فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 11:44 صباحًا - بتوقيت القدس

العثور على ابنة وزيرة المستوطنات الإسرائيلية ميتة في منزلها

 عثر على ابنة وزيرة المستوطنات الإسرائيلة أوريت ستروك، ميتة في منزلها شمالي إسرائيل ليل السبت، وفقا لتقارير إعلامية.   

وحسب صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، فقد عثر على شوشانا البالغة من العمر 34 عاما، ابنة الوزيرة، ميتة

 ونعت وزيرة المستوطنات ابنتها في منشور على "فيسبوك"، قائلة: "بقلب مفطور، أنعى رحيل ابنتنا الحبيبة شوشانا". 

وتجري الشرطة تحقيقا في ملابسات الوفاة، لكن لا يعتقد بوجود شبهة جنائية، بحسب تقارير إعلامية إسرائيلية.

أحدث الأخبار

الأحد 15 مارس 2026 11:34 صباحًا - بتوقيت القدس

رشقات صاروخية من إيران ولبنان تستهدف حيفا وشمال إسرائيل وسط أنباء عن نقص في الاعتراضات

استفاقت مدن شمال إسرائيل ومناطق واسعة في الجليل وحيفا، صباح الأحد، على دوي مكثف لصفارات الإنذار، إثر رصد موجات جديدة من الهجمات الصاروخية المنطلقة من الأراضي الإيرانية واللبنانية. وأفادت مصادر ميدانية بأن هذه الرشقات تعد الخامسة من نوعها منذ منتصف ليل السبت، ما تسبب في حالة من الاستنفار الواسع في صفوف الدفاعات الجوية والمنظومات الأمنية الإسرائيلية.

وأكدت مصادر عسكرية أن الإنذارات شملت مستوطنات كرميئيل وكتسرين، بالإضافة إلى مناطق في الجليلين الأعلى والأسفل وشمال الجولان السوري المحتل. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع إطلاق نحو 20 صاروخاً من جنوب لبنان استهدفت مدينة حيفا ومنطقة الكريوت المحيطة بها، مما دفع آلاف المستوطنين للجوء إلى الملاجئ في ظل استمرار دوي الانفجارات الناجمة عن محاولات الاعتراض.

وفيما ادعت تقارير عبرية اعتراض صاروخ واحد أطلق من إيران دون وقوع أضرار جسيمة في بعض المواقع، أكدت مصادر أخرى اندلاع حرائق وتسجيل إصابتين في وسط إسرائيل نتيجة سقوط شظايا اعتراضية. وتفرض الرقابة العسكرية قيوداً مشددة على نشر تفاصيل الخسائر المادية والبشرية، وسط تقديرات بأن الحصيلة الفعلية قد تتجاوز ما يتم الإعلان عنه رسمياً في وسائل الإعلام المحلية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الصواريخ التي تطلقها إيران تتسم بكونها صواريخ عنقودية، وهو ما يمثل تحدياً تقنياً كبيراً لأنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية مثل 'القبة الحديدية' و'مقلاع داوود'. وبحسب إحصائيات أولية، فقد تم إطلاق نحو 300 صاروخ منذ بدء المواجهة الحالية، حيث يشكل النوع العنقودي نصف هذه الكمية تقريباً، مما يزيد من صعوبة عمليات الاعتراض الكاملة.

وعلى الصعيد اللوجستي، كشفت تقارير دولية نقلاً عن مصادر أمريكية عن وجود نقص ملحوظ في مخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الجيش الإسرائيلي. ويأتي هذا النقص في ظل الاستنزاف المستمر للمنظومات الدفاعية جراء الرشقات المتواصلة من جبهات متعددة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة إسرائيل على الصمود طويلاً أمام حرب استنزاف صاروخية واسعة النطاق.

وفي سياق التخطيط العسكري، ذكرت مصادر صحفية أن القيادة الإسرائيلية تضع الجبهة الإيرانية كأولوية استراتيجية في الوقت الراهن قبل الانتقال لتوسيع العمليات في لبنان. وتشير التقديرات إلى أن الجيش الإسرائيلي يحتاج لفترة زمنية قد تصل إلى أسبوعين من العمليات المركزة ضد الأهداف الإيرانية لضمان تحقيق أهدافه قبل التفرغ الكامل للجبهة الشمالية مع حزب الله.

وتشهد منطقة الكريوت، التي تضم كريات يام وبياليك وموتسكين وآتا، حالة من الشلل الجزئي عقب تفعيل صفارات الإنذار لأكثر من عشر مرات منذ ساعات الفجر الأولى. وتؤكد المصادر أن تكرار الهجمات الصاروخية من لبنان وإيران في آن واحد يهدف إلى تشتيت قدرات الرصد والاعتراض الإسرائيلية، وخلق حالة من الضغط النفسي والميداني المستمر على الجبهة الداخلية.

بينما تواصل الطائرات الإسرائيلية غاراتها، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات التصعيد الشامل في ظل إصرار الأطراف على مواصلة الضربات المتبادلة. وتراقب الأوساط الدولية بحذر هذا التطور النوعي في الهجمات الصاروخية العابرة للحدود، والتي تعكس تحولاً كبيراً في قواعد الاشتباك الإقليمية وتزايداً في وتيرة المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب.

فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 11:26 صباحًا - بتوقيت القدس

أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نفذتها الحكومة الأسبوع الماضي

أصَدَر مركز الاتصال الحكومي تقريرًا يُبرز أهم التدخلات التنموية والإصلاحية التي نَفَّذَتها الحكومة الفلسطينية، خلال الأسبوع الماضي (08/03/2026– 14/03/2026)، وهي على النحو الآتي:

⭕وَجَّهَ رئيس الوزراء د. محمد مصطفى، خلال الجلسَة الأسبوعية لمجلس الوزراء، الثلاثاء الماضي، مختلف المؤسسات الحكومية إلى تكثيف وتوحيد جهودها وتفعيل برامج دعم وتعزيز صمود المواطنين، خاصة في المناطق المُستَهدفة باعتداءات قوات الاحتلال وعصابات المستوطنين.

⭕نَفَّذَت وزارة التنمية الاجتماعية سلسلة تدخلات وخدمات شملت توزيع طرود غذائية وغير غذائية وقسائم شرائية في جميع المديريات بالتعاون مع الشركاء، استفادت منها 70,265 أسرة بقيمة تقديرية بلغت 1,710,810 شواقل، إلى جانب تقديم 251 خدمة تأمين صحي جديد وتجديد، وتنفيذ تدخلات اجتماعية متخصصة شملت 38 تدخلًا للأشخاص ذوي الإعاقة، و29 للمسنين، و61 للمرأة، و74 للطفولة، و87 للأحداث، و24 للحضانات، و83 في التمكين الاقتصادي، كما استفاد 598 يتيمًا من تدخلات متعددة، إضافة إلى برامج التطوع والتدريب ودعم الجمعيات الخيرية. ومنذ بداية شهر رمضان وحتى نهاية الأسبوع الثالث نَفّذَت الوزارة نحو 200 ألف تدخل في مختلف المحافظات شملت طروداً غذائية وغير غذائية وإفطارات جماعية ومساعدات نقدية، فيما نَفَّذَت في قطاع غزة 516,047 تدخلًا غذائيًا شملت الفواكه والإفطارات ووجبات السحور والوجبات الساخنة والخبز والطرود الغذائية، إضافة إلى توزيع 1,180 كوب مياه صالحة للشرب، و2,530 تدخلًا غير غذائي شمل الخيام والطرود الصحية والأغطية وطرود النظافة، إلى جانب 3,360 تدخلًا لحماية المرأة و55 تدخلًا لحماية الطفولة، و1,467 تدخلًا في ملف الأيتام شملت مساعدات غذائية وكفالات وفرشات وتوزيع كراتين تمر.

⭕نَفَّذَت وزارة العمل جُملة من التَدخلات لدعم سوق العمل، أبرزُها صَرف دُفعة مالية جديدة لمساعدة عمال غزة والمرضى ومرافقيهم في الضفة الغربية، وصرف الدفعة الـ20 من المُساعدات لعمال غزة العالقين في الضفة وعددهم 4,605 عمال بقيمة 3,223,500 شيكل. كما أطلَعت وزيرة العمل بعثة مُنظمة العمل الدولية على واقع سوق العمل الفلسطيني والانتهاكات بحق العمال في ظل ارتفاع البطالة وتراجع النشاط الاقتصادي. ونَفَّذَت مراكز التدريب المهني برامج تدريبية ضمن مشروع مهارات من أجل التشغيل شملت تَخصُّصات تقنية وصناعية بقبول 92 متدربًا، إلى جانب تدريبات نفسية ومهنية وتوزيع متدربين للتدريب في سوق العمل. كما نَفَّذَ الصندوق الفلسطيني للتشغيل برامج تشغيل وتنمية بالتعاون مع شركاء دوليين، شملت التعاقد مع 250 مستفيدًا ضِمن برنامج الصلادة الاقتصادية، ودعم مشاريع ريادية ومنح زراعية، والتحضير لإطلاق 20 منحة "Startup" بقيمة 2,500 دولار لكل منها، إضافة إلى منح تعليمية ضمن مشروع أيادي. وعلى صعيد الخدمات، أصدَرَت الوزارة 715 شهادة تعطل للحصول على التأمين الصحي المجاني، وقدَّمَت خدمات تشغيل لأكثر من 2,167 مستفيدًا. كما نَفَّذَت زيارات تفتيشية لمتابعة السلامة والصحة المهنية في 35 منشأة وتسجيل 20 مخالفة، إلى جانب 27 زيارة تفتيش لحماية العمل ومعالجة 12 شكوى عمالية، إضافة إلى متابعة شؤون الجمعيات التعاونية وتقديم الاستشارات الإدارية والقانونية لها.

⭕نَفَّذَت وزارة الزراعة أعمال الاستلام الأولي لمشروع مسلخ بلدية يطا ضمن المشروع الأوروبي "دعم صمود الفلسطينيين في المناطق المسماة (ج) من خلال تنمية الثروة الحيوانية المستدامة" المُمول من الاتحاد الأوروبي والمُنَفَّذ بالتعاون مع وزارة المالية. كما بدأت توزيع الأدوات والمَعدات الخاصة بمنح مشروع "سانيت" بالتعاون مع معهد سيام باري لصالح مزارعي مديرية زراعة شمال الخليل. واستلمت الوزارة عبر لجانها الفنية مشروع خط ناقل للمياه بطول 2 كم لري مزرعة عنب في سهل عرابة بمحافظة جنين ضمن مشاريع برنامج المساعدة الأوروبية لتعزيز صمود المزارعين في المناطق المهددة. وبمتابعة وزارة الزراعة والشركة الأردنية-الفلسطينية للتسويق الزراعي، أَعفَت الجمارك الأردنية الصادرات الزراعية الفلسطينية من الرسوم والغرامات الناتجة عن إجراءات الاحتلال في المعبر التجاري/ جسر الملك حسين. كما وزَّعَت وزارة الحكم المحلي والوكالة الفرنسية للتنمية بالتعاون مع وزارة الزراعة 87 رأس غنم و13.5 طن أعلاف على 9 مزارعين في محافظة سلفيت. وفي محافظة رام الله والبيرة، تَسلَّمَت مديرية الزراعة 11 مشروعًا لدعم مربي الثروة الحيوانية في بلدات بيتونيا ودير إبزيع وبلعين ورأس كركر ورنتيس ودير عمار وبيتللو، شملت توريد 153 رأس ماعز وضأن و25 طنًا من الأعلاف وإنشاء بركس وتوريد معدات. كما استمرت دورة توزيع العلف في غزة بمشاركة وزارة الزراعة وبدعم منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" وتنفيذ لجان العمل الزراعي، حيث يستفيد 2000 مربي أغنام بواقع 3 أكياس علف لكل مربي، مع تحويل الدفعة الثانية من الدعم النقدي بقيمة 536 دولارًا لكل مربي. وبإشراف وزارة الزراعة وضمن مشروع "المساعدات المنقذة للحياة لتلبية الاحتياجات الطارئة لسكان غزة" الممول من عمليات الحماية المدنية والمساعدات الإنسانية الأوروبية "ECHO" والمُنَفَّذ من منظمة العمل ضد الجوع، صُرفت الدفعتان الأولى والثانية للمشاتل الأربعة المستفيدة مع تنفيذ زيارات تحقق لمتابعة سير العمل.

⭕استقبَلَت وزيرة الخارجية والمغتربين القائم بأعمال مكتب تمثيل جمهورية الصين الشعبية، الذي سلَّمها ثلاث رسائل من وزير الخارجية الصيني أكد فيها أن الضفة الغربية وقطاع غزة جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية، وأن محاولات الضم الإسرائيلية تقوض حل الدولتين، مع التشديد على ضرورة استمرار الجهود الدولية لتثبيت وقف إطلاق النار والدفع نحو إعادة الإعمار. كما شاركت الوزيرة عبر الاتصال المرئي في الاجتماع غير العادي لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، والتقت وفدًا من منتدى شارك الشبابي مؤكدة أهمية دور الشباب في تعزيز المشاركة الوطنية. من جانبها أدانت الوزارة استمرار اعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى وإغلاقه بالقوة العسكرية وفرض قيود على الوصول إلى البلدة القديمة وأماكن العبادة في القدس، كما أدانت هجمات المستوطنين في مسافر يطا جنوب الخليل وقرية أبو فلاح، محذرة من تصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.

⭕أعلَنت وزارة التربية والتعليم العالي آلية الدوام خلال الفترة الحالية بما يتناسب مع الأوضاع الراهنة، وعقَدَت اللقاء الدوري لقطاع التعليم مع الشركاء الدوليين والمحليين والداعمين. كما أحيَت فعاليات اليوم الوطني للبيئة، ونفذت 145 لقاءً توعويًا استهدفت 6500 طالبة، شملت الطالبات النازحات في التجمعات المتضررة من انتهاكات الاحتلال في محافظتي جنين وطولكرم. وَوَجّهَت الوزارة إرشادات للمرشدين في المدارس لاستمرار التواصل مع الطلبة وتقديم الخدمات الإرشادية عن بُعد، إلى جانب الانتهاء من المرحلة الأولى لتقييم المشاركات والمشاريع الطلابية وتحديد المتأهلين إلى نصف النهائي في المسابقة الفلسطينية الرابعة للابتكار والروبوت.

⭕مَنَحَ رئيس سلطة الطاقة رخصة مؤقتة لمشروعي طاقة شمسية، الأول في تل بنابلس بقدرة 2000 كيلوواط. والثاني في منطقة طلوزة بنابلس بقدرة 1.5 ميجاواط، وبحث مع مدير عام الدفاع المدني الفلسطيني آليات تسريع منح موافقات السلامة لمشاريع الطاقة الشمسية، وتعزيز التنسيق الفني وتطوير أدلة إرشادية موحدة لمتطلبات السلامة الخاصة بالأنظمة الشمسية، لدعم الاستثمار في الطاقة المتجددة مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة العامة.

⭕نَفَّذَت سلطة جودة البيئة 38 جولة رقابة وتفتيش على منشآت صناعية، وأصدَرَت 7 تصاريح لاستيراد مواد كيميائية، ومَنَحَت 5 موافقات لمحطات بث خلوي وموافقة لمشروع صناعي، وجدَّدت 4 موافقات بيئية لمشاريع زراعية، كما عقد رئيسها اجتماعًا مع المُدراء العامين والمستشارين ومديري الوحدات والمكاتب لبحث آليات العمل المؤسسي وتعزيز التنسيق لضمان استمرار الخدمات البيئية بكفاءة، وأحيَت السلطة اليوم الوطني للبيئة الفلسطينية في قرية الجيب شمال غرب القدس تحت شعار "تطوع وحماية.. بيئة مستدامة" بالشراكة مع مركز الجيب النسوي لتعزيز المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي وحماية البيئة والمساحات الخضراء.
⭕ تُواصِل طواقم الهيئة العامة للشؤون المدنية تَنفيذ تَدخلاتها الإنسانية على مدار الساعة دعمًا للمؤسسات والمُواطنين في ظل الإغلاقات والتشديدات الميدانية، حيث تم فتح بوابتي النبي إلياس والفندق الغربي في قلقيلية دون قيود زمنية، وترتيب إدخال وجبات الإفطار والمواد التموينية لموظفي الحرم الإبراهيمي داخل البلدة القديمة في الخليل، وتمكين عائلتين من دفن متوفيين في مقبرة السهلة، إلى جانب تأمين خروج وعودة 30 شاحنة نفايات لبلدية الخليل. وفي جنين جرى تأمين خروج وعودة الحالات المرضية وشاحنات النفايات من برطعة إلى المدينة، وتمكين بلدية جبع من صيانة خطوط الكهرباء في منطقة التماس، وترتيب دفن متوفٍ من مخيم جنين، بينما في نابلس تم نقل حالات مرضية برفقة الطواقم الطبية عبر حاجز بيت فوريك. كما تم فتح مداخل عدة بلدات في محافظة بيت لحم على مدار الساعة دون قيود، منها جورة الشمعة وأم سلمونة ورأس بيت جالا وعش غراب والإسكان وواد فوكين والمنيا ومدخل المنشية والحلقوم في تقوع، إضافة إلى فتح بوابات طرق قرى العرقوب وحوسان وبتير ونحالين. كما جرى تنسيق أعمال بنية تحتية تشمل زرع أعمدة ومد كوابل اتصالات في رمون والطيبة بمنطقة (ج)، وإصلاح خط مياه قرب الجدار في بلعين، وبدء أعمال تعبيد مدخل سلواد الرئيسي ضمن مشروع تأهيل طريق سلواد– يبرود، في إطار استمرار الهيئة بمتابعة القضايا الإنسانية وتسهيل حركة المواطنين وعمل الطواقم الخدمية.

⭕ بحث وزير الاقتصاد الوطني مع ممثلة الهند لدى فلسطين تعزيز العلاقات الثنائية ومتابعة تنفيذ مشروع "تراثي"، كما شاركت دولة فلسطين في الاجتماع التنسيقي لوزراء التجارة العرب تحضيرًا للمؤتمر الوزاري لـ منظمة التجارة العالمية المقرر في الكاميرون (26–29 آذار 2026). ميدانيًا، نَفَّذَت طواقم الوزارة 117 جولة تفتيشية شملت 949 محلًا وضبط نحو 6 أطنان من السلع المخالفة وتحرير 15 إخطارًا قانونيًا، والتعامل مع 29 شكوى وسحب 9 عينات للفحص المخبري. كما جَرى تسجيل 21 شركة وتقديم 396 خدمة للشركات، وتسجيل 19 تاجرًا جديدًا وتقديم 25 خدمة بالسجل التجاري، إلى جانب إصدار 135 رخصة استيراد و15 بطاقة تعامل تجاري و21 شهادة منشأ و25 معاملة تجارية مع تركيا، وتسجيل 22 علامة تجارية وتقديم 45 خدمة في مجال الملكية الفكرية.

⭕ نَظَّمَت وزارة السياحة والآثار دورات تدريبية متخصصة في إدارة المخاطر والكوارث والإسعاف الأولي لحماية التراث الثقافي وضمان استمراريته، مع تحديد أولويات العمل الميداني والتنسيق مع الشركاء. كما اختتمت مشاركتها في المعرض السياحي الدولي "ITB" برلين 2026، حيث لاقى جناح فلسطين اهتمام منظمي الرحلات والسفر، مؤكدة مكانة فلسطين كوجهة سياحية غنية بالتراث والمعالم الطبيعية. وتواصل الوزارة جولاتها الدورية على المواقع الأثرية والتاريخية ومتابعة المنشآت السياحية لضمان حمايتها والتزامها بالقانون.

⭕ استقبل وزير الداخلية رئيسة مكتب تمثيل جمهورية ألمانيا لدى دولة فلسطين بمقر الوزارة، مرحبًا بها ومؤكدًا استعداد الوزارة للتعاون وتسهيل مهامها. وفي إطار العمل الميداني، ألقَت الشرُطة القبض على 671 مطلوبًا للعدالة بينهم 5 خطيرين ونَفَّذَت 1583 مذكرة قضائية، وتعامَلت مع 38 قضية ضبط مخدرات و245 حادثة جنائية. ونَفَّذَ الدفاع المدني 84 مهمة إطفاء و72 مهمة إنقاذ، وأصدَرَ 182 تصريحًا لمنشآت وأنشطة صناعية، وفحص وترخيص 301 مصعد، ونَفَّذَ 791 جولة تفتيش للسلامة العامة. كما تابَعَت الضابطة الجمركية 63 قضية تهرب ضريبي وجمركي وأتلَفت حوالي 3.5 أطنان من البضائع مُنتهية الصلاحية وغير المطابقة للمواصفات. كما أعلنت اللجنة الإعلامية للاستجابة الطارئة في وزارة الداخلية، أنه وخلال الفترة ما بين 7 و12 آذار 2026 تعاملت طواقم الشرطة والدفاع المدني والهلال الأحمر مع 63 بلاغًا يتعلق بشظايا المقذوفات وآثارها، تركزت في رام الله والبيرة (17)، وبيت لحم (15)، ونابلس (10)، إضافة إلى تدخلات في محافظات أخرى، أسفَرَت عن 3 إصابات وأضرارٍ مادية طالت مركبة واحدة و6 منازل، بينها منزل مكون من 3 طوابق في سلفيت تعرض لأضرار كبيرة. كما نَفَّذَ الارتباط العسكري الفلسطيني 107 تدخلات إنسانية لتسهيل الحركة شملت تأمين عبور 30 مركبة إسعاف، وفتح 65 طريقًا وبوابة مغلقة، وتيسير مرور المواطنين عبر الحواجز في 12 حالة. ودَعَت اللجنة المواطنين إلى توخي الحذر وعدم العبث بالشظايا الصاروخية والالتزام بالتعليمات الرسمية، والإبلاغ عبر الأرقام: الشرطة 100، الهلال الأحمر 101، الدفاع المدني 102، الضابطة الجمركية 132، والارتباط العسكري 163.

⭕ نَفَّذَت وزارة الثقافة سلسلة تدخلات ثقافية ومجتمعية، أبرزها إدراج عنصر "الكحل العربي" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو عبر ملف فلسطيني، إلى جانب تنظيم ورش كتابة إبداعية في مدارس رام الله ضمن مبادرة "أصدقاء وزارة الثقافة". كما نَظَّمَت فعاليات ثقافية ودينية وتوعوية في سلفيت شملت أُمسية رمضانية وندوة حول العنف والصمت الاجتماعي وعرض الفيلم الفلسطيني القصير "ما بعد" ونشاطًا فنيًا للأطفال في رسم الكاريكاتير، إضافة إلى أُمسية ثقافية للأطفال في يطا لتعزيز القيم والقراءة، ونشاط "ذاكرة المخيم.. حكاية نازح" في طولكرم لتنمية مهارات الكتابة وتشجيع القراءة، وأمسية رمضانية ثقافية تفاعلية في قلقيلية.

⭕ اطَّلَعَ وزير الحكم المحلي رئيس اللجنة الوزارية للأعمال الطارئة خلال زيارته مقر اللجنة الشعبية في مخيم عسكر القديم، على أوضاع المواطنين وطبيعة الأضرار التي لَحِقَت بالمنازل جراء اقتحام قوات الاحتلال للمخيم، كما وبحث وكيل وزارة الحكم المحلي مع مساعد الممثل الخاص لمدير عام برنامج الامم المتحدة الانمائي "UNDP"، عددًا من القضايا المتعلقة بقطاع الحكم المحلي وآليات العمل خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تعزيز الاستدامة المالية للهيئات المحلية، وانجاز التسويات المالية، والتخطيط والتنظيم العمراني، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، ودعم مناطق "ج" والمناطق الريفية بمشاريع تنموية وتطويرية، وتحسين إدارة النفايات الصلبة ودعم هذا القطاع بكل السبل الممكنة نظرا لأهميته.

⭕ شارَكَت وزارة شؤون المرأة في فعاليات ولقاءات دولية ووطنية لتعزيز قضايا المرأة الفلسطينية، حيث أَلقَت الوزيرة كلمة دولة فلسطين خلال أعمال الدورة السبعين للجنة وضع المرأة في الأمم المتحدة "CSW70" مسلطة الضوء على واقع المرأة الفلسطينية في ظل الاحتلال وتداعيات العدوان، كما استعرضت خلال حدث جانبي مع وكالات الأمم المتحدة للمرأة تجربة دولة فلسطين في تطوير الأُطر التشريعية والسياسات الوطنية الداعمة للمساواة بين الجنسين والتحديات المرتبطة بسياسات الاحتلال. وعلى الصعيد الوطني، بحثت الوزيرة مع مستشار رئيس الوزراء للعلاقات الدولية سبل تعزيز التمكين الاقتصادي للمرأة ضمن جهود الحكومة لتعزيز الصمود والتنمية، كما عَقَدَت الوزارة بالتعاون مع كلية القانون في جامعة النجاح الوطنية محاضرة لطلبة الدراسات العليا حول واقع المرأة الفلسطينية في الدستور والقوانين والتشريعات والجهود المبذولة لتعزيز العدالة بين الجنسين.

⭕ عَقَد وزير النقل والمواصلات اجتماعًا موسعًا مع شركاء مثل صندوق تطوير وإقراض الهيئات المحلية ووزارة الأشغال العامة والإسكان ووزارة الحكم المحلي وشرطة المرور واتحاد شركات التأمين لوضع خطة لمعالجة "النقاط السوداء" لتعزيز السلامة على الطرق، وأطلَقَت الوزارة حملة توعية مرورية بعنوان "وجودنا يحميك.. وسرعتك تؤذيك"، مع متابعة مستمرة للحالة الجوية لضمان سلامة المركبات. وتم إصدار 8 رخص بناءً على رخصة أجنبية، تحويل 13 رخصة من غزة، تجديد عادي 2,811، وسائق جديد 687، بينما سجَّلَت حركة المركبات: تسجيل أولي 190، نقل ملكية 870، إعادة تسجيل 122، وتجديد عادي 7,334.

⭕ بحث وزير الصحة مع منظمة الصحة العالمية سبل تعزيز التعاون لمواجهة التحديات التي يواجهها القطاع الصحي في الضفة الغربية وقطاع غزة في ظل الأزمة المالية، مؤكدًا ضرورة تكثيف الجهود الدولية لحماية المنشآت الصحية والطواقم الطبية وتسهيل الإجلاء الطبي لمرضى غزة، كما وجّه رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمرأة أشاد فيها بالدور الوطني والمهني للمرأة الفلسطينية وبإسهام الكوادر النسوية في القطاع الصحي، مجددًا التزام الوزارة بدعم وتمكين المرأة وتعزيز حضورها في مواقع القيادة وصناعة القرار.

⭕ واصلت وزارة الأشغال العامة والإسكان تنفيذ عدد من المشاريع والتدخلات في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بدأ العمل بتعبيد الأسفلت في مشروع إعادة تأهيل طريق سلواد–يبرود في محافظة رام الله والبيرة، فيما تتواصل أعمال تأهيل طريق أم لصفة–خلة المي–يطا في الخليل والطريق الرابط بين برك سليمان وأرطاس في بيت لحم، إلى جانب تنفيذ أعمال تسوية وإزالة وفرد طمم في طريق جناتا–خلة الحداد باستخدام آليات الوزارة. كما طرحت الوزارة عطاءً لصالح سلطة المياه للإشراف على تنفيذ مشروع كميات المياه الإضافية في محافظة جنين، وعطاء إبداء اهتمام لخدمات الإشراف على إنشاء شبكات تجميع مياه الصرف الصحي ومحطة المعالجة ونظام إعادة الاستخدام لقرى جنين الغربية. وفي قطاع غزة، تواصلت جهود حصر الأضرار حيث بلغ العدد التراكمي للمباني التي تم توثيقها 12,490 مبنى و67,795 وحدة سكنية متضررة، فيما شملت تدخلات قطاع الإيواء بدء أعمال تسوية أرض السلاطين في بيت لاهيا بمساحة 9 دونمات، واستكمال تسوية أرض التوم بمساحة 11 دونمًا بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تمهيدًا لإنشاء مراكز إيواء من وحدات RHU، إضافة إلى استكمال تركيب 300 خيمة في مخيم الزيتون.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس

حظر القوة وتقويض النظام الدولي

     نستحضر هنا تجربة الماضي، حيث أظهرت عصبة الأمم عجزها عن أداء الدور الذي أنشئت من أجله، ويبرز السؤال حول مستقبل النظام القانوني الدولي: هل ما زالت قواعد القانون الدولي قادرة على أداء دورها في حفظ السلم والأمن الدوليين، أم أننا إزاء حالة من التآكل التدريجي للنظام القانوني الدولي، تتراجع فيها سلطة القانون لصالح موازين القوى والمصالح الاستراتيجية للدول، بما قد يرمي في نهاية المطاف إلى إضعاف منظمة الأمم المتحدة، على نحو يذكر بالتجربة التاريخية لانهيار عصبة الأمم.

 في الحقيقة تتزايد أهمية هذا التساؤل في ظل النزاعات والصراعات التي يشهدها النظام الدولي، والتي ألقت بظلالها على فاعلية القواعد القانونية الدولية وعلى قدرة الأمم المتحدة في الحفاظ على فعاليتها. لما سبق، وبعد حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة يجد النظام الدولي نفسه مرة أخرى أمام اختبار جديد يتعلق بمدى قدرة قواعد القانون الدولي على ضبط سلوك الدول لمنع تحول العلاقات الدولية إلى سيادة القوة على القانون.

 فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945، سعى المجتمع الدولي إلى إرساء نظام قانوني يقوم على مبادئ واضحة تتعلق باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ناهيك عن حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، والذي يمتد ليشمل مجرد التهديد باستعمال القوة (إلا في حالات محددة نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها الدفاع الشرعي عن النفس أو بناءً على تفويض صادر عن مجلس الأمن).

غير أن الواقع الدولي يكشف فجوة واضحة بين النصوص القانونية والممارسات السياسية للدول (الحرب الروسية-الأوكرانية، الإسرائيلي الأمريكية-الإيراني، الأمريكية-الفنزويلية). انطلاقاً من ذلك نجد أن التطورات المرتبطة بالحرب على إيران تعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى احترام قواعد القانون الدولي، وحول قدرة النظام الدولي على فرض هذه القواعد في مواجهة حسابات المصالح والتوازنات الجيوسياسية. فالقانون الدولي، رغم ما يتضمنه يظل في كثير من الأحيان تابع للإرادة السياسية للدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تمتلك أدوات التأثير في بنية النظام الدولي وآليات اتخاذ القرار فيه. ومن هذا المنطلق، فإن الحرب على إيران لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد عملية عسكرية محدودة أو مواجهة إقليمية سريعة، بل هي مؤشر على تفاقم الأزمة الأساسية والتي تتعلق بمدى فاعلية النظام القانوني الدولي نفسه وقدرته على الصمود. فكلما تم تجاوز القواعد التي ينص عليها ميثاق الأمم المتحدة دون مساءلة حقيقية، كلما تآكلت هيبة القانون الدولي، وتراجعت الثقة بقدرته على تنظيم العلاقات بين الدول على أساس إحقاق الشرعية والعدالة. 

في هذا إطار نجد أن الدور المفترض أن تضطلع به الأمم المتحدة وأجهزتها في حفظ السلم والأمن الدوليين مرتبط في ميثاقها الذي منح مجلس الأمن صلاحيات واسعة للتدخل من أجل منع النزاعات المسلحة أو احتوائها كونه يشكل الذراع التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة ويتمتع بصلاحيات أوسع من الجمعية العامة لوقف الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. إلا أن التجربة العملية كثيراً ما أظهرت أن فعالية المجلس تتأثر بالتوازنات السياسية بين الدول دائمة العضوية "حق الفيتو"، الأمر الذي يؤدي في الغالب إلى شلل في قدرته على اتخاذ قرارات حاسمة تحقق الهدف الأساسي من إنشائها. وفيما يتعلق بالإجابة على السؤال الذي بدأنا به، فالإجابة لا تتعلق بالحرب على إيران وحدها، بل تمس جوهر النظام الدولي ومستقبل الشرعية الدولية.

 حيث سيتعين على المجتمع الدولي اعادة النظر في كيفية تفسير القانون الدولي وتطبيقه إذا ما أريد لهذا القانون أن يبقى ذا صلة في القرن الحادي والعشرين. فإما أن ينجح المجتمع الدولي في إعادة الاعتبار لقواعد الشرعية الدولية وتعزيز دور منظمة الأمم المتحدة في حفظ السلم والأمن، وإما أن يستمر تآكل هذه القواعد مما قد يؤدي على المدى البعيد إلى انسحاب الدول من منظمة الأمم المتحدة، كما حصل مع عصبة الأمم، مما يؤدي إلى انهيارها.    


عربي ودولي

الأحد 15 مارس 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصاعد موجة العداء للمسلمين في الكونغرس الأمريكي على وقع المواجهة العسكرية مع إيران

تشهد أروقة الكونغرس الأمريكي موجة غير مسبوقة من الخطاب المعادي للمسلمين، يقودها نواب من الحزب الجمهوري على خلفية التصعيد العسكري المستمر مع إيران. وأثارت هذه التصريحات إدانات واسعة من الحزب الديمقراطي، في حين اكتفت قيادات الجمهوريين بردود فعل خجولة لم تصل إلى حد الإدانة الصريحة.

وزادت حدة التحريض هذا الأسبوع عقب هجمات استهدفت كنيساً يهودياً في ميشيغان وكلية في فرجينيا، حيث سارع نواب جمهوريون لربط هذه الحوادث بالهوية الدينية لمرتكبيها. واعتبر مراقبون أن هذه اللغة تعيد للأذهان أجواء العداء التي سادت عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، مما يهدد السلم الأهلي للجاليات المسلمة.

وفي تصريح مثير للجدل، وصف السيناتور الجمهوري تومي توبرفيل المسلمين بأنهم 'العدو داخل أسوارنا'، معلقاً على صورة لعمدة نيويورك المسلم زهران ممداني. ولم يكتفِ توبرفيل بذلك، بل أكد لاحقاً أنه يقصد 'الإسلاميين' بشكل صريح، واضعاً صور المسؤولين المسلمين بجانب صور دمار مركز التجارة العالمي.

من جانبه، ذهب النائب آندي أوجلز إلى أبعد من ذلك بمطالبته برحيل المسلمين عن الولايات المتحدة، مدعياً أنهم 'لا يستطيعون الاندماج'. ورغم الانتقادات، أصر أوجلز على موقفه معتبراً أن الأوراق الرسمية والجنسية لا تجعل من الشخص أمريكياً إذا كان يحمل فكراً لا يتوافق مع رؤيته.

وفي سياق متصل، امتنع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن إدانة هذه التصريحات بشكل قاطع، مكتفياً بالإشارة إلى أن 'نبرة الخطاب' قد تختلف من شخص لآخر. واعتبر جونسون أن المخاوف من فرض الشريعة الإسلامية في أمريكا هي ما يغذي هذه المشاعر، مما أعطى انطباعاً بتفهم الدوافع خلف هذا التحريض.

ولم تتوقف الإساءات عند هذا الحد، بل وصلت إلى تشبيهات مهينة أطلقها النائب راندي فاين، الذي قارن بين المسلمين والحيوانات في منشورات علنية. هذه التصريحات قوبلت بغضب عارم من المنظمات الحقوقية التي حذرت من أن صمت القيادات السياسية يمنح شرعية للعنف والتمييز العنصري ضد المواطنين المسلمين.

ميدانياً، يأتي هذا التحريض تزامناً مع شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً عسكرياً ثانياً على إيران خلال أقل من عام، رغم المساعي الدبلوماسية السابقة. وتواجه إسرائيل ضغوطاً عسكرية كبيرة مع نقص صواريخ الاعتراض الباليستية، مما دفعها للاعتماد بشكل أكبر على سلاح الجو لمواجهة التهديدات الإيرانية.

وأفادت تقارير عسكرية بأن إيران طورت قدراتها الصاروخية بإضافة ذخائر عنقودية، مما جعل عمليات الاعتراض الجوي أكثر تعقيداً وكلفة. وقد استهلكت القوات الأمريكية صواريخ من طراز 'باتريوت' بقيمة تجاوزت ملياري دولار خلال خمسة أيام فقط من المواجهات المباشرة، مما يضع ضغوطاً هائلة على الميزانية الدفاعية.

وفي الداخل الأمريكي، استغل نواب جمهوريون الحوادث الأمنية الأخيرة للدفع بتشريعات متشددة تتعلق بالهجرة والجنسية. وأعلن النائب رايلي مور عن نيتة تقديم مشروع قانون يسمح بسحب الجنسية وترحيل أي مواطن متجنس يثبت تورطه في دعم ما وصفه بـ 'المنظمات الإرهابية' أو التآمر ضد الشعب الأمريكي.

ويرى ناشطون حقوقيون أن هذه التحركات التشريعية تستهدف بشكل أساسي النشطاء الفلسطينيين والمسلمين الذين يعارضون السياسات الخارجية الأمريكية. واستشهدوا بحالة الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي سعت السلطات لترحيله على خلفية مشاركته في احتجاجات طلابية بجامعة كولومبيا ضد الحرب في غزة.

من جهته، رد عمدة نيويورك زهران ممداني على الهجمات اللفظية ضده، داعياً الساسة في واشنطن إلى توجيه غضبهم نحو قضايا الجوع والفقر بدلاً من التحريض ضد المواطنين. وأكد ممداني أن هذه الرسائل لا تكتفي بالكلمات، بل تتبعها عادة مضايقات يومية يواجهها المسلمون في الأماكن العامة بصمت.

وتشير التقارير إلى أن الصمت الحالي لرموز الحزب الجمهوري، وعلى رأسهم دونالد ترامب، يمثل تحولاً جذرياً عن نهج الإدارات الجمهورية السابقة. ففي أعقاب أحداث سبتمبر 2001، حرص الرئيس الأسبق جورج بوش الابن على زيارة المراكز الإسلامية والتأكيد على أن المسلمين الأمريكيين هم جزء أصيل ومحترم من نسيج المجتمع.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، أثبتت الحرب الحالية عجز القوى الكبرى عن تأمين الممرات المائية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب باستخدام الأسلحة التقليدية فقط. ورغم وجود خطط أمريكية مثل عملية 'الغضب العارم' لمواجهة إغلاق المضايق، إلا أن الواقع الميداني أظهر تعقيدات تفوق التوقعات العسكرية.

ختاماً، يرى مراقبون أن التداخل بين الصراعات الخارجية والخطاب السياسي الداخلي في أمريكا وصل إلى مرحلة خطيرة من الاستقطاب. ومع استمرار العمليات العسكرية ضد إيران، يبدو أن الجالية المسلمة في الولايات المتحدة ستظل في واجهة الاستهداف السياسي والإعلامي، وسط غياب التوافق الوطني على حمايتهم من التمييز.

فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

المقدسيون يواجهون حصار الأقصى بـ 'صلاة العتبات' وحملات لكسر الإغلاق

منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي، يواجه المسجد الأقصى المبارك في القدس المحتلة إغلاقاً شاملاً أمام المصلين، مما دفع الفلسطينيين إلى ابتكار وسائل صمود جديدة. ويحرص أهالي المدينة والداخل المحتل على شد الرحال نحو أقرب نقطة ممكنة من المسجد، مؤدين صلواتهم على أعتاب البلدة القديمة وتحت ملاحقة مستمرة من قوات الاحتلال.

هذا المشهد الذي يتكرر اليوم عند أبواب القدس ليس طارئاً، بل هو امتداد لتاريخ طويل من المقاومة الشعبية التي بدأت منذ احتلال المدينة عام 1967. وفي كل مرة يفرض فيها الاحتلال قيوداً مشددة، تتحول الشوارع والساحات المحيطة بالسور التاريخي إلى مصليات مفتوحة تعج بآلاف المصلين المتمسكين بحقهم في العبادة.

وتفرض سلطات الاحتلال حالياً تضييقات غير مسبوقة، حيث تمنع غير سكان البلدة القديمة من اجتياز الحواجز العسكرية المنصوبة عند المداخل الرئيسية. هذا الإجراء لم يقتصر على المصلين فحسب، بل طال التجار الذين عجزوا عن الوصول إلى محلاتهم، مما أدى إلى شلل تجاري كامل بذريعة تعليمات الجبهة الداخلية.

ورغم حالة الاحتقان الأمني، قرر مقدسيون كسر حاجز الصمت والتوجه في مسيرات نحو البلدة القديمة لأداء صلاتي العشاء والتراويح. وقد تركزت هذه الصلوات أمام مقبرة باب الرحمة الملاصقة لسور المسجد الأقصى، وفي ساحة مدرسة الرشيدية المقابلة لباب الساهرة، رغم محاولات القمع والترهيب المستمرة.

وبالتوازي مع الحراك الميداني، انطلقت حملة إلكترونية واسعة تحت وسم 'سنفتح أقصانا' تهدف إلى حشد الدعم الشعبي لكسر الحصار المفروض على المسجد. وتدعو هذه الحملة إلى ضرورة التواجد الدائم في محيط الأقصى لإفشال مخططات الاحتلال الرامية إلى الاستفراد بالمسجد وتغيير معالمه التاريخية والدينية.

من جانبه، أصدرت مؤسسة القدس الدولية بياناً طالبت فيه وزارة الأوقاف الأردنية بالتحرك العاجل وإعلان فتح المسجد الأقصى رسمياً. وأكدت المؤسسة أن الاحتلال يستغل الظروف الأمنية لفرض سوابق خطيرة، منها منع صلاة الجمعة لأسابيع متتالية ومنع الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان.

واعتبرت المؤسسة أن استمرار الإغلاق يمثل 'عملاً حربياً' يهدف إلى طمس الهوية الإسلامية للمسجد وتحويله تدريجياً إلى 'هيكل' مزعوم. وشددت على أن الذرائع الأمنية التي يسوقها الاحتلال للحفاظ على السلامة العامة هي ادعاءات واهية لا تنطلي على أحد، وغرضها الأساسي هو فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة.

وفي تحليل للأبعاد السياسية لهذا الحراك، يرى باحثون مختصون في شؤون القدس أن الصلاة على الأبواب هي تعبير صارخ عن رفض شرعية الاحتلال. فالمقدسيون بتواجدهم على الأعتاب يرسلون رسالة مفادها أن القوة الغاشمة لن تنجح في انتزاع اعتراف فلسطيني بالوقائع المفروضة قسراً داخل المسجد.

ويؤكد المختصون أن هذه الفعاليات الشعبية تمثل إعلاناً صريحاً ببطلان إجراءات الاحتلال، حيث يتعامل أصحاب الأرض مع قرارات الإغلاق كأنها منعدمة الأثر قانونياً وشرعياً. فالاحتلال في وعي المقدسيين ليس السلطة المخولة باتخاذ قرارات تخص إدارة المسجد الأقصى أو تنظيم العبادة فيه.

وتشير القراءات التاريخية إلى أن 'إرادة المصلين' كانت دائماً السلاح الفعال في إجبار الاحتلال على التراجع، كما حدث في هبة البوابات الإلكترونية عام 2017. حينها، أجبر الاعتصام الشعبي الحاشد على مدار أسبوعين الحكومة الإسرائيلية على تفكيك كافة العوائق الأمنية التي وضعتها عند مداخل المسجد.

وحذر مراقبون من خطورة الركون لقرارات الاحتلال، مستشهدين بما حدث خلال أزمة كورونا عام 2020 عندما استغل الاحتلال الإغلاق لفرض شروط جديدة. ففي ذلك الوقت، تمكنت سلطات الاحتلال من التحكم بمواعيد الفتح والإغلاق، وسمحت باقتحامات المستوطنين قبل دخول المصلين المسلمين، مما كرس مبدأ التقسيم الزماني.

إن الإغلاق الحالي الذي بدأ مع التوترات الإقليمية في فبراير الماضي، يسعى لتكريس سابقة انتزاع صلاحيات الأوقاف الإسلامية بشكل كامل. وإذا لم يتم مواجهة هذا التغول بحراك شعبي واسع، فإن الاحتلال سينتقل إلى مرحلة جديدة من التهويد تبيح للمستوطنين ممارسة طقوس استفزازية داخل الساحات.

ويبقى الرهان اليوم على استعادة 'روح المقاومة' في الشارع المقدسي لإثبات أن حرب الإبادة والضغوط الأمنية لم تكسر إرادة الشعب الفلسطيني. فالأقصى يمثل البوصلة التي تحرك الجماهير، والتواجد عند أبوابه هو الخط الدفاعي الأول لمنع تحويله إلى ساحة عامة تحت تصرف الجمعيات الاستيطانية.

ختاماً، يشدد المقدسيون على أن معركتهم الحالية هي معركة وجود وهية، حيث يسعون لفتح المسجد بأيديهم وعلى شروطهم الوطنية. إن الإصرار على الصلاة في أقرب نقطة للأقصى هو تأكيد على أن المسجد سيبقى إسلامياً خالصاً، وأن سياسة 'الأمر الواقع' لن تجد طريقاً للاستقرار في مدينة القدس.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس

فوق الصفر تحت التوريط!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، سادت بين فصائل الثورة الفلسطينية في لبنان قاعدة تقول: "فوق الصفر تحت التوريط"، وذلك لتجنب الانزلاق إلى حربٍ واسعةٍ لا طاقة للمقاومة ولا للدولة اللبنانية بتحمل تداعياتها.
لكن تلك القاعدة لم تصمد طويلاً أمام من يسعون لتخليق الذرائع  لتبرير الاجتياح الواسع الذي حمل اسم "سلامة الجليل"، فقد جاءت ذريعة الاجتياح ودخول بيروت عام ٨٢ وإخراج قوات منظمة التحرير منها محمولةً على محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن "شلومو أرغون"، وهي المحاولة التي نُسبت لجماعة أبو  نضال المعروف بأنها "بندقية للإيجار".
في الحرب الدائرة في المنطقة، التي دخلت أسبوعها الثالث، يجري اليوم إعادة إنتاج السيناريوهات ذاتها لضرب الجميع بالجميع، وتوجيه ضرباتٍ لدول الخليج منسوبة لإيران، لاستجلاب ردود فعلٍ من الدول المستهدفة، لتجد نفسها وقد تورطت دون رغبتها في حربٍ  لا علاقة لها بها، سوى أنها تدفع ثمن الاستضافة لدولةٍ لم تدافع عن قواعدها، ولا وفرت الأمن لمستضيفيها، ما ولّد انتقاداتٍ شديدة اللهجة من قبل النخب المثقفة في تلك الدول حول جدوى القواعد الأمريكية في المنطقة، إنْ لم تكن قادرةً على حمايتها، وفق ما جاء على لسان الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السعودية الأسبق، الذي قال: "هذه حرب نتنياهو التي أقنع بها ترمب بطريقةٍ ما"، وكذلك ما جاء على لسان حمد بن جاسم، وزير الخارجية القطري الأسبق الذي قال: "إن أمريكا وإسرائيل تسعيان لتوريط الخليج في حربٍ لاستنزاف مواردها، والتحكم فيها، ما يفرض تجنب الانزلاق للمواجهة"، وكذلك ما غرد به رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور الذي خاطب ترمب قائلاً: "من أعطاك الصلاحية لزج الخليج والدول العربية في الحرب؟".
إذا كان "أبو نضال" هو "بندقية الإيجار" في  الثمانينيات، فإن "المسيّرات مجهولة الهوية" هي "بندقية الإيجار" الحديثة؛ التي تهدف لدفع المنطقة نحو "نقطة الغليان" بلا صمام أمان، سيما أن طهران نفت صلتها باستهداف مواقع في تركيا وعمان.
تُحسن إيران صنعاً، إنْ هي امتنعت عن استهداف تلك الدول، لتوجه بذلك ضربة لمحاولات "ترمب- نتنياهو" توسيع قوس النار، وادعاء أن دولاً عربية تشاركهما حربهما ضد إيران.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

حين يجرؤ الفكر التربوي على مساءلة "المقدّس" التعليمي

(قراءة في طرح د. فواز عقل حول الرؤية الجديدة للتوجيهي)

ليس من السهل الاقتراب من "التوجيهي" في الوعي الفلسطيني؛ فهو ليس امتحانًا فحسب، بل طقس اجتماعي، ومؤشر عدالة، ورافعة أمل لآلاف الأسر.
 لكن القيمة الحقيقية لأي منظومة تعليمية لا تُقاس بقدرتها على ترسيخ الطقوس، بل بقدرتها على صناعة الإنسان. هنا تكمن أهمية مقال د.فواز عقل ، فهو لا يهاجم التوجيهي، بل يضعه على طاولة التشريح التربوي، ويسأل السؤال الذي طال تجنّبه: هل نقوّم من أجل الفهم أم من أجل الفرز؟
الدكتور فواز لا يقف عند حدود التغيير الشكلي ، بل يذهب مباشرة إلى فلسفة التقويم ذاتها. حين يذكّرنا بأن كثرة الاختبارات والدروس الخصوصية وإطالة ساعات الجلوس ليست ممارسات بريئة، بل تعيد إنتاج ثقافة الحفظ والانصياع، فهو يعيدنا إلى جوهر التربية كما فهمها خليل السكاكيني: المدرسة التي تقوم على العلامة والعقاب تُنتج موظفين مطيعين، لا مواطنين أحرارًا قادرين على التفكير والمساءلة.
الأهم في طرحه أنه لا يكتفي بالنقد، بل يفتح أسئلة موجعة حول الجاهزية: هل المدرسة الفلسطينية، في ظل الاحتلال والأزمات الاقتصادية وكثافة الصفوف، مستعدة لانتقال نوعي في فلسفة التقويم؟ هل سيبقى التغيير محصورًا في شكل الأسئلة، أم سيمتد إلى بنية العلاقة بين المعلم والطالب؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا ، إنها شرط الأمن التربوي. فالتوجيهي، رغم كل عيوبه، كان معيارًا يُنظر إليه باعتباره الأكثر عدالة في توزيع الفرص. وأي مساس غير محسوب به قد يهزّ الثقة العامة بالنظام التعليمي.
من هنا تأتي أهمية ما أشار إليه الدكتور حول دور الجامعات. لا معنى لإصلاح المدرسة إذا كانت بوابة التعليم العالي ما زالت تُكافئ الحفظ وتُقصي التحليل. الجامعات تشتكي اليوم من طلبة يمتلكون علامات مرتفعة وقدرات تحليلية متواضعة. إذن، الإصلاح يجب أن يكون تعاقدًا متكاملًا بين المدرسة والجامعة، بحيث تُقاس المهارات التي يحتاجها التعليم العالي وسوق العمل، لا مجرد استرجاع المعلومات.
لكن ما يميز المقال حقًا هو التقاطه لروح الجيل. "جيل الشاشات" ليس أقل ذكاءً ولا أقل صبرًا ، إنه ببساطة يعيش في بيئة معرفية مختلفة. الطالب الذي يقضي ساعات أمام الشاشة لا يمارس كسلاً، بل تفاعلاً. المشكلة ليست في قدرته على الانتباه، بل في طبيعة الوسيط التعليمي الذي نقدّمه له.
 إذا بقي الصف قائمًا على التلقين، فسنخسر هذا الجيل تدريجيًا. المدرسة مطالبة بأن تحاكي جاذبية العصر الرقمي: مشاريع، تعلم قائم على حل المشكلات، عمل جماعي، ومساحات للنقاش الحر.
ومع تأييدي الكامل لطرح الدكتور فواز، أضيف بُعدًا أراه حاسمًا في أي رؤية جديدة: فك الارتباط بين الامتحان الواحد والمصير الواحد. لا يمكن لمنظومة عصرية أن تربط مستقبل الطالب بورقة في يوم واحد. التقويم التكويني الممتد، وسجل الإنجاز، والمشاريع البحثية، والتقييم العملي، كلها أدوات يجب أن تُدمج تدريجيًا لتخفيف مركزية "اللحظة الفاصلة". العدالة لا تتحقق فقط بتوحيد الامتحان، بل بتوزيع فرص التقييم على زمن أطول ومسارات متعددة.
كما أن الرؤية الجديدة يجب أن تُعيد تعريف النجاح ذاته. النجاح ليس رقمًا من 100، بل قدرة على التفكير النقدي، والتواصل، والعمل ضمن فريق، واتخاذ موقف أخلاقي. إذا لم تدخل هذه الكفايات إلى صلب عملية القياس، فسنظل ندور في حلقة مفرغة مهما غيّرنا أسماء الامتحانات.
مقال د. فواز عقل يذكّرنا بأن الإصلاح التربوي ليس قرارًا إداريًا، بل شجاعة ثقافية. هو دعوة إلى الانتقال من "ثقافة الانتظار" إلى "ثقافة الفعل"، ومن "رهبة الورقة والقلم" إلى "ثقة الإنسان بنفسه". التحدي ليس في إعادة تصميم الأسئلة، بل في إعادة صياغة عقد التعلم بين المدرسة والمجتمع.
نحن لا نحتاج إلى امتحان جديد بقدر ما نحتاج إلى رؤية جديدة للإنسان الذي نريد أن نصنعه. وإذا كانت البوصلة تُصنع لليوم التالي كما قيل، فإن هذه اللحظة هي لحظة صناعة البوصلة، لا انتظارها.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

أبعاد المواجهة الإيرانية: قراءة استشرافية




بمعزل عن مسألة نجاح هذه الحرب على تحقيق هدفها المركزي المتمثل في إسقاط النظام الإيراني، أو ما يقدم في الخطاب السياسي على أنه "تهيئة الظروف للشعب الإيراني لنيل حريته"، عبر تنفيذ ضربة سريعة وحاسمة تستهدف رأس هرم القيادة السياسية والعسكرية، فإن هذه المقاربة تندرج ضمن إطار أوسع من الأهداف الاستراتيجية. إذ تتكامل بالتوازي إلى تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، وعرقلة تطور برنامجها النووي ومنع تحوله إلى مصدر تهديد استراتيجي مستقبلاً، بما يفضي إلى تقويض نفوذ إيران الإقليمي والدولي وإعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.
على خلاف ذلك، وفي سياق تحليل استشرافي للتطورات الراهنة يظهر جلياً أن القوة العسكرية، مهما بلغت درجة تفوقها، تواجه حدودا واضحة عندما تتداخل مع عوامل الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، ولو أن الأمر يختلف في بعض البلاد التي ليست لها وجود جغرافي متميـز وقليل هي؛ وايران ليس منها على كل حال. وعليه نجد أن هناك فجوة واضحة بين الأهداف وبين النتائج الظاهرة. بل قد تنعكس على الداخل الإيراني، من خلال تكريس العداء تجاه الولايات المتحدة و"إسرائيل"، وتوحيد الصفوف السياسية والشعبية حول القيادة العليا.
ما نريد أن نصل إليه من هذه الفاتحة هو أن المواجهة بشكلها الحالي تدخل في إطار علاقة تأثير وتأثر متبادل في الساحة الإقليمية والدولية عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. فالبعد الأكثر حساسية في هذه المعادلة يتمثل في موقف دول الخليج العربي التي تواجه خيارين: فإما أن تنخرط في الحرب، وهو ما ينبئ بإمكانية انزلاق المنطقة نحو فوضى ممتدة ومعقدة، ترهق البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدول الخليج، وتزيد من هشاشتها، وهنا نستحضر قدرة إيران الطويلة والمتراكمة في هذا الخصوص (حرب الخليج الأولى). وفي الحقيقة هذا الخيار مستبعد نظرا ليقين دول الخليج بتخلي الولايات المتحدة و"إسرائيل" عنها في نهاية المطاف.
وإما أن تتجه إلى تبني مواقف أكثر حذراً في دعم العمليات العسكرية أو في توفير التسهيلات اللوجستية الواسعة لها. وفي هذه الحالة، قد تجد الولايات المتحدة و"إسرائيل" نفسيهما أمام بيئة إقليمية أقل دعما لحرب طويلة الأمد، الأمر الذي قد يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي جديد.
في سياق متمم نجد الغموض الاستراتيجي في تحديد الغايات الفعلية للحرب. فالتجارب التاريخية في الحروب تشير إلى أن القدرات الجوية وهنا نتحدث بالتحديد عن سلاح الجو والقصف المتواصل، لا يكفي لتحقيق تغيير جذري في طبيعة الأنظمة السياسية المستهدفة وموازين القوة. كما أن هذه الأهداف في عمقها الإستراتيجي ليست متطابقة بين "إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لا يعني غياب التماهي أو التقارب في جوهرها. فبينما تسعى الاخيرة إلى إعادة فرض الهيمنة في المنطقة وتحقيق مكاسب سياسية داخلية وخارجية، تركز إسرائيل على الحد من النفوذ الإيراني وضمان التفوق الاستراتيجي في المنطقة بما يخدم الأمن القومي "الإسرائيلي" المباشر. وبالتالي هذا التباين قائم على توافقات مؤقتة في المصالح، وهو ما قد يؤدي إلى تناقضات في التنفيذ وتباين في النتائج المتوقعة على مستوى التوجهات السياسية الإقليمية والدولية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الأهداف المعلنة للحرب تواجه تحديات جوهرية تتعلق بطبيعة البيئة الجيوسياسية التي تجري فيها. فإيران، رغم الضغوط العسكرية والعقوبات الاقتصادية التاريخية، ما زالت قادرة على استخدام الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة كوسيلة تأثير "مضيق هرمز"، بينما يضطر كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" إلى موازنة الخيارات العسكرية مع اعتبارات الاستقرار الاقتصادي العالمي ومواقف الحلفاء الإقليميين. وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول الحرب نفسها إلى عامل يعيد إنتاج التوازنات القائمة بدل أن يغيرها.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

الثقافة سلاحاً.. فلسطين تقاوم بالقلم والذاكرة

في الثالث عشر من آذار من كل عام، يحتفل الفلسطينيون في الوطن والشتات بيوم الثقافة الوطنية الفلسطينية، وهو يوم ميلاد الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش (Google Support) ، ذلك الرجل الذي جعل من القصيدة وطناً حين سُلب منه الوطن. غير أن هذا اليوم ليس احتفالاً بالمعنى الذي تُقيمه الأمم المستقرة في حدودها الآمنة، بل هو تأكيد سنوي على فعل مقاومة صامت وعميق، يجري في الأوردة الثقافية لشعب لا يزال يُحارَب في أرضه وهويته وذاكرته في آنٍ واحد. الثقافة في السياق الفلسطيني ليست ترفاً فكرياً ولا نشاطاً على هامش الحياة السياسية، بل هي الخط الأمامي في معركة الوجود ذاتها.

منذ عقود، أدرك الفلسطينيون ما يفهمه كل شعب مستعمَر في التاريخ: أن المحتل لا يكتفي بمصادرة الأرض، بل يسعى إلى مصادرة الذاكرة أيضاً. يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية هو يوم للحفاظ على الهوية الثقافية الفلسطينية، إرث الأجداد الضارب بجذوره عبر التاريخ، وحمايته من محاولات السطو الهادفة إلى سرقته وتهويده. (Google Support) هذه الجملة الرسمية تحمل في طياتها وصف حرب حضارية شاملة، إذ لا يعني الاحتلال مجرد السيطرة العسكرية على قطعة من الجغرافيا، بل يعني أيضاً تفكيك الرواية الوطنية وإحلال رواية بديلة محلها. في هذا السياق تحديداً، يغدو الشعر خندقاً، والرقص الشعبي دليل وجود، والزي الفلسطيني المطرز شهادة لا تحترق.

في يوم الثقافة الوطنية، يُستذكر أعمدة ورواد الثقافة الفلسطينية: محمود درويش وغسان كنفاني وماجد أبو شرار ومعين بسيسو ونوح إبراهيم وتوفيق زياد وسميح القاسم وعبد الكريم الكرمي وعبد الرحيم محمود وفدوى طوقان وغيرهم ممن حملوا راية الدفاع عن الهوية الوطنية. (Google Support) هؤلاء لم يكونوا مجرد أدباء يكتبون في وقت الفراغ؛ كانوا مقاتلين بالكلمة، اختاروا الورقة والقلم أسلحةً في مواجهة الدبابة والسجن. مثقفون عاشوا ظلم وظلام الاحتلال، لامسوا آلام وأوجاع شعبهم فأبدعوا وانتصروا لمعاناته، ولم تثنهم ليالي المنافي وعتمة السجون. (Google Play) غسان كنفاني اغتيل بسيارة مفخخة في بيروت عام 1972، ومحمود درويش اعتُقل مراراً قبل أن يُرغم على المنفى، لكن كلاهما ظل حاضراً في الوجدان الفلسطيني بعد رحيله أكثر مما كان حاضراً في حياته.

اليوم، وفي ظل المشهد الراهن، يكتسب هذا البُعد الثقافي ثقلاً سياسياً مضاعفاً. ما يجري في غزة منذ أكتوبر 2023 ليس حرباً عسكرية فحسب، بل هو كذلك عملية ممنهجة لمحو الذاكرة المادية لشعب بأكمله. المتاحف والمسارح ودور الكتب والأرشيفات والمواقع التراثية والجامعات، كل ذلك طاله الدمار. انطلاقاً من إطار توثيق انتهاكات الاحتلال بحق الموروث الثقافي الفلسطيني، وتأكيداً على ضرورة حماية التراث الإنساني من أعمال التدمير والإبادة التي تستهدف طمس هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه العريق (YouTubers.me) ، يصدر الإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة سنوياً بياناتهما. لكن الأرقام هذه المرة تحمل مرارة بالغة: ما الذي تعنيه إحصاءات المراكز الثقافية حين تُحرق المكتبات فوق رؤوس أصحابها؟

شهدت المؤسسات الثقافية في الضفة الغربية انخفاضاً في عدد الأنشطة من 5788 إلى 4279، مع مشاركة حوالي 251 ألف شخص في الأنشطة الثقافية لعام 2025، فيما سجلت المتاحف انخفاضاً بنسبة 39% في عدد الزوار مقارنة بعام 2024. (YouTube) هذه الأرقام تُترجم بالضرورة إلى معاناة إنسانية: أسر لا تستطيع اصطحاب أطفالها إلى المتاحف بسبب القيود والحواجز، وفنانون باتوا يعملون في ظروف الطوارئ لا في ظروف الإبداع. ومع ذلك تواصل المؤسسات عملها بإصرار لافت، إذ نفذت وزارة الثقافة في الضفة الغربية 1600 فعالية، وشاركت في معارض دولية، وأطلقت مسابقات وجوائز، بينما دعمت في غزة 37 مشروعاً ثقافياً بقيمة 243 ألف دولار. (YouTube) في ظل الحرب، دعم مشاريع ثقافية في غزة ليس ترفاً، بل هو رسالة سياسية تقول: نحن هنا، ولن نختفي.

الثقافة الفلسطينية بوصفها فعلاً سياسياً لم تبقَ حبيسة الجغرافيا المحاصرة. أحيت سفارة دولة فلسطين لدى إسبانيا بالتعاون مع معهد "ثيربانتيس" يوم الثقافة الفلسطينية، لتسليط الضوء على الثقافة الفلسطينية الغنية كمكون أساسي من الهوية الوطنية. (Y2Mate) وفي بكين، أحيت سفارة دولة فلسطين لدى جمهورية الصين الشعبية يوم الثقافة الفلسطينية بحضور وفد رفيع المستوى من وزارة الخارجية الصينية وعدد كبير من السفراء المعتمدين، وتخلل الفعالية معرض ثقافي تناول تاريخ فلسطين ومدنها ومعالمها وتراثها الوطني. (Google) وفي الجزائر الشقيقة التي لا تنسى جراح الاستعمار، أحيت سفارة دولة فلسطين يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية بأمسية وعروض ثقافية. (YouTube Kids) هذا الحضور الدبلوماسي الثقافي المتزامن في عواصم العالم يكشف عن استراتيجية واعية: الثقافة أداة للشرعية الدولية قبل أن تكون وسيلة للتعبير الجمالي.

ثمة من يرى في هذا الاهتمام بالشعر والفلكلور والمتاحف في خضم الاحتلال نوعاً من الإفراط في المثالية، أو ربما هروباً من قسوة الواقع السياسي إلى ملجأ الجمال. لكن هذه القراءة تجافي الحقيقة التاريخية. يوم الثقافة مناسبة لبعث روح التثاقف لدى أبناء الشعب الفلسطيني، وخاصة عنصر الشباب، لمواصلة المسيرة نحو تحقيق الحرية والانعتاق من الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس. (Google Support) الثقافة إذاً ليست نقيض السياسة، بل هي امتدادها بأدوات أخرى. حين يرقص شباب فلسطيني في مخيم اللاجئين على أنغام الدبكة، فهو لا يحتفل فحسب، بل يقول لكل من يريد محو وجوده: أنا موجود، وجسدي يتذكر ما حاولتم أن تُنسيه الكتب المدرسية.

في هذا السياق الوجودي يأخذ الجدل حول من يمثل الثقافة الفلسطينية معنى أعمق. السلطة الفلسطينية ومؤسساتها الرسمية ليست وحدها الحارسة لهذا الإرث؛ المخيمات في لبنان والأردن وسوريا تنتج ثقافتها الخاصة، والشتات في الغرب يخوض معارك الرواية والفيلم والفن التشكيلي بأساليب مختلفة. الثقافة الفلسطينية متعددة المنابع، متشعبة القنوات، لا تنتظر تفويضاً رسمياً لتعلن عن نفسها. وربما في هذا التعدد قوتها الحقيقية: يصعب تدمير ما لا مركز له.

لكن الاحتفاء السنوي بيوم الثقافة لا ينبغي أن يحجب سؤالاً صعباً: كيف نحمي الإنتاج الثقافي الفلسطيني من التحنيط الرسمي الذي يحوّل الإبداع إلى شعارات والقضية إلى أيقونات؟ محمود درويش نفسه كان أكثر الناقدين لتحويل قصيدته إلى بيان سياسي جاهز الاستخدام، وكان يُلح على أن الشعر أكبر من أن يكون أداةً للتعبئة. التوتر الخلاق بين الثقافة بوصفها هوية جماعية وبينها بوصفها حرية فردية، هو توتر لا تحله الاحتفاليات بل تحتاج إلى إدارته بوعي ودقة.

في نهاية المطاف، ما يجعل يوم الثقافة الفلسطينية يوماً ذا معنى ليس الفعاليات التي تُقام ولا البيانات التي تُصدر، بل الحقيقة الصلبة التي يُجسدها: أن شعباً يُحاصَر ويُقصف ويُهجَّر لا يزال يُؤمن بأن اللغة والذاكرة والجمال تستحق أن تُصان. هذا الإيمان ليس وهماً رومانسياً، بل هو ربما أبلغ إجابة سياسية على سؤال البقاء.



أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:49 صباحًا - بتوقيت القدس

بين عمر الخيام ومعين بسيسو: مسافةُ قصيدةٍ في قنبلة


ليست المسافة بين الشاعرين جغرافيا فقط، بين طهران وغزة، بل مسافةٌ رمزية تفصل بين نجمةٍ في سماء الفلسفة وصرخةٍ في قلب الحصار، لكنها في زمن الحرب تختصر أحيانًا إلى لحظةٍ واحدة: لحظة سقوط قنبلة، في تلك اللحظة تصبح المسافة بين شاعرٍ يتأمل الكون وشاعرٍ يكتب بدمه قصيدة يحملها من مذبحة إلى مذبحة.
في هذا الوقت المسلح الذي تشن فيه امريكا الرأسمالية المتوحشة وجنرالات جزيرة العار ابستين والصهيونية الفاشية الدينية حربا على إيران يلتقي شاعرنا الكبير ابن غزة معين بسيسو بشاعر إيران وبلاد فارس العالم الفلكي الموسوعي والفيلسوف عمر الخيام، أنه ليس لقاء بيولوجي يعبر الزمن، بل هو لقاء الضحية بالضحية، لقاء سياسي جمالي يعبر حدود الموت والجغرافيا والسماء التي تضج بالصواريخ والقاذفات المدمرة.
يجتمع الشاعران على مسافة قرن من الزمن، هناك في نيسابور وهنا في خانيونس، يكتبان قصيدة مشتركة في وجه الابادة، لتصير القصيدة الحرة قنبلة تفجر اليقين الزائف، والاستقصاء والعربدة التي يستند إليها الاستعمار الاحلالي، في حربه الهمجية على الإنسان والرواية.
إذا كان الخيام قد كتب رباعياته الشهيرة في زمن الغزو السلجوقي التركي لبلاد فارس، وغنى للحياة والحرية الفكرية والثقافية، فإن معين بسيسو قد كتب قصائده في زمن النكبة والتهجير والمقاومة، وكما وصفه محمود درويش كان يضع توقيعه على كل مكان، ويغرس شجرة، ويترجم غزة إلى أكبر عدد من اللغات، وهذا ما فعله الخيام الذي ترجم إيران بلغة الشعر والحكمة حتى دخلت أشعاره وتأملاته كل بيت وكل جامعة و مدرسة.
عمر الخيام كان ينظر إلى السماء ليفهم نظام الكون، و كان يرى في حركة الكواكب دقةً رياضيةً تُشعر الإنسان بصغره أمام اتساع الوجود، وقد هدمت افكاره البلادة والانغلاق والأنظمة الظلامية، واطلق حرية الروح والعقل والمصير والارادة، اما معين بسيسو فكان ينظر إلى الأرض، إلى المدن التي تدمر وإلى الإنسان الذي يحاول أن يحفظ كرامته تحت ثقل القهر والظلم واللجوء صارخا: سأقاوم كل الذين باعوا واشتروا خلخال غزة، والذين حطموا مرآة غزة، سلاحي قصيدة تبحث عن أرض وجريدة، كان بين الشاعرين  مسافة رؤية: الأول يسأل عن معنى الحياة في  ظل تدمير بلاده وإحراق كتبه وقتل زملائه العلماء واجداده الروحيين، والثاني يسأل عن معنى العدالة في عالمٍ ضيق تتحكم به قوى الاستعمار والهيمنة لتمحو الإنسان من المعنى والخريطة والكرامة.
الشاعران على حدود فلسطين وفي ساحة واحدة، يرفضان الخضوع والاستسلام، أحدهم يكتب القصيدة في المعركة صارخا: اضرب الأرض حتى ينفجر الماء، والاخر يبحث عن جمال الطبيعة في الخراب والنفوس المحطمة، ويحلم بقبر تنتشر حوله الازهار كل ربيع، الحياة تستمر والجمال يولد من الرماد.
من غزة إلى طهران، شاعران يكتبان اغنية الانسان، وكلاهما في حجرة التعذيب، وكلاهما يواجهان نفس السجان، الزنازين والاعدامات والتوحش الصهيوني في كل مكان، ومن النيل إلى الفرات وحتى أسطورة الميعاد والشرق الأوسط الجديد، أنهم يقتلون التاريخ والحضارات والعلوم الانسانية، وينعفون النفط في وجوهنا هنا وهناك، طائرات في سماء القصيدة، لا بيت لمعين بسيسو في غزة، ولا مرصد للفلك لعمر الخيام في أصفهان.
عمر الخيام في غزة، يقول: يزداد حيرة قلبي كل داجية، والدمع حولي مثل الدر مسكوب، عندما رأى كيف تمحى عائلات بأكملها من السجل المدني، وحين يقتل العلماء والأطباء والشعراء والأكاديميون والفنانون في هذه المقتلة المخيفة، وقد عثر في القدس على قطعة فخارية كتب عليها ابيات من رباعيات الخيام بالفارسية، هذا الاكتشاف يذكرنا أن فلسطين كانت دائما جزءا من فضاء ثقافي وحضاري اوسع، الفكر والمعرفة تعبران الحدود حتى عندما تغلقها السياسات الاستعمارية.
شاعران مطاردان في الشوارع والمنافي والبحار والسجون، قراصنة وقذائف ومدمرات وكل انواع الاسلحة، شاعران تحت أطنان الاسمنت، ومن أصفهان إلى القدس يموتان خلف خطوط الضوء، وراء خطوط الصوت، أنهم يطفئون فم القمر، يقول معين وهو يتلفت إلى عمر الخيام المشغول بتفكيك مكعبات الأرض العربية في منطق الهندسة الجبرية الأمريكية، قواعد عسكرية على باب القصيدة، رائحة بارود وكاز ولغة عبرية.
يبحث معين بسيسو عن اصدقائه واشعاره تحت الركام، لا أحد هنا، قتل سليم النفار وهبة ابو الندى وعمر ابو شاويش ومحاسن الخطيب ورفعت العرعير والكثيرون، ودمرت المكتبة والكتاب ومواقع التراث، الموت ياتيك من الجهات الأربع، وعليك أن تحصي اضلعك، يقول بسيسو، وتعرف أن الصمت ذا الأشواك من شيم العرب، ولازال عمر الخيام يبحث تحت أنقاض طهران عن جثث اصدقائه العلماء: ابن سينا والرازي وابن حيان، أنها حرب على الثقافة والمعرفة والاخلاق، أخذ الغرب علومنا وأرسلوها قنابل لنا، أسسوا معسكرات غوانتنامو وسدي تيمان، واجهزة الشاباك والسافاك، في زمن قيم حقوق الإنسان والقانون الدولي واللغات المزدوجة.
يعتبر الخيام رائد الهندسة التحليلية قبل ديكارت، واول من استخدم كلمة شيء للدلالة على العدد المجهول، وأنه ساهم في وضع أسس الحضارة الاوروبية، وهو الآن يكتشف أن هؤلاء المستعمرون الأوروبيون قد حولوا البشر إلى أرقام أو مجرد اشياء أو جثث مجردة من انسانيتها تتبعثر في الغبار الى أشلاء متناثرة في قبور مجهولة والى عدم.
إرث الخيام يقول إن الحضارة الإسلامية الفارسية العربية كانت دائما منارة للتقدم، وساهمت في انقاذ من عبدوا الجثث في العصور المظلمة، وتفننوا في التعذيب والقتل والسلخ حتى صارت مسرحا للفرجة، من هؤلاء الذين يعيشون داخل صاروخ ودبابة؟ يسأل معين بسيسو وهو يصرخ وامعتصماه، غزة صارت ملكة عصر الصمت، لا وزن، لا قافية للموت، كنا نتنقل من نيسابور إلى أصفهان إلى القدس الى سمرقند، والان لا نستطيع التنقل بين قريتين وحاجزين وجنازتين، السماء العربية مشوقة إلى نصفين.
لكن الحرب تجمعهما في سؤال واحد:
عندما تسقط القنابل، لا تُقتل الأجساد فقط، بل تُستهدف أيضًا العقول التي تضيء الظلام، فالحرب الحديثة لا تخاف من الجيوش وحدها؛ إنها تخاف من العلماء، من الشعراء، من المعلمين، من كل من يحمل فكرةً قادرة على أن تعيد ترتيب العالم، ولذلك يصبح اغتيال العالِم محاولةً لإطفاء نجمة، وتدمير المكتبة محاولةً لإسكات ذاكرة، وقتل الشاعر محاولةً لدفن صوت الإنسان.
ماذا هذا الغرب المتوحش الذي يحول الإنسانية إلى بلدوزرات ومستوطنات، إذن لابد للقصيدة أن تتحول الى طائرات، وان تدخل الخندق، لابد لفلسطين أن تبحث عن عمر الخيام في إيران وتقطع  شعرة معاوية.

بين الخيام وبسيسو مسافة قصيدة في قنبلة
قصيدة تحاول أن تفهم العالم، وقنبلة تحاول أن تدمّره، لكن السؤال الذي يبقى معلقًا فوق الحروب كلها هو: هل يستطيع الإنسان أن يتعلم من الشعر أكثر مما يتعلم من السلاح؟
ذلك السؤال هو ما يجعل الثقافة ضرورة أخلاقية، لا ترفًا فكريًا. فحين يُقتل العلماء ويُطارد الشعراء وتُحاصر الكتب، لا يكون المستهدف شعبًا واحدًا فقط، بل فكرة الإنسان نفسها.
 ربما لو اجتمع الخيام وبسيسو في لحظة تأمل أخيرة، لقالا معًا جملة واحدة تختصر المأساة:
إن أخطر ما في الحرب أنها لا تقتل البشر فقط، بل تحاول قتل المعنى الذي يجعلهم بشرًا.
ما دام دم الشاعر مهدور
نحن جميعا من غير اياد
نحن جميعا من غير وجوه.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الزنزانة والمشنقة: أسرى فلسطين في مواجهة قانون الموت


 لم يعد الحديث في إسرائيل عن إعدام الأسرى الفلسطينيين مجرد شعار انتخابي يرفعه اليمين المتطرف في مواسم التحريض، بل أخذ يتقدم سريعاً نحو التحول إلى سياسة رسمية ، فالمشروع الذي ظل لسنوات حبيس النقاشات البرلمانية عاد اليوم إلى الواجهة بقوة، في ظل مناخ سياسي مشحون بالانتقام، وتحت عنوان تشريع ما يسمى “قانون إعدام الأسرى” ، وفي الوقت ذاته تتحدث تقارير عن استعدادات داخل مصلحة السجون الإسرائيلية وتجهيز ساحات خاصة لتنفيذ أحكام الإعدام، وكأن المشهد يُعاد ترتيبه ليصبح الإعدام أداة جديدة في إدارة الصراع.
هذا التطور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة وما رافقها من تصاعد غير مسبوق في خطاب الكراهية والتحريض داخل المجتمع الإسرائيلي، فقد تحولت فكرة الإعدام من مطلب هامشي لدى التيارات الأكثر تطرفاً إلى مشروع قانون يحظى بدعم سياسي متزايد داخل الحكومة والكنيست، في محاولة لتقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره وسيلة للردع والانتقام معاً.
لكن في الحقيقة، فإن إدخال عقوبة الإعدام إلى ملف الأسرى الفلسطينيين يحمل دلالات أعمق بكثير من مجرد تعديل قانوني،  فهو يعكس انتقال إسرائيل إلى مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة لم تعد تكتفي فيها بالسجن المؤبد أو الاعتقال الإداري أو تشديد ظروف الأسر، بل تم تحويل السجون نفسها إلى ساحات موت ، وفي ذلك رسالة واضحة بأن المؤسسة السياسية الإسرائيلية باتت ترى في حياة الأسرى مجرد ورقة أخرى في معادلة القوة.
فقد استشهد العديد من الاسرى في السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب والاهمال الطبي في الفترة الأخيرة، لكن ذلك لم يعد كافيا بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف والذي يرى في الإعدام تعبيراً عن “الردع المطلق”، فيما يتجاهل أن هذه الخطوة قد تفتح باباً واسعاً لتصعيد غير مسبوق في الصراع، فالأسرى في الوعي الفلسطيني ليسوا مجرد معتقلين جنائيين كما تحاول إسرائيل تصويرهم، بل يمثلون رمزاً للنضال الوطني وذاكرة جماعية حاضرة في كل بيت فلسطيني تقريباً.
لذلك فإن تنفيذ أحكام الإعدام بحق الأسرى لن يُقرأ فلسطينياً كإجراء قانوني، بل كإعلان حرب على الحركة الأسيرة بأكملها، وسيعني عملياً إدخال الصراع إلى مرحلة جديدة تتجاوز حدود السجون إلى الشارع الفلسطيني والإقليم كله، لأن المساس بحياة الأسرى يحمل حساسية استثنائية في الوجدان الفلسطيني.
كما أن إقرار هذا القانون سيضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع القانون الدولي والمنظمات الحقوقية، إذ إن محاكمة الفلسطينيين تتم في الغالب أمام محاكم عسكرية تفتقر إلى أبسط معايير العدالة التي ينص عليها القانون الدولي، ما يجعل إصدار أحكام إعدام في مثل هذه الظروف قضية شديدة الخطورة على المستوى القانوني والإنساني.
في النهاية، قد تظن الحكومة الإسرائيلية أن المشانق قادرة على فرض الردع وكسر إرادة شعب يعيش تحت الاحتلال منذ عقود ، لكن تاريخ الصراع في فلسطين يقول شيئاً مختلفاً تماماً، فالسجون لم تُنهِ المقاومة، والاغتيالات لم تُطفئ فكرة الحرية، والمشانق نفسها لم تكن يوماً نهاية الحكاية، بل كثيراً ما تحولت إلى بداية فصل جديد أكثر اشدتعالاً في تاريخ الشعوب التي تقاتل من أجل حريتها.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:46 صباحًا - بتوقيت القدس

من المستفيد من منع الحكومة الحصول على قرض لدفع رواتب الموظفين؟

يبدو ان الحكومة تبحث عن أي وسيلة لتوفير جزء من الراتب قبل العيد، وهذا ما دفعها للبحث عن مسارات عديدة منها ما يتعلق بامكانية حصولها بضمانة سلطة النقد وصندوق الاستثمار وصندوق التقاعد على قرض أو من خلال الحصول على قرض من البنوك لحساب شركة النقل الوطنية للكهرباء والتي تجبي شهريا حوالي (90) مليون شيكل، وقيمة القرض المقترح هو (600) مليون شيكل على ان تسدده الحكومة بقيمة 50 مليون شهرياً، ولكن لماذا البعض يحاول الفرار من منح الحكومة هذه القروض على الرغم من أن:
1. البنوك تحصل على فوائد عالية من الحكومة وصلت الى حوالي 6.5 %على اصل القرض وهذه نسبة مرتفعة ونستغرب كيف للحكومات المتعاقبة ان توافق على مثل هذه النسب العالية.
2. البنوك تمنح الحكومة هذه القروض بفوائد عالية وبفترة سداد قصيرة، والاصل ان تكون فترة السداد لا تقل عن (7) سنوات وفقا لقاعدة الاقتراض التي تقوم بها الحكومات وبالتالي فان البنوك تقوم عمليا بالحصول على افضل الفوائد وتستعيد اموالها باقصر فترة ممكنة بحيث لا يتجاوز احيانا السنة كما هو مطروح بالقرض المطلوب الحصول عليه من البنوك وقيمته (600) مليون شيكل على ان يتم سداده خلال عام بواقع (50) مليون شيكل شهريا.
3. البنوك ليست جمعيات خيرية فهي تحقق اعلى الارباح في فلسطين، احد البنوك الوافدة اعلنت قبل عامين ان فروع فلسطين حققت اكبر ارباح للبنك حول العالم.
وعليه نوصي بالآتي:
1. أن يكون هناك رقم واضح وصريح من وزارة المالية عن نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة للبنوك وليس فقط الحديث عن حجم المديونية فقط لانه من حق الجمهور ان يعرف ان الفوائد هي من تثقل كاهل الخزينة وجيوب الموظفين وليس فقط الدين العام، خاصة وان هناك مصادر تقول ان نسبة الفوائد التي تدفعها الحكومة على القروض تصل إلى (800) مليون شيكل سنويا،وهذا رقم مخيف.
2. أن تعلن الحكومة وبشكل واضح عن جهودها لتامين الرواتب للموظفين ، وان توضح للجمهور معنى موازنة الطوارئ التي اعلن عنها مجلس الوزراء.
3. أن تعلن الحكومة "القوة القاهرة" بخصوص تعاقداتها مع البنوك والجهات الاخرى، وبمجرد الاعلان عن ذلك فان كل ما ورد من التزامات مجحفة تجعل من نفاذ الالتزامات متوقف لحين العودة الى الظروف الطبيعية.
4. أن تقوم الحكومة بخطوات اخرى تعكس ازمة الوجود وتقلص بشكل واضح ومحدد في طريقة عمل الوزرات من خلال الدمج والإلغاء ووقف عقود الايجارات وتقليص في عدد من السفارات وان تعلن بذات الوقت الاجراءات الجديدة التي اتخذتها اسرائيل لتجفيف الموارد الثابته للخزينة من وقف لكوتة التبغ والمعسل مثلا.
5. أن تشارك سلطة النقد الجمهور الحقائق المالية حول المتانة المالية وامكانية حصول اي جهات سيادية على قروض جديدة ومدى اثرها على النظام المصرفي، وهل ما يشاع صحيحا ام به مبالغة!؟؟
6. وقف الحملات الاعلامية التي يبدو انها مدفوعة للتحريض على السلطة والحكومة بخصوص توفير موارد مالية للموظفين بحده الادنى من خلال اي وسائل متاحة لضمان استمرار الناس من البقاء فوق أرضهم.

فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

قربان الفصح: نُذُر فرض وقائع جديدة بسرديات دينية متهافتة

حاتم عبد القادر: محاولات إدخال قربان الفصح إلى "الأقصى" تعكس إصرار الجماعات الاستيطانية المتطرفة على تحويله إلى ساحة صراع ديني مفتوح
د. حسن خاطر: غياب الموقف العربي والإسلامي تجاه استهداف "الأقصى" يشجع "جماعات الهيكل" ومن يدعمها على مواصلة مخططاتها ومؤامراتها
د. أحمد رفيق عوض: الحرب على إيران تفرض وقائع خطيرة تحاول تطبيع فكرة منع الصلاة في "الأقصى" لدى الرأي العام تحت ذرائع أمنية مختلفة
توفيق طعمة: حملات "جماعات الهيكل" لفرض "قربان الفصح" تُستخدم لاختبار ردود الفعل لمعرفة مدى القدرة على المضي قدماً في خطوات أكبر
إسماعيل مسلماني: دلالات دينية وسياسية خطيرة لاستغلال "جماعات الهيكل" إغلاق المسجد الأقصى وطرح فكرة إدخال "قربان الفصح"
د. سليمان أبو ستة: الإجراءات بحق "الأقصى" تمهيد لهدمه وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه وتحويله إلى كنيس خاص بالمتطرفين الصهيونيين



يشهد المسجد الأقصى المبارك تصعيداً خطيراً تقوده ما تسمى "جماعات الهيكل" الاستيطانية المتطرفة، مستغلة الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وما فرضته سلطات الاحتلال من إغلاق للأقصى ومنع المصلين من دخوله، إذ تروج هذه الجماعات لفرض ما يسمى "قربان الفصح" داخل باحات المسجد، بالتزامن مع اقتراب عيد الفصح اليهودي، وتنشر أيضاً مواد دعائية وصور تخيلية تحاكي إقامة طقوس دينية داخله.
هل نحن أمام تحول غير مسبوق في واقع المسجد الأقصى؟ وما الذي يعنيه طرح القربان داخل المسجد؟ وماذا عن المواقف العربية والإسلامية؟ لفهم واقع هذه المرحلة تحدثت القدس مع شخصيات دينية ومختصين في الشأن الإسرائيلي ومحللين سياسيين.
في هذا التقرير يتحدث عدد من الكُتّاب والشخصيات المقدسية لـ"ے" عن ذلك التصعيد الخطير، مسلطين الضوء على أهدافه ومخاطره المبيّتة.



محاولة لفرض التقسيم المكاني والزماني في المسجد الأقصى

يحذر حاتم عبد القادر، الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، من الخطوات البالغة الخطورة للدعوات التحريضية التي أطلقتها ما تُسمى بجماعات "أمناء الهيكل"، لإطلاق حملة تهدف إلى إدخال قربان الفصح إلى داخل المسجد الأقصى المبارك. ويؤكد عبد القادر أن هذه الدعوات تمثل تصعيداً خطيراً واستفزازاً لمشاعر المسلمين، ومحاولة لفرض وقائع توراتية داخل المسجد الأقصى.
ويقول عبد القادر إن هذه الدعوات تعكس إصرار الجماعات الاستيطانية المتطرفة على تحويل المسجد الأقصى إلى ساحة صراع ديني مفتوح، من خلال إدخال طقوس توراتية غريبة عن هوية المكان وتاريخه الإسلامي، مما يشكل اعتداء على قدسية المسجد ومحاولة لفرض التقسيم المكاني والزماني فيه.
ويضيف عبد القادر أن هذه الدعوات تأتي في سياق تصعيد خطير من جانب شرطة الاحتلال التي تواصل إغلاق المسجد الأقصى منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، وتحرم مئات الآلاف من المسلمين من أداء الصلاة فيه، خاصة في شهر رمضان.
ويوضح أن استمرار إغلاق المسجد الأقصى بالتوازي مع تصاعد محاولات جماعات الهيكل المسّ بقدسيته، ويشير إلى وجود مخطط ومنهج يهدف إلى إستفراد المستوطنين في المسجد الأقصى بعيداً عن أعين حراس المسجد والمصلين.
ويحذر عبد القادر من أن أي محاولة لإدخال القرابين إلى المسجد الأقصى ستشعل الأوضاع في مدينة القدس، محمّلا سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن كل التداعيات الخطيرة التي قد تنجم عن هذه المحاولات من جانب الجماعات الاستيطانية.

بالتزامن مع الحرب.. "جماعات الهيكل" تحاول تهويد المسجد الأقصى

من جانبه، يؤكد الكاتب المختص بشؤون القدس والاقصى د. حسن خاطر أن "جماعات الهيكل" تحاول مواكبة ما تقوم به دولة الاحتلال من حروب في غزة ولبنان وإيران، من أجل تحقيق إنجازاتها الخاصة على مستوى تهويد المسجد الأقصى ومدينة القدس، هناك تنافس كبير بين ما تقوم به هذه الجماعات وبين ما تقوم به دولة الاحتلال.
ويشير خاطر إلى أن "جماعات الهيكل" تعتبر نفسها هي التي تقف خلف إغلاق المسجد الأقصى في شهر رمضان، وهو عمل غير مسبوق حتى في أيام كورونا عام 2020  لأن الإغلاق حينها كان بموافقة من الأوقاف الإسلامية لحماية المصلين. أما اليوم، فالقرار هو من دولة الاحتلال لأهداف أخرى قد يكون آخرها سلامة المصلين.
ويرى خاطر أن تقديم القرابين الحيوانية في عيد الفصح داخل الأقصى هو حلم "منظمات الهيكل" التي عملت عليه لسنوات طويلة، ولكن اليوم هناك وزير أمن وكذلك قائد شرطة جديد للقدس وهم يؤمنون بما تؤمن به هذه المنظمات، الأمر الذي يرجح حدوث اختراق جديد في هذا الموضوع، خصوصاً إذا استمر هذا الإغلاق، واستمر غياب المصلين عن المسجد الأقصى في هذا الشهر المبارك الذي كان يفترض أن يكون هو شهر القوة والحضور للمسجد الأقصى.
ويستذكر خاطر أن في شهر رمضان كانت تشد الرحال إلى الأقصى وتقام فيه الصلوات في الليل والنهار، وتقام فيه صلاة الجمعة، والتراويح، وقيام الليل والاعتكاف في الـ10 الأواخر، وتُحيا ليلة القدر، إلى جانب الإفطارات  الرمضانية في ساحات الأقصى. مشيراً إلى أن كل هذه التفاصيل المهمة والأساسية أصبحت اليوم غائبة بفعل قرار الاحتلال وأصبح الأقصى فارغاً تماماً من المصلين، باستثناء بعض الموظفين من الأوقاف. وهذا يجعل من الأقصى لقمة سهلة "لمنظمات الهيكل" ومن يقف وراءها في هذه الظروف العصيبة.
ويؤكد خاطر أن ما يزيد في مأساة الأقصى هو استمرار غياب الموقف العربي والإسلامي الذي يفترض أن يكون حاضراً دائماً، ويحذر من أن استمرار هذا الغياب غير المفهوم يعطي هذه المنظمات ومن يدعمها ضوءاً أخضر للاستمرار في مخططاتها ومؤامراتها على أقدس مقدسات المسلمين.

الحرب منحت إسرائيل فرصة نادرة للاستفراد بالمسجد الأقصى

ويحذر المحلل السياسي د. أحمد عوض من أن الحرب الدائرة على إيران منحت إسرائيل فرصة نادرة للاستفراد بالمسجد الأقصى المبارك، من خلال منع المصلين وعرقلة وصول الفلسطينيين المسلمين إليه، الأمر الذي يفتح المجال أمام حكومة الاحتلال والأحزاب الدينية والحريدية لفرض سيطرة أوسع على المسجد وتنفيذ سياسات لم يكن بالإمكان تطبيقها في الظروف العادية.
ويوضح عوض أن المسجد الأقصى خلال هذه الحرب لا يواجه فقط خطر الإهمال ومنع الوصول والصلاة فيه، بل تبرز كذلك مخاطر أخرى كبيرة قد تستغلها إسرائيل في ظل الظروف الراهنة. ويشير إلى أن هذه المرحلة قد تُستخدم لفرض وقائع جديدة، وربما توظيف أي أحداث أو توترات لاتهامات سياسية وأمنية تخدم رواية الاحتلال.
ويوضح عوض  أن من أخطر هذه التطورات التغيير في طبيعة اقتحامات الجماعات اليهودية للمسجد الأقصى، سواء من حيث الزمان أو المكان أو الرموز والطقوس التوراتية التي تقام داخله، بما يهدف إلى تكريس فكرة أن المسجد الأقصى لم يعد مكان عبادة خالصاً للمسلمين.
ويرى عوض أن هذه الظروف تمثل فرصة خطيرة وغير مسبوقة، إذ تسمح إسرائيل اليوم بإجراءات لم تكن تسمح بها في السابق، كما قد تُستغل لنزع أو تقليص الولاية والإشراف العربي والإسلامي على المسجد الأقصى.
ويضيف أن من أخطر التداعيات أيضاً محاولة تطبيع فكرة منع الصلاة في المسجد الأقصى لدى الرأي العام العربي والفلسطيني تحت ذرائع أمنية مختلفة، إلى جانب تعزيز الإجراءات الأمنية والمراقبة وتغيير بعض المعالم داخل محيط المسجد.
ويؤكد عوض أن هذه التطورات قد تؤسس لمخاطر طويلة المدى، وتبعث برسائل تطبيعية خطيرة مفادها أن إخلاء المسجد الأقصى أو إغلاقه قد يصبح أمراً ممكناً ومقبولاً، وهو ما وصفه بأنه تطور بالغ الخطورة.
ويدعو عوض الأطراف الفلسطينية والعربية والإسلامية، إضافة إلى المجتمع الدولي، إلى عدم ترك المسجد الأقصى وحيداً في مواجهة هذه السياسات، ويحذر من أن الصمت أو الإهمال قد يرسخ سابقة خطيرة تتمثل في إغلاق المسجد الأقصى في أي وقت وتحت أي ذريعة أمنية، الأمر الذي يشكل عملية تطبيع خطيرة مع مسألة إغلاق المسجد الأقصى.


المساس بالوضع القائم قد يفجر توتراً واسعاً

ويقول الكاتب والمحلل السياسي توفيق طعمة إن إطلاق "جماعات الهيكل" حملة لفرض "قربان الفصح" داخل المسجد الأقصى يحمل دلالات سياسية ودينية خطيرة، خاصة في ظل استمرار منع المصلين من الوصول إليه. ويشير إلى أن هذه الجماعات تسعى إلى إدخال طقوس توراتية داخل باحات المسجد الاقصى، وهو ما يمثل محاولة عملية لتغيير الوضع الديني والتاريخي القائم في الحرم القدسي.
ويرى طعمة أن استمرار القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال على دخول المصلين المسلمين يخلق فراغاً في المكان، تستغله هذه الجماعات للدفع بخطوات تصعيدية قد يصعب التراجع عنها لاحقاً. ويفيد بأن فرض طقوس مثل "قربان الفصح" قد يكون خطوة إضافية نحو تكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، وهو ما تعتبره الأوقاف الإسلامية خطاً أحمر يمهد لتغيير هوية المكان.
ويؤكد طعمة أن هذه الحملات غالباً ما تُستخدم لاختبار ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية، لمعرفة مدى القدرة على المضي قدماً في خطوات أكبر. ويلفت طعمة أن المساس بالوضع القائم في الأقصى قد يفجر توتراً واسعاً في القدس والمنطقة، لأن الأقصى يعد من أكثر الملفات حساسية. ويرى أن الخطوة تحمل أبعاداً سياسية تتعلق بمحاولة تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، مستفيدة من الظروف الأمنية وإغلاق المسجد أمام المصلين.

"قربان الفصح" خطورة تمس هوية المسجد الأقصى

ويرى الكاتب المختص بالشأن الإسرائيلي إسماعيل مسلماني أن استغلال "جماعات الهيكل" لإغلاق المسجد الأقصى وطرح فكرة إدخال "قربان الفصح" يحمل دلالات دينية سياسية خطيرة. ويقول إن هذه الجماعات تسعى منذ سنوات لفرض طقوس دينية يهودية داخل الأقصى، و"قربان الفصح" تحديداً يعد رمزاً مركزياً في العقيدة اليهودية المرتبطة بما يسمى "الهيكل". لذلك فإن طرحه داخل الأقصى يعني محاولة نقل الصراع من مجرد اقتحامات إلى فرض شعائر دينية يهودية بشكل علني داخل المسجد.
ويشير مسلماني إلى أنه من الناحية السياسية والميدانية، فإن استغلال إغلاق الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه يهدف إلى خلق أمر واقع جديد. فغياب الحضور الإسلامي يفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة للضغط على الحكومة والشرطة الإسرائيلية لتوسيع مساحة الطقوس اليهودية في المسجد، وهو ما يشكل خطوة إضافية في مسار تقسيم الأقصى زمانياً ومكانياً بين المسلمين واليهود.
أما على مستوى الأثر، يفيد مسلماني أن مثل هذه الدعوات تزيد التوتر حول المسجد الأقصى وقد تشعل موجات غضب واسعة، لأن الأقصى يُعد رمزاً دينياً ووطنياً حساساً لدى الفلسطينيين والمسلمين. لذلك فإن إدخال طقوس مثل "قربان الفصح" لا يُنظر إليه كحدث ديني عابر، بل كخطوة تمس هوية المسجد الأقصى ووضعه التاريخي والقانوني، ما يجعلها قضية شديدة الحساسية في الصراع القائم.
ويؤكد مسلماني أن طرح جماعات الهيكل لفكرة "قربان الفصح" الآن تحديداً يرتبط بعدة عوامل سياسية وميدانية. أولاً، استغلال إغلاق المسجد الأقصى ومنع أعداد كبيرة من المصلين من الوصول إليه يخلق فرصة لهذه الجماعات لزيادة الضغط وطرح مطالب كانت تُعد سابقاً حساسة جداً. في ظل غياب الحضور الواسع للمصلين، ترى هذه الجماعات أن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لمحاولة فرض طقوس جديدة داخل المسجد.
من جانب آخر، التوقيت مرتبط أيضاً بموسم الأعياد اليهودية، خاصة عيد الفصح الذي يُعد مرتبطاً تقليدياً بفكرة "القربان" في الرواية الدينية اليهودية. لذلك تحاول هذه الجماعات في كل عام تقريباً الدفع باتجاه إدخال القربان إلى محيط الأقصى أو داخله، لكن في أوقات التوتر أو القيود الأمنية تكثّف الضغط لأنها تعتقد أن الحكومة قد تتساهل معها تحت عنوان إدارة الوضع الأمني.
ويشير مسلماني إلى أن هناك بعداً سياسياً أوسع، إذ تسعى جماعات الهيكل إلى تغيير الواقع القائم تدريجياً في المسجد الأقصى عبر خطوات صغيرة ومتراكمة، فبعد أن كانت الاقتحامات محدودة، أصبحت شبه يومية، ثم انتقلت إلى أداء صلوات وطقوس علنية، والآن يُطرح موضوع القربان. ويقول إن كثير من المراقبين يرون أن الهدف هو ترسيخ واقع ديني جديد داخل الأقصى خطوة بعد خطوة.

الاستلهام من هبة البوابات الإلكترونية للدفاع عن الأقصى

ويؤكد الكاتب والمحلل السياسي د. سليمان أبو ستة أن إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع المصلين من الوصول إليه في شهر رمضان يُعد تطوراً طبيعياً لسلسلة الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل على مدار العقدين الماضيين ضد المسجد الأقصى، بدءاً من الاقتحامات المتكررة للمسؤولين الإسرائيليين، مروراً بحظر المرابطين والمرابطات، واعتقال المعتكفين في المسجد الأقصى، وعزل المسجد عن المصلين القادمين من الضفة الغربية المحتلة، وحظر الحركة الإسلامية في الداخل المحتل.
ويوضح أبو ستة أن جميع هذه الإجراءات كانت تهدف إلى الوصول إلى هذه الحالة من عزل المسجد الأقصى عن المصلين وحرمانهم من أدوات الدفاع عنه، على غرار ما جرى في هبة البوابات الإلكترونية وهبة باب الرحمة. ويضيف أن الأيام الأخيرة شهدت نقلة أخرى في سلسلة الإجراءات العدوانية ضد المسجد، تمثلت في الإغلاق الكامل للمسجد الأقصى في وجه المصلين.
ويشير أبو ستة إلى أن الحديث عن فرض "قربان الفصح" يُعد الخطوة التالية بعد إغلاق المسجد، إذ يأتي أيضاً في إطار هذه الإجراءات المتواصلة التي تهدف إلى تطبيع هذا العدوان في أذهان الجمهور الفلسطيني والعربي والإسلامي المعني بالدفاع عن المسجد الأقصى، بحيث يصبح تقديم القرابين أمراً طبيعياً، حتى لو لم يتم ذلك هذه المرة، إذ قد يحدث في فترات قريبة قادمة.
ويؤكد أنه لا يرى في هذه الإجراءات التي تُتخذ بحق المسجد الأقصى إلا تمهيداً حقيقياً وليس وهما أو ادعاءً لهدم المسجد الأقصى وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليه، وتحويله إلى كنيس خاص بالمتطرفين الصهيونيين.
ويشير إلى أن المطلوب من الفلسطينيين هو شد الرحال إلى المسجد الأقصى، وفي ظل إغلاقه شد الرحال إلى أقرب نقطة ممكنة منه والرباط فيها، واستلهام ما جرى في هبة البوابات الإلكترونية، والصلاة على أعتاب المسجد الأقصى المبارك. ويختتم أبو ستة بالقول إن الهجمة الصهيونية على كل ما هو فلسطيني كبيرة، لكن في نهاية المطاف نحن أمام معركة مصيرية تتعلق بالمسجد الأقصى وبمستقبل الوجود الفلسطيني والسيادة الفلسطينية على هذا المسجد المبارك.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:32 صباحًا - بتوقيت القدس

المناهج… حين يُراد تحريف الحكاية


المناهج الفلسطينية ليست مجرد صفحات في كتاب، ولا رؤية تربوية يمكن تعديلها كلما تغيّرت شروط التمويل أو تبدّلت حسابات السياسة وموازين النفوذ في المنطقة. إنها منظومة متكاملة تشكّلت عبر توافق وطني، تعكس تجربة مجتمع كامل في تاريخه وثقافته وتطلعاته. تشبه شجرة الزيتون؛ جذورها راسخة في الأرض، وظلّها في الذاكرة، وحكايتها تمضي مع الريح التي تحمل اسم البلاد.
اليوم، تتصاعد محاولات تحويل إدارة التعليم في غزة إلى لجنة أو إطار إداري يُراد له إعادة صياغة المناهج، بأيدٍ فلسطينية، لكن بروح تتماشى مع ضغوط الاحتلال وادعاءاته حول “شيطنة التعليم الفلسطيني”. وكأن المشكلة ليست في الاحتلال الذي دمّر المؤسسات التعليمية من مدارس وجامعات وغيرها، وارتقى بسبب ذلك آلاف الشهداء من الطلبة والمعلمين، بل في الكتب التي يقرأها الأطفال.
القضية لم تعد مجرد نقاش تربوي حول تطوير المناهج، بل محاولة لإعادة تشكيل الوعي وتشويه حضور الذاكرة الجمعية. هناك من يريد تحريف الكلمات عن مواضعها وإعادة تقديم الرواية الفلسطينية بلغة محايدة تفرغها من سياقها التاريخي والإنساني. المفارقة أن هذه الضغوط تأتي بينما غزة تحتاج بشدة إلى إعادة إعمار مؤسساتها التعليمية—من مدارس وجامعات وغيرها—المدمرة بفعل همجية الاحتلال، ويُشترط على الفلسطينيين تعديل المناهج مقابل السماح بإعادة الإعمار، وكأن بناء الحجر مرهون بتغيير المعنى، وإزالة مفاهيم ترتبط بالحقوق والخصوصية الوطنية.
وهنا يفرض نفسه السؤال: هل من سبيل للخروج من هذا العبث؟
الإجابة واضحة إذا اعترفنا بالحقيقة: المشكلة ليست في المناهج الفلسطينية بما تتضمنه من كتب ووثائق تربوية، بل في المنهاج الواقعي الذي يفرضه الاحتلال على حياة الفلسطينيين كل يوم. الاعتداءات المستمرة، الإجراءات التعسفية، الحواجز والاقتحامات، مصادرة الأرض وهدم البيوت… كل هذا هو المنهاج الذي يعيشه الطفل قبل أن يفتح كتابه في الصف.
هناك بعد حاسم لفهم العبث الذي يطال المناهج الفلسطينية، وهو محاولة تفريغ التعليم من بعده الوطني والتحرري، وتحويله إلى أداة لتأهيل الفرد للوظائف العملية فقط. في هذا الإطار، يُنظر إلى المدرسة كفضاء اجتماعي لتمكين الأفراد من المهارات الأساسية، وأداء الأدوار المهنية والاجتماعية المحددة، وغرس قيم تتماشى مع النظام القائم، بينما تتراجع الأبعاد المعرفية والثقافية التي تمنح الطلاب القدرة على فهم الواقع وربط تعليمهم بتاريخهم وهويتهم. تكشف هذه الاختزالات النوايا الحقيقية لبعض الجهات الضاغطة، بما فيها الاحتلال والقوى الممولة دولياً، التي تسعى لتحويل التعليم إلى أداة وظيفية، بعيداً عن دوره في بناء وعي فلسطيني متكامل قادر على الفهم النقدي والتفاعل الواعي مع التاريخ والمجتمع.
فالطفل الذي يسير إلى مدرسته بين الحواجز ويشهد الجنود والمستوطنين في طريقه، ويتعلم معنى الخوف والصمود في الوقت نفسه، لا يحتاج إلى درس نظري ليعرف معنى الاحتلال. حياته اليومية هي الفصل الأول من المنهاج الواقعي الذي يفرضه الاحتلال.
والأدهى أن الاتهامات التي تُوجَّه إلى المناهج الفلسطينية تتجاهل ما كشفت عنه الدراسات الأكاديمية حول المناهج الإسرائيلية نفسها. أظهرت أبحاث أجرتها جهات إسرائيلية ودولية أن كثيراً من الكتب المدرسية الإسرائيلية تقوم على تشويه صورة الفلسطيني والعربي، وتقدمهما أحياناً بلا تاريخ أو حقوق سياسية. الخرائط الواردة في بعض تلك الكتب لا تشير إلى فلسطين أو حدودها، ومع ذلك يُصور التعليم الفلسطيني وكأنه المشكلة الأساسية.
إثارة هذه الحقيقة لا يعني الدفاع عن المناهج الفلسطينية فحسب، بل فتح نقاش عالمي حول الخطاب التربوي الذي يُنشَّأ عليه أطفال الاحتلال، والذي يقوم في كثير من الأحيان على الخوف من الفلسطيني وتشويهه. فالقضية لا تمس الفلسطينيين وحدهم، بل تمس مستقبل الأجيال في المنطقة، وتمس القيم الإنسانية التي يفترض أن يقوم عليها التعليم في أي مكان.
المناهج الفلسطينية ليست نصوصاً يمكن المساومة عليها، ولا صفحات لتعديلها لإرضاء من يريدون إعادة كتابة التاريخ. إنها جزء من سردية شعب عاش تاريخه بكل ما فيه من ألم وأمل، وهي الوسيلة التي يتعرف من خلالها الجيل الجديد إلى معنى المكان الذي يعيش فيه وإلى الكرامة التي دافع عنها من سبقوه.
قد يحاول البعض إعادة ترتيب الكلمات أو حذف بعضها، لكن الحكاية التي تعيش في ذاكرة الناس لا تُمحى بسهولة. فهذه البلاد، التي ما زالت تمشي على جراحها، تعرف أن التعليم ليس مجرد درس في كتاب، بل طريقة لحراسة المعنى، حتى لا تضيع فلسطين من كتب أطفالها كما حاول كثيرون أن يغيّبوها من الخرائط، فالتعليم ليس مجرد كتاب، بل حراسة للمعنى والذاكرة الوطنية.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب التي فقدت أهدافها: كيف وصلت المواجهة مع إيران إلى طريق مسدود؟


هناك لحظات في الحروب لا تعلن فيها النهاية رسميا، لكن المؤشرات تقول ذلك حتى لو استمرت الطائرات بالتحليق، والحالة الايرانية تشبه ذلك الى حد كبير، فالأهداف الاستراتيجية للعدوان تبدو اليوم اما غير قابلة للتحقق او فقدت معناها السياسي.
الحرب بدأت بسلسلة اهداف واضحة، القضاء على البرنامج النووي وتغيير النظام وخلق واقع اقليمي جديد، لكن بعد اسبوعين يتضح انها لم تتحقق، فالضربات التي استهدفت سابقا المنشآت النووية في نطنز وفوردو وروج لها سياسيا بانها دمرت قدرات ايران النووية ثبت زيفها، وهذه الحرب خير دليل على ذلك، مع وجود مخاوف من امكانية تعافي البرنامج خلال فترة قصيرة لان البنية التحتية او جزء منها قائم واليورانيوم المخصب نقل او اخفي، والنتيجة ليست مفاجئة، فاستهداف المفاعل العراقي عام 1981 ورغم الفرق الكبير في النتائج، الا ان البرنامج العراقي لم ينته فعليا الا بعد عقد مع دخول المفتشين الدوليين للعراق.
أما الهدف المتعلق باحداث صدمة سياسية تقود لتحرك شعبي، فهي فرضية تكررت في تاريخ الحروب الاميركية، خلال العدوان على العراق عام 2003 تحدثت ادارة بوش عن "الصدمة والترويع" لشل قدرة النظام سياسيا وعسكريا، لكن التجربة اظهرت ان المجتمعات التي تتعرض لهجوم خارجي تميل للتماسك بدل الانهيار، والمشهد في طهران خلال يوم القدس العالمي يحمل دلالة سياسية عميقة، فظهور القادة بين الجماهير ووسط العاصمة بعد اسابيع من الضربات يرسل رسالة واضحة مفادها ان الحسابات الاولية للحرب سقطت.
أما الهدف المتعلق باعادة تشكيل التوازن الاقليمي فيظهر بوضوح حدود القوة العسكرية، الاقليم يعاد تشكيله لكن ليس بالضرورة كما اريد له، فايران ليست دولة صغيرة او معزولة جغرافيا، وهي تعادل عشرات اضعاف مساحة ساحات الصراع التي اعتادت تل ابيب العمل فيها مثل غزة او جنوب لبنان، فالعقيدة العسكرية الاسرائيلية التي تقوم تقليديا على القوة النارية والتفوق الجوي لتحقيق ردع سريع نجحت في بعض الحروب التقليدية القصيرة في العقود الأول من الاحتلال، لكنها واجهت حدودها مع اجتياح لبنان 1982 للقضاء على المقاومة الفلسطينية وفرض نظام سياسي جديد، عسكريا وصلت القوات الى بيروت لكن النتيجة الاستراتيجية كانت مختلفة تماما، فاحتلال جنوب لبنان دفع بحزب الله للواجهة، فكان الهروب الكبير بعد عقدين دون تحقيق اهداف سياسية، التجربة ذاتها تكررت في غزة، فالقوة التدميرية كانت كبيرة لكن الخصوم استمروا سياسيا، وتعاظموا شعبيا وعسكريا، وبالتالي فان فكرة نقل النموذج نفسه الى دولة بحجم ايران محل سؤال كبير.
من هنا بدأ الخطاب السياسي في واشنطن يتغير وتصريحات ترامب باتت اقل وضوحا واقرب الى الشعارات، احيانا يوحي بان نهاية العمليات قريبة رغم استمرار المعارك، وان الحرب قد تنتهي قريبا في اشارة الى ان ادارته بدأت تتحدث فعليا عن مرحلة ما بعد الحرب، يتزامن ذلك مع خيارات اكثر خطورة كارسال المارينز للسيطرة على المواد والمنشآت النووية، فكرة قد تبدو منطقية نظريا لكنها تفتح الباب لسيناريو مختلف.
التدخل البري الاميركي له تاريخ طويل ومعقد، عام 1991 اخرج الجيش العراقي من الكويت خلال حملة عسكرية قصيرة لان الهدف كان محدودا جغرافيا وسياسيا، لكن عندما دخلت العراق لاسقاط صدام تحولت العملية لحرب طويلة استمرت لسنوات، فضلا عن الاف القتلى من الجنود الامريكيين ومئات مليارات الدولارات، والتدخل البري في ايران مخاطره اكبر، فايران اليوم ليست العراق او افغانستان قبل عقدين، اضافة الى تضاريس معقدة وتسعين مليون انسان، ماذا لو سقط عدد من المارينز قتلى او اسرى، لحظات يمكن ان تغير مسار الحرب، فخلال الحرب الاميركية في الصومال عام 1993 ادى قتل وسحب جثث الجنود الاميركيين في شوارع مقديشو الى تغيير كامل في مسار الحرب.
لهذا تبدو المرحلة الحالية انتقالية اكثر منها مرحلة حسم، العمليات مستمرة لكن النقاش تحول الى ما بعد الحرب؟ فالحروب الكبرى غالبا ما تمر بهذه اللحظة، حين يصبح الاستمرار في المعارك ممكنا عسكريا لكنه يفقد معناه الاستراتيجي، عندها يبدأ البحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه، وترامب الذي ظن انه يمكن ان يكون مختلفا عن اسلافه، يبدو انه سيواجه ذات المصير على الاقل.
 
 


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب على إيران جزء من صراع عالمي على التجارة والطاقة والنفوذ


 نحن أمام لحظة مفصلية تعكس تحولاً عميقاً في طبيعة النظام الدولي نفسه. فالقواعد التي حكمت العلاقات الدولية لعقود، والقائمة على الدبلوماسية والقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، تبدو اليوم في حالة تراجع أمام منطق القوة العسكرية وإدارة الصراعات عبر الحروب والصواريخ.
منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من عامين ونصف، والمنطقة تعيش حالة من الحروب المتداخلة غير المنتهية التي لا تتوقف عند حدود جغرافية معينة. هذه الحروب بدأت تتوسع تدريجياً لتشمل ساحات متعددة في الإقليم، وصولاً إلى التصعيد الحالي مع إيران. هذا التصعيد لا يمكن فهمه فقط من خلال الخطاب السياسي الذي يركز على منع انتشار السلاح النووي أو مكافحة ما يسمى "الإرهاب"، لأن هذه العناوين تمثل جزءاً من الرواية السياسية أكثر مما تعكس جوهر الصراع الحقيقي.
في العمق، يدور الصراع حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط سياسياً وأمنياً بما يخدم توازنات القوة الجديدة في المنطقة. هناك مشروع واضح يسعى إلى تثبيت التفوق العسكري الإسرائيلي كركيزة للنظام الإقليمي الجديد، بدعم مباشر من الولايات المتحدة، مع العمل على منع بروز أي قوة إقليمية قادرة على موازنة هذا التفوق. في هذا السياق، لم تعد إسرائيل مجرد فاعل إقليمي يتحرك ضمن منظومة توازنات تقليدية، بل أصبحت جزءاً من تحالف استراتيجي أوسع يسعى إلى إعادة هندسة النظام الأمني في الشرق الأوسط.
لكن فهم هذه التحولات يتطلب أيضاً النظر إلى البعد الدولي للصراع. فالحرب على إيران لا يمكن فصلها عن التنافس العالمي المتصاعد على طرق التجارة والطاقة والنفوذ الاقتصادي. العالم اليوم يشهد صراعاً استراتيجياً بين القوى الكبرى، خصوصاً بين الولايات المتحدة والصين، حول السيطرة على الممرات التجارية التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
مبادرة "الحزام والطريق" التي أطلقتها الصين تهدف إلى إنشاء شبكة عالمية من الطرق البرية والبحرية تربط آسيا بأوروبا وافريقيا وهو ما يمثل تحولاً كبيراً في خريطة التجارة الدولية. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى طرح مشاريع بديلة، مثل الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالخليج العربي وصولاً إلى إسرائيل وأوروبا عبر البحر المتوسط. هذه المشاريع ليست اقتصادية فقط، بل هي أيضاً أدوات نفوذ جيوسياسي، ولهذا فإن السيطرة على المنطقة جزءاً من معادلة التنافس العالمي.
في خضم هذه التحولات، تبقى حقيقة تاريخية ثابتة: الحروب مهما طال أمدها تنتهي على طاولة المفاوضات. التجارب التاريخية، من الحروب العالمية إلى النزاعات الإقليمية، تؤكد أن الحلول العسكرية لا تنتج سلاماً دائماً، بل تفتح الطريق في النهاية أمام تسويات سياسية, السؤال متى تتفعل الدبلوماسية ؟ العوامل الاقتصادية قد تلعب دوراً حاسماً في تسريع هذا المسار. فأسعار النفط، واحتمالات تعطّل طرق التجارة العالمية، وإغلاق مضيق هرمز، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد العالمي وقد تدفع الأطراف الدولية إلى البحث عن تسوية سياسية قبل أن تتحول الحرب إلى أزمة اقتصادية عالمية أوسع.
في الوقت ذاته، تغيرت طبيعة الحروب المعاصرة بشكل كبير. لم تعد المواجهة العسكرية التقليدية هي الأداة الوحيدة للصراع، بل أصبحت أدوات النفوذ تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات إلى جانب القوة العسكرية. لذلك فإن أدوار قوى مثل روسيا والصين قد تظهر في المجال السياسي والاقتصادي والدبلوماسي أكثر من التدخل العسكري المباشر.
فلسطينيا, أخطر ما في هذه اللحظة التاريخية هو انعكاسها على القضية الفلسطينية. فحالة الاضطراب وعدم الاستقرار الإقليمية المتصاعدة تساهم في تراجع الاهتمام الدولي بما يجري في الأراضي الفلسطينية، سواء في قطاع غزة أو الضفة الغربية. هذا التراجع يوفر لدولة الاحتلال فرصة لتسريع سياسات الضم والاستيطان وفرض وقائع جديدة على الأرض. من الضروري أن يبلور الفلسطينيون خطاباً سياسياً موحداً يعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأجندة الدولية. كما أن تفعيل أدوات القانون الدولي يشكل مساراً أساسياً في مواجهة هذه التحولات، خاصة في ضوء الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024 والذي أكد عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وطالب بإنهائه وتفكيك منظومة الاستيطان.
إلى جانب ذلك، يمكن البناء على الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، خصوصاً من قبل عدد من الدول الأوروبية، وتحويل هذه الاعترافات من مواقف سياسية رمزية إلى أدوات ضغط عملية تدفع نحو إنهاء الاحتلال.
ما يجري هو جزء من عملية إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي والدولي. ومع أن موازين القوة تبدو حاسمة في لحظات الحرب، فإن التاريخ يذكرنا دائماً بحقيقة بسيطة: الحروب تبدأ في ساحات القتال، لكنها تنتهي دائماً على طاولة المفاوضات. السؤال الحقيقي هو أي شرق أوسط سيخرج من هذه المفاوضات، وما إذا كان سيقوم على منطق القوة الدائمة أم على نظام يعيد الاعتبار للقانون الدولي ومبادئ العدالة.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تعددت الصواريخ… والموت واحد

تشهدُ الحروبُ في عصرنا هذا تحوّلًا عميقًا في طبيعة أدواتها وتقنياتها، حيث لم تعد الصواريخ مجرد قذائف تُطلق نحو هدفٍ محدد وفق حساباتٍ تقليدية، بل أصبحت منظوماتٍ ذكية تعتمد على شبكةٍ معقدة من الأقمار الصناعية وأنظمة الملاحة الدقيقة وخوارزميات الذكاء الاصطناعي إضافة إلى طبيعة المقذوف ومنصات الإطلاق ودقة الإصابة وخفض نسب الخطأ في التسديد. وتعمل هذه التقنيات مجتمعةً على تحليل البيانات لحظةً بلحظة، وتصحيح المسارات في أجزاءٍ من الثانية، ما يمنح الصاروخ قدرةً غير مسبوقة على إصابة هدفه بدقةٍ متناهية وبفتك تحدده مكونات الرأس المتفجر.
ويتسابقُ العالمُ اليوم في تطوير هذه المنظومات، فتتباهى الجيوش بقدراتها الصاروخية المتقدمة، وتعرض في معارضها العسكرية أجيالًا جديدة من الصواريخ الموجهة التي ترتبط مباشرةً بفضاءٍ من الأقمار الصناعية التي تراقب الأرض بلا انقطاع، بينما تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بتحليل الصور والبيانات وتقدير المسافات وتحديد الأهداف، حتى باتت الحرب في كثيرٍ من الأحيان تُدار عبر الشاشات والخوارزميات بقدر ما تُدار في ساحات القتال.
وتتغنّى الجيوش في خضمّ هذه الحروب بصنوف السلاح العابر للحوم البشر وآمالهم وثرواتهم وبناهم التحتية، وكأن التقدم التكنولوجي في أدوات القتال إنجازٌ حضاري يُضاف إلى سجل البشرية.
غير أن هذا التفاخر يغفل حقيقةً بسيطةً وقاسية في آنٍ واحد، وهي أن هذه الصواريخ – مهما بلغت دقتها وتعقيدها – لا تنتهي إلا عند النتيجة ذاتها: موت الإنسان ودمار المكان وانتكاسةالبشر. في المقابل ينتعش أمراء الحرب الفائزون بهذه الحروب لتغطي نشوتهم دموع الأمهات والآباء الذين يفقدون فلذة أكبادهم، ليصبح الضحايا وقود الحروب دون أي ذنب لمعظمهم.
ويتبدّى التناقض الصارخ حين نقارن بين عبقرية العقل البشري في ابتكار هذه التقنيات، وبين العجز الأخلاقي عن كبح استخدامها في ميادين الحرب. فالعلم الذي استطاع أن يربط الأرض بالفضاء، وأن يُسخّر الذكاء الاصطناعي لتحليل ملايين المعطيات في لحظة، هو ذاته العلم الذي يُستخدم اليوم لتحديد إحداثيات مدينةٍ أو حيٍّ أو منزلٍ قبل أن يتحول إلى هدفٍ على شاشةٍ باردة ويصبح في ثوانٍ معدودة أثراً بعد عين.
ويبقى الإنسان، رغم كل هذا التطور، الحلقة الأضعف في معادلة الحرب. فالصاروخ الذكي لا يرى دموع الأمهات، ولا يسمع صرخات الأطفال، ولا يدرك أن خلف الإحداثيات حياةً كاملة من الذكريات والأحلام. وما إن يصل إلى هدفه حتى تتحول الدقة التكنولوجية إلى انفجارٍ يبتلع البشر والحجر معًا.
وتبقى الحقيقة التي لم تتغير عبر العصور واضحةً رغم كل ما تبدّل من أدوات: تعددت الصواريخ وتنوعت تقنياتها، لكن الموت واحد. فلا التكنولوجيا تعيد الأموات، ولا دقة التوجيه تمحو الألم، ولا الأقمار الصناعية تستطيع أن تعيد مدينةً إلى ما كانت عليه قبل لحظة الانفجار.
وتظل الحرب، مهما تزيّنت بوهج الابتكار ومغريات التكنولوجيا ومفاتنها، فعلًا بشعًا في جوهره، لأنها في نهاية المطاف لا تصنع مستقبلًا للبشرية، بل تترك خلفها فراغًا من الحياة وذاكرةً مثقلةً بالفقد والوجع والأنين. للحديث بقية!

[email protected]

ملاحظة: المقال مدّعم بتطبيقات الذكاء الاصطناعي

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

رب ضارة نافعة

الحلقة الأولى

عدوان شرس، حرب همجية، تخطيط مسبق، تحضير متوافق عليه من قبل الولايات المتحدة والمستعمرة الإسرائيلية، يُفترض أن يشكل درساً للإيرانيين، وأن يدركوا عدوهم ومخططاته لإفشالها وإحباط أهدافها، وفصل العدو عن الجار الصديق، العدو البعيد، عن الجار القريب، العدو الذي يجب التصدي له، والجار القريب الذي يجب كسبه.
دروس الحرب على إيران يجب الاستفادة منها للطرفين الجارين، لإيران، ولبلدان الخليج العربي، كلاهما جار للآخر، سيبقى و لن يزول.
استفادة إيران من حرب الولايات المتحدة والمستعمرة الإسرائيلية ضدها يجب الاستفادة منها:
 أولاً حماية جبهتها الداخلية، وتماسكها، ووحدة شعبها بمكوناته الذاتية القومية وتعدديتها، من الفرس الذين يشكلون 60%، والاذريين حوالي عشرين بالمائة، والاكراد حوالي 10بالمائة، والعرب حوالي 3%، وغيرهم من اللور و التركمان والبلوش، لتكون إيران نموذجاً اسلامياً للتعددية والديمقراطية والوحدة.
صحيح أن وحدة الشعب الإيراني برزت في مواجهة العدوان الهمجي، ولم يتجاوب الايرانيون مع نداء و رغبات ترامب للتظاهر  والاحتجاج ضد النظام، وهو ما يستوجب الرد الرسمي من قبل القيادة الإيرانية الجديدة: الدينية والسياسية والعسكرية والأمنية،في ان تكون أكثر انفتاحاً على شعبها وتعدديته، وتوسيع قاعدة الشراكة القومية والاجتماعية في مؤسسات صنع القرار، ليشعر ويحس كل الشعب الإيراني بمكوناته المتنوعة، كشركاء حقيقيين في إدارة الحكم في بلدهم.
أما الدرس الثاني الذي يجب أن تتعلمه الإدارة الإيرانية من هذه الحرب العدوانية الشرسة ضدها: أن بلدان الخليج العربي جيران كانوا وسيبقوا معهم إلى الأبد، ولذا على الإدارة الإيرانية أن تدرك الخطأ الذي وقعت فيه عبر عمليات القصف غير المبررة، غير المنطقية، غير المقبولة، بقصف بلدان الخليج العربي، بما فيها مؤسسات مدنية.
فالسعودية توصلت إلى إتفاق مسبق مع طهران بوساطة صينية، وعُمان كانت وسيطة في رعاية المفاوضات الأميركية الإيرانية في جنيف، وقطر تربطها علاقات من المودة والاحترام وحُسن الجيرة مع طهران، ولذلك كان على إيران أن تدرك وتعي  ضرورة توصيل رسالة للخليجيين أنها تحترم موقف إجماع بلدانها، أنهم ضد الحرب، حتى ولو كانوا لا يملكون القرار بوقفها، ولكن كان على ايران مساعدتها لتعزيز خيارات بلدان الخليج العربي نحو رفض الحرب، ورفض أن تكون بلادهم منطلقاً للقصف والتدمير، لا أن تحرجهم بالقصف وتدفع بهم دفعاً لأن يكونوا في خندق العدو الذي لا يرغبون أن يكونوا فيه، ولا مصلحة لهم أن يكونوا فيه، وهو حال الأردن أيضاً الذي سعى وعبر وأعلن جلالة الملك، وتحركات وزير الخارجية في رفض الحرب علناً.
إيران لها الحق في الرد على قصف الأميركيين والإسرائيليين، ولكنها يجب أن تدرك الأولويات، وأين مصلحتها في الأولويات، وأن تختار مواقع الرد بحيث لا تستفز العرب من الخليجيين والأردن، وأن لا تصطدم مع تركيا والباكستان وغيرهم من البلدان الإسلامية، فالحرب الأميركية الإسرائيلية تعكس العداء والعنصرية ضد العرب والمسلمين، وأن دوافع العداء الأميركي الإسرائيلي يعود لسببين: أولهما لأن إيران تقف مع الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته وحقه في استعادة حقوقه، وثانيهما لأنها ترفض المشروع الاستعماري التوسعي العدواني الإسرائيلي وهو يتماثل مع موقف الأردن والاغلب بلدان الخليج العربي.
إيران بحاجة لتعاطف وتضامن العرب كل العرب، والمسلمين وكل المسلمين معها، لا أن تستفز أحدا منهم، وأن لا تترك أي فجوة بينها وبين الأردن والخليجيين، حتى لا يتسلل منها العدوان والاعتداء عليها، ولذلك عليها أن تتوقف عن المس بالأمن والسيادة لبلدان الخليج العربي والأردن، وهو ما يجب أن تفعله وتتعيه وتدركه.


أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

إيران تحت النار: سيناريو العراق.. التهديد الأمريكي.. والديناميات الإقليمية

هل سيناريو العراق بعد حرب الخليج الثانية يُعاد مع إيران؟ ضربات متكررة، حصار خانق، إضعاف للقوة العسكرية، وزيادة شعور المعارضة الإيرانية بالقوة في مواجهة النظام نتيجة التهديد بالتدخل الأمريكي إذا تجاوزت الحدود… كل ذلك يبدو الخيار المعقول لـترمب لتجنب الانزلاق في حرب برية مكلفة جدًا.
نموذج العراق: تم تدمير بنية الجيش الإيراني وإضعافه، وهذا يشبه ما حصل مع الجيش العراقي عام 1991، حيث أُضعفت قدراته وزُرع الحقد في القاعدة الديمغرافية للجيش على قيادته.
الدور الإقليمي: تخلت دول الإقليم عن العراق خلال حرب الخليج الثانية، بل شاركت في العدوان عليه، وكانت تتمنى إسقاط نظامه. والأمر يتكرر مع إيران، خاصة مع استهدافها للبنية التحتية لدول الخليج العربي، التي لا تريد أن تُجرّ إلى حرب استنزاف لا طاقة لها بها.
إسرائيل: لطالما كان لإسرائيل دور ديني وسياسي في حروب الولايات المتحدة في المنطقة، مستهدفة بقاءها كقوة مهيمنة نوويًا. ففي الماضي دُمّر الجيش العراقي، واليوم يتم إضعاف النظام الإيراني عبر استهداف رأس الهرم السياسي، ممثلاً بالمرشد علي خامنئي وقياداتها العسكرية.
الصين: يرى المحللون أن هدف الولايات المتحدة من الحرب يتجاوز الملفات التقليدية مثل النووي والصواريخ والأذرع العسكرية في المنطقة. بل يمتد إلى نشر البحرية الأمريكية في الممرات الدولية والمضائق الحيوية، وخصوصًا مضيق باب المندب ومضيق هرمز، لضمان موقع تفاوضي أقوى أمام الصين في ظل حرب الرسوم الجمركية التي يقودها ترمب. تحييد القدرات البحرية الإيرانية يمكّن أمريكا من السيطرة على مضيق هرمز، ما يمهّد الطريق للهيمنة الأمريكية.
الخلاصة: سيبقى النظام الإيراني قائمًا، لكن تحت تهديد أمريكي– إسرائيلي دائم، مع وجود معارضة أكثر جرأة بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة والدعم العسكري الأمريكي المستمر. وربما تضطر إيران إلى المفاوضات وهي في موقع أضعف، مقدمة تنازلات معينة، وهو ما قد لا يرضي إسرائيل الأكثر تشددًا في مسألة إسقاط النظام، بينما ترمب يسعى لصفقة تحت النار، فهو رجل صفقات يعرف كيف يجني الربح.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

إسرائيل من الداخل: مجتمع قلق تحت ضغط الحرب


حين تنظر إلى إسرائيل من الخارج تبدو دولة ذات قوة عسكرية فائقة. جيش متطور، تفوق تكنولوجي، منظومات دفاعية متعددة، ودعم غربي سياسي وعسكري شبه مطلق. هذه الصورة جعلت كثيرين يختزلون قوة إسرائيل في بعدها العسكري، وكأن المسألة كلها تتعلق بالتفوق في الطائرات والصواريخ والاستخبارات. لكن قراءة أعمق للمجتمع الإسرائيلي نفسه تكشف أن نقطة الضعف الأساسية في إسرائيل ليست عسكرية بقدر ما هي مجتمعية. فالقوة العسكرية لا تعمل في فراغ، بل تحتاج إلى مجتمع قادر على الاحتمال والتماسك وتحمل كلفة الحرب لفترة طويلة. وهنا بالضبط تظهر هشاشة إسرائيل الحقيقية.
إن إسرائيل قامت تاريخيا على فكرة المجتمع المعبأ للحرب. منذ تأسيسها تشكلت عقيدتها الأمنية على أن بقاء الدولة يعتمد على قدرة المجتمع على التجند الكامل عند الحاجة. لهذا نشأت فكرة "جيش الشعب" الذي يخدم فيه معظم الإسرائيليين، وأصبح الجيش ليس مجرد مؤسسة عسكرية بل جزء من الهوية الجماعية. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيا خلال العقود الأخيرة، مع تغير طبيعة المجتمع الإسرائيلي وتعمق الانقسامات بين مكوناته.
المجتمع الإسرائيلي اليوم ليس المجتمع المتجانس الذي حاولت الرواية الصهيونية تصويره في الماضي. هو مجتمع شديد الانقسام بين علمانيين ومتدينين، بين يهود شرقيين وغربيين، بين متدينين قوميين وليبراليين، بين مركز ثري وهوامش مهمشة، وبين يهود وعرب داخل الخط الاخضر. هذه الانقسامات ليست مجرد اختلافات ثقافية عادية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى صراعات سياسية حادة تهدد بنية النظام نفسه.
فالأزمة التي عاشتها إسرائيل خلال الجدل حول تعديل النظام القضائي قبل الحرب الأخيرة كشفت عمق هذه الانقسامات. خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في مظاهرات استمرت شهورا، وظهرت دعوات داخل الجيش لرفض الخدمة الاحتياطية، وهو أمر كان يعد في السابق من المحرمات السياسية. تلك الأزمة لم تختف مع اندلاع الحرب، بل تم تجميدها مؤقتا تحت ضغط الخطر الخارجي. لكنها ما زالت كامنة في العمق، وتعود للظهور كلما طال أمد المواجهة.
هذه الانقسامات تؤثر مباشرة على قدرة الجبهة الداخلية على تحمل حرب طويلة. ففي الحروب القصيرة يمكن تعبئة المجتمع بسهولة عبر خطاب الخطر الوجودي. أما في الحروب الطويلة فإن الضغط النفسي والاقتصادي يبدأ في تفكيك هذه التعبئة تدريجيا. هنا تظهر الفوارق الاجتماعية، وتطفو الخلافات السياسية، ويتراجع الشعور بالتضامن الوطني.
الواقع أن إسرائيل لم تخض منذ عقود حرب استنزاف طويلة بالمعنى الحقيقي. معظم حروبها كانت قصيرة نسبيا وحاسمة في نهايتها، أو كانت مواجهات محدودة يمكن احتواؤها بسرعة. هذا النمط من الحروب ساعد إسرائيل على الحفاظ على صورة القوة التي لا تهزم. لكن الحرب الطويلة مختلفة تماما، لأنها تنقل المعركة من الجبهة العسكرية إلى داخل المجتمع نفسه.
إن الحرب الطويلة تعني اقتصادا مضغوطا، حياة يومية مضطربة، خوفا مستمرا، وتعطلا دائما في التعليم والعمل. ومع مرور الوقت يبدأ الناس في طرح أسئلة صعبة حول جدوى الحرب وتكلفتها. في هذه اللحظة تتحول الجبهة الداخلية إلى ساحة صراع لا تقل أهمية عن الجبهة العسكرية.
في هذا السياق أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي نافذة نادرة على ما يجري داخل المجتمع الإسرائيلي خلال الحروب. فبعيدا عن الخطاب الرسمي الذي يحاول إظهار صورة الصمود والوحدة، تكشف مقاطع الفيديو المتداولة مشاهد مختلفة تماما. يظهر في هذه المقاطع خوف واضح بين المدنيين، توتر داخل الملاجئ، جدالات بين السكان، ومظاهر عنصرية بين فئات مختلفة من المجتمع.
وفي بعض المقاطع يمكن رؤية خلافات بين متدينين وعلمانيين حول أسلوب الحياة داخل الملاجئ. وفي مقاطع أخرى تظهر توترات بين يهود شرقيين وغربيين، أو شكاوى من سوء إدارة الملاجئ والخدمات. هذه التفاصيل الصغيرة تبدو للوهلة الاولى أمورا عابرة، لكنها في الواقع تعكس توترا عميقا داخل المجتمع.
الملاجئ في زمن الحرب تتحول إلى مرآة للمجتمع. عندما يجتمع الناس في مساحة ضيقة تحت ضغط الخوف يظهر الوجه الحقيقي للعلاقات الاجتماعية. التضامن يمكن أن يظهر، لكن التوترات أيضا تظهر بوضوح. وعندما تنتشر هذه المشاهد على نطاق واسع فإنها تضعف الصورة التي تحاول الدولة ترسيخها عن مجتمع متماسك.
الأمر لا يتعلق فقط بالخوف من الصواريخ، بل بتراجع الشعور العام بالأمن. إسرائيل قامت على وعد أساسي لمواطنيها وهو توفير الأمن في منطقة مضطربة. هذا الوعد كان جزءا من العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع. لكن كلما شعر الناس أن هذا الوعد يتآكل يبدأ هذا العقد في الاهتزاز.
إن تراجع الشعور بالأمن لا يظهر فقط في الخوف الفردي، بل أيضا في النقاشات العامة داخل إسرائيل. هناك حديث متزايد في الإعلام الإسرائيلي عن الهجرة العكسية، وعن تراجع ثقة الشباب بالمستقبل، وعن القلق من أن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الحياة الطبيعية التي وعدت بها مواطنيها.
هذه التحولات تعني أن نقطة الضعف الحقيقية في إسرائيل قد تكون داخل مجتمعها نفسه. الجيش يمكنه أن يحقق تفوقا عسكريا في معركة أو عدة معارك، لكن الحرب الطويلة تقاس بقدرة المجتمع على الاحتمال. فإذا بدأ المجتمع يفقد تماسكه فإن القوة العسكرية تصبح أقل فعالية.
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو استراتيجية الضغط طويل الأمد أكثر تأثيرا من المواجهات القصيرة والحاسمة. المواجهة القصيرة تمنح إسرائيل فرصة استخدام تفوقها العسكري بسرعة، وتحويل المعركة إلى مسألة تقنية تتعلق بالقدرات القتالية. أما الاستنزاف الطويل فينقل المعركة إلى ساحة مختلفة تماما، هي ساحة المجتمع والاقتصاد والنفس البشرية.
الاستنزاف لا يعني الانتصار العسكري المباشر، بل يعني إطالة أمد التوتر بحيث تتحول الحياة اليومية نفسها إلى عبء مستمر. ومع مرور الوقت يبدأ الضغط في التراكم داخل المجتمع. الاقتصاد يتباطأ، الاستثمارات تتراجع، القلق النفسي يزداد، والخلافات السياسية تصبح أكثر حدة.
إن كل مجتمع لديه قدرة محددة على تحمل هذا النوع من الضغط. المجتمعات الكبيرة والمستقرة تاريخيا قد تكون قادرة على الصمود لفترات طويلة. أما المجتمعات التي تعاني أصلا من انقسامات عميقة فإنها تكون أكثر هشاشة أمام الاستنزاف.
وإسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تبدو اليوم أقرب إلى هذا النوع الثاني من المجتمعات. هي دولة قوية في مجال التكنولوجيا والجيش، لكنها تعيش في الوقت نفسه حالة من الاستقطاب الداخلي غير المسبوق. هذا الاستقطاب يجعل أي حرب طويلة اختبارا قاسيا لتماسكها الداخلي.
لهذا فإن قراءة الواقع الإسرائيلي لا يجب أن تقتصر على موازين القوة العسكرية. القوة الحقيقية لأي دولة تقاس أيضا بقدرة مجتمعها على الاحتمال والصمود. وإذا كان المجتمع نفسه يعيش حالة من القلق والانقسام فإن هذه القوة تصبح محدودة مهما كان التفوق العسكري كبيرا.
قد لا تكون المعركة الحاسمة في السماء بين الطائرات أو في البحر بين السفن، بل داخل المجتمع نفسه. هناك حيث يتحدد مدى قدرة الناس على الاستمرار في العيش تحت ضغط الحرب. وعندما يبدأ هذا المجتمع في التشقق فإن أقوى الجيوش قد تجد نفسها أمام معركة مختلفة تماما، معركة تتعلق بصلابة المجتمع قبل أي شيء آخر.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

الجمعة اليتيمة خارج الأقصى: صلاة على أبواب مدينةٍ محاصرة

في العشر الأواخر من شهر رمضان، حين تمتلئ الليالي بخشوع العابدين وتتهيأ الأرواح لاعتكافها في حضرة السكينة، يقف المسجد الأقصى هذا العام خلف أبوابٍ مغلقة، كأن المدينة كلها تُختبر بوجعٍ جديد.
لأول مرة في رمضان، يُمنع الاعتكاف في رحاب المسجد الأقصى. ولأول مرة تصبح الجمعة اليتيمة موعداً للغياب بدل اللقاء، وموعداً للحرمان بدل الامتلاء.
كان الأقصى عبر القرون بيتاً مفتوحاً للصلاة، تتسع ساحاته لخطوات المؤمنين القادمين من كل دروب القدس وخارجها. أما اليوم، فقد تحوّلت الطرق المؤدية إليه إلى حواجز، وتحولت المدينة العتيقة إلى مساحةٍ محاصرة، فيما بدا المشهد في البلدة القديمة أقرب إلى مدينةٍ غادرها الناس قسراً. شوارع صامتة، أبواب مغلقة، وحضور ثقيل للحصار الذي فرضه الاحتلال منذ اكثر من أربعة عشر يوماً، مانعاً الأهالي من الوصول إلى قلب مدينتهم.

لكن الصلاة لم تتوقف!
في حي رأس العامود ببلدة سلوان، امتدت صفوف المصلين على الشوارع بدل باحات الأقصى. الأرض الإسفلتية تحولت إلى محرابٍ واسع، والسماء كانت سقف المسجد الذي أُغلق بابه. هناك أدّى المصلون صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان، بينما كانت قلوبهم تتجه نحو القبلة ذاتها التي يحجبها المنع.
وعند باب الساهرة، وقف المقدسيون يصلّون العشاء والتراويح خارج أسوار القدس، كأن المدينة نفسها خرجت لتصلي في العراء. كانت تلك المشاهد تقول شيئاً واحداً: إن العلاقة بين الإنسان ومقدسه لا تقطعها الجدران.
غير أن المشهد الأكثر قسوة يكمن في التناقض الصارخ الذي يفرضه الاحتلال؛ إذ يسمح بالصلاة في منطقة الراشدية، بينما يمنعها داخل نحو 144 دونماً من مساحة المسجد الأقصى المبارك. تناقض لا يمكن تفسيره إلا بوصفه إغلاقا متعمّدا، وسياسة جديدة يسعى الاحتلال إلى فرضها على الرحاب المباركة، في محاولة لإعادة تشكيل الواقع القائم في المكان.
إن مرارة الحرمان من زيارة الأقصى ليست مجرد حزنٍ عابر، بل اعتداء سافر على حق أساسي من حقوق الإنسان في العبادة. فالمسجد الأقصى ليس مجرد معلمٍ ديني، بل هو ذاكرة روحية وتاريخية وحضارية، تعيش في وجدان الأمة منذ قرون.
ولهذا فإن ما يجري اليوم في القدس يفرض على العالم أن يسمع صوت المدينة المحاصرة.
فالقدس المحتلة ليست فراغاً قانونياً، والمقدسات فيها محمية بموجب القوانين والمواثيق الدولية التي تضمن حرية العبادة وصون الأماكن الدينية. والقيود التي يفرضها الاحتلال تتعارض بشكل واضح مع الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، الذي كفل عبر العصور حق المصلين في الوصول إليه دون منع أو تضييق.
ومن هنا، تتصاعد المطالب الموجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والدينية:
أن تتحمل مسؤوليتها في حماية المقدسات الدينية من الانتهاكات. وأن تُلزم إسرائيل بوقف الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى. وأن تتخذ موقفاً حازماً يحفظ حرية العبادة وكرامة المكان والإنسان.
فالاحتلال لا يملك سيادة على القدس المحتلة، ولا يملك الحق في تغيير معالمها الروحية أو فرض واقع جديد على مقدساتها.
إن أولى الخطوات المطلوبة اليوم هي فتح أبواب المسجد الأقصى فورا أمام المصلين، ووقف كل السياسات التي تحوّل العبادة إلى فعلٍ محفوف بالحواجز والقيود.
ومع ذلك، تبقى الصورة التي رسمها المقدسيون في شوارع سلوان، وعند أبواب القدس، أكثر بلاغة من كل القرارات.
فحين يُغلق المسجد، تتحول الطرق إلى مساجد. وحين تُحاصر المدينة، يتسع الإيمان حتى يملأ الشوارع.
لقد أراد الاحتلال أن يجعل القدس مدينة صامتة، لكنه لم يستطع أن يمنع صوت الصلاة من الارتفاع.
فالجمعة اليتيمة هذا العام لم تُصلَّ في الأقصى، لكنها صُلِّيت من أجله.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

تصريحات ترمب المتناقضة


تضارب تصريحات ترمب يؤكد أن هذا الرجل مصاب بهوس جنون الذات، وأنه ينظر إلى الحرب ضمن مفهوم الصفقات الاقتصادية لديه من دون النظر إلى التحالفات الإقليمية والدولية والمصالح والسياسات الاستراتيجية وحماية الحلفاء والأصدقاء والوسطاء والتابعين، لهذا قد تجد تصريحاته أحياناً تعبر عن توريط نتنياهو له بهذه الحرب التي لم يكن يريدها، وسريعاً ما يخرج بتصريح معاكس ترى فيه أنه قرر الحرب على إيران من دون ضغط أو إكراه، وأنه فتح أبواب الجحيم لفرض المزيد من الهيمنة ليس على إيران فحسب بل على العالم. فلو أحصينا عدد تغريدات الرئيس الأمريكي خلال الأسبوعين الماضيين فسنجدها بالمئات، وهي تفضح شخصية الرجل الباحث عن الإمساك بلحظة الانتصار دون النظر إلى المكاسب السياسية والعسكرية بل إلى المكاسب والخسائر الاقتصادية، وفي هذا تبرز شخصية ترمب الفظة.
بين تصريح يقول فيه إن الحرب شارفت على الانتهاء وتصريح يقول فيه بأنها حرب طويلة الأمد، يُجرِّب المتابعون والمراقبون والمحللون فهم طبيعة سير هذه الحرب من خلال تصريحات ترمب فيفشلون فشلاً ذريعاً لأنها متضاربة، ومع كل تغريدة على صفحته يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة سرعان ما تنتهي بتصريح آخر يجعل كل ما سبق من تحليلات مجرد كلام عابث. الأمر الواضح من خلال حالة التخبط في التصريحات يظهر بأن ترمب تم خداعه حين قبل بحرب قصيرة لعدة أيام، ثم وجد نفسه متورطاً بحرب لا يمكن معرفة نتائجها ولا الوقت الذي سوف تستغرقه، وكم الأهداف التي ستتحقق، وكم الأهداف التي سيفشل تحقيقها.
وبالتزامن مع جملة التصريحات المتعارضة فلا يوجد من يوقف هذا الجحيم، ولا أحد يقدر على وقف الحرب إلا ترمب، فوحده يمسك مفاتيحها، وهو القادر على فرض وقفها إن شاء، كما أن إطالة أمد الحرب ليست في صالحه، وأنها في استمرارها ستؤدي إلى أزمات اقتصادية داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها وعلى امتداد العالم.
الشواهد الأكيدة أن هذه الحرب ستجلب المزيد من الويلات على الإقليم وأيضاً على العالم، فهي حرب نتائجها صعبة وتتعدى حدود مكانها وزمانها، وكلما امتدت رقعتها تركت آثاراً أكبر سيصعب مواجهتها في المستقبل، وهي تفرض جملة من التحديات السياسية والاقتصادية، كما ستفرض شكل التحالفات والتجاذبات وفق خرائط المصالح الجديدة على قاعدة المنتصر والخاسر.
في المحصلة تبدو هذه الحرب أبعد ما تكون عن حسابات النصر السريع أو الخسارة المحدودة، فهي حرب تتسع دوائرها مع كل يوم يمر، وهي تعيد رسم موازين القوى في الإقليم والعالم على نحو لا يمكن التكهن بنهاياته بسهولة.
وما بين التصريحات المتناقضة وغرور ترمب اللامحدود، يبقى الثابت الوحيد أن كلفة هذه الحرب لن يدفعها طرف واحد، بل ستتوزع على دول وشعوب واقتصادات العالم. ولذلك فإن إطالة أمدها يعني المزيد من الفوضى والاضطراب، ومزيداً من الأسئلة المفتوحة حول شكل العالم الذي سيخرج من تحت ركامها.


عربي ودولي

الأحد 15 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

كيم جونغ أون يشرف على اختبار قاذفات صواريخ عملاقة لتعزيز الردع النووي

أشرف الزعيم الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، يوم السبت، على تدريبات عسكرية موسعة شملت تجربة إطلاق قاذفات صواريخ متعددة من عيار 600 مليمتر. وتأتي هذه الخطوة في سياق مساعي بيونغيانغ المستمرة لتعزيز قدراتها الهجومية وتطوير ترسانتها العسكرية لمواجهة التحديات الأمنية المحيطة بها.

وذكرت تقارير رسمية أن كيم أكد خلال إشرافه الميداني أن هذه المناورات تهدف إلى وضع القوات المعادية ضمن نطاق استهداف مباشر يصل إلى 420 كيلومتراً. وأشار الزعيم الكوري الشمالي إلى أن الرسالة من وراء هذه التجارب هي إظهار القوة التدميرية الهائلة التي تمتلكها الأسلحة النووية التكتيكية لبلاده.

من جانبها، أكدت مصادر إعلامية أن الصواريخ التي أُطلقت خلال التجربة نجحت في إصابة هدف جزري محدد في البحر الشرقي لشبه الجزيرة الكورية. وبلغت المسافة التي قطعتها المقذوفات نحو 364.4 كيلومتراً، حيث أعلن الجانب الكوري الشمالي تحقيق دقة إصابة بلغت 100% في تدمير الأهداف المحددة.

وفي المقابل، رصدت هيئة الأركان المشتركة في كوريا الجنوبية إطلاق أكثر من عشرة صواريخ باليستية قصيرة المدى من منطقة قريبة من العاصمة بيونغيانغ. وأوضحت مصادر عسكرية في سيول أن عمليات الإطلاق بدأت في تمام الساعة الواحدة والعشرين دقيقة ظهراً، حيث سقطت الصواريخ في المياه قبالة الساحل الشرقي.

وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات حادة أدلت بها كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، وصفت فيها المناورات العسكرية المشتركة بين واشنطن وسيول بأنها أعمال عدوانية. واعتبرت أن استمرار هذه التدريبات يهدد الاستقرار الإقليمي بشكل مباشر ويدفع المنطقة نحو حافة التصعيد العسكري.

وعلى الصعيد السياسي، شهدت العاصمة الأمريكية واشنطن لقاءً جمع بين رئيس وزراء كوريا الجنوبية كيم مين-سيوك والرئيس الأمريكي دونالد ترمب. وتركزت المباحثات حول سبل استئناف المسار الدبلوماسي والحوار مع بيونغيانغ لخفض حدة التوتر المتصاعد في شبه الجزيرة الكورية.

ونقلت مصادر مطلعة عن رئيس الوزراء الكوري الجنوبي قوله إن ترمب أبدى رغبة واضحة في استكشاف الفرص المتاحة للجلوس مجدداً مع كيم جونغ أون. وتأتي هذه التحركات الدبلوماسية في وقت تحاول فيه الأطراف الدولية إيجاد مخرج للأزمة النووية التي تراوح مكانها منذ سنوات طويلة.

وتستمر كوريا الشمالية في تطوير برامجها الصاروخية والنووية رغم العقوبات الصارمة التي فرضها مجلس الأمن الدولي منذ عام 2006. وتؤكد بيونغيانغ أن هذه البرامج هي حق سيادي للدفاع عن النفس ضد ما تصفه بالسياسات العدائية الأمريكية المستمرة تجاه نظامها السياسي.

وأعلنت السلطات في بيونغيانغ عزمها مواصلة إجراء هذه التجارب العسكرية بشكل دوري ومنتظم خلال المرحلة المقبلة. ويهدف هذا التوجه إلى التحقق من الجاهزية القتالية للقوات المسلحة واختبار كفاءة أنظمة الردع النووي التي تعتبرها البلاد الضمانة الوحيدة لأمنها القومي.

اسرائيليات

الأحد 15 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

جسر جوي أمريكي لتعزيز الذخيرة الإسرائيلية وسط تقارير عن تراجع مخزون الصواريخ الاعتراضية

أفادت مصادر مطلعة بتدشين جسر جوي مكثف بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية، يهدف إلى نقل شحنات ضخمة من الذخائر المتطورة. وتأتي هذه الخطوة لتعزيز قدرات سلاح الجو الإسرائيلي وضمان استمرارية الهجمات الجوية المكثفة التي يشنها في سياق المواجهة المفتوحة مع إيران.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن سلاح الجو الإسرائيلي استهلك كميات هائلة من العتاد، حيث ألقى أكثر من 11 ألف قذيفة منذ انطلاق العمليات العسكرية الحالية. هذا الاستهلاك المرتفع دفع الدوائر الأمنية إلى التحرك السريع لتأمين بدائل تضمن عدم توقف العمليات الهجومية في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة.

وفي سياق متصل، أثير جدل واسع داخل الأوساط الإسرائيلية عقب تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن تراجع حاد في مخزون الصواريخ الاعتراضية. وأوضحت التقارير أن إسرائيل بدأت هذه المواجهة وهي تعاني أساساً من نقص نسبي في الصواريخ المخصصة للتصدي للصواريخ الباليستية بعيدة المدى، مما يضع ضغوطاً إضافية على منظومات الدفاع الجوي.

وعلى الرغم من النقص في الأنظمة الدفاعية المتطورة، تشير التقديرات الأمنية إلى أن إسرائيل لا تزال تحتفظ بمخزون كافٍ لمواجهة التهديدات قصيرة المدى. وتعتمد تل أبيب بشكل أساسي على منظومة 'القبة الحديدية' والطائرات المقاتلة لاعتراض القذائف والصواريخ التي تنطلق من جبهات قريبة مثل الحدود اللبنانية.

من جانبها، نفت الحكومة الإسرائيلية رسمياً صحة الأنباء التي أوردها موقع 'سيمافور' الأمريكي حول إبلاغ واشنطن بوجود عجز في الصواريخ الاعتراضية. ومع ذلك، يرى مراقبون أن التحركات اللوجستية الأخيرة والمصادقة على ميزانيات تسليح ضخمة تعكس واقعاً مغايراً للنفي الرسمي المعلن.

وصادقت الحكومة الإسرائيلية في اجتماعها الأخير على حزمة صفقات أمنية طارئة بلغت قيمتها نحو 900 مليون دولار. وتهدف هذه الميزانية الاستثنائية إلى تسريع عمليات شراء الأسلحة والذخائر الحيوية لسد الثغرات التي أحدثتها الحرب الطويلة والمستمرة على عدة جبهات.

وتواجه الدفاعات الجوية الإسرائيلية تحديات تقنية معقدة، خاصة مع استخدام إيران للصواريخ الانشطارية في هجماتها الأخيرة. وأكدت تقارير إعلامية أن نحو 11 صاروخاً من هذا النوع تمكنت من اختراق المظلة الدفاعية، وهو رقم يتجاوز بكثير ما تم تسجيله في مواجهات سابقة العام الماضي.

ويبقى الدعم العسكري الأمريكي الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها إسرائيل لمواصلة عملياتها، حيث يشمل هذا الدعم تزويدها بأحدث القنابل الذكية والعتاد اللوجستي. وتؤكد تل أبيب إصرارها على المضي قدماً في استراتيجيتها العسكرية الحالية، مستندة إلى تدفق الإمدادات التي تضمن الحفاظ على وتيرة القصف الجوي.

أقلام وأراء

الأحد 15 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا ستخسر أميركا حربها على إيران

يعتقد البعض أن تحقيق النصر في الحرب يعتمد بالأساس على مقدار ما تمتلكه الدولة من قوة عسكرية، ما يعني أن المتوقع أن الحرب بين طرفين غير متكافئي القوة العسكرية تُحسم دائماً لصالح الطرف الأقوى. ومع أن لهذا الاعتقاد ما يبرره، إذ إن القوة العسكرية قد تمنح الطرف الذي يتفوّق بها أفضلية عند نشوب الحرب، كونها تمنحه قدرة تدميرية عالية قادرة على إلحاق الضرر بالخصم، إلا أنها لا تكفي لتكون العامل الوحيد المُقرّر لتحقيق النصر فيها. فالمهم ليس بدء الحرب، أو امتلاك أفضلية عند انطلاقها، بل في امتلاك القدرة عل توجيه مساراتها بما يمكّن من التحكّم بمآلاتها. وفي توجيه مسارات الحروب، فإن العامل الآخر إلى جانب القدرة العسكرية، وقد يكون الأهم في التحكم بنتائجها، يتمثّل بتفاوت قدرة الأطراف المتحاربة على تحمّل تكاليفها، ليس فقط المادية، بل والمعنوية أيضا. فمن يئن من الأطراف المتحاربة أولاً، بصرف النظر عن حجم ومدى قوته العسكرية، يخسر، وقد تكون الخسارة من نصيب الطرف الأقوى للطرف أضعف في ميزان القوة العسكرية.لو صحّ الاعتقاد بأن مؤشر القوة العسكرية هو معيار موثوق لتحديد الطرف المنتصر بالحرب، لكانت نتيجة الحروب مضمونة ومعروفة سلفاً، ولما قامت الحروب أصلاً. فالطرف الأضعف عسكرياً يجب – وفقاً لهذا الافتراض - أن يستخلص العبرة سلفاً ويستسلم، كي يُجنّب نفسه التعرّض للتدمير الذي سيلحقه الطرف الأقوى به. ولكن هذا الاعتقاد يفشل في تفسير هزيمة فرنسا المريرة في حربها في الهند الصينية، أو في سعيها لقمع الثورة الجزائرية، ولماذا تلقى الاتحاد السوفياتي هزيمة موجعة في أفغانستان. ولماذا انهزمت الولايات المتحدة، وهي صاحبة أكبر قوة عسكرية في العالم، شر هزيمة في حروبها المتتالية من كوريا إلى فيتنام وأفغانستان، وحتى العراق. فالمهم في الحروب ليس في قدرة طرف على استخدام تفوقه العسكري لإلحاق ضرر بالغ في الطرف الآخر (كتدمير بُناه ومرافقه المختلفة)، وإنما على استخلاص نتيجة سياسية مواتية له عندما تضع الحرب أوزارها. باختصار، في الحروب يُوظَّف إلحاق الضرر كوسيلة لاستخلاص غاية (كما حصل في الحربين العالميتين بين قوى كانت متكافئة القوة العسكرية)، وإن تحوّل بذاته إلى غاية تستهدف العقاب، فقد يفشل فشلاً ذريعاً (كما حصل في حالة الحروب الأميركية على فيتنام وأفغانستان والعراق بين قوى غير متكافئة عسكرياً).يقودنا عدم الركون إلى صحة الاعتقاد بمؤشر التفوق العسكري على حسم الحروب لصالح الأطراف الأقوى على الأطراف الأضعف عسكرياً، إلى طرح افتراض من نوع آخر قد يبدو للوهلة الأولى غريباً ومنافياً للتوقع البديهي، وهو أن قدرة الأطراف الأكثر تنعُّماً داخلياً (من ناحيتي الازدهار الاقتصادي وانفتاح المشاركة السياسية) على تحمّل تكاليف الحرب، تبقى أقل من قدرة الأطراف الأقل تنعُّماً بهاتين السمتين. فالتوقع البديهي يقوم على أن الدول المزدهرة اقتصادياً، والديمقراطية سياسياً، تكون أكثر حيوية وقدرة من الدول الضعيفة اقتصادياً، وذات النظم السلطوية سياسياً، على تحمّل تكاليف الحرب. فالدول من النوع الأول يُفترض أنها تمتلك من القدرة الاقتصادية والحيوية السياسية ما يمكّنها من دعم الحرب التي تقرر خوضها، بينما لا تمتلك الدول من النوع الثاني هذه المقومات. ولكن السؤال الذي يبرّر ما نقدّم من افتراض مغاير، ويحتاج إلى استقصاءٍ وإجابة، يبقى ماثلاً: لماذا، إذاً، تُخفق الدول المتقدمة، والشواهد التاريخية على إخفاق أميركا وفرنسا جليّة، في تحقيق النصر في حروبها عندما تواجه أطرافاً أضعف منها عسكرياً، وأقل منها ازدهاراً اقتصادياً، وحيوية في نُظمها السياسية؟.في محاولة لتقديم مدخل لتفسير داعم للافتراض المُقدّم أعلاه، من الجدير إيلاء الاهتمام إلى تأثير الرأي العام في مجرى الحياة السياسية في الدول ذات النظام الديمقراطي، كأميركا وفرنسا. قد يقوم المستوى السياسي في دول كهذه باتخاذ قرار ببدء حرب على طرفٍ ما، ويقوم بتعبئة الرأي العام لإسناد القرار. يتجاوب الرأي العام مع القرار، وقد يقبل بالتبرير المُقدّم من المستوى السياسي لشنّ الحرب، ويمنح التأييد لها. ولكن هذا التأييد ليس مضمون الاستمرار، بل عرضة للتذبذب والتغيير، بناء على تغيُّر المعطيات. على الأغلب، ونظراً للشعور العام السائد بالتفوّق، خاصة على طرف يعتبره أقل منه مستوى في التقدّم، يتوقع الرأي العام في الدول المنعَّمة نتائج إيجابية تتلخص بخوض حرب رابحة على ذلك الطرف، تكون خاطفة وسريعة ومحدودة التكاليف. لا يهتم الرأي العام بالتكلفة المخفيّة للحرب، والتي تتحملها الدولة، ولا تظهر نتائجها بسرعة، ولكنه شديد الحساسية للتكلفة الظاهرة، وهي التكلفة التي تصيب أفراد الشعب بشكل مباشر، يشاهدها ويعاني بسرعة من نتائجها السلبية. وتتلخص هذه التكلفة بمستوى الخسائر البشرية التي عليه تحمّلها، من جهة، والمادية التي تؤثر على جيوب الأفراد، من جهة أخرى. فطالما كانت التكلفة محدودة في الاتجاهين، يمكن للرأي العام أن يتحملها، أما إن تصاعدت وتيرتها في أحد الاتجاهين، والأخطر إن تم ذلك في كليهما، وذلك بسبب قيام الطرف الأضعف في الحرب بإدارة الحرب بطريقة مغايرة لتوقُّع الطرف الأقوى، وخصوصاً تحويلها إلى حرب استنزاف مكلفة له وطويلة الأمد، فإن الرأي العام يبدأ في التحوّل، وقد ينقلب ضد الحرب، ويوجّه سهام الانتقاد إلى المستوى السياسي. وعندما يصل مستوى الانتقاد إلى درجة عالية، وقد ينفجر في احتجاجات في الشوارع، كما حصل في حالة الحرب الأميركية على فيتنام، فإن المستوى السياسي يقلق ويخشى من المحاسبة والخسارة في الانتخابات القادمة. لذلك يبدأ في عملية مراجعة الذات وتغيير مسار الاتجاه، ويجدّ البحث عن مخرج للورطة التي وضع نفسه فيها.يتفاقم وضع المستوى السياسي في هذه الدول المُنعَّمة وفق نوع الحرب التي يشّنها. فالحروب من نوعين: "حرب الضرورة"، وهي الحرب التي تُفرض على الدولة عند تهديد وجودها، ما يستدعيها للدفاع عن نفسها. هذا النوع من الحرب يحظى دوماً بتأييد عالٍ من الرأي العام، الذي يلتفّ حول المستوى السياسي، ويقدّم كل الدعم المطلوب لتحقيق النصر فيها، مهما كلّفت التضحيات. فالوطن، في هذا النوع من الحرب، يتعرّض لخطر وجودي، والدفاع عنه واجب وطني ترخص في سبيله كل التكاليف. أما النوع الثاني فهو "حرب الاختيار" التي لا تنجُم عن وجود خطر وجودي يستهدف الدولة، ما يبرر ضرورة خوض الحرب لحماية وجودها، وإنما يختار المستوى السياسي الشروع فيها لأسبابٍ يعتقد بأهميتها. هذا النوع من الحروب، كونه بالإمكان الإحجام عنها، هو النوع الذي من السهل أن يُثير الرأي العام ضدها، خاصة إن لم تحظَ الأسباب المقدَّمة تبريراً لشّنها بالقبول والتأييد، وإن تعقّد مسارها ولم تعد حرباً "نظيفة وسريعة" كما كان متوقعاً ومأمولاً.في المقابل، فإن الدول التي تستهدفها الدول المنعَّمة بحروب اختيارية، تكون أضعف منها، تعاني من الهشاشة الاقتصادية وارتفاع مستوى الفقر، ومن غياب الحريات السياسية التي تحوّل المشاركة السياسية إلى عملية تحشيد داعم للنظام الحاكم. هذا ما يُطمئن الدول التي تشنّ تلك الحروب أن بإمكانها تحقيق انتصار سريع وغير عالي التكاليف على تلك الدول الضعيفة ذات البنيان الداخلي المهترئ. ولكن عندما تقع الواقعة، تتفاجأ الدول المهاجِمة بصلابة ما تواجهه من مقاومة، رغم ما تقوم بصبّه من دمار على البلد المُستهدَف. أما السبب خلف تلك الصلابة فمتعدد الأوجه. من ناحية، وبصرف النظر عن الاختلافات الداخلية مهما بلغت حدّتها، تتوحدّ أغلبية الشعب في العادة عندما تتعرض بلاده لعدوان خارجي، فتصبح الحرب بالنسبة لهؤلاء "حرب ضرورة"، يُملي فيها الدفاع عن الوطن واجب تعزيز التكاتف واللُحمة الداخلية، والتراص خلف النظام السياسي، ولو كحالة مرحلية. من ناحية أخرى، بسبب هشاشة الوضع الاقتصادي وسطوة النظام السياسي والأمني، تكون شعوب الدول المستهدَفة ذات مناعة عالية، فقد اعتادت شظف العيش، مفروضٌ عليها التأقلم السريع وتدبير شؤون حياتها بأقل التكاليف، ولا يضيرها كثيراً قسوة خارجية تضاف إلى قسوة الحياة الداخلية، فالحياة بالنسبة لها مسلسل من الصعوبات المتفاقمة. لذلك، باستطاعة هذه الشعوب، بخلاف شعوب الدول المنعّمة، تحمُّل الصدمات، وكظم أنين وجعها الناجم عن استهدافها بآلة الدمار الشامل التي توجهها عليها تلك الدول.تزداد مناعة الدول المستهدَفة عندما يكون نظامها السياسي مؤدلجاً أو عقائدياً، فذلك يمنحه ميزة القدرة على التحشيد الجماهيري، ويمدّه بدعمٍ مبنيٍ على قناعة راسخة في نفوس التابعين. وهذا يُعطي دافعية إضافية عند هؤلاء للدفاع ليس فقط عن البلاد، وإنما عن النظام السياسي المستهدف من قبل الدول المهاجِمة. هذا يصبح جزءاً من التكوين الإيماني للأفراد المنتمين للنظام، يمدّهم بقوة معنوية كبيرة، تجبر في أحيان كثيرة، التفوق المادي للقوة العسكرية المهاجِمة.***تشنّ أميركا وإسرائيل "حرب اختيار" على إيران. وفي حين استطاع نتنياهو تبرير هذه الحرب للإسرائيليين، فإن المهمة كانت أصعب بالنسبة لترامب، الذي ما فتئ يحاول إيجاد سبب مقنع لترويجه للأميركيين. لم تكن هذه الحرب "نظيفة وسريعة" كما تمناها، بل أقرب إلى مستنقع يتورط فيه كل يوم أكثر من سابقه. بالمقابل، كانت هذه الحرب "حرب ضرورة" لإيران، تخوضها دفاعاً عن وجودها ونظامها السياسي العقائدي. لذلك، فإن الصمود أمام الهجمة الأميركية – الإسرائيلية لم يكن خياراً أمام النظام الإيراني ومريديه، بل شرطاً أساسياً لتحقيق البقاء. لذلك، اختارت إيران أن تُحوّل هذه الحرب التي أرادها ترامب خاطفة، إلى حرب استنزاف طويلة، تورّط بسببها الإقليم في أتون المعركة، وتزجّ العالم بأكمله في أزمة اقتصادية متفاقمة.منذ البداية، لم يكن الرأي العام الأميركي مؤيداً لهذه الحرب التي لا يعرف السبب لشنّها، وبدأت وتيرة انتقاداته لها مع بداية سقوط جنود أميركيين في ساحة القتال، من جهة، وارتفاع حدة التضخم وزيادة أسعار السلع في الأسواق، وخاصة الوقود، من جهة أخرى. وأصبح ترامب يعاني من أزمة متصاعدة من الممكن أن تُطيح باستقرار بقية مدة ولايته. فحزبه مُعرّض لخسارة الانتخابات النصفية في الخريف القادم، ما يعني فقدان السيطرة على الكونغرس، مع إمكانية قيام الديمقراطيين حينها بفتح مجال الإجراءات الدستورية لعزل الرئيس.كما في حروب أميركا السابقة، التي ألحقت دماراً هائلاً بالدول المستهدَفة، سيلحق الدمار ببُنى ومرافق عديدة في إيران. ولكن كما خسرت أميركا تلك الحروب ولم تحقق النتيجة المتوخاة منها، ستخسر أميركا هذه الحرب أيضاً مع إيران.أما النتيجة التي يجدر استخلاصها من عبر التاريخ فهي: محدودية ما يمكن للقوة العسكرية أن تحققه، حتى لو تفوّقت، أمام مناعة القدرة على التحمُّل.  

فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني جنوب لبنان: حزب الله يستهدف تجمعات الاحتلال وغارات دامية تطال صيدا والنبطية

أعلن حزب الله فجر اليوم الأحد عن تنفيذ سلسلة من العمليات العسكرية المركزة التي استهدفت تحركات وتجمعات لجيش الاحتلال الإسرائيلي عند الحدود اللبنانية الفلسطينية. وأكدت الحزب في بياناته أن هذه الضربات تأتي في إطار الرد الطبيعي على استمرار العدوان الذي يستهدف المدنيين في مختلف المناطق اللبنانية، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت.

وشملت الاستهدافات الميدانية قصفاً بصليات صاروخية طال ثكنة أفيفيم وموقع هضبة العجل الواقع شمال مستوطنة كفار يوفال، محققاً إصابات مباشرة في صفوف القوات المتمركزة هناك. كما ركزت المقاومة ضرباتها على منطقة خلة المحافر في بلدة العديسة الحدودية، حيث تم استهداف تجمع للجنود مرتين متتاليتين بالصواريخ لضمان دقة الإصابة.

وفي محور ميس الجبل، أفادت مصادر ميدانية بأن مدفعية الحزب استهدفت نقطة جيبيا العسكرية التي يتمركز فيها جنود الاحتلال، مما أدى إلى وقوع إصابات مؤكدة. وتأتي هذه التحركات بعد يوم حافل بالعمليات العسكرية يوم السبت، حيث سجل الحزب تنفيذ 30 عملية نوعية استهدفت قواعد عسكرية ومستوطنات في عمق الشمال الإسرائيلي.

على الجانب الآخر، واصل طيران الاحتلال غاراته العنيفة، حيث استهدف فجر الأحد شقة سكنية في منطقة الشرحبيل شمال شرق مدينة صيدا. وأسفر الهجوم عن استشهاد مواطن واندلاع حريق هائل في المبنى، حيث سارعت فرق الإسعاف والدفاع المدني لانتشال الجثمان والسيطرة على النيران التي أتت على أجزاء واسعة من المكان.

وفي مدينة النبطية، كشفت وزارة الصحة اللبنانية عن الحصيلة النهائية للمجزرة التي ارتكبها الاحتلال في حي الراهبات يوم أمس. وأوضحت الوزارة أن الغارة أدت إلى ارتقاء سبعة شهداء، من بينهم أربعة أطفال قضوا تحت الأنقاض، بالإضافة إلى إصابة خمسة مواطنين بجروح متفاوتة الخطورة جراء القصف العنيف.

ولم تكن مدينة صيدا بمنأى عن الاستهداف المباشر، إذ أعلنت المصادر الطبية استشهاد أربعة مواطنين وإصابة اثنين آخرين في غارة استهدفت منطقة حارة صيدا صباح السبت. وتسببت الغارة بدمار واسع في الممتلكات والمباني المحيطة، وسط حالة من الذعر بين السكان المدنيين في المنطقة المكتظة.

وفي قضاء جزين، طالت الغارات الإسرائيلية بلدة القطراني، مما أدى في حصيلة أولية إلى استشهاد ثلاثة مواطنين وإصابة ستة آخرين بجروح. وتواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث والتمشيط في المواقع المستهدفة للتأكد من عدم وجود مفقودين تحت ركام المنازل المدمرة بفعل الصواريخ الارتجاجية.

وتشير التقارير الميدانية إلى أن رقعة المواجهات العسكرية بدأت تتسع بشكل ملحوظ منذ نهاية فبراير الماضي، مع تكثيف الاحتلال لغاراته الجوية على القرى والبلدات الجنوبية. وترد المقاومة بشكل يومي عبر استهداف الخطوط الأمامية والقواعد الخلفية لجيش الاحتلال، مما يضع المنطقة أمام سيناريوهات تصعيد مفتوحة.

وفي ظل هذا التصعيد المستمر، تواصل المستشفيات في جنوب لبنان استقبال عشرات الجرحى والمصابين جراء الغارات العشوائية التي تطال الأحياء السكنية. وتؤكد المصادر المحلية أن وتيرة القصف الإسرائيلي لم تتوقف منذ ساعات الليل المتأخرة، مع تحليق مكثف للطيران المسير والحربي في أجواء صيدا وصور والنبطية.

اقتصاد

الأحد 15 مارس 2026 9:04 صباحًا - بتوقيت القدس

زيادات الوقود في مصر تضع منظومتي الخبز والأجور أمام اختبار الفشل

شهدت الأسواق المصرية اضطرابات واسعة عقب قرار حكومي برفع أسعار السولار والبنزين والغاز بمعدلات قياسية، اعتُبرت من بين الأشد قسوة خلال السنوات الأخيرة. وانعكست هذه الزيادات فوراً على أسعار كافة السلع والخدمات المرتبطة بالنقل والطاقة، مما أدى إلى موجة غلاء استبقت موسم عيد الفطر.

سجلت أسعار الوقود قفزات ملحوظة، حيث ارتفع سعر السولار بنسبة 17.4% ليصل إلى 20.50 جنيهاً للتر، بينما زادت أسعار البنزين بأنواعه المختلفة بنسب تراوحت بين 14% و16%. كما طالت الزيادة غاز السيارات بنسبة 30%، وأسطوانات الغاز المنزلي التي ارتفعت بقيم تتراوح بين 50 و100 جنيه حسب النوع.

أفادت مصادر ميدانية بأن ارتفاع تكلفة النقل أدى إلى انفراط عقد الأسعار في المحافظات، حيث أكد سائقون أن زيادة السولار تعني تلقائياً رفع أجرة نقل كافة البضائع. وأبدى مواطنون تخوفهم من عدم القدرة على تلبية احتياجات أسرهم الأساسية في ظل تآكل القوة الشرائية وتضاعف أسعار الخبز والمواد الغذائية.

وعلى الرغم من تأكيدات الحكومة الحفاظ على سعر رغيف الخبز المدعم عند 20 قرشاً، إلا أن أسعار الخبز السياحي غير المدعم قفزت بنسبة 25%. وكشفت هذه الزيادة عن ثغرات في منظومة الخبز، حيث اضطر ملايين المصريين غير المشمولين بالدعم أو الذين يعانون من رداءة الخبز الحكومي إلى تحمل الأعباء الجديدة.

حددت وزارة التموين أوزاناً وأسعاراً جديدة للخبز السياحي، حيث بلغ سعر الرغيف وزن 80 جراماً نحو جنيهين، بينما تم تقليص أوزان أخرى لتباع بأسعار تتراوح بين جنيه وجنيه ونصف. وتأتي هذه الخطوة في وقت يشتكي فيه المواطنون من غياب الرقابة على المخابز التي تتلاعب بالأوزان والجودة.

تشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من المستحقين للدعم يضطرون لاستبدال حصص الخبز بسلع تموينية أخرى بسبب رداءة المنتج المخبوز في الأفران التابعة للمنظومة. ويضطر هؤلاء لشراء الخبز السياحي بأسعاره المرتفعة، بينما يتم تسريب الدقيق المدعم إلى السوق السوداء في ظل انتشار الفساد الإداري المحلي.

يرى خبراء اقتصاديون أن المنظومة التموينية الحالية لا تغطي احتياجات الجزء الأكبر من المصريين بكفاءة، خاصة مع وجود قيود زمنية على صرف الحصص اليومية. ودعا متخصصون إلى ضرورة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط لضمان وصول الدعم لمستحقيه والقضاء على حلقات الفساد.

بالتوازي مع زيادات الوقود، أعلنت السلطات نيتها رفع الحد الأدنى للأجور من 7 إلى 8 آلاف جنيه، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي الناتج عن التضخم. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه الزيادة تظل محدودة الأثر كونها تستهدف فقط العاملين في الجهاز الإداري للدولة، وتستثني ملايين العاملين في القطاع الخاص.

تشير البيانات الرسمية إلى تراجع مطرد في عدد الموظفين الحكوميين، حيث انخفض من 5.75 ملايين موظف في عام 2014 إلى نحو 4.43 ملايين في العام المالي الحالي. وتهدف الرؤية الحكومية لعام 2030 إلى تقليص هذا العدد بشكل أكبر ليصل إلى 3.8 ملايين موظف فقط، مما يقلص شريحة المستفيدين من زيادات الأجور.

كشفت أرقام الموازنة العامة عن انخفاض نسبة باب الأجور من إجمالي الاستخدامات بنحو النصف خلال عقد من الزمن، حيث تراجعت من 20.2% إلى 11% فقط. ورغم رفع الحد الأدنى للأجور اسمياً، إلا أن قيمته الفعلية تآكلت أمام الارتفاعات المتتالية في أسعار الصرف والسلع الأساسية.

يواجه العاملون في القطاع الخاص معضلة حقيقية، حيث ترفض الكثير من الشركات تطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الدولة مؤخراً. وأكدت مصادر أن نحو 105 ملايين مصري لا يستفيدون بشكل مباشر من أي زيادات في الرواتب الحكومية، بينما يتحملون كافة تبعات رفع أسعار المحروقات والخدمات.

تتوقع تقارير اقتصادية تفاقم معدلات التضخم التي سجلت بالفعل 13.4% في فبراير الماضي، مدفوعة بزيادة تكاليف الإنتاج والنقل. ويحذر محللون من أن أي زيادة في الرواتب يقابلها فوراً ارتفاع في الأسعار، مما يجعل هذه الحوافز بلا قيمة حقيقية في تحسين مستوى معيشة المواطن.

أوضح مسؤولون سابقون في وزارة التجارة والصناعة أن غياب الاستقرار في أسعار الصرف ومعدلات الفائدة يجعل من الصعب تحقيق استقرار معيشي بقرارات مالية منفردة. وشددوا على أن الحل يكمن في إصلاح شامل للمنظومة الاقتصادية، بما في ذلك قطاعات الإنتاج والضرائب والتصدير، قبل الحديث عن كفاية الأجور.

يبقى المواطن المصري العادي في مواجهة مباشرة مع ضغوط سعرية غير مسبوقة، خاصة مع تزايد الأعباء اليومية من مواصلات وطاقة وغذاء. وتكشف الأزمة الحالية عن فجوة متسارعة بين السياسات المالية الحكومية والواقع المعيشي لملايين الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

فلسطين

الأحد 15 مارس 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

استعدادات لنشر قوة دولية في غزة مطلع مايو ضمن خطة ترامب

أفادت مصادر رسمية بأن الاحتلال الإسرائيلي بدأ ترتيبات فعلية لنشر قوة عسكرية دولية في قطاع غزة مطلع شهر أيار/ مايو المقبل. وتأتي هذه الخطوة في إطار تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة التي وضعها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتسوية الأوضاع في القطاع بعد توقف العمليات العسكرية الواسعة.

وتشير المعلومات المتوفرة إلى أن القوة الدولية ستضم في قوامها الأساسي نحو 5 آلاف جندي من إندونيسيا، إلى جانب وحدات رمزية من كازاخستان والمغرب وألبانيا وكوسوفو. ومن المقرر أن تبدأ هذه القوات مهامها الميدانية رسمياً في الأول من الشهر المقبل، وفقاً للجداول الزمنية المقترحة في خطة الاستقرار.

ومن المتوقع أن تتركز مهام القوة في مرحلتها الأولى داخل محيط مدينة فلسطينية جديدة يجري تشييدها حالياً بدعم مالي من دولة الإمارات العربية المتحدة في منطقة رفح جنوبي القطاع. وستعمل هذه القوات على تأمين المنطقة السكنية الجديدة قبل الانتقال إلى مراحل انتشار أوسع في مناطق أخرى.

وتشمل الخطة الأمنية توسيع نطاق تواجد القوات الدولية لاحقاً ليصل إلى مناطق تقع ضمن ما يُعرف بـ 'الخط الأصفر'. وهذا الخط هو حدود افتراضية انسحب إليها الجيش الإسرائيلي مؤقتاً بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، ويفصل بين نقاط تمركز الاحتلال والمناطق المسموح للفلسطينيين بالتواجد فيها.

وفي إطار التحضيرات اللوجستية، يُنتظر وصول وفود عسكرية رفيعة من الدول المشاركة في القوة الدولية إلى الأراضي المحتلة خلال الأسبوعين القادمين. وستجري هذه الوفود جولات استطلاعية ميدانية داخل قطاع غزة لتقييم الوضع الأمني وتحديد نقاط التمركز النهائية قبل بدء الانتشار الفعلي.

بالتوازي مع ذلك، كشفت المصادر عن توجه مئات الجنود الأجانب إلى الأردن خلال الشهر المقبل للانخراط في تدريبات عسكرية مكثفة. وتهدف هذه التدريبات إلى تهيئة القوات للمهام الخاصة التي ستوكل إليها داخل غزة، وضمان التنسيق العالي بين الوحدات المختلفة المشاركة في القوة الدولية.

وكانت الاستعدادات لوصول القوات الإندونيسية قد بدأت فعلياً منذ شهر شباط/ فبراير الماضي، حيث تُعد إندونيسيا المساهم الأكبر في هذه القوة. وتعتبر هذه الخطوة جزءاً جوهرياً من 'قوة الاستقرار الدولية' التي نصت عليها رؤية الإدارة الأمريكية لإنهاء الصراع الدامي في القطاع.

وكان البيت الأبيض قد أعلن في وقت سابق من العام الجاري عن اعتماد الهياكل الإدارية التي ستقود المرحلة الانتقالية في غزة. وتتألف هذه الهياكل من أربعة أجسام رئيسية هي: مجلس السلام، ومجلس غزة التنفيذي، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، بالإضافة إلى قوة الاستقرار الدولية.

وستناط بقوة الاستقرار الدولية مسؤوليات حساسة تشمل قيادة العمليات الأمنية الشاملة في القطاع والإشراف على عمليات نزع السلاح. كما ستتولى القوة مهمة تأمين قوافل المساعدات الإنسانية وضمان وصول مواد إعادة الإعمار إلى المناطق المتضررة دون عوائق.

وتستند هذه التحركات الميدانية إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، والذي وفر الغطاء القانوني الدولي لخطة ترامب. وتتألف الخطة من 20 بنداً تهدف في مجملها إلى إنهاء حالة الحرب وتثبيت واقع أمني وسياسي جديد في قطاع غزة.

يُذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار الحالي قد دخل حيز التنفيذ في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2025، واضعاً حداً لحرب إبادة جماعية استمرت عامين كاملين. وقد خلفت تلك الحرب دماراً غير مسبوق في التاريخ الحديث للقطاع، مما جعل التدخل الدولي ضرورة ملحة لإعادة الحياة إلى طبيعتها.

وحسب الإحصائيات الرسمية، فقد أسفر العدوان الإسرائيلي عن ارتقاء أكثر من 72 ألف شهيد وإصابة ما يزيد على 171 ألف فلسطيني بجروح متفاوتة. كما تسببت العمليات العسكرية في تدمير نحو 90% من البنية التحتية المدنية والمباني السكنية في مختلف محافظات غزة.

وتقدر تقارير الأمم المتحدة أن تكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب في قطاع غزة تصل إلى نحو 70 مليار دولار أمريكي. وتأمل الأطراف الدولية أن يساهم نشر القوة الدولية في توفير البيئة الأمنية اللازمة لبدء تدفق أموال الإعمار والمباشرة في بناء المرافق الحيوية.

وتمثل هذه التطورات منعطفاً حاسماً في مسار القضية الفلسطينية، حيث يترقب الشارع الفلسطيني مدى قدرة هذه القوات على لجم الاعتداءات الإسرائيلية. وتبقى التحديات الميدانية والسياسية هي الاختبار الحقيقي لنجاح هذه القوة الدولية في تثبيت الاستقرار الدائم في القطاع المنكوب.

عربي ودولي

الأحد 15 مارس 2026 8:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري في الخليج: غارات أمريكية تستهدف جزيرة 'خرج' الإيرانية وترامب يهدد شريان النفط

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فجر اليوم السبت، عن تنفيذ القوات المسلحة الأمريكية لسلسلة من الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت جزيرة خرج الإيرانية الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من الخليج. وأكد ترامب في تصريحات عبر منصته 'تروث سوشيال' أن العملية أسفرت عن تدمير كافة الأهداف العسكرية المحددة في الجزيرة التي وصفها بـ 'درة التاج الإيراني'.

وأوضحت مصادر عسكرية أن القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) هي من أشرفت على تنفيذ هذه الضربات، والتي اعتبرها البيت الأبيض واحدة من أضخم العمليات الجوية في المنطقة. وأشار الجانب الأمريكي إلى أن الهجوم ركز بشكل حصري على المواقع العسكرية، متجنباً في هذه المرحلة المساس بالمنشآت النفطية الحيوية التي تضمها الجزيرة.

وفي رسالة تحذيرية واضحة، لوح الرئيس الأمريكي بإمكانية استهداف البنية التحتية النفطية في المرات القادمة، مشدداً على أن هذا الخيار سيبقى مطروحاً إذا ما حاولت طهران عرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز. وأكد أن واشنطن لن تسمح بتهديد أمن السفن التي تعبر الممرات المائية الدولية بحرية وأمان.

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعاً على لسان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي حذر من أن أي اعتداء على الأراضي أو الجزر الإيرانية سيقابل برد حازم. وهدد قاليباف بالتخلي عن كافة القيود العسكرية والسياسية، مشيراً إلى أن المساس بهذه الجزر سيحول مياه الخليج إلى ساحة مواجهة دموية للغزاة.

وأفادت تقارير إعلامية إيرانية، نقلاً عن وكالة فارس، بأن المنشآت النفطية في جزيرة خرج لم تصب بأي أضرار مادية نتيجة القصف الأمريكي الأخير. وأكدت المصادر المحلية أن العمليات الفنية في الميناء النفطي لم تتأثر، رغم حالة الاستنفار الأمني والعسكري القصوى التي سادت المنطقة عقب الغارات.

وتكتسب جزيرة خرج، المعروفة أيضاً باسم 'خارك'، أهمية استراتيجية فائقة لكونها تمثل الشريان التاجي للاقتصاد الإيراني. فالجزيرة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 20 كيلومتراً مربعاً، تعد المنصة الرئيسية التي يتدفق عبرها معظم الخام الإيراني المتجه إلى الأسواق العالمية، مما يجعلها نقطة ضعف وقوة في آن واحد.

جغرافياً، تقع الجزيرة على بعد 25 كيلومتراً من سواحل محافظة بوشهر، وتتميز بموقعها في مياه عميقة تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة. هذه الميزة الطبيعية جعلتها تتفوق على الموانئ الساحلية الضحلة، حيث لا يمكن للسفن الضخمة الاقتراب من البر الرئيسي الإيراني، مما حصر عمليات التصدير الكبرى في هذه النقطة.

وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن ما يتراوح بين 90% إلى 95% من إجمالي صادرات النفط الإيرانية يمر عبر المرافق المتطورة في جزيرة خرج. وتتصل الجزيرة بشبكة معقدة من الأنابيب البرية والبحرية التي تنقل الخام من حقول النفط الكبرى في الأهواز ومارون وجاشساران إلى خزانات التخزين الضخمة.

وتمتلك الجزيرة قدرات تخزينية هائلة تصل إلى نحو 30 مليون برميل من النفط الخام، حيث كانت التقارير تشير إلى وجود 18 مليون برميل مخزنة فعلياً مطلع الشهر الجاري. وبالإضافة إلى النفط، تحتضن الجزيرة منشآت بتروكيماوية ومعامل لمعالجة الغاز الطبيعي المسال، مما يضاعف من قيمتها الاقتصادية.

وعلى الصعيد العالمي، تؤثر أي اضطرابات في جزيرة خرج بشكل مباشر على أسواق الطاقة الدولية، خاصة وأن إيران تنتج نحو 3.3 مليون برميل يومياً. وتعتبر الصين المستفيد الأكبر من النفط المار عبر هذه الجزيرة، حيث تعتمد المصافي الصينية المستقلة بشكل كبير على الإمدادات الإيرانية التي تشكل نسبة معتبرة من وارداتها البحرية.

تاريخياً، ليست هذه هي المرة الأولى التي تجد فيها جزيرة خرج نفسها في مرمى النيران، فقد كانت هدفاً رئيسياً خلال 'حرب الناقلات' في الثمانينيات. وخلال تلك الفترة، تعرضت الجزيرة لأكثر من 2800 هجوم جوي وصاروخي من قبل القوات العراقية، لكنها استمرت في العمل رغم الدمار الواسع الذي لحق بها حينها.

ويرى مراقبون أن استهداف الجزيرة عسكرياً يمثل تصعيداً خطيراً قد يؤدي إلى اشتعال جبهات متعددة في المنطقة، نظراً لقربها من مضيق هرمز. ويمر عبر هذا المضيق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، مما يعني أن أي مواجهة شاملة هناك ستؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة العالمية وتأثر سلاسل الإمداد.

وتشير أرقام تتبع الناقلات إلى أن الصادرات الإيرانية عبر الجزيرة شهدت ارتفاعاً ملحوظاً قبيل التوترات الأخيرة، حيث قاربت مليوني برميل يومياً في بعض الفترات. هذا النشاط المكثف جعل من الجزيرة هدفاً مغرياً للضغط الاقتصادي والعسكري الأمريكي الساعي لتقليص الموارد المالية لطهران.

ويبقى الترقب سيد الموقف في منطقة الخليج بانتظار الخطوات القادمة من كلا الطرفين، في ظل تهديد واشنطن بضرب الاقتصاد وطهران بالرد العسكري المفتوح. وتضع هذه التطورات أمن الطاقة العالمي على المحك، بينما تراقب العواصم الكبرى تداعيات هذا الصدام المباشر بين القوتين في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.