للنسبة والحد الأقصى المنصوص عليهما في قانون ضريبة الدخل، مع إمكانية اختياره بين هذا الإعفاء وإعفاء آخر إذا كان يستحق أكثر من إعفاء، حيث اقر هذا القانون بأغلبية (32 )عضوًا و عارضه( 23) عضوا.
ونص القانون ايضا على منح سكان 58 مستعمرة حوافز ضريبية تتمثل في تخفيضات على ضريبة الدخل تصل إلى 7%، وبحد أقصى يبلغ 10 آلاف شيكل سنوياً للفرد، في الوقت ذاته تقدر الكلفة السنوية لتلك الامتيازات بنحو 130 مليون شيكل، ما يعكس حجم الدعم المالي الذي تخصصه الحكومة الإسرائيلية لتعزيز الاستيطان وتوفير مزايا اقتصادية للمستوطنات، وهذا يشكل مؤشر قوي على توظيف الأدوات المالية والضريبية في ترسيخ الوجود الاستيطاني وتشجيع التوسع الديموغرافي داخل المستعمرات المقامة في الضفة الغربية.
تكريس الفصل القانوني والإداري للاحتلال
تم اقرار هذا القانون في إطار منظومة متكاملة من السياسات والإجراءات القانونية والإدارية والمالية التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية بهدف تعزيز المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وترسيخ مقوماته الديموغرافية والاقتصادية بما يتوافق مع التوجهات الرامية إلى تكريس واقع الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية من خلال توسيع الامتيازات الممنوحة للمستوطنين وتُثير هذه السياسات إشكاليات قانونية وسياسية واسعة، نظراً لتعارضها مع قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية.
ومن الناحية التاريخية بعد ان أحكمت إسرائيل سيطرتها على الضفة الغربية في حرب عام 1967، وجدت نفسها أمام معضلة لم تكن في حساباتها فالأرض التي سعت إلى ضمّها كانت تضم نحو مليون فلسطيني، ما جعل أي خطوة نحو الضم الكامل محفوفة بتحديات ديموغرافية وسياسية وأمنية معقدة، وقامت بفرض نظام يقوم على الفصل القانوني والإداري بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع تكريس علاقات غير متكافئة بين الطرفين على مختلف المستويات وتم توظيف منظومة من القوانين والإجراءات الأمنية والإدارية لضبط السكان الفلسطينيين وإدارة وجودهم بما ينسجم مع الاعتبارات الديموغرافية والسياسية للدولة وفرض واقع جديد حيث تم الجمع بين السيطرة على الأرض والموارد من جهة، والحفاظ على التفوق الديموغرافي والسياسي الإسرائيلي من جهة أخرى، في معادلة ما زالت تلقي بظلالها على المشهد الفلسطيني الإسرائيلي حتى يومنا هذا.
سياق استيطاني ضمن مشروع تهويد الضفة الغربية
ويعتبرّ الاستيطان أحد المرتكزات الأساسية التي قام عليها المشروع الصهيوني، إذ شكّل أداةً مركزية لتحقيق المشروع السياسي الهادف إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين وقد بدأ بتشجيع الهجرة اليهودية و إنشاء المستعمرات الاستيطانية وتوسيعها وتهويد الأرض وإحكام السيطرة على الموارد الاقتصادية، بما يخدم ترسيخ الوجود الاستيطاني وتعزيز مقوماته السياسية والاقتصادية.
جاء هذا القانون ليمنح سكان المستوطنات مزايا ضريبية خاصة مشابهة لما يتمتع بها سكان المدن والبلدات الإسرائيلية، في اشارة الى تكريس الضم الفعلي للمستوطنات، ضمن سياق الضم الصامت الذي تنفذه الحكومة الإسرائيلية الاكثر فاشية والاكثر تطرفا في تاريخ دولة إسرائيل، ويعمل هذه القانون على إعادة تشكيل البنيه الاقتصادية عبر أدوات قانونية وعسكرية وبيروقراطية ويوظف كنظام للهيمنة و السيطرة على الاراض والموارد في الضفة الغربية.
أداة انتخابية سياسية في كسب أصوات المستوطنين
ان اقرار هذا القانون المقدم من عضو الكنيسيت تسفي سكوت من حزب الصهيونية الدينية في القوت الذي تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية وتظهر استطلاعات الراي عدم تجاوز حزب الصهيونية الدينية نسبة الحسم يأتي في اطار استراتيجية حزبية تستهدف تعزيز دعم القاعدة الانتخابية لحزب الصهيونية الدينية لدى جمهور المستوطنين والحصول على الاصوات في ظل السباق الانتخابي، في الوقت ذاته لا تنفصل اقرار هاذ القانون عن الاعتبارات الأيديولوجية والحسابات السياسية الداخلية، إذ يُنظر إليه باعتباره كما ينسجم المشروع مع التوجهات الرامية إلى توسيع وتعميق النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.
أقلام وأراء
الإثنين 15 يونيو 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
الحرب الاقتصادية كأداة للسيطرة الكولونيالية في الضفة الغربية