الإثنين 16 مارس 2026 12:48 مساءً -
بتوقيت القدس
سجلت أسواق الطاقة العالمية قفزة جديدة في أسعار النفط مع بداية تداولات الأسبوع، حيث عاد اهتمام المستثمرين ليتركز بشكل مكثف على التهديدات الأمنية التي تحيط بمنشآت النفط الحيوية في منطقة الشرق الأوسط. يأتي هذا الارتفاع رغم المساعي الدبلوماسية والدعوات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعدة دول للمشاركة في تأمين مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان الرئيسي لتدفقات الخام والغاز نحو الأسواق الدولية.
وفي تفاصيل التداولات، صعدت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1.27 دولار، ما يمثل زيادة بنسبة 1.2 بالمئة، لتستقر عند مستوى 104.41 دولار للبرميل الواحد. هذا الصعود يكمل سلسلة المكاسب التي تحققت في نهاية الأسبوع الماضي، حيث كانت الأسعار قد قفزت بأكثر من دولارين ونصف عند تسوية يوم الجمعة الماضي، مما يعكس حالة القلق السائدة في أروقة البورصات العالمية.
من جانبه، لم يكن خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بمنأى عن هذه الارتفاعات، إذ تقدم بنحو 54 سنتاً ليصل إلى 99.25 دولار للبرميل. وبذلك يكون كلا الخامين قد حققا نمواً سعرياً تجاوز 40 بالمئة خلال الشهر الحالي فقط، وهي مستويات قياسية لم تشهدها الأسواق منذ عام 2022، مدفوعة بتوقف الشحن عبر مضيق هرمز نتيجة الهجمات المتبادلة بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وأدت الأزمة الراهنة إلى انقطاع ما يقارب خمس إمدادات النفط العالمية، وهو ما وصفه محللون بأنه أكبر انقطاع في تاريخ الصناعة النفطية. وتفاقمت المخاوف بعد تهديدات صريحة من الرئيس ترامب باستهداف جزيرة خرج الإيرانية، التي تعد المركز الرئيسي لتصدير النفط في البلاد، وذلك رداً على ما وصفه بالاستفزازات الإيرانية المستمرة في المنطقة.
وتشير البيانات الاقتصادية إلى أن نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية تعتمد بشكل كلي على منشآت جزيرة خرج، مما يجعل أي استهداف لها بمثابة شلل تام لقطاع الطاقة الإيراني. وفي المقابل، توعدت طهران بالرد والانتقام، مؤكدة تحديها للتصريحات الأمريكية، وهو ما يضع المنطقة على حافة مواجهة عسكرية شاملة قد تطال كافة ممرات الطاقة.
تدرس الولايات المتحدة خيارات عالية المخاطر، بما في ذلك شن غارات على المواقع النووية والاستيلاء على جزيرة خرج واحتلال جنوب إيران لحماية مضيق هرمز.
وفي سياق متصل، تعرضت محطة نفطية رئيسية في منطقة الفجيرة بدولة الإمارات لهجوم بطائرات مسيرة إيرانية، مما أدى إلى اضطراب مؤقت في عمليات الشحن. وأفادت مصادر مطلعة بأن عمليات تحميل النفط في الفجيرة قد استؤنفت بشكل تدريجي، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف قدرة المحطة على العودة للعمل بكامل طاقتها الاستيعابية في ظل الظروف الأمنية الراهنة.
وتمثل الفجيرة أهمية استراتيجية كبرى كونها تقع خارج مضيق هرمز، وتعد منفذاً لتصدير نحو مليون برميل يومياً من خام مربان الإماراتي. وتوازي هذه الكمية نحو واحد بالمئة من إجمالي الطلب العالمي على النفط، مما يجعل استقرارها أمراً حيوياً للحفاظ على توازن الأسعار ومنع حدوث صدمات سعرية مفاجئة في الأسواق المستهلكة.
وحذر خبراء ومحللون ماليون من أن الولايات المتحدة تدرس حالياً خيارات عسكرية وصفت بـ 'عالية المخاطر' للتعامل مع الأزمة، تشمل تنفيذ غارات على منشآت نووية إيرانية أو السيطرة الميدانية على جزيرة خرج. وأوضح المحلل إريك مايرسون أن هذه التوجهات قد تشمل أيضاً احتلال أجزاء من جنوب إيران لتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يمثل تصعيداً غير مسبوق.
وفي محاولة لتهدئة الأسواق، أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن خطة لضخ أكثر من 400 مليون برميل من احتياطيات النفط الاستراتيجية بشكل عاجل. ويهدف هذا السحب القياسي، وهو الأكبر من نوعه، إلى كبح جماح الأسعار المتصاعدة وتوفير بدائل للإمدادات التي تعطلت بسبب الصراع الدائر في الشرق الأوسط، في ظل تزايد القلق من خروج الأمور عن السيطرة.
ورغم قتامة المشهد، أعرب وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت عن تفاؤله بإمكانية إنهاء الصراع بين واشنطن وطهران خلال الأسابيع القليلة المقبلة. وتوقع رايت أن تشهد الفترة القادمة انتعاشاً في الإمدادات النفطية وانخفاضاً ملموساً في تكاليف الطاقة بمجرد التوصل إلى تفاهمات تضمن أمن الممرات المائية الدولية وعودة تدفق الخام بشكل طبيعي.
الإثنين 16 مارس 2026 12:18 مساءً -
بتوقيت القدس
اعتبر المعلق البريطاني البارز سايمون تيسدال أن الأخبار الواردة من جبهات المواجهة مع إيران تشير بوضوح إلى أن الرئيس دونالد ترامب يضع الولايات المتحدة على مسار خسارة الحروب مجدداً. وأكد تيسدال أن فشلاً ذريعاً يلوح في الأفق القريب، مما سيلحق ضرراً رمزياً جسيماً بمكانة واشنطن العالمية وكرامتها الوطنية، على غرار ما حدث سابقاً في أفغانستان والعراق.
ووصف الكاتب ترامب بأنه أصبح «العدو الأول للعالم» نظراً لتهديده المستمر للأمن والسلم الدوليين، مشيراً إلى أنه يخسر بشكل متزايد الحرب غير الشرعية التي أشعلها مع إيران وعجز عن إيقافها. وفي الوقت ذاته، يقوم حليفه الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بترهيب لبنان وممارسة العنف المفرط، مما يضع شعوب العالم أمام فاتورة اقتصادية وأمنية باهظة نتيجة هذه الحماقات.
وأشار المقال إلى أن هذه الحرب تضاف إلى سجل ترامب الحافل بانتهاك الديمقراطية ومسايرة روسيا وفرض التعرفات الجمركية العقابية، فضلاً عن إنكاره لأزمة المناخ واستهتاره بالقانون الدولي. ورأى تيسدال أن هذه «المهزلة» في البيت الأبيض قد طالت أكثر مما ينبغي، داعياً الأمريكيين إلى التحرك بحزم لكبح جماح شخص يعرض البشرية جمعاء للخطر الداهم.
ويرى تيسدال أن ترامب يفتقر تماماً لأي خطة استراتيجية تجاه طهران، حيث يتوهم السيطرة على الأحداث بينما يزداد تحدي النظام الإيراني مع كل غارة أمريكية أو إسرائيلية. وقد أدت هذه السياسة إلى تعرض القواعد الإقليمية الأمريكية وشركاء الخليج لأضرار كبيرة جراء الضربات الانتقامية، في حين نجحت إيران في إغلاق مضيق هرمز الحيوي.
وحذر الكاتب من التداعيات الاقتصادية الكارثية، حيث تسببت صدمة الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط في تضرر التجارة الدولية ونقص الغذاء والدواء، وهي أزمة ستعاني منها الدول الفقيرة بشكل مضاعف. ووصف تيسدال هذه الحالة بـ «وباء ترامب» الجديد الذي يضرب استقرار العالم الاقتصادي والاجتماعي دون وجود أفق للحل.
وعلى الجبهة اللبنانية، أشار المقال إلى أن الحرب أطلقت العنان لأسوأ غرائز نتنياهو، حيث تستهدف الغارات الجوية المتواصلة وغير المتناسبة المنازل والمرافق العامة والمواقع التراثية. ووصف تيسدال ما يحدث في لبنان بأنه «إرهاب دولة» يكرر مآسي القتل والتهجير، تزامناً مع انتهاكات المستوطنين المنفلتة في الضفة الغربية المحتلة.
وقارن الكاتب بين ترامب وجورج دبليو بوش، معتبراً أن الأخير كان يمتلك على الأقل شجاعة قناعاته رغم خطئها في غزو العراق عام 2003. أما ترامب، فيفتقر للجرأة على المواجهة البرية وسعى لنصر سريع ورخيص من الجو، لكنه بدلاً من ذلك ورط العالم في حرب استنزاف لا نهاية لها ستستمر بوسائل غير متكافئة.
ترامب رجل بلا خطة، يهدد العالم وأصبح العدو الأول للبشرية بحماقاته المتهورة التي تفتقر لأدنى فكرة استراتيجية.
وكشف تيسدال عن حجم الخسائر البشرية والمادية، حيث تعود جثث الجنود الأمريكيين في الأكياس، وتتجاوز التكلفة المالية للحرب حاجز 11 مليار دولار أسبوعياً. وتوقع أن الناخب الأمريكي لن يغفر لترامب هذا الإهمال الذي أعاد أمريكا إلى وتيرة الهزيمة، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية في الداخل الأمريكي.
وفيما يخص الملف النووي، أكد المقال أن القضية لا تزال عالقة رغم تدمير المنشآت الإيرانية مرتين، إذ تحتفظ طهران بمخزون سري من اليورانيوم وخبرات علمية لا يمكن قصفها. وحمل تيسدال ترامب مسؤولية تخريب المفاوضات السلمية، محذراً من أن اغتيال المرشد علي خامنئي قد يدفع المتشددين في إيران نحو امتلاك سلاح نووي لضمان بقاء النظام.
وانتقد الكاتب بشدة تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، واصفاً إياها بأنها تكشف عن عقلية تنظر للآخرين كـ «برابرة». وأشار إلى أن هيغسيث يعاني من مشاكل أخلاقية وقانونية، حيث يدعي قدرة القوات الأمريكية على التصرف دون عقاب، وهو ما فنده تيسدال بالتأكيد على ضرورة الالتزام باتفاقيات جنيف والقانون الدولي.
وسلط المقال الضوء على جريمة حرب وقعت في 28 فبراير الماضي، حيث قُتلت أكثر من 100 تلميذة في غارة أمريكية بصاروخ توماهوك على منطقة ميناب. واعتبر تيسدال أن محاولات ترامب إلقاء اللوم على الآخرين في هذه المجزرة هي محاولات مشينة، مؤكداً أن المسؤولين عن هذه الجريمة يجب أن يحاسبوا أمام القضاء الدولي.
وعن العواقب الجيوسياسية، أوضح الكاتب أن حلفاء واشنطن، بما في ذلك بريطانيا، يشعرون بالاستياء من رفض ترامب للتشاور وافتقاره للتخطيط الاستراتيجي. وقد تجلى ذلك في كارثة مضيق هرمز، حيث يصعد ترامب الحرب «لمجرد التسلية» عبر قصف جزيرة خرج النفطية، ثم يطلب من الحلفاء إرسال سفن حربية لإنقاذه.
وأشار تيسدال إلى أن المستفيد الأكبر من هذه الفوضى هما روسيا والصين، اللتان تستغلان تجاهل ترامب للرأي العام العالمي لتعزيز نفوذهما. وفي الوقت الذي رفعت فيه العقوبات عن النفط الروسي مؤقتاً، يغرق ترامب في صراعات تضعف الهيمنة الأمريكية وتؤدي إلى تآكل التحالفات التقليدية التي بنيت على مدى عقود.
وفي ختام تحليله، دعا تيسدال إلى عزل ترامب في الكونغرس ومحاكمته هو وقادة إسرائيل بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشدد على ضرورة دفع تعويضات لإيران ولبنان عن الدمار الذي لحق بهما، مؤكداً أن ترامب يشكل خطراً واضحاً ومباشراً على الولايات المتحدة والعالم، ويجب إسقاطه لضمان بقاء المعايير العالمية.
الإثنين 16 مارس 2026 12:18 مساءً -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر إعلامية عبرية بأن المستوطنات والمدن الإسرائيلية في مناطق الوسط والشمال تعيش حالة غير مسبوقة من النزوح الداخلي. وتأتي هذه التحركات الواسعة في ظل تصاعد حدة الهجمات الصاروخية المنطلقة من لبنان وإيران، والتي أدت إلى اتساع نطاق التهديدات المباشرة على جبهات متعددة.
وذكرت التقارير أن آلاف الإسرائيليين بدأوا بالتدفق نحو مدينة إيلات في أقصى الجنوب، ظناً منهم أنها توفر حماية بعيدة عن دائرة النيران. إلا أن هذا النزوح يعكس حجم القلق المتزايد والانهيار الواضح في الإحساس بالأمان الشخصي، حتى في المناطق التي كانت تُصنف سابقاً بأنها بعيدة عن الصراع.
وشهدت الأيام الماضية تكدساً كبيراً للفارين من شمال ووسط إسرائيل داخل مدينة إيلات، بحثاً عن ملاذ يحميهم من الرشقات الصاروخية المتواصلة. ومع ذلك، خيب الواقع الميداني آمال النازحين بعد أن دوت صافرات الإنذار في المدينة عشرات المرات خلال أسبوع واحد فقط، مما أكد عدم وجود منطقة آمنة.
ونقلت مصادر عن أحد المستوطنين الفارين من مدينة القدس قوله إن اللجوء إلى الغرف المحصنة لم يعد حلاً مجدياً أمام كثافة القصف. ووصف السكان المشهد العام بالكارثي، حيث تضطر العائلات للركض نحو الملاجئ بشكل متكرر وسط حالة من العجز التام عن مواجهة خطر القصف المستمر.
وتعاني مدينة إيلات من أزمة اكتظاظ خانقة في الفنادق المتاحة، في وقت أُغلق فيه نحو نصف المنشآت الفندقية نتيجة الظروف الأمنية والاقتصادية المتردية. هذا الإغلاق زاد من معاناة النازحين الذين باتوا يواجهون صعوبات بالغة في إيجاد أماكن للإقامة المؤقتة بعيداً عن مناطق الخطر المباشر.
ولم يقتصر النزوح على سكان مدن المركز، بل شمل آلافاً من سكان مستوطنة كريات شمونة القريبة من الحدود اللبنانية. هؤلاء المستوطنون وجدوا أنفسهم مضطرين للنزوح مجدداً بعد تعرض مناطقهم لهجمات عنيفة ومتواصلة، مما دفعهم للبحث عن بدائل سكنية في مناطق أكثر عمقاً.
وأشار بعض الفارين إلى أنهم عادوا للإقامة في الفنادق التي أُجلوا إليها في بداية التصعيد قبل أكثر من عام، ولكن هذه المرة على نفقتهم الخاصة. وأعرب هؤلاء عن إحباطهم الشديد من ملاحقة الصواريخ وصافرات الإنذار لهم حتى في المدن الجنوبية التي هربوا إليها طلباً للسكينة.
الذهاب إلى الملاجئ لم يعد مجديًا، لقد لحقت بنا الصواريخ إلى المناطق التي كنا نظنها ملاذاً آمناً.
ويعكس هذا التنقل القسري بين المدن حالة من الرهب الجماعي التي تسيطر على المجتمع الإسرائيلي في الوقت الراهن. فقد بات من الواضح أن الجغرافيا لم تعد تشكل عائقاً أمام وصول الصواريخ، مما جعل دائرة النار تشمل كافة المناطق دون استثناء.
وتضررت مدينة إيلات، التي تعتمد اقتصادياً بشكل أساسي على السياحة الداخلية، بشدة جراء هذا الوضع الأمني المتدهور. فقد بدأ عدد الزوار بالتراجع الحاد، وأغلقت العديد من المرافق الحيوية أبوابها، مما ينذر بأزمة اقتصادية محلية عميقة قد يصعب تداركها قريباً.
وتحدثت المصادر عن ثلاثة مستويات من التأثير السلبي للضربات الصاروخية، أولها الخطر المباشر على الأرواح، وثانيها تحول المدن السياحية إلى ساحات مواجهة. أما المستوى الثالث فيتمثل في الانهيار الكامل لمصادر الرزق المرتبطة بقطاع الخدمات الذي كان يشكل عصب الحياة في الجنوب.
من جانبه، أكد إيلي لانكري، رئيس بلدية إيلات أن المدينة لا تزال تخضع لإجراءات دفاعية مشددة لمواجهة التهديدات الجوية. وأوضح لانكري أن السلطات المحلية غير قادرة حالياً على إعادة فتح المدارس أو استعادة وتيرة الحياة الطبيعية في ظل استمرار حالة التأهب القصوى.
وفي سياق متصل، أبقت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية على القيود الأمنية الصارمة كما هي، دون إجراء أي تخفيف يذكر. ويعكس هذا القرار تقديرات أمنية تشير إلى أن خطر الهجمات الصاروخية لا يزال مرتفعاً جداً، وأن احتمالات التصعيد تظل قائمة في أي لحظة.
واختتمت التقارير العبرية بالإشارة إلى أن التطورات الأخيرة حول النزوح الداخلي تعكس تحول الخوف من ظاهرة موضعية إلى حالة عامة وشاملة. فقد بات الشعور السائد هو أن الحرب تتسع جغرافياً وزمنياً دون وجود أفق واضح لنهايتها أو تحقيق استقرار أمني حقيقي.
وبات الأمان الكامل يبدو بعيد المنال بالنسبة للإسرائيليين، حتى في المدن التي كانت توصف تاريخياً بأنها محصنة أو بعيدة عن خطوط القتال. هذا الواقع الجديد يضع ضغوطاً هائلة على الحكومة والمؤسسة العسكرية التي تفشل حتى الآن في تأمين الجبهة الداخلية.
الإثنين 16 مارس 2026 11:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر مطلعة بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعمل بشكل مكثف على تشكيل تحالف دولي جديد تحت مسمى 'تحالف هرمز'، يهدف إلى إعادة فتح المضيق الاستراتيجي بالقوة. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات العسكرية مع إيران، والتي أدت إلى تعطل جزء حيوي من إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع أسعار النفط والغاز.
ونقلت تقارير عن مصادر في واشنطن أن ترامب يأمل في الإعلان عن هذا التحالف رسمياً في وقت لاحق من الأسبوع الجاري. ويهدف هذا المسعى الدبلوماسي والعسكري إلى ضمان عودة حركة الملاحة التجارية في المضيق الذي يعد شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد العالمي.
وفي تطور ميداني لافت، يدرس البيت الأبيض خيار السيطرة العسكرية الكاملة على جزيرة خرج الإيرانية، والتي تعتبر المركز الرئيسي لتصدير الخام الإيراني. ويرى مسؤولون أمريكيون أن هذه الخطوة قد تكون ضرورية في حال استمر احتجاز ناقلات النفط وتعطيل الملاحة داخل مياه الخليج.
وتشير التقديرات العسكرية إلى أن السيطرة على الجزيرة قد تتطلب نشر قوات أمريكية على الأرض، مما يمثل تصعيداً كبيراً في المواجهة المباشرة. وتتهم واشنطن طهران بفرض حصار على المضيق يمنع دول الخليج من تصدير نفطها، بينما يسمح بمرور الناقلات الإيرانية المتجهة إلى الصين.
وأوضح مصدر مطلع أن استمرار الحصار الحالي يضع إدارة ترامب في موقف صعب، حيث لن يكون بمقدور الرئيس إنهاء النزاعات الإقليمية طالما ظلت صادرات نفط الحلفاء مقيدة. وهذا الواقع دفع الإدارة الأمريكية إلى تسريع وتيرة الحشد العسكري والدبلوماسي لتغيير قواعد الاشتباك في المنطقة.
وعبر منصته 'تروث سوشال'، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستقود جهداً دولياً لإرسال سفن حربية إلى الخليج لتأمين الملاحة. ودعا دولاً كبرى مثل الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة للمساهمة في هذه القوة، معتبراً أن أمن الطاقة مسؤولية دولية مشتركة.
وفي تصريحات للصحافيين على متن الطائرة الرئاسية، أكد ترامب أنه يطالب دول حلف شمال الأطلسي 'الناتو' والدول المستوردة للنفط بالمشاركة الفاعلة. وأشار إلى أن واشنطن تلقت استجابات متباينة حتى الآن، حيث وافقت بعض الدول بينما أبدت أخرى تحفظات واضحة على الانخراط العسكري.
من يسيطر على جزيرة خرج يسيطر على مصير هذه الحرب.
وكشف مسؤول أمريكي أن ترامب وفريقه قضوا عطلة نهاية الأسبوع في اتصالات مكثفة مع الحلفاء لبناء التزام سياسي تجاه 'تحالف هرمز'. وشملت هذه الاتصالات مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، في تراجع عن تصريحات سابقة لترامب اعتبر فيها أن الوقت فات لمشاركة لندن.
وتهدف الإدارة الأمريكية من خلال هذا التحالف إلى توزيع أعباء حماية الممرات المائية على الدول المستفيدة من النفط المار عبرها. وشدد مسؤولون في البيت الأبيض على أن معظم النفط الذي يعبر هرمز يتجه إلى آسيا وأوروبا وليس إلى الولايات المتحدة، مما يستوجب مشاركة تلك الدول في التكاليف والمخاطر.
وبالتوازي مع الجهود الدبلوماسية، تواصل القوات الأمريكية توجيه ضربات لأهداف استراتيجية داخل إيران، مع التركيز على السواحل القريبة من جزيرة خرج. وتعد هذه الجزيرة هدفاً حيوياً كونها تعالج نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيرانية، مما يجعلها نقطة ضعف اقتصادية كبرى للنظام.
وكان ترامب قد أمر بشن ضربات دقيقة على منشآت عسكرية داخل الجزيرة يوم الجمعة الماضي، مع تجنب استهداف البنية التحتية النفطية بشكل مباشر حتى الآن. وصرح الرئيس الأمريكي في مقابلة تلفزيونية بأن هذه الضربات قد تتكرر، مشيراً إلى أن جميع الخيارات لا تزال مطروحة على الطاولة.
ورغم الحماس في بعض دوائر صنع القرار بواشنطن، إلا أن السيطرة على جزيرة خرج تنطوي على مخاطر جيوسياسية هائلة. ويحذر مراقبون من أن مثل هذه الخطوة قد تدفع طهران لشن هجمات انتقامية واسعة تستهدف منشآت النفط وخطوط الأنابيب في دول الجوار، وخاصة في المملكة العربية السعودية.
من جانبه، أيد السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام توجهات ترامب، معتبراً أن نقل الحرب إلى جزيرة خرج سيمثل ضربة قاضية للاقتصاد الإيراني. وكتب غراهام أن التحكم في هذا المركز النفطي الاستراتيجي سيغير مسار الصراع بشكل جذري ويحرم طهران من مواردها المالية الأساسية.
ويبقى الموقف النهائي بشأن السيطرة البرية على الجزيرة معلقاً بانتظار تطورات الأزمة في مضيق هرمز ومدى استجابة الحلفاء للتحالف الجديد. وتؤكد مصادر في الإدارة الأمريكية أن القرار النهائي سيعتمد على مدى نجاح الضغوط الحالية في إجبار إيران على إنهاء حصارها للملاحة الدولية.
الإثنين 16 مارس 2026 11:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة يوماً دامياً جديداً، حيث سجلت المصادر الطبية استشهاد 16 فلسطينياً في قطاع غزة والضفة الغربية خلال الأربع وعشرين ساعة الماضية. ويعد هذا العدد من الشهداء من بين الأعلى يومياً منذ عدة أسابيع، مما يشير إلى تصعيد عسكري إسرائيلي مكثف في مختلف الجبهات.
في قطاع غزة، أفادت مصادر أمنية وميدانية بأن غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارة مدنية قرب مدخل بلدة الزوايدة بوسط القطاع، مما أدى إلى استشهاد مسؤول كبير في جهاز الشرطة وثمانية من مرافقيه. وأوضحت المصادر أن الاستهداف تسبب أيضاً في إصابة نحو 14 مواطناً من المارة الذين تواجدوا في محيط الانفجار.
وفي جريمة أخرى بوسط القطاع، استهدفت طائرات الاحتلال منزلاً في مخيم النصيرات، ما أسفر عن استشهاد عائلة فلسطينية مكونة من ثلاثة أفراد. الضحايا هم رجل وزوجته التي كانت في شهور حملها الأخيرة، بالإضافة إلى ابنهما الصغير، في إطار استمرار استهداف المنازل المأهولة.
من جانبه، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أن هجماته في غزة جاءت رداً على عمليات للمقاومة استهدفت قواته في وقت سابق. ومع ذلك، لم يحدد البيان العسكري ما إذا كانت الغارات التي استهدفت رجال الشرطة أو العائلة في النصيرات هي المقصودة بهذا الرد المزعوم.
وتشير التقارير الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي إلى أن الاحتلال يتعمد استهداف الكوادر الشرطية والأمنية بشكل ممنهج. ووفقاً لآخر الإحصائيات، فقد قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 787 عنصراً من الأجهزة الأمنية وتأمين المساعدات منذ بدء العدوان، بهدف نشر الفوضى وتفكيك الجبهة الداخلية.
وعلى صعيد الخروقات الميدانية، تواصل قوات الاحتلال انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر الماضي بشكل يومي. وقد أدت هذه الخروقات المستمرة إلى استشهاد 663 فلسطينياً وإصابة أكثر من 1700 آخرين، مما يضع الاتفاق في حالة من الانهيار الفعلي أمام الهجمات المتكررة.
قوات الاحتلال قتلت خلال حربها على غزة أكثر من 787 عنصراً من الأجهزة الأمنية والشرطية وعناصر تأمين المساعدات وهم على رأس عملهم.
وفي الضفة الغربية المحتلة، ارتكبت قوات الاحتلال مجزرة مروعة في بلدة طمون، حيث أطلقت النار بشكل مباشر على سيارة فلسطينية. وأكدت مصادر طبية استشهاد أربعة أفراد من عائلة واحدة، هم الأب والأم وطفلاهما، بعد إصابتهم بطلقات نارية مباشرة في منطقة الرأس.
الشهداء في بلدة طمون هم علي خالد بني عودة وزوجته وعد، وطفلاهما محمد وعثمان، فيما أصيب طفلان آخران من العائلة بجروح متفاوتة. ووصفت الفعاليات الشعبية في البلدة الحادثة بأنها عملية إعدام ميدانية استهدفت عائلة كانت تستقل مركبتها الخاصة بسلام.
وفي تبريره للجريمة، ادعى جيش الاحتلال أن القوات كانت تنفذ عملية اعتقال في طمون عندما انطلقت سيارة بسرعة نحو الجنود. وزعم الجيش أن الجنود شعروا بتهديد مباشر لسلامتهم فردوا بإطلاق النار، مشيراً إلى أن ملابسات الحادثة لا تزال قيد المراجعة والتحقيق.
وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار حرب الإبادة الجماعية التي تشنها إسرائيل بدعم أمريكي واسع منذ أكتوبر 2023. وقد خلفت هذه الحرب حتى الآن أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف جريح، فضلاً عن تدمير هائل طال نحو 90% من البنية التحتية في قطاع غزة.
ويشير محللون ومسؤولون صحيون إلى أن وتيرة الهجمات الإسرائيلية بدأت تتصاعد مجدداً بعد فترة من الهدوء النسبي المرتبط بملفات إقليمية. وأفادت المصادر بأن النيران الإسرائيلية قتلت ما لا يقل عن 36 فلسطينياً في غزة منذ اندلاع المواجهات الأخيرة على الجبهات الإقليمية.
وتشهد الضفة الغربية بدورها تصعيداً غير مسبوق في العمليات العسكرية التي تشمل القتل والاعتقال وتوسيع المستوطنات. وتؤكد التقارير الميدانية أن وتيرة العنف من قبل جيش الاحتلال والمستوطنين قد تضاعفت بشكل ملحوظ، مما ينذر بانفجار الأوضاع بشكل كامل في كافة الأراضي المحتلة.
الإثنين 16 مارس 2026 11:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي أن الهجمات التي استهدفت مستودعات الوقود في العاصمة طهران تمثل جريمة 'إبادة بيئية' مكتملة الأركان. وأوضح الوزير في تصريحات رسمية أن هذه الضربات لا تخرق القانون الدولي فحسب، بل تضع حياة السكان في مواجهة مخاطر صحية جسيمة ومستدامة.
وأشار عراقجي إلى أن التداعيات البيئية الناتجة عن تدمير الخزانات ستؤدي إلى تلوث عميق في التربة والمياه الجوفية، وهو ما قد يمتد أثره لعدة أجيال متعاقبة. وشدد على أن استهداف المنشآت الحيوية المرتبطة بحياة المدنيين يعكس استهتاراً بالمعايير الإنسانية والبيئية العالمية.
من جانبها، أفادت تقارير ميدانية بأن العاصمة الإيرانية شهدت حالة من الإظلام التام في عدة مناطق، بينما انتشرت روائح نفاذة للمواد المحروقة في الأحياء السكنية. وأكدت مصادر رسمية أن القصف طال أربعة مستودعات نفطية رئيسية بالإضافة إلى مركز لوجستي مخصص للمنتجات البترولية في محيط طهران.
وحذرت السلطات الصحية والبيئية السكان من استنشاق الدخان المتصاعد، داعية الجميع إلى الالتزام بالبقاء داخل المنازل وإغلاق النوافذ بإحكام. وأوضح الهلال الأحمر الإيراني أن الحرائق تسببت في انبعاث غازات سامة تشمل الكبريت وأكاسيد النيتروجين بكميات تفوق القدرة الطبيعية على التبديد.
وشهدت مناطق شهران وأغداسية وري اندلاع نيران هائلة في خزانات الوقود، مما أدى إلى تصاعد أعمدة دخان كثيفة حجبت الرؤية في أجزاء واسعة من المدينة. وتداول ناشطون صوراً ومقاطع فيديو توثق ما عُرف بـ'الأمطار النفطية'، حيث تساقطت جزيئات الوقود المحروق على الطرقات والمباني.
قصف مستودعات الوقود في طهران ينتهك القانون الدولي ويشكّل إبادة بيئية ستعاني منها الأجيال القادمة.
وبذلت فرق الإطفاء والدفاع المدني جهوداً مضنية للسيطرة على الحريق ومنع وصول ألسنة اللهب إلى المصافي القريبة التي تمثل عصب الطاقة في المنطقة. واجهت الفرق صعوبات بالغة في الوصول إلى بؤر الاشتعال الرئيسية بسبب الحرارة العالية وخطر وقوع انفجارات ارتدادية مفاجئة.
واعتمدت فرق الطوارئ استراتيجية عزل الحريق باستخدام شاحنات محملة بالأتربة لإنشاء سواتر وحواجز ترابية تمنع تسرب المواد النفطية السائلة إلى الشوارع والمناطق المأهولة. وتم نشر وحدات الإسعاف على مسافات آمنة تحسباً لأي طارئ، مع استمرار عمليات التبريد للمنشآت المجاورة.
ويرى خبراء في التعامل مع الكوارث النفطية أن إخماد حرائق المنتجات البترولية يتطلب نفساً طويلاً وتعاملاً تدريجياً لضمان عدم تفاقم الوضع. وأوضح الخبراء أن استخدام الماء أو الرغوة بشكل مباشر في بعض الحالات قد يؤدي إلى نتائج عكسية تزيد من احتمالية وقوع انفجارات ضخمة.
تأتي هذه التطورات في ظل توتر أمني متصاعد، حيث تسببت الهجمات في شلل جزئي ببعض المرافق اللوجستية التابعة لقطاع الطاقة. وتواصل الجهات الفنية تقييم حجم الأضرار المادية والبيئية، وسط مخاوف من استمرار انبعاث الملوثات في الهواء لفترات أطول مما كان متوقعاً.
الإثنين 16 مارس 2026 11:04 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر ميدانية في قطاع غزة، صباح اليوم الإثنين، باستشهاد مواطن فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة خانيونس جنوبي القطاع. وتأتي هذه الحادثة في ظل استمرار العمليات العسكرية والضغوط الميدانية التي يمارسها الاحتلال على السكان والنازحين في المناطق الجنوبية.
وفي فاجعة أخرى شهدتها المدينة، استشهد ثلاثة فلسطينيين وأصيب عدد آخر بجروح متفاوتة جراء انهيار سور مبنى كلية الرباط على خيام للنازحين في منطقة المواصي. وأكدت طواقم الدفاع المدني أنها أنهت عمليات البحث والإنقاذ في الموقع الذي شهد سقوط الجدار المتصدع بفعل القصف الإسرائيلي المتكرر.
وذكر شهود عيان أن الجدار المنهار كان يعاني من تصدعات خطيرة ناتجة عن غارات سابقة شنتها طائرات الاحتلال خلال العامين الماضيين. وقد سقطت الكتل الإسمنتية بشكل مفاجئ على خيام النازحين الذين لجأوا إلى تلك المنطقة بحثاً عن الأمان المفقود في ظل حرب الإبادة المستمرة.
تزامن هذا الحادث الأليم مع إحياء الفلسطينيين لليلة القدر، التي مرت هذا العام بظروف استثنائية وقاسية جداً على سكان القطاع. فقد حرم الغالبية العظمى من المصلين من الاعتكاف في المساجد التي اعتادوا عليها نتيجة التدمير الممنهج الذي طال البنية التحتية الدينية.
وتشير الإحصاءات الميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي دمر أكثر من 90% من المساجد في قطاع غزة بشكل كلي أو جزئي. هذا الواقع دفع الآلاف إلى أداء صلواتهم وإحياء ليلتهم المباركة داخل خيام بلاستيكية مهترئة أو في العراء تحت جنح الظلام.
وفي منطقة النمساوي جنوب خانيونس، تحول ما تبقى من مسجد الألباني المدمر إلى مركز إيواء ومصلى في آن واحد. ورغم ركام الحجارة والدمار المحيط بالمكان، أصر النازحون على إقامة شعائرهم الدينية وتأدية صلاة القيام فوق الأنقاض وبإمكانيات بدائية للغاية.
المصلون كانوا في السابق يؤدون صلواتهم في مساجد مجهزة، أما اليوم فيصلّون بإمكانات بسيطة وعلى ضوء البطاريات فوق الأنقاض.
ووصف إمام المسجد، الشيخ يوسف اللحام، الوضع مبيناً أن المصلين باتوا يعتمدون على ضوء البطاريات والهواتف المحمولة لإتمام صلواتهم. وأشار إلى أن الفرق شاسع بين سنوات الرخاء حين كانت المساجد مجهزة ومضاءة، وبين واقع اليوم الذي يفرضه الحصار والعدوان.
وعلى الصعيد الإنساني، يعاني نحو 1.9 مليون نازح من ظروف معيشية كارثية في مخيمات تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة. وتتفاقم هذه المعاناة مع تقلبات الطقس والرياح القوية التي تسببت مؤخراً في اقتلاع مئات الخيام، مما ترك العائلات بلا مأوى في العراء.
وتواجه العائلات الغزية أزمة غذاء حادة مع استمرار تقييد دخول الشاحنات المحملة بالمواد الأساسية مثل الخضار واللحوم والألبان. وأوضحت مصادر أن الأسواق باتت شبه خالية من السلع الضرورية، وإن وجدت فإن أسعارها تفوق القدرة الشرائية المنهارة للسكان.
وفيما يخص ملف المعابر، نفت مصادر مطلعة وجود أي تأكيدات رسمية حول نية الاحتلال فتح معبر رفح البري بشكل فعلي. ورغم الأنباء التي تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى استمرار الإغلاق التام منذ بدء العدوان البري على المنطقة.
ويترتب على إغلاق المعبر تداعيات خطيرة على آلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لتدخلات طبية عاجلة خارج القطاع. كما ينتظر ما يزيد عن 90 ألف مواطن فلسطيني في الخارج فرصة لفتح المعبر للعودة إلى ديارهم وتفقد عائلاتهم في ظل هذه الأزمة الإنسانية المتفاقمة.
ويبقى المشهد في قطاع غزة معقداً بين صمود الأهالي في إحياء شعائرهم الدينية وبين الموت الذي يلاحقهم حتى داخل خيام النزوح. وتستمر المطالبات الدولية بضرورة إدخال مواد الإعمار والاحتياجات الأساسية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المدنيين المحاصرين.
الإثنين 16 مارس 2026 10:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفصحت الإدارة الأمريكية رسمياً عن الحصيلة المالية الأولية لعملياتها العسكرية الموجهة ضد إيران، مؤكدة أن حجم الإنفاق الدفاعي تجاوز 12 مليار دولار منذ اندلاع المواجهة قبل نحو أسبوعين. وأوضح البيت الأبيض أن هذه المبالغ صُرفت لتغطية الاحتياجات اللوجستية والعملياتية الميدانية، مشدداً على أن الجداول الزمنية المخطط لها تسير بدقة عالية.
وفي تصريحات صحفية أدلى بها مدير المجلس الاقتصادي الوطني، كيفن هاسيت، أشار إلى أن الموارد المالية المرصودة حالياً تضمن استمرارية الزخم العسكري دون عوائق. وأكد هاسيت أن التقييمات الراهنة لا تشير إلى حاجة ماسة لطلب اعتمادات مالية فورية، نظراً لتوافر السيولة اللازمة لتغطية المرحلة الحالية من الهجمات الجوية والتحركات البحرية.
من جانبها، وضعت وزارة الدفاع الأمريكية سقفاً زمنياً يتراوح ما بين شهر وشهر ونصف لإتمام الأهداف الاستراتيجية المعلنة من هذه الحملة العسكرية الواسعة. وذكرت مصادر مطلعة أن سير العمليات الميدانية فاق التوقعات الأولية من حيث السرعة والدقة في إصابة الأهداف، مما قد يقلص أمد المواجهة الشاملة إذا استمرت الوتيرة على ما هي عليه.
وعلى الرغم من ضخامة الإنفاق العسكري، أبدى المسؤولون الاقتصاديون في واشنطن تفاؤلاً حذراً بشأن قدرة الاقتصاد الأمريكي على استيعاب تداعيات الحرب. واستند هذا التفاؤل إلى متانة المؤشرات الاقتصادية المحلية ووفرة المخزونات الاستراتيجية من الطاقة، وهو ما يقلل من احتمالية حدوث هزات عنيفة في الأسواق الداخلية بالولايات المتحدة.
إلا أن التقارير لم تغفل التحذير من الآثار الجانبية التي قد تطال الاقتصاد العالمي نتيجة استمرار حالة عدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأقر هاسيت بأن تقلبات أسعار النفط الخام واضطراب سلاسل التوريد عبر الممرات المائية الحيوية تظل مخاطر قائمة قد تؤثر على التجارة الدولية بشكل ملموس خلال الأسابيع المقبلة.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر برلمانية عن تحركات داخل أروقة الكونغرس الأمريكي للتحضير لمرحلة ما بعد التمويل الأولي للعمليات العسكرية. وتوقعت هذه المصادر أن تتقدم إدارة البيت الأبيض بطلب رسمي للحصول على ميزانية تكميلية ضخمة لضمان استدامة العمليات القتالية وتغطية أي طوارئ عسكرية قد تنشأ في المنطقة.
تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية حتى الآن تصل إلى نحو 12 مليار دولار، وهذه الموارد تكفي لمواصلة المهام الحالية دون حاجة فورية لتمويل إضافي.
وتشير التقديرات المتداولة بين أعضاء الكونغرس إلى أن قيمة التمويل الإضافي المطلوب قد تصل إلى نحو 50 مليار دولار أمريكي. ويرى مراقبون أن هذا الرقم قد يرتفع بشكل ملحوظ في حال اتساع رقعة المواجهة أو اضطرار القوات الأمريكية للدخول في استنزاف طويل الأمد يتجاوز التوقعات الزمنية لوزارة الدفاع.
تعود جذور هذا التصعيد العسكري إلى الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حين بدأت الولايات المتحدة حملة جوية وصاروخية مكثفة بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي. واستهدفت هذه الضربات منشآت حيوية ومواقع عسكرية داخل العمق الإيراني، في خطوة وصفتها واشنطن بأنها تهدف لتقويض القدرات الهجومية لطهران.
ولم تتأخر إيران في الرد على هذه الهجمات، حيث شنت سلسلة من الضربات المضادة التي استهدفت مواقع تابعة للاحتلال الإسرائيلي وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة. هذا الرد الإيراني ساهم في رفع وتيرة التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، مما جعل المنطقة تعيش حالة من التأهب العسكري القصوى بانتظار مآلات المواجهة.
وتؤكد التقارير الواردة من مصادر ميدانية أن التنسيق بين واشنطن وتل أبيب وصل إلى مستويات استخباراتية وعملياتية متقدمة جداً خلال هذه الأزمة. ويتم تبادل المعلومات حول الأهداف الإيرانية بشكل لحظي، لضمان تحقيق أقصى قدر من التأثير العسكري وتقليل المخاطر على القوات المشاركة في العمليات.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تترقب الأسواق العالمية أي تطورات قد تؤدي إلى إغلاق ممرات ملاحية استراتيجية مثل مضيق هرمز. حيث يخشى الخبراء من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة، مما قد يدخل الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة يصعب السيطرة عليها.
ختاماً، تظل الأرقام المعلنة من البيت الأبيض مجرد قمة جبل الجليد في تكلفة حرب قد تغير وجه المنطقة سياسياً واقتصادياً. ومع استمرار القصف المتبادل، يبقى السؤال معلقاً حول قدرة الأطراف الدولية على احتواء هذا الصراع قبل أن يتحول إلى مواجهة شاملة تخرج عن السيطرة الدولية.
الإثنين 16 مارس 2026 10:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
تصدرت ديبورا ميدن، الشخصية البارزة في برنامج الاستثمار الشهير "عرين التنين"، منصات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار البريطانية عقب سلسلة من المنشورات الجريئة. انتقدت ميدن في تدويناتها السياسات الإسرائيلية في المنطقة، كما شنت هجوماً لاذعاً على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واصفة إياه بـ "الشاذ" و"الخنزير".
جاءت هذه التصريحات في أعقاب الضربات العسكرية المتبادلة بين الاحتلال الإسرائيلي وإيران، حيث عبرت النجمة البالغة من العمر 67 عاماً عن مواقف سياسية حادة. وقد أثارت هذه المنشورات ردود فعل متباينة بين مؤيد لجرأتها ومعارض يتهمها بتجاوز الخطوط الحمراء في العمل الإعلامي.
من جانبه، شن داني كوهين، المدير السابق لقسم التلفزيون في إحدى المؤسسات الإعلامية الكبرى، هجوماً مضاداً على ميدن، متهماً إياها بنشر معلومات مضللة. واعتبر كوهين أن ما تنشره ميدن يمثل "دعاية لنظام إيران" ويروّج لنظريات مؤامرة معادية للسامية أمام مئات الآلاف من متابعيها.
وأشار كوهين في تصريحات صحفية إلى أن استمرار ميدن في نشر مثل هذه المحتويات يلحق ضرراً جسيماً بسمعة المؤسسة الإعلامية التي ارتبطت بها لسنوات. وطالب بضرورة اتخاذ إجراءات حازمة تجاهها، مؤكداً أن مكانتها كوجه إعلامي معروف تفرض عليها مسؤولية أخلاقية ومهنية.
في المقابل، حاولت الجهة الإعلامية المسؤولة عن برنامجها التخفيف من وطأة الأزمة عبر توضيح الوضع القانوني لميدن. وأكد متحدث رسمي أن ديبورا تعمل كمساهمة مستقلة وليست موظفة دائمة، مما يمنحها مساحة من الحرية الشخصية في التعبير عن آرائها الخاصة.
وشدد المتحدث على أن قواعد الحياد الصارمة التي تُطبق على الموظفين الرسميين لا تشمل المتعاقدين المستقلين في منشوراتهم الشخصية. ومع ذلك، لم يمنع هذا التوضيح كوهين من مواصلة انتقاداته، معتبراً أن استخدام الصفة الوظيفية كذريعة للتهرب من المسؤولية أمر غير مقبول.
تضمنت منشورات ميدن المثيرة للجدل مزاعم تشير إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تقع تحت تأثير مباشر من جماعات ضغط صهيونية. كما أعادت نشر تدوينات تدعي أن الكونغرس الأمريكي يتم التحكم فيه بشكل كامل من قبل قوى خارجية تدعم الاحتلال الإسرائيلي.
ديبورا ميدن تعمل كمستقلة، وبصفتها كذلك، ليست ملزمة بالحفاظ على حياد القناة من خلال منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي.
ولم تكتفِ ميدن بذلك، بل وصفت ترامب بأنه "مطيع لإسرائيل" و"مغفل عديم العقل"، متهمة إياه بحماية المعتدين وقصف الأطفال. هذه اللغة الهجومية الحادة زادت من حدة الاستقطاب حول شخصيتها، خاصة مع تزايد التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
كما اتُهمت النجمة البريطانية بالترويج لمحتوى صادر عن شخصيات مثيرة للجدل، من بينهم المعلق الأمريكي تاكر كارلسون. ويُذكر أن كارلسون واجه اتهامات عديدة بالعداء للسامية من قبل منظمات حقوقية دولية، مما جعل إعادة نشر مواده مادة دسمة للانتقاد.
ورغم العاصفة السياسية، واصلت ميدن الترويج لبرنامجها "عرين التنين" عبر حساباتها، وهو ما اعتبره خصومها استغلالاً تجارياً لاسم البرنامج. ورأى منتقدون أن دمج المحتوى السياسي الهجومي مع الترويج البرامجي يمثل خرقاً واضحاً لإرشادات السلوك المهني المتعارف عليها.
تعيد هذه الواقعة إلى الأذهان أزمات سابقة واجهها إعلاميون بريطانيون بسبب مواقفهم السياسية من الصراع في الشرق الأوسط. ويبرز اسم غاري لينكر كأحد أبرز الأمثلة، حيث اضطر للاستقالة سابقاً بعد منشورات اعتبرت مسيئة، قبل أن يتم تسوية الأزمة لاحقاً.
ويرى مراقبون أن قضية ميدن تفتح الباب مجدداً للنقاش حول حدود حرية التعبير للمشاهير الذين يعملون مع مؤسسات إعلامية ممولة من القطاع العام. فبينما يدافع البعض عن حقها في التعبير عن رأيها كفرد، يرى آخرون أن شهرتها مستمدة من المؤسسة التي تمثلها.
وتشير التقارير إلى أن الضغوط تتزايد على القناة لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً، خاصة مع اتهام ميدن بنشر "معلومات مضللة". وتخشى المؤسسات الإعلامية من أن تؤدي هذه السجالات إلى تآكل ثقة الجمهور في حيادها ومصداقيتها المهنية.
حتى اللحظة، لم تصدر ديبورا ميدن أي اعتذار رسمي عن الأوصاف التي استخدمتها تجاه الرئيس الأمريكي السابق أو انتقاداتها للاحتلال. ويبدو أن الأزمة مرشحة للتصعيد في ظل الانقسام الحاد في الرأي العام البريطاني تجاه القضايا السياسية الدولية الراهنة.
الإثنين 16 مارس 2026 10:34 صباحًا -
بتوقيت القدس
انطلقت عملية 'الأسد الهادر'، المعروفة أيضاً بـ 'الغضب الملحمي'، كتحرك عسكري واسع النطاق خططت له الدوائر العسكرية في واشنطن وتل أبيب منذ سنوات. وأكدت مصادر عسكرية رفيعة أن الهدف الاستراتيجي كان توجيه ضربة خاطفة وعنيفة تشل القدرات الإيرانية بالكامل، معتمدة على عنصر المفاجأة وكثافة النيران الجوية.
رغم الإعلانات الأولية عن السيطرة الكاملة على الأجواء الإيرانية بعد مرور مئة ساعة على بدء الهجمات، إلا أن الواقع الميداني بدأ يفرض إيقاعاً مختلفاً. فقد استمرت الرشقات الصاروخية المنطلقة من الأراضي الإيرانية ومن جبهات حليفة مثل حزب الله، مما دفع ملايين المستوطنين إلى الملاجئ وأربك الحسابات الإسرائيلية حول حسم المعركة سريعاً.
تشير التقارير إلى أن إيران استعدت لهذه المواجهة عبر سنوات من التكيف مع الحصار الاقتصادي الخانق، حيث قامت بإعادة هيكلة تجارتها والاعتماد على مسارات مصرفية بديلة. ورغم وصول معدلات الفقر إلى مستويات قياسية، إلا أن النظام حافظ على تماسك مؤسساته العسكرية وقدرته على ترميم المنشآت المتضررة بسرعة فائقة.
تعتمد طهران في مواجهتها الحالية على ما يُعرف بـ 'الدفاع الفسيفسائي'، وهي عقيدة عسكرية تقوم على اللامركزية في القيادة والسيطرة عبر تقسيم البلاد إلى 32 وحدة مستقلة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان استمرار المقاومة حتى في حال انقطاع التواصل مع القيادة المركزية، مما يجعل الغزو البري مهمة شبه مستحيلة ومكلفة للغاية.
تنتقد أصوات داخلية في إسرائيل السياسة الدعائية التي تنتهجها حكومة نتنياهو، واصفة إياها بـ 'شمشون المسكين' الذي يمتلك قوة تدميرية هائلة لكنه يتباكى أمام العالم كضحية. ويرى مراقبون أن هذه الحرب قد تكون 'حرب اختيار' هدفها الأساسي هروب نتنياهو من أزماته السياسية والانتخابية الداخلية.
في واشنطن، تبرز تناقضات واضحة في تبرير الحرب، حيث وصفها ترامب بأنها دفاعية ضد تهديدات وشيكة، بينما اعتبرتها إسرائيل ضربة استباقية. ومع ذلك، أقرت مصادر في الاستخبارات الأمريكية بعدم وجود أدلة ملموسة على أن طهران كانت تخطط لهجوم مباشر قبل بدء العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.
تمتلك إيران اليوم أضخم ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط، تضم آلاف الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز ذات الدقة العالية. هذه القدرات جعلت من القوات الصاروخية الإيرانية أداة ردع فعالة قادرة على ضرب أهداف استراتيجية في العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
ليس لدى صناع القرار حلول عسكرية لقضايا إيران، والقتال معها سيحصد أرواحاً كثيرة ويرفع أسعار النفط ويزعزع استقرار المنطقة.
يحذر خبراء عسكريون من أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها غارقة في مستنقع شرق أوسطي جديد بسبب اندفاع إدارة ترامب خلف الأجندة الإسرائيلية. إن الدعم غير المشروط لتل أبيب قد يجر واشنطن إلى التزامات عسكرية طويلة الأمد تستنزف مواردها وتضر بمصالحها الاستراتيجية العليا في المنطقة.
تلوح في الأفق مخاوف من لجوء إسرائيل إلى 'خيار شمشون'، وهو استخدام السلاح النووي في حال شعورها بتهديد وجودي حقيقي نتيجة القصف الصاروخي المكثف. هذه العقيدة تحكمها منطق البقاء الأخير، وتفعيلها قد يغير وجه المنطقة والعالم إلى الأبد في حال فشل وسائل الردع التقليدية.
على الجانب الإيراني، تسود قناعة بأن الصمود وإلحاق ألم اقتصادي وسياسي بواشنطن هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب بشروط مقبولة. تراهن طهران على أن التكاليف الباهظة للحرب ستدفع إدارة ترامب في نهاية المطاف إلى البحث عن مخرج دبلوماسي لتجنب انهيار شعبيته داخلياً.
تتزايد التساؤلات حول مستقبل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بعد هذه المواجهة، حيث يرى باحثون أن استغلال نتنياهو لاندفاع ترامب قد يؤدي إلى تآكل 'العلاقة الفريدة'. إن تحويل إسرائيل إلى عبء عسكري وسياسي قد يدفع الإدارات الأمريكية القادمة إلى إعادة تقييم تحالفاتها الاستراتيجية بشكل جذري.
تظل السيناريوهات المفتوحة لهذه الحرب تتراوح بين التصعيد الإقليمي الشامل أو الوصول إلى تسوية دبلوماسية قسرية تحت ضغط الخسائر. ومع استمرار تبادل الضربات، يبقى اليقين الوحيد هو أن تكلفة هذه المواجهة ستكون باهظة على كافة الأطراف المنخرطة فيها، بشرياً واقتصادياً.
إن استراتيجية الحرب الهجين التي تتبعها إيران، بدمج القوات النظامية مع الميليشيات الحليفة، أثبتت فاعليتها في إرباك التكنولوجيا العسكرية المتفوقة. هذا النوع من الحروب لا يعتمد على الحسم الجوي فقط، بل على القدرة على تحمل الضربات وتوجيه ردود فعل غير متوقعة في ساحات متعددة.
في نهاية المطاف، يبدو أن 'الغضب الملحمي' الذي بشرت به الدوائر المؤيدة للحرب قد يتحول إلى 'وكسة' استراتيجية إذا لم تتحقق الأهداف السياسية المرجوة. فالحروب في الشرق الأوسط أثبتت دائماً أن البدايات السهلة لا تضمن نهايات مستقرة، وأن القوة العسكرية وحدها لا تصنع سلاماً مستداماً.
الإثنين 16 مارس 2026 10:32 صباحًا -
بتوقيت القدس
أقل الكلام
مؤلمة ومدمعة ومفزعة، وتهز النفس من أقطارها، تلكم هي شهادة الطفل خالد ابن الصف السادس، الذي نجا وشقيقه مصطفى من الموت بأعجوبة، بينما قضى والداهما وشقيقاهما محمد ابن السنوات الخمس وعثمان الذي يكبره بعامين.
بشفتين مرتجفين، وعينين دامعتين داميتين، يتحدث خالد عن تلك اللحظات القاسية التي شهدتها تلك الليلة الدامية، فيما كان الأب علي بني عودة (٣٧ عاماً) وزوجته وعد (٣٥ عاماً) مع أطفالهما الأربعة عائدين من رحلة تسوّق في مدينة نابلس، اشتريا خلالها ملابس العيد، قبل أن تُمطر قوة مستعربين المركبة التي كانوا يستقلونها بنحو سبعين رصاصة، لم ينجُ من الجريمة سوى الطفلين الشقيقين خالد ومصطفى.
"أخرجني جندي من السيارة، وبدأ يضربني، ثم أخرجوا أخي مصطفى، وحاولوا ضربه، وعندما وقفتُ أمامهم أوقعوني على الأرض، وضربوني بالبسطار على ظهري".. "قتلنا كلاباً" قال الجندي وهو يشير إلى والدي الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تسيل روحه الطاهرة، وصرخت أمي صرختها الأخيرة قبل أن يُخيّم الصمت على المكان، حيث انقطعت الأنفاس، فذهبوا جميعاً في إغفاءتهم الأخيرة، إخوتي وأمي وأبي، ولم أعد أسمع لهم حسيسا.
كلام ثقيل موجع مدمع… بعد لينا وهند يلتحق بهما محمد وعثمان وقبلهم آلاف الأطفال في الوطن الممدد تحت النار والدمار… أُغالب دمعي ونزف قلمي!
في طمون، لم تكن هناك دبابات تحاصر "هند"، بل "وجوه مستعربة" جاءت مستعجلة لتغتال فرحتنا المؤجلة، وتُحيل ملابس العيد إلى أكفان!

الإثنين 16 مارس 2026 10:25 صباحًا -
بتوقيت القدس
بينما تتجه عدسات العالم إلى سماءٍ أخرى تشتعل بالحرب، تبقى غزة وحيدة تحت ركام صمتٍ ثقيل. هناك، حيث لا تحتاج المأساة إلى عناوين عاجلة كي تثبت وجودها، يمضي الناس في صراعهم اليومي مع الجوع والعطش والخوف، كأنهم عالقون في هامش التاريخ. أطفال يبحثون عن ظلّ بيتٍ لم يعد قائمًا، وأمهات يفتشن بين الأنقاض عن معنى للحياة بعد أن صار الفقدان لغةً يومية. ومع كل نشرة أخبار تنشغل بجبهةٍ جديدة، يتراجع وجع غزة خطوة أخرى إلى الخلف، كأن العالم قرر أن يترك ذلك الشريط الضيق والصغير يواجه قدره وحيدًا، بلا ضجيجٍ ولا شهود.
وفي الضفة الأخرى من المأساة، يتلبد المشهد الفلسطيني كأنه أسير زمنٍ متوقف. فبينما يستمر القتل اليومي في أرجاء الضفة وآخرها مجزرة طمون ضد عائلة بريئة كانت تحاول تأمين العيش الكريم لأطفالها، وفي وقت تتسارع فيه التحولات في المنطقة وتُعاد صياغة موازين القوة، تبدو القيادة عاجزة عن التقاط اللحظة أو تحويلها إلى فرصة. صمتٌ ثقيل يخيّم على المشهد، فيما شعبٌ يواجه الحرب والاحتلال ينتظر كلمةً تجمعه أو رؤيةً تقوده.
في لحظات التاريخ الكبرى، لا يكون الفراغ مجرد غيابٍ للمبادرة، بل يتحول إلى عبءٍ إضافي على كاهل شعبٍ يبحث عمّن يفتح أفقًا للخلاص.
في زمن الحروب الكبرى، قد تُنسى المآسي الصغيرة في عناوين الأخبار، لكن التاريخ لا ينسى من ترك شعبه وحيدًا في قلب العاصفة.
الإثنين 16 مارس 2026 10:25 صباحًا -
بتوقيت القدس
في الاقتصادات المستقرة، تقوم الموازنات العامة على معادلة واضحة: تقدير الإيرادات المتوقعة مقابل تحديد النفقات اللازمة لإدارة الدولة وتقديم الخدمات العامة. وعندما يحدث عجز في هذه المعادلة، يتم تمويله غالبًا عبر الاقتراض أو أدوات مالية أخرى ضمن إطار يمكن التنبؤ به. لكن في الحالة الفلسطينية تبدو هذه المعادلة أكثر تعقيدًا، حيث لا تعكس المشكلة فقط فجوة بين الإيرادات والنفقات، بل فجوة أعمق بين ما هو محصل فعليًا في السوق وما هو مقدر للصرف في الموازنة العامة.
هذه الفجوة أصبحت أحد السمات الأساسية للمالية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، وهي تفسر إلى حد كبير تكرار أزمات الرواتب، وتراكم المتأخرات، واللجوء المتكرر إلى الاقتراض قصير الأجل.
إيرادات غير مستقرة
تعتمد الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية على ثلاثة مصادر رئيسية: إيرادات المقاصة التي يتم تحويلها من الجانب الإسرائيلي، والضرائب المحلية، والمساعدات الخارجية. غير أن هذه المصادر لا تتمتع بدرجة الاستقرار نفسها التي تتمتع بها الإيرادات في الاقتصادات الطبيعية.
فإيرادات المقاصة، التي تشكل الجزء الأكبر من الموارد المالية، تعرضت خلال السنوات الأخيرة لاقتطاعات وتأخيرات متكررة لأسباب سياسية. أما المساعدات الخارجية فقد تراجعت بشكل ملحوظ خلال العقد الأخير، في حين أن قدرة الاقتصاد المحلي على توليد إيرادات ضريبية إضافية تبقى محدودة في ظل تباطؤ النمو الاقتصادي.
هذا يعني أن الإيرادات الفعلية التي تصل إلى الخزينة العامة غالبًا ما تكون أقل من التقديرات التي تبنى عليها الموازنة.
نفقات ثابتة
في المقابل، فإن جانب الإنفاق في الموازنة يتمتع بدرجة عالية من الثبات. فالحكومة مطالبة بدفع رواتب نحو 150 ألف موظف ومتقاعد وأشباه رواتب، وهو ما يشكل فاتورة شهرية تقترب من 900 مليون إلى مليار شيكل.
إضافة إلى ذلك، تتحمل المالية العامة التزامات أخرى تشمل النفقات التشغيلية للخدمات العامة، مثل التعليم والصحة والأمن، إلى جانب خدمة الدين العام التي تصل إلى ما بين 250 و300 مليون شيكل شهريًا.
هذه النفقات لا يمكن تقليصها بسهولة أو تأجيلها لفترات طويلة، لأنها مرتبطة مباشرة بتسيير مؤسسات الدولة واستمرار الخدمات الأساسية.
معادلة السيولة
نتيجة لهذه المعادلة بين الإيرادات غير المستقرة والنفقات الثابتة، تجد الحكومة نفسها أمام ما يمكن تسميته أزمة سيولة دائمة. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في حجم الموارد على المدى السنوي، بل في توقيت وصولها مقارنة بتوقيت الالتزامات المالية.
وهذا ما يفسر لماذا تضطر الحكومة في كثير من الأحيان إلى تأجيل دفع بعض المستحقات أو اللجوء إلى الاقتراض من الجهاز المصرفي لتغطية النفقات الشهرية.
بمعنى آخر، فإن الأزمة المالية في الحالة الفلسطينية ليست مجرد عجز تقليدي في الموازنة، بل هي أيضًا أزمة إدارة تدفقات نقدية.
آثار الفجوة المالية
هذه الفجوة بين الإيرادات والنفقات لا تبقى محصورة داخل وزارة المالية، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد بأكمله. فعندما تتأخر الرواتب أو تتراكم المتأخرات للقطاع الخاص، تتراجع القدرة الشرائية للأسر وتتباطأ حركة السوق.
كما أن الشركات التي تنتظر مستحقاتها من الحكومة قد تضطر إلى تقليص نشاطها أو تأجيل استثمارات جديدة، ما يؤثر بدوره على فرص العمل والنمو الاقتصادي.
وبمرور الوقت، تتحول هذه الفجوة المالية إلى عامل يساهم في إبطاء النشاط الاقتصادي وتراجع الثقة في السوق.
من إدارة العجز إلى إدارة التدفقات
في كثير من الاقتصادات، تركز السياسات المالية على إدارة العجز السنوي في الموازنة. لكن في الحالة الفلسطينية يبدو أن التحدي الأكبر يكمن في إدارة التدفقات النقدية على أساس شهري.
فالموازنة قد تبدو متوازنة نسبيًا على الورق، لكن المشكلة تظهر عندما لا تتزامن الإيرادات مع توقيت النفقات. ولهذا السبب اتجهت الحكومة في بعض الفترات إلى اعتماد ما يعرف بالموازنة المبنية على التدفقات النقدية، حيث يتم تحديد الإنفاق وفق الموارد المتاحة فعليًا.
هذا الأسلوب قد يساعد في إدارة الأزمة على المدى القصير، لكنه لا يشكل حلًا دائمًا إذا استمرت الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
الحاجة إلى استقرار مالي
تقليص هذه الفجوة يتطلب العمل على محورين متوازيين. الأول يتعلق بتحسين استقرار الإيرادات عبر تعزيز القاعدة الضريبية المحلية وتقليل الاعتماد على مصادر الإيرادات غير المستقرة. أما المحور الثاني فيتعلق بإدارة الإنفاق العام بشكل أكثر كفاءة بما يسمح بتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تعزز النمو الاقتصادي.
كما أن تسريع سداد المتأخرات للقطاع الخاص يمكن أن يساهم في إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية، إذ أن هذه الأموال عندما تعود إلى السوق تتحول إلى استثمارات ورواتب وفرص عمل جديدة.
الخلاصة
إن التحدي المالي الذي تواجهه السلطة الفلسطينية اليوم لا يتعلق فقط بحجم العجز في الموازنة، بل بطبيعة العلاقة بين الإيرادات الفعلية والنفقات المقررة. ففي اقتصاد يعمل تحت قيود سياسية واقتصادية معقدة، يصبح تحقيق التوازن بين ما يدخل إلى الخزينة وما يخرج منها مهمة أكثر صعوبة.
ولهذا فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف يمكن تقليص العجز المالي، بل كيف يمكن بناء نظام مالي أكثر قدرة على التكيف مع تقلبات الإيرادات وضمان استقرار التدفقات النقدية
مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية
الإثنين 16 مارس 2026 10:24 صباحًا -
بتوقيت القدس
غالباً ما يُقال إن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بمشاركة إسرائيل، تكلف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، ما ستشكل ضغطاً دولياً لإنهائها سريعاً. غير أن هذا الاستنتاج، رغم صحته الظاهرية، يبقى تبسيطياً إذا لم يؤخذ في الاعتبار التفاوت الكبير في توزيع هذه الكلفة بين الدول. فالحروب لا تنتج خاسرين فقط؛ بل تعيد أيضاً توزيع المكاسب الاقتصادية في النظام الدولي.
إقليمياً، تبدو دوافع إسرائيل واضحة. فهي ترى في إضعاف إيران خطوة هامة لاستكمال تكريس تفوقها العسكري والسياسي وهيمنتها في الشرق الأوسط. لكن هذه الرغبة الإسرائيلية ما كانت لتتحول إلى حرب واسعة لولا أنها التقت مع مصلحة أمريكية أوسع تتجاوز حدود المنطقة. فالصراع مع إيران لا يمكن فصله عن التنافس الاستراتيجي المتصاعد بين واشنطن والصين على قيادة الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق يكتسب النفط أهمية مركزية. فالصين هي المستفيد الأكبر من النفط الإيراني الذي يُصدَّر إليها بكميات كبيرة وبأسعار منخفضة نسبياً نتيجة العقوبات الغربية. كما تعتمد بكين بدرجة كبيرة على النفط القادم من الخليج عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وتتجه غالبية شحناته إلى الأسواق الآسيوية، وعلى رأسها الصين والهند. ومن هنا فإن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي ينعكس أولاً وقبل كل شيء على الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتماداً على نفط المنطقة واكبرها الصين.
ولا يقتصر الأمر على إيران وحدها. فـفنزويلا، كانت قد تعرضت أيضاً لضغوط وعقوبات أمريكية خلال الفترة الاخيرة، تعد بدورها من بين موردي النفط للصين. وعند النظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يظهر نمط أوسع يتمثل في الضغط على مصادر الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد الصيني. ويأتي ذلك بالتوازي مع أدوات اقتصادية أخرى استخدمتها واشنطن مؤخرا لنفس الغاية، مثل فرض القيود الجمركية وتعزيز النزعة الحمائية في التجارة الدولية، إضافة إلى سياسات اقتصادية نقدية اهمها تخفيض سعر الدولار، تسعى إلى تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية في مواجهة السلع الصينية، الامر الذي بدى وكأنه الهدف المركزي لادارة الرئيس دونالت ترامب منذ توليه الرئاسة.
وفي الوقت نفسه، قد لا تكون الولايات المتحدة من بين المتضررين الرئيسيين من ارتفاع أسعار النفط. فبفضل إحتياطها الكبير من النفط والغاز، يمكن لارتفاع الأسعار أن يعزز تنافسية النفط الصخري الأمريكي مرتفع التكلفة في الأسواق العالمية (قدرت صحيفة الفاينانشل تايمز في افتتاحيتها اليوم 15 اذار ان شركات النفط الأمريكية مُرشحة لجني أرباح طائلة بقيمة 63 مليار دولار من اضطرابات حرب الخليج). هذا علاوة على أن الحروب عادة ما تنشط الصناعات العسكرية الأمريكية، التي تبقى المزود الأكبر للأسلحة المتقدمة في العالم.
لهذا كله، لا يكفي ملاحظة إن الحرب مكلفة للاقتصاد العالمي. السؤال الأهم هو: مكلفة لمن؟ فبينما قد ترى بعض الدول، خصوصاً في آسيا، أن إنهاء الحرب بسرعة ضرورة اقتصادية ملحة، قد تجد دول أخرى، خصوصا الولايات المتحدة، أن استمرارها لا يخلو من مكاسب استراتيجية واقتصادية. وعند هذه النقطة بالذات يصبح فهم البعد الاقتصادي للحرب مفتاحاً لفهم المواقف الدولية منها، ولماذا قد يطالب البعض بوقفها سريعاً، بينما لا يظهر البعض الآخر الاستعجال نفسه.
الإثنين 16 مارس 2026 10:23 صباحًا -
بتوقيت القدس
لقد مثّل تكريم الأديب الفلسطيني الكبير محمود شقير باختياره شخصية العام الثقافية لعام 2026 من قبل وزارة الثقافة الفلسطينية احتفاءً مستحقًا بتجربة إبداعية ووطنية امتدت لعقود، وكرّست نفسها لخدمة الكلمة الحرة والدفاع عن الذاكرة الفلسطينية في وجه محاولات الطمس والإلغاء. فهذا التكريم يليق بقامة أدبية كبيرة راكمت منجزًا سرديًا وثقافيًا غنيًا، وأسهمت في ترسيخ حضور الأدب الفلسطيني في الفضاء العربي والعالمي، عبر أعمالٍ سردية حملت روح المكان الفلسطيني وتفاصيل الحياة اليومية فيه، وحفظت للإنسان الفلسطيني صوته وحكايته وكرامته.
لقد شكّلت تجربة محمود شقير الأدبية نموذجًا فريدًا في الالتزام بقضايا الإنسان والوطن، حيث ظلّت الكتابة لديه فعل مقاومة ثقافية هادئة وعميقة في آنٍ معًا. فمن خلال القصة والرواية والمقالة، استطاع أن يحوّل التفاصيل الصغيرة في حياة الناس إلى نصوص نابضة بالحياة، تكشف جماليات المكان الفلسطيني وتعكس في الوقت ذاته قسوة الواقع الذي يعيشه شعبنا تحت الاحتلال.
غير أن سيرة محمود شقير لا تقتصر على عطائه الأدبي وحده، بل تمتد أيضًا إلى دوره الوطني والسياسي. فقد تعرّض للاعتقال والإبعاد عن وطنه من قبل سلطات الاحتلال، لكنه واصل حضوره الكفاحي بصمت وثبات، مؤمنًا بأن الدفاع عن الحرية والعدالة هو جزء لا يتجزأ من رسالة المثقف الذي يربط الثقافة بالسياسة بصورة خلاقة. كما كان من بين القيادات البارزة في الحزب الشيوعي الفلسطيني (حزب الشعب)، حيث جمع بين الالتزام الفكري والنضال الطبقي والوطني، وظلّ وفيًّا لتاريخه النضالي، ومثالًا للمثقف الذي لا ينفصل فيه الإبداع عن الموقف.
وفي قلب تجربة محمود شقير بقيت القدس حاضرة بوصفها مدينة الروح والذاكرة، ومسرح الحكايات التي لا تنتهي. لقد كتب القدس بحب عميق، وصاغ في نصوصه صورة الإنسان المقدسي وهو يتمسك بحياته وكرامته في مواجهة سياسات الإقصاء والاقتلاع. ولهذا لم تكن كتابته مجرد توثيق للمكان، بل كانت دفاعًا عن معناه الإنساني والثقافي في زمنٍ تتعرض فيه الذاكرة الفلسطينية لمحاولات التشويه والطمس.
إن تكريم محمود شقير اليوم هو تكريم للكلمة التي بقيت وفية للحقيقة، وللأدب الذي انحاز إلى الإنسان وكرامته. وهو في الوقت نفسه رسالة تقدير لكل المثقفين الفلسطينيين الذين حافظوا، عبر الكتابة والإبداع، على جذوة الوعي والهوية في أحلك الظروف.
كل المحبة والاعتزاز للأديب الكبير الرفيق العزيز محمود شقير "ابو خالد " ، مع أصدق التمنيات له بموفور الصحة ودوام العطاء. ومبارك له هذا الاستحقاق الثقافي الرفيع، ومبارك للثقافة الفلسطينية أحد أنبل أصواتها وأكثرها وفاءً للإنسان والمكان والذاكرة.
الإثنين 16 مارس 2026 10:23 صباحًا -
بتوقيت القدس
في ليلةٍ من ليالي رمضان، حين تمتلئ القلوب بانتظار الفجر وتتلألأ العيون بفرحة العيد القريب، خرجت عائلة فلسطينية بسيطة من بلدة طمون جنوب طوباس.
لم يكن في نيتها سوى أمرٍ صغير، بسيط، يكاد يكون طقساً سنوياً لكل عائلة: شراء ملابس العيد. كانت سيارةٌ عائلية صغيرة تحمل ستة أرواح، وستة قلوبٍ تحلم بصباح العيد.
الأب علي بني عودة خلف المقود، وبجانبه زوجته وعد. وفي المقعد الخلفي أربعة أطفال: عثمان، محمد، مصطفى، وخالد.
داخل تلك المركبة الصغيرة كان العالم يبدو دافئاً. ضحكات الأطفال كانت أعلى من صوت الطريق.
وكان كل واحدٍ منهم يتسابق ليقترب من المقعد الأمامي؛ يقبّل والده، ثم يميل ليطبع قبلةً على خدّ أمه.
كانوا يحتفلون بالعيد قبل أن يصل.
لكن الطريق الذي حمل تلك الضحكات لم يكن يعلم أنه بعد لحظات سيتحوّل إلى مسرحٍ للموت.
فجأة، وبدون إنذار، انهمر الرصاص.
رصاص كثيف، مباشر، بلا نداءٍ للتوقف، ولا محاولة للتفتيش، ولا حتى لحظة تردّد. تحوّلت السيارة العائلية إلى هدفٍ في مرمى النار.
في ثوانٍ قليلة فقط، سقطت الضحكات. واختلطت صرخات الأطفال بصوت الرصاص. في تلك اللحظة، حاولت الأم وعد أن تحمي أبناءها.
مدّت جسدها فوقهم كما تفعل كل الأمهات حين يقترب الخطر من صغارهن. وكانت آخر كلمة خرجت من بين شفتيها، وسمعها أحد أبنائها وسط الفوضى والرصاص: "خلاااااص…".
لم تكن مجرد كلمة. كانت صرخة أمٍ تحاول أن توقف الموت بيديها المرتجفتين. لكن الرصاص كان أسرع. ارتقت وعد شهيدة. ولحق بها زوجها علي بعد أن اخترقت جسده عدة رصاصات.
أما الطفلان عثمان ومحمد فقد صعدا مع والديهما إلى السماء.
وفي المقعد الخلفي، بقي طفلان يصارعان الألم والذهول، مصطفى أصيب في عينه، وخالد أصيب في رأسه.
وخلال دقائق قليلة فقط، تحوّل مشهد عائلي بسيط -أب عاد إلى بيته بعد غياب، واصطحب عائلته ليشتري لهم فرحة العيد- إلى مأساة إنسانية تهز الضمير.
انتهت الرحلة، لكنها لم تنتهِ عند باب متجرٍ لملابس العيد، بل عند باب الفاجعة.
وهكذا أضيفت قصة جديدة إلى السجل الطويل للألم الفلسطيني؛ سجلٌّ تُكتب صفحاته بدم العائلات، ودموع الأمهات، وأحلام الأطفال التي لم تصل إلى صباح العيد.
ما حدث في طمون ليس حادثاً عابراً، ولا مأساةً فردية. إنه فصلٌ آخر من سلسلة طويلة من الانتهاكات التي تطال المدنيين الفلسطينيين، حيث تتحوّل الطرقات إلى مصائد موت، وتتحول المركبات المدنية إلى أهداف.
إن استهداف عائلة كاملة داخل مركبة مدنية يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ويكشف عن نمطٍ متكرر من الاستخدام المفرط للقوة ضد المدنيين.
وأمام هذه الجريمة، لا يكفي الحزن، ولا تكفي البيانات الباردة. إن المجتمع الدولي، ومؤسساته الحقوقية والإنسانية، مطالب اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى بتحمّل مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
فحماية المدنيين ليست شعاراً يُرفع في المؤتمرات، بل التزامٌ قانوني نصّت عليه اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني. إن الصمت أمام هذه الجرائم لا يعني الحياد؛ بل يعني السماح باستمرارها. مجزرة طمون ليست مجرد خبرٍ عابر. إنها حكاية أطفالٍ خرجوا ليبحثوا عن ملابس العيد في نابلس… فعادوا إلى قريتهم "طمون" ملفوفين بالكفن.
ويبقى السؤال الكبير معلقاً أمام ضمير العالم: كم من الأمهات يجب أن يصرخن "خلاااااص".. قبل أن يقول العالم.. أخيراً.
الإثنين 16 مارس 2026 10:22 صباحًا -
بتوقيت القدس
تحتاج القدس اليوم إلى إعادة تعريف شكل المسؤولية تجاهها أكثر من حاجتها إلى الحديث عن مكانتها، فالمشكلة لم تعد في حضورها داخل الوجدان الانساني، بل في الفجوة المتسعة بين حضورها الرمزي وما يُبذل فعليًا لحماية شروط صمودها، لتبدو المدينة كأنها تحمل مكانتها وحدها، فيما تُترك تفاصيل حياتها اليومية تحت ضغط متواصل يعيد تشكيلها ببطء، وهنا يظهر السؤال الذي لا يجوز تأجيله ما معنى أن تبقى القدس أمانة إذا لم تتحول هذه الأمانة إلى التزام يومي واضح؟
تُستنزف القدس عبر تراكم طويل يجعل الخسارة أحيانًا أقل صخبًا وأكثر عمقًا، وحين تبقى المدينة حاضرة في الخطب أكثر من حضورها في البرامج، يصبح الخلل سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، لأن المدينة التي يُرفع اسمها كثيرًا يجب أن تظهر بوضوح في مشاريع التعليم والصحة والإسكان والسوق وحماية المؤسسة، وهنا تكمن مفارقة قاسية وهي (كلما ارتفع اسم القدس في الخطاب العام، اشتد اختبار صدقية هذا الخطاب في قدرة الناس على حماية تفاصيل الحياة فيها)، لأن صمودها لا يُقاس بقوة حضورها الرمزي، بل بقدرة المجتمع على إبقاء شروط الحياة ممكنة داخلها.
- الخطر كما يظهر في يومٍ مقدسيّ
يتسلل الخطر إلى القدس عبر تفاصيل تتكرر حتى تبدو مألوفة، فالمدرسة تواجه ضغطًا يوميًا كي تحافظ على هويتها، والمؤسسة الأهلية تستهلك جزءًا كبيرًا من جهدها في تأمين شروط استمرارها بدل توسيع أثرها، والشباب يفكرون في مستقبلهم داخل مدينة ترتفع فيها كلفة الحياة وتتراجع فيها الفرص، أما التاجر فيفتح محله وهو يدرك أن السوق لم يعد يتحرك وفق إيقاعه الطبيعي.
تكشف هذه التفاصيل واقعًا يتشكل ببطء، وتشير الى خطر حقيقي يظهر في تكرارها حتى تفقد قدرتها على لفت الانتباه، والأخطر أن المجتمع يعتاد بعض التحولات من دون أن ينتبه إلى أن الاعتياد نفسه جزء من الخسارة، فالضغط اليومي يعيد تشكيل السلوك والخيارات والعلاقات الاجتماعية ويؤثر تدريجيًا في صورة المدينة داخل وعي أهلها، كما أن تراجع الثقة بالفعل الجماعي يفتح المجال أمام نزعة فردية متزايدة، إذ يبدأ كل طرف في البحث عن خلاصه الفردي، وهو ما يضعف المدينة ويؤخر قدرتها على المبادرة، ويجعل الاستجابة المشتركة أكثر صعوبة كلما طال غياب الفعل المنظم.
تبدأ حماية القدس من الفرد
ابدأوا من الفعل الفردي، لأن ما يبدو في القدس خيارًا شخصيًا صغيرًا يتحول في أثره إلى مساهمة مباشرة في حماية توازن المدينة اليومي، حين يقرر الفرد أن يجعل السوق المقدسي جزءًا ثابتًا من استهلاكه، فإنه يدعم شبكة حياة كاملة تبدأ من التاجر وتمتد إلى استقرار الدورة الاقتصادية المحلية، وحين تصبح زيارة القدس فعلًا منتظمًا غير مرتبط بالمواسم أو المناسبات، يتحول الحضور نفسه إلى رسالة عملية تؤكد أن المدينة ليست عنوانًا عاطفيًا عابرًا، بل امتدادًا طبيعيًا للحياة الفلسطينية اليومية.
امنحوا التضامن بُعده العملي عبر مساهمة شهرية ثابتة، ولو كانت متواضعة، لدعم مبادرة تعليمية أو صحية أو اجتماعية داخل القدس، فالمدينة لا تحتاج فقط إلى من يحبها، بل إلى من يشارك فعليًا في تحمّل كلفة صمودها، لأن القرار الصغير المنتظم يترك أثرًا أعمق من موقف كبير يبقى في حدود التعبير.
تعزيز معنى الانتماء العملي داخل الأسرة
عزّزوا داخل الأسرة علاقة يومية واعية مع القدس، لأن الأسرة تشكّل المجال الأول الذي تتكوّن فيه صورة المدينة داخل وجدان الجيل الجديد، ولا يقتصر دورها على التربية الوجدانية، بل يمتد إلى بناء معرفة حيّة تجعل القدس جزءًا من التجربة اليومية لا مجرد رمز بعيد، وحين يعرف الطفل أسماء الأحياء وتاريخ الأسواق وقصص الناس ومسارات الحياة في المدينة، يصبح أكثر قدرة على إدراك القدس بوصفها جزءًا من هويته الشخصية والجمعية، اجعلوا حضور القدس جزءًا من السلوك الأسري المنتظم عبر الزيارة والمتابعة والاختيار الاقتصادي الواعي، فالأسرة التي تذهب إلى المدينة وتشتري من أسواقها وتتابع أخبارها اليومية تسهم في بناء علاقة متينة بين المجتمع والمدينة، كما تمنح الأبناء شعورًا بأن القدس حياة قريبة وتجربة معيشة وليست ملفًا عامًا بعيدًا.
فعّلوا المؤسسات قبل أن يسبقها الواقع
فعّلوا دور المؤسسات الأهلية والدينية والمدنية في القدس ومحيطها، لأن المرحلة لم تعد تحتمل تشتت الجهد أو بقاء كل طرف داخل حدوده المنفصلة، فالمدينة تحتاج إلى شبكة أولويات مشتركة تبدأ بالتعليم والصحة والإسكان والاقتصاد والدعم الاجتماعي، وتمتد إلى حماية الفضاء الثقافي بوصفه جزءًا من مناعة المجتمع وقدرته على الاستمرار.
راجعوا شكل العمل المؤسسي بحيث يصبح أكثر اقترابًا من الاحتياجات اليومية وأكثر قدرة على بناء شراكات حقيقية، لأن المؤسسة التي تعمل بمعزل عن غيرها تخسر جزءًا من أثرها مهما كان جهدها كبيرًا، بينما يمنح التنسيق قدرة أكبر على توجيه الموارد نحو الأولويات الفعلية، ويجعل الاستجابة أكثر تماسًا مع ما تحتاجه المدينة فعلًا.
ألزموا السياسة بأن تقترب من التفاصيل
ألزموا الخطاب الرسمي بأن يقترب من التفاصيل، لأن القدس لا يكفي أن تبقى عنوانًا ثابتًا في الموقف السياسي ما لم تتحول إلى ملف يومي تتابعه أدوات واضحة في التمويل والتنسيق، فالمدينة تحتاج إلى إدارة تدرك أن كل تأخير في دعم قطاعاتها يترك أثرًا مباشرًا في معركة الصمود.
شجّعوا المستوى العربي على تجاوز حدود التضامن اللفظي نحو شراكة عملية أكثر اتصالًا باحتياجات المدينة، فالمنح المهنية ودعم المبادرات يمنحان القدس قدرة أكبر على تثبيت مجتمعها وتعزيز قدرتها على الاستمرار.
عزّزوا الحضور العالمي للقدس عبر المعرفة الدقيقة والشراكات الأكاديمية والمهنية، لأن الرواية المستندة إلى التوثيق والعمل المؤسسي الطويل تملك قدرة أكبر على تثبيت الحقيقة وإبقاء المدينة حاضرة باعتبارها قضية حياة يومية لا مجرد عنوان سياسي.
ثقوا أن القدس لا تُصان بالشعارات، بل بالفعل اليومي الذي يحمي الإنسان والمكان والمؤسسة والذاكرة ويصون حضورها الحي في الوعي والميدان، فهي امتحان لصدق فعل الأوفياء، وكل تأخير في تحويل الوفاء إلى برنامج عمل مستدام يعني خسارة جديدة في مدينة لا تزال تطلب مسؤولية تليق بمكانتها ومعناها.
الإثنين 16 مارس 2026 10:21 صباحًا -
بتوقيت القدس
مع اتساع رقعة الحرب في المنطقة عقب المواجهة مع إيران، تحوّلت بوصلة الاهتمام الدولي والإعلامي سريعًا نحو ساحات الصراع الجديدة، لتتراجع غزة مرة أخرى إلى الهامش ، لم تتوقف الحرب على القطاع، ولم تتغير قسوة الواقع الإنساني فيه، لكن ما تغيّر هو موقعه في سلّم الأولويات العالمية ، فالأحداث في الإقليم غالبًا ما تبتلع ما دونها من أزمات، حتى وإن كانت تلك الأزمات تمس حياة ملايين البشر الذين يعيشون تحت الحصار والقصف.
لقد ألقت الحرب على إيران بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي والإعلامي، فباتت غزة حاضرة في ذيل نشرات الأخبار بعد أن كانت ولو مؤقتًا في قلب الاهتمام العالمي، هذا التحول لم يكن مجرد مسألة إعلامية، بل انعكس عمليًا على مستوى الضغط الدولي وعلى حجم التفاعل مع الكارثة الإنسانية المتفاقمة في القطاع، فحين ينشغل المجتمع الدولي بملفات الحرب الإقليمية ، تتراجع قدرة غزة على استقطاب الاهتمام والدعم العاجل، وكأن مأساة سكانها يمكن أن تنتظر حتى تهدأ العواصف في المنطقة.
ورغم هذا التراجع في الاهتمام، لم تتوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية في القطاع فما تزال الغارات الجوية والاعتداءات المتكررة تضرب مناطق مختلفة من غزة، وتبقي السكان في حالة توتر دائم، حيث يعيش الناس بين الخوف من القصف والخشية من المستقبل المجهول ، ان واقع الحرب المستمرة في ظل غياب ضغط دولي فعال، يمنح إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عملياتها دون أن تواجه القدر نفسه من التدقيق أو المساءلة .
إلى جانب ذلك، يتفاقم الوضع الإنساني نتيجة القيود المتزايدة على دخول المساعدات فقد شهدت الأيام الأخيرة تصاعدًا في التضييق على وصول الإغاثة الإنسانية، خاصة بعد إغلاق المعابر المؤدية إلى القطاع، وهو ما ضاعف من صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على هذه المساعدات، وقد أعلنت إسرائيل إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى غزة لأسباب أمنية، بما في ذلك معبر رفح الحدودي مع مصر، قبل أن تعيد لاحقًا فتح معبر كرم أبو سالم بشكل محدود للسماح بدخول كميات تدريجية من المساعدات، وهي كميات لا تزال بعيدة عن تلبية الاحتياجات الفعلية للسكان.
هذا الواقع انعكس بوضوح على الحياة اليومية داخل القطاع. فالنقص الحاد في المواد الأساسية بات ملموسًا في الأسواق، حيث أصبحت السلع محدودة الكمية، بينما ترتفع أسعارها بشكل متواصل، ما يزيد من معاناة السكان الذين يعيشون أصلًا تحت ضغط الفقر والبطالة والدمار، ومع حلول شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، تتضاعف قسوة المشهد، إذ يجد كثير من العائلات نفسها عاجزة عن توفير أبسط متطلبات الحياة، في وقت يفترض أن يكون موسمًا للتكافل والطمأنينة.
سياسيًا، تكشف هذه اللحظة عن معضلة أعمق تتعلق بطبيعة الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، فغزة تبدو مرة أخرى، رهينة لتقلبات المشهد الإقليمي؛ فإذا اشتعلت حرب أكبر في المنطقة، تراجعت معاناتها إلى الخلف، وإذا هدأت الجبهات الأخرى عادت لتتصدر المشهد مؤقتًا، هذا النمط يعكس خللًا بنيويًا في التعامل الدولي مع القضية الفلسطينية، حيث تتحول الكارثة الإنسانية إلى ملف موسمي يتقدم أو يتراجع وفقًا لأولويات القوى الكبرى وليس وفقًا لحجم المأساة على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو غزة وكأنها تدفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها الجغرافية، فبينما تنشغل العواصم الكبرى بحسابات الحرب مع إيران وتداعياتها الاستراتيجية، يستمر القطاع في مواجهة حربه الخاصة: حرب القصف والحصار والجوع، إنها حرب أقل حضورًا في العناوين، لكنها لا تقل قسوة على الأرض.
وهكذا، تقف غزة اليوم على هامش حرب لا تدور على أرضها، لكنها تدفع جزءًا من كلفتها، فحين تتجه أنظار العالم إلى جبهة أخرى، تتسع مساحة الصمت حول القطاع، ويصبح الألم الفلسطيني خبرًا ثانويًا في زمن الحروب المتلاحقة، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها تبقى واضحة: ان غزة ما تزال تحت النار، وقد تنشغل العواصم العالم بحروبها وحساباتها الاستراتيجية، وقد تنتقل عدسات الإعلام من جبهة إلى أخرى، لكن الحقيقة التي لا يمكن تغييبها أن غزة ما تزال هناك، حيث القصف والحصار والجوع، فبينما تتصارع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والهيمنة، تعيش غزة معركة يومية من أجل البقاء.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط استمرار الحرب، بل اعتياد العالم على المأساة، وتحول معاناة غزة إلى خبر عابر في زمن الحروب الكبيرة ، غير أن الألم لا يصبح أقل قسوة فقط لأن الكاميرات ابتعدت، ولا تتراجع المأساة لأن العناوين تغيّرت، فغزة، رغم كل شيء، ما تزال تقف على خط النار، تذكّر العالم بأن خلف ضجيج الصراعات الكبرى شعبًا كاملًا يقاتل من أجل الحياة،
الإثنين 16 مارس 2026 10:20 صباحًا -
بتوقيت القدس
ذنبهم الوحيد أنهم قرروا شراء ثياب العيد برفقة والديهما، فخرجوا بعد أن تناولوا طعام الافطار وذهبوا للتسوق في مدينة نابلس، وذنبهم الأكبر أنهم ولدوا فلسطينيين على أرض طمون جنوب طوباس، ولا ذنب آخر اقترفوه لتخترق نحو سبعين رصاصة مركبتهم بكل وحشية ودموية، فمات الأب والأم واثنان من الأبناء، بينما نجا اثنان آخران، شاء القدر ألا تصيبهما رصاصات الجنود، فخرجوا من المركبة واحتضنوا بعضهم عند تلك اللحظة التي اسود فيها وجه العالم بعين الأطفال الصغار وهم يشهدون المجزرة التي ارتُكبت بحق عائلتهم.
اغتالهم رصاص الحقد والكراهية وأفكار التطرف وتحريض بنغفير وسياسات اليمين المتطرف، وعقيدة الموت والقتل والخراب، واغتالتهم حالة الصمت الدولي والمواقف الخجولة من قبل مجلس الأمن الذي لم يتحرك منذ عامين ونصف لوقف المقتلة المستمرة من رفح وحتى طمون وعلى امتداد خارطة الوطن.
يقول الطفل الذي نجا من المجزرة: قلت للجندي القاتل: "بتحب أبوك وأمك؟" فأجابني: نعم، فقلت له: "إذن لماذا قتلت أبي وأمي؟" فضربني على وجهي.
المركبة التي تحوّلت إلى مقبرة على طريق العيد، والعائلة التي اغتيلت بأكثر من سبعين رصاصة، وهي عائدة إلى بيتها، ممتلئة بالسعادة ودفء ضحكات الصغار الفرحين بثيابهم الجديدة بانتظار العيد السعيد.
أيُّ عيد هذا والواقع مأساة مزدحمة بالموت
وأيُّ سعادة يطاردها الجنود وتغتالها البنادق.
مشهد المركبة التي أُعدمت فيها عائلة بني عودة بأكثر من سبعين رصاصة يُظهر حجم البشاعة والإرهاب والإمعان في ممارسة القتل، فالعائلة العائدة من مدينة نابلس بعد أن اشترت ملابس العيد لصغارها الذين كانوا يرقصون من شدة الفرح، فوجئت بوابل كثيف من الرصاص ينطلق نحوهم، وما هي إلا لحظات قليلة حتى أصبحوا في عداد الموتى شهداء، ومن نجا منهم سيعيش مع الفقد واليتم طيلة حياته، يتيم يعانق يتيمًا.
إنه كابوس الحياة البشع في فلسطين هذا الاحتلال الذي يواصل جرائمه، ويلقي بأحقاده على كل قرية وكل مخيم وكل مدينة، و يزرع الخوف في قلوب الأطفال والشيوخ والنساء، ويغتال الصغار والكبار، ويهدم البيوت ويستولي على الأرض ويطمس الهوية.
ماتوا
ولا ذنب لهم
لكنه صمت العالم
الإثنين 16 مارس 2026 10:19 صباحًا -
بتوقيت القدس
في خضم التصعيد العسكري العدواني الأمريكي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، أعادت تصريحات وزير الدفاع الأمريكي الأخيرة الجدل حول طبيعة الخطاب السياسي الذي يرافق هذه الحروب. فالإشارة إلى مواجهة بين ما يسمى "القيم المسيحية – اليهودية" و"الإسلاموية" لا تبدو مجرد صياغة خطابية عابرة، بل تعكس اتجاهاً فكرياً متجذراً في بعض دوائر التأثير السياسي والفكري في الغرب وتحديدا بالولايات المتحدة، التي تعتبر ترامب "كخيار الٓهي لمحاربة الشر".
هذا الخطاب يرتبط بصعود التيارات المسيحية الصهيونية والإنجيلية الجديدة في الولايات المتحدة، والتي تتقاطع في كثير من مواقفها مع توجهات اليمين الشعبوي والمحافظين الجدد، والتي تجد امتدادات لها في بعض الأوساط اليمينية الأوروبية واللاتينية الأمريكية. وفي هذا السياق، يُقدم الصراع في الشرق الأوسط أحياناً باعتباره جزءاً من مواجهة حضارية بين الغرب وخصومه، وليس نتيجة مباشرة لصراعات سياسية أو لواقع الأحتلال والاستعمار الاستيطاني في فلسطين.
ويتقاطع هذا المناخ الفكري مع الخطاب السياسي الذي عاد إلى الواجهة في الولايات المتحدة مع صعود الترامبية الفاشية، حيث يجري أحياناً توظيف الرمزية الدينية والثقافية في تفسير الصراعات الدولية، وكأنها معركة أخلاقية أو حضارية بين الخير والشر. مثل هذا الخطاب يجد صدى لدى قطاعات من التيار الإنجيلي الداعم لإسرائيل، ويمنح السياسات الأمريكية في المنطقة بعداً أيديولوجياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.
تكمن خطورة هذا الاتجاه في أنه يعيد تعريف طبيعة الصراع، فعندما تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن حضارة أو عقيدة، تتحول النزاعات السياسية القابلة للتفاوض إلى مواجهات وجودية يصعب التراجع عنها. فالصراع لم يعد فقط يدور حول حدود أو مصالح أو ترتيبات جيوسياسية، بل حول الهوية والرسالة التاريخية.
هذه الرؤية ليست بعيدة عن أطروحة المفكر صمؤيل هنتينجتون حول "صدام الحضارات"، التي افترضت أن الصراعات المستقبلية ستكون بين كتل حضارية كبرى. وعلى الرغم من الانتقادات الواسعة التي وُجهت لهذه النظرية، فإن بعض الخطابات السياسية في الغرب ما زالت تعيد إنتاجها بصيغ مختلفة، خاصة في سياق الحروب الوحشية الدائرة في منطقتنا التي يقررها الحلف الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي.
ويتجلى أثر هذا الخطاب في الطريقة التي يُفسر بها الصراع في فلسطين والمنطقة اليوم، فعدوان الإبادة الإسرائيلي المدعوم أمريكيا على غزة وما رافقه من دمار واسع لا يُقدم في بعض الدوائر الغربية باعتباره نتيجة للأحتلال الأستيطاني أو لفشل عملية السلام، بل يُصور أحياناً كجزء من مواجهة حضارية أوسع. وفي هذا الإطار، يُقدم التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل ليس فقط كشراكة استراتيجية، بل كتحالف يقوم على أسس ثقافية ودينية مشتركة.
ويتزامن هذا الخطاب مع تسارع سياسات الضم والاستيطان في الضفة الغربية التي تنفذها حكومة نتنياهو، والتي لا تقتصر على توسيع المستوطنات والضم، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفصل غزة، بما يهدد عملياً بإلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وفي هذا السياق، يشير المؤرخ الإسرائيلي المناهض للصهيونية "ايلان بابيه" إلى أن ما يجري اليوم يعكس تحولاً أعمق في التفكير السياسي داخل إسرائيل. فالحروب لم تعد تُقدم داخل المجتمع الإسرائيلي بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كجزء من مشروع تاريخي أوسع يرتبط برؤية أيديولوجية–دينية تعتبر اللحظة الحالية فرصة لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة وإنجاز ما تسميه بعض التيارات الصهيونية "تصحيح أخطاء الماضي".
وعندما يتقاطع هذا التصور مع الخطاب الحضاري في بعض الدوائر الغربية، مع مشاريع الضم الزاحف في الضفة الغربية والترتيبات الأمريكية لغزة، تصبح الصراعات أقل ارتباطاً بالترتيبات السياسية وأكثر ارتباطاً برؤية أيديولوجية تتحدث صراحة عن إعادة تشكيل المنطقة وفق تصور "إسرائيل الكبرى".
لكن، ورغم أهمية هذا البعد العقائدي، فإن اختزال الصراع في إطار ديني فقط يبقى تبسيطاً مضللاً. فالحروب في الشرق الأوسط ترتبط أيضاً بمصالح جيوسياسية واقتصادية عميقة، تشمل سياسات البترودولار والطاقة والأسواق والممرات البحرية الاستراتيجية، إضافة إلى دور مجمع الصناعات العسكرية والتكنولوجية في النظام الدولي أحادي القطب القائم.
فالتحالف مع إسرائيل والعمليات العسكرية في المنطقة لا يعكسان فقط دفاعاً عن "قيم حضارية"، بل يشكلان أيضاً أدوات للحفاظ على النفوذ الأمريكي وضمان السيطرة على الموارد الحيوية في النظام العالمي الذي يريدون استمراره لمنع التحولات الجارية به.
إن أخطر ما في إضفاء الطابع الديني على الصراعات السياسية أنه لا يهدد فقط فرص التسوية التي هي بعيدة اصلا، بل يعيد تشكيل طبيعة النزاعات نفسها. فحين تُقدم الحروب باعتبارها دفاعاً عن الحضارة أو العقيدة، تصبح التسويات السياسية أشبه بتنازلات وجودية يصعب قبولها وهو امر تسعى له الحركة الصهيونية.
وفي منطقة مثل الشرق الأوسط، حيث تتقاطع الهويات الدينية مع التنافس الجيوسياسي، يمكن لمثل هذا الخطاب أن يهيئ البيئة الفكرية لحروب أطول وأكثر خطورة كما ولتبرير الدوافع الكامنة. فالتاريخ يبين أن الحروب التي تُخاض باسم الدين أو الحضارة غالباً ما تكون الأكثر دموية والأطول زمناً، لأنها تحوّل الصراع من نزاع سياسي قابل للحل احيانا إلى مواجهة وجودية مفتوحة.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يقتصر على إنهاء الحروب الدائرة، بل يتجاوز ذلك إلى منع تحويلها إلى صراعات هوية أو عقيدة، لأن استمرار هذا المسار لا يهدد فقط مستقبل القضية الفلسطينية، بل يهدد أيضاً استقرار الشرق الأوسط برمته حيث تعتبر أسراىيل فيه خط الدفاع الأول عن الحضارة الغربية في مواجهتها مع الشرق الناهض.
الإثنين 16 مارس 2026 10:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
لم يعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الصهاينة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس مجرد حوادث متفرقة أو انفلاتات فردية يمكن تفسيرها بالتطرف أو الغضب.
ما يجري اليوم هو نمطٌ متكرر ومنهجي من الاعتداءات المنظمة التي تتم تحت حماية مباشرة أو غير مباشرة من سلطات الاحتلال في إسرائيل، الأمر الذي يكشف بوضوح أن هذه الجرائم باتت جزءًا من سياسة قائمة على فرض الوقائع بالقوة وترهيب الفلسطينيين لدفعهم إلى ترك أرضهم.
ففي جريمة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاعتداءات، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني في نابلس اليوم عن استشهاد شاب فلسطيني متأثرًا بإصابته برصاص مستوطنين في الصدر في بلدة قصرة.
حادثة أخرى تؤكد أن دم الفلسطيني أصبح هدفًا مباحًا لعصابات الاستيطان، التي تتحرك بثقة لأنها تدرك أن يد العدالة لن تصل إليها في ظل الحماية السياسية والعسكرية التي توفرها لها الحكومة الإسرائيلية.
لقد تحولت المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى قواعد متقدمة لمشروع استعماري إحلالي يسعى إلى السيطرة على الأرض وإقصاء أصحابها الأصليين.
فالمستوطنون لا يكتفون ببناء البؤر الاستيطانية ومصادرة الأراضي، بل يمارسون سياسة يومية من الإرهاب المنظم: إحراق المنازل والمركبات، اقتلاع أشجار الزيتون، الاعتداء على المزارعين، إغلاق الطرق، وإطلاق النار على المدنيين العزل.
وغالبًا ما تقع هذه الاعتداءات أمام أعين جيش الاحتلال أو تحت حمايته المباشرة.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لم تعد مجرد سلوك متطرف لجماعات هامشية، بل أصبحت جزءًا من منظومة سياسية وأمنية.
فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تكتفِ بغض الطرف عن هذه الجرائم، بل شجعتها عمليًا عبر توسيع الاستيطان، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتوفير الحماية العسكرية للمستوطنين.
وهكذا يتحول المستوطن المسلح إلى ذراع غير رسمية لسياسة الدولة، تمارس العنف حيث لا تستطيع الحكومة أن تعلن عنه صراحة.
ومن منظور القانون الدولي، فإن هذا الواقع يمثل انتهاكًا صارخًا للشرعية الدولية.
فالقانون الدولي الإنساني، وعلى رأسه اتفاقية جنيف الرابعة، يحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، كما يحظر الاعتداء على السكان المدنيين أو ممتلكاتهم.
ورغم وضوح هذه القواعد القانونية، تستمر إسرائيل في توسيع مشروعها الاستيطاني في تحدٍ مباشر لقرارات الأمم المتحدة وللمبادئ الأساسية للقانون الدولي.
إن ما يجري اليوم في القرى والبلدات الفلسطينية ليس مجرد نزاع محلي، بل اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي.
فإذا استمرت هذه الجرائم دون مساءلة، فإن ذلك يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل القانون، وأن حياة الفلسطينيين يمكن أن تبقى خارج دائرة الحماية الدولية.
المطلوب اليوم يتجاوز بيانات القلق أو الإدانة اللفظية.
المطلوب خطوات عملية لوقف إرهاب المستوطنين ومحاسبة مرتكبيه.
فالمجتمع الدولي مطالب بالضغط الجاد على الحكومة الإسرائيلية لوقف هذه الاعتداءات، وتفكيك البؤر الاستيطانية غير القانونية، وملاحقة المسؤولين عنها وفق قواعد العدالة الدولية.
كما أن حماية الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة يجب أن تتحول إلى أولوية دولية، عبر آليات رقابة ومساءلة حقيقية تضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب.
فالتجارب أثبتت أن غياب المحاسبة هو ما يشجع استمرار هذه الجرائم وتوسعها.
إن الدم الفلسطيني الذي يسقط برصاص المستوطنين ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل شاهد حي على مأساة إنسانية وسياسية مستمرة منذ عقود.
ومع كل شهيد جديد يتجدد السؤال الأخلاقي أمام العالم: إلى متى يبقى القانون الدولي عاجزًا أمام سياسة القوة؟
إن وقف إرهاب المستوطنين، وإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في الحرية وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، ليس مطلبًا فلسطينيًا فحسب، بل شرط أساسي لتحقيق سلام عادل ودائم في المنطقة.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى صوت الضحايا يذكّر العالم بأن العدالة المؤجلة ليست عدالة، وأن الأرض التي رويت بدماء أبنائها لا يمكن أن تتخلى عن حقها في الحياة والحرية والكرامة.
الإثنين 16 مارس 2026 10:15 صباحًا -
بتوقيت القدس
في كل موسم انتخابي نسمع الكثير من الكلمات الكبيرة والوعود الجميلة، لكن ما يبحث عنه المواطن في النهاية ليس الخطابات، بل التغيير الحقيقي في حياته اليومية. فالناس تريد طرقاً أفضل، وخدمات أنظف، وبيئة منظمة، وإدارة قريبة منها تسمع مشاكلها وتعمل على حلها. وهنا يبدأ الدور الحقيقي للمدن والقرى عبر مجالسها البلدية والمحلية.
إن تطوير المدن والقرى لا يعتمد فقط على حجم الإمكانيات المالية، بل على القدرة الحقيقية في استثمار كل ما هو متاح من موارد. فهناك موارد مالية يمكن إدارتها بشكل أفضل، وهناك موارد بشرية داخل المؤسسات البلدية من موظفين وكوادر قادرة على العطاء، إضافة إلى طاقات كبيرة في المجتمع المحلي من خبرات ومبادرات وأفكار يمكن أن تسهم في البناء والتطوير.
المجالس البلدية والمحلية الناجحة هي التي تدرك أن دورها لا يقتصر على تقديم الخدمات اليومية فقط، بل يتعدى ذلك إلى قيادة عملية التنمية في المدينة أو القرية. فالمجلس البلدي يجب أن يكون قادراً على جمع الطاقات، وتنظيم الجهود، وتحويل الإمكانيات المتاحة إلى مشاريع وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
لكن النجاح الحقيقي للعمل البلدي لا يتحقق دون شراكة حقيقية مع المجتمع. فدور البلديات لا يجب أن يكون إدارياً فقط، بل مجتمعياً أيضاً. عليها أن تعمل على تكوين أسرة كبيرة من أبناء المجتمع المحلي تلتف حول المجلس البلدي، وتكون شريكاً حقيقياً في عملية البناء والتطوير.
فعندما يشعر المواطن أن المجلس البلدي قريب منه، يستمع إليه، ويشاركه التفكير في الحلول، يصبح المجتمع كله جزءاً من عملية التطوير. وعندها تتحول المدن والقرى إلى مساحة عمل مشتركة بين المجلس البلدي والمواطنين، حيث يتحمل الجميع مسؤولية الحفاظ على المكان وتطويره.
إن تطوير المدن والقرى لا يحتاج إلى خطابات رنانة ولا إلى وعود انتخابية تتكرر كل بضع سنوات. ما يحتاجه فعلاً هو نية صادقة لخدمة الناس، وعمل جاد ومستمر، وإيمان حقيقي بأن الشراكة مع المجتمع هي الطريق الأقصر لتحقيق النجاح.
فالمدن التي تتقدم ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، بل الأكثر قدرة على استثمار إمكانياتها، والأكثر قرباً من مواطنيها، والأكثر إيماناً بأن العمل المشترك هو أساس النجاح.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الواضحة أن المدن والقرى لا تُبنى بالكلام، بل بالعمل. ولا تتطور بالوعود، بل بالإرادة الصادقة والتعاون بين المجالس البلدية والمجتمع المحلي. وعندما تتحول هذه الشراكة إلى ثقافة يومية، يصبح التطوير ممكناً، ويصبح المستقبل أفضل لجميع.
كاتب وسياسي فلسطيني
الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا -
بتوقيت القدس
ليندسي جراهام، السيناتور الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية، الذي يصرّح يميناً وشمالاً وكأنه صانع قرار في البيت الأبيض والخارجية والحربية في وقت واحد، يقدّم نموذجاً لماكينة السم والتحريض والجهل أيضاً، فهو يدعو صراحة إلى تكرار ما تم فعله في اليابان وألمانيا لضمان تغيير الشعوب والحدود والثقافة، إنه يدعو صراحة إلى الإزالة والحذف، وكأن الناس مجرد ديكور في لعبة كمبيوتر، وهو لا يُخفي كراهيته الشديدة وعداءه السافر للإسلام والمسلمين، ولا يتوانى عن وصف ما يجري بأنه حرب دينية، المنتصر فيها سيحدد شكل المرحلة لألف سنة قادمة، وهذا ما يُذّكر بعقيدة الألفية السعيدة، حيث ينتصر الخير على الشر حسب الأجندات الاستعمارية طبعاً.
غراهام هذا يقدم نموذجاً للعقلية المتطرفة المغلقة التي تُفصِّل النصوص الدينية كما تريد، وتحولها من صلة روحية دينية إلى تبرير استعماري يبيح القتل والتشريد والتدمير، والمشكلة هنا التي تدفع إلى الشعور بالعبث العقلي، أن ما يقوله هذا الرجل يأتي في سياق من الرفعة الأخلاقية والفكرية، بمعنى أن تبريره للدمار والقتل والإبادة ما هو إلا جزء أصيل من النظام الليبرالي الذي يبدو أنه لا يكتمل إلا به، وفي هذا ذروة التناقض والسخرية في آن معاً، وكأن الليبرالية لا تكون إلا على حساب الشعوب، وكأن الليبرالية لا تعبد إلا نفسها ولا تعيش إلا لذاتها.
السم الذي ينفثه غراهام في كل مكان، تهديداً وعدوانية وكراهية، هو نموذج بغيض للتيارات الأصولية العريضة، ليس في الولايات المتحدة فقط، وإنما في أماكن كثيرة في العالم، بما فيها إسرائيل طبعاً، حيث تكتسب فكرة بناء الهيكل زخماً كبيراً.
ليندسي غراهام هو نموذج يمثل قادة اليمين المسيحي ودُعاة التراث اليهودي المسيحي في الولايات المتحدة ومبشريه، الذين لهم تأثير هائل على مجمل صناع السياسة والإعلام والثقافة، استطاعوا فرض رؤاهم الدينية الحرفية على صنع القرار السياسي، وهو أمر واضح وجلي منذ بدايات تكون الولايات المتحدة، بحيث ارتبط في وعي مؤسسي هذه الولايات بأن ظهورها تجسيد "لنهاية الزمان"، ولهذا لم يكن من المستغرب أن يرى هؤلاء المؤسسين في إقامة إسرائيل دليلا على ذلك، أما أسباب اهتمام الآباء المؤسسين بالفكر الأخروي ونهاية الزمن، فهي كالآتي:
1. الاعتقاد بأن أمريكا أمة فضلتها العناية الإلهية وخصّتها بمهمة مقدسة منذ بدء الاستيطان الأوروبي لها، فقد اعتقد الطهوريون أن أمريكا هي في الحقيقة "صهيون الجديدة"، وتردد هذا الاعتقاد في فترات متعددة من تاريخ أمريكا.
2. الادّعاءات الأمريكية المستمرة بأن لأمريكا مهمة مقدسة أخرى، هي نشر الديمقراطية والحرية والعلوم والنزعة الإنسانية في كل أنحاء العالم، هذا النوع من التفكير غالباً ما يُشجّع النظرة الذاتية الطوباوية ويرفد أيضاً أفكار الألفية ونبوءات آخر الزمان ودور أمريكا فيها.
3. انتشر نتيجة لهذه المعتقدات والأفكار، الحماس التبشيري بشكل أسرع وأوسع في أمريكا منه في أوروبا، وساعد بدوره على قبول الأفكار الألفية واقتراب نهاية الزمن.
وبما أن هذا المعتقد يفترض أن يأتي المشيح المخلص إلى "الشعب المختار"، وهو الشعب الذي آمن به - أي يتم استبدال الشعب المختار اليهودي بالشعب المختار الثاني وهو الذي آمن بألوهية المسيح حسب تعبير الدكتور المسيري رحمه الله -، فإن ذلك يفترض دعم إسرائيل كدليل على صحة النبوءات، والأهم هو أن ترجمة هذا الفكر الأخروي في الولايات المتحدة تحول إلى سياسات ومؤسسات ودعم وتماثل، والمشاركة في حروبها.
هذا الفكر الأخروي المنتشر بقوة، على مستوى النخبة وعلى مستوى الجماهير، يتضمن ضمن أمور أخرى، ما يسمى "بخطة الله للدهر"، وهي خطة مأخوذة من التفسيرات الحرفية لنبوءات الكتاب المقدسة، وهي مقسمة إلى عدد من الفترات الزمنية، حيث تتميز كل فترة بأحداث جسام، ونحن نعيش حسب هذه "بالخطة بالمرحلة الرابعة" التي تتميز بعودة المشيح - ملك الملوك ورب الأرباب - فيُهزم الشر في معركة مجدو، ويجتمع حوله المؤمنون والمخلصون الذين نجوا من محنة المرحلة الثالثة والذين سيعمرون المملكة الألفية.
والحديث هنا لا يدور عن جدل أكاديمي نخبوي، بل يتحوّل إلى تيارات عريضة تدعم دون قيد أو شرط عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وتأسيس دولة إسرائيل ... وكل من يعتقد بأن حق اليهود بهذه الأرض مدعوم بالكتاب المقدس هو صهيوني، وقد استطاعت هذه الأفكار تشكيل الرأى العام الأمريكى وربما سياسة أمريكا الخارجية.
وتتمثل هذه الأفكار والرؤى على النحو التالي:
• ربط التنبؤات حرفياً وتفصيلياً بما يجري من أحداث عالمية، وبصورة خاصة بما يجري في العالم العربي.
• وضع إسرائيل، الدولة السياسية، في بؤرة هذه الأحداث، على أنها موضوع النبوءات الرئيسي، والدعوة إلى دعم هذه الدولة سياسياً ومادياً وعسكرياً، لأن ذلك من علامات الساعة.
• العداء الرهيب الذي يُكنّه هؤلاء الدُعاة للإسلام والمسلمين، بل دعوتهم إلى إبادة الإسلام كشرط من شروط تحقيق النبوءات.
• اشتراك هؤلاء الدعاة بالنشاط التبشيري المحموم، وخاصة في العالم الإسلامي، لأن ذلك أيضاً يُعجّل بتحقيق هذه النبوءات.
لندسي غراهام – لأسباب علنية وخفية – يتحدث بوقاحة كبيرة، ويُعبّر عن هذا الفكر المنحرف للنصوص الدينية مستغلاً مرحلة الضعف والتفكك، وهو ليس وحده في هذا المجال، فهناك حملة ممنهجة، إعلامية وسياسية، ضد الوجود العربي والفلسطيني والإسلامي في الولايات المتحدة، في محاولة مكشوفة لحرف الأنظار وتغيير الاهتمامات.
الحرب الأخيرة توفِّر أرضية خصبة لاستثمار هذا الفكر المتطرف وترويجه والدعوة إليه، وهو فكر قد يقود – لأسباب أخرى – إلى حرب عالمية لا تُبقي ولا تذر.
الإثنين 16 مارس 2026 10:14 صباحًا -
بتوقيت القدس
الحلقة الثانية
تعرضت بلدان الخليج العربي لاعتداء وتطاول ومس بسيادتها من قبل إيران، ولكن لم يكن يتم ذلك، لولا وجود القواعد الأميركية، التي شكلت دوافع الاعتداء الإيراني، ولولاها لما أقدمت إيران على المس بالأمن والتطاول على سيادة بلدان الخليج العربي.
وبذلك بدلاً من أن تشكل القواعد الأميركية عنواناً للحماية وتوفير الأمن، فقدت هذا الدور، وفشلت حقاً في حماية بلدان الخليج العربي الذي يتطلب إعادة النظر من قبل بلدان الخليج كافة بوجود هذه القواعد التي شكلت دافعاً عدوانياً للجارة الإيرانية على جيرانها العرب.
بلدان الخليج العربي، بلدان ثرية، تملك القدرة على شراء السلاح من بلدان عديدة، مثلما تملك القدرة لبناء علاقات أمنية متعددة حماية لأمنها الوطني، عبر التعاون والاتفاق مع أوروبا والصين وروسيا ومع الولايات المتحدة على أساس الندية والتكافؤ بعيداً عن حاجتها لوجود قواعد أجنبية على أراضيها.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تتعامل مع جارتها إيران على أساس الندية وحُسن الجوار على قاعدة المصالح المشتركة والأمن المشترك بدون الانصياع أو الدونية أو التعامل معها من موقع الضعف وهذا يتطلب، أول ما يتطلب يتطلب وحدة بلدان الخليج العربي، سياسياً وأمنياً وفق المنظومة القائمة بينهم: مجلس التعاون الخليجي، حيث ثبت بالملموس أنهم جميعاً تعرضوا للاعتداء والتطاول، والمس بأمنهم الوطني والقومي، ولم يكن كذلك لولا وجود القواعد الأجنبية التي ثبت عجزها وفشلها عن حماية أمن الخليجيين وسببت لهم الأذى والمس بالسيادة على أراضيهم.
الاستخلاص الواعي المفيد الواثق هو أن تدرك بلدان الخليج كافة أن أمنها واستقلالها والحفاظ على سيادتها هو عبر تماسكهم مع بعضهم، ووحدة إرادتهم، وأن يكون لهم حقاً الأمن الواحد المشترك، وأن الاعتداء على أي منهم هو اعتداء عليهم جميعاً، ولذلك إذا توفرت حقاً المصداقية التي تجمعهم، سيكون ذلك رادعاً لمن يفكر بالمس بالأمن لبدان الخليج العربي مجتمعة.
كما تستطيع بلدان الخليج العربي أن تبني علاقات مفيدة تخدم مصالحهم مع كل من مصر والأردن التي تربطها علاقات الأخوة والاحترام المتبادل في إطار الاتفاق القومي المشترك، وانعكاس ذلك على الأطراف جميعاً.
تجربة التطاول والاعتداء الأميركي الإسرائيلي على إيران، وتداعياتها أثبت بوضوح بالغ أن الأولوية لسياسات الولايات المتحدة هي مصلحة المستعمرة الإسرائيلية، وليس الاتفاقات الظاهرة مع الولايات المتحدة التي لم توفر الأمن لبدان الخليج التي وقفت ضد الحرب، ولكن الولايات المتحدة لم تعطِ هذا الموقف ما يستحق، بل عملت على تلبية سياسة المستعمرة الإسرائيلية التوسعية العدوانية وشراكتها في الحرب على إيران، وسببت ما سببت من آثار وخراب وتدمير لشعوبنا العربية في الأردن والخليج العربي، وانعكاس ذلك على مجمل بلدان المشرق العربي، حيث تسعى المستعمرة للهيمنة والسيطرة على هذه المنطقة الحيوية من العالم العربي، وعملت على تمييع الاهتمام وإزالة التركيز عما فعلته من جرائم بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
موقف العربية السعودية الحكيم العقلاني يجب أن يجد الصدى والاستجابة كما تفعل سلطنة عُمان، وموقف قطر الواعي الذاتي، المكمل لبعضهم البعض، مما يستوجب أن يستفيدوا مما جرى ويعملوا على وحدة مواقفهم وسياساتهم وإرادتهم وهي حصيلة ستوفر لهم الأمن والاستقرار والاحترام من قبل الجميع.
الإثنين 16 مارس 2026 10:13 صباحًا -
بتوقيت القدس
د. أحمد الطيبي: الصلاة على عتبات السور وباب الساهرة أبلغ رد على محاولات التقييد.. إن المصلين يراقبون المسجد بقلوبهم ويحولون كل زقاق إلى "محراب"
سامي أبو شحادة: حصار المسجد الأقصى لا يمس فقط حرية العبادة والديانة بل يندرج ضمن مشروع سياسي إسرائيلي مستمر منذ فترة طويلة
زياد الحموري: هناك إدراك واسع بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق "الأقصى" ترتبط بترتيباتٍ ومخططاتٍ تتعلق بقضية بناء "الهيكل"
فخري أبو دياب: هذه الأيام ليست للعبادة فحسب بل أيضاً لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء للعلي القدير بأن يرفع عنه الحصار والإغلاق
د. محمد ربعي: "الأقصى" يقف اليوم وحيداً يلفّه صمتٌ موجع وتطلّ العشرُ الأواخر على القدس هذا العام غريبة كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد
خاص بـ القدس-
يواصل الاحتلال إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ومنع المصلين من الوصول إليه، لليوم السادس عشر على التوالي، وهي المرة الأولى منذ عام 1967 التي يُمنع فيها المصلون من أداء الصلاة والاعتكاف في المسجد وإحياء ليلة القدر، إذ شهد محيط البلدة القديمة وأبواب المسجد إجراءات عسكرية مشددة، ما حال دون تمكن الكثيرين من أداء الصلاة.
واعتبر متحدثون وشخصيات مقدسية ودينية لـ"ے" أن إغلاق المسجد يأتي ضمن سلسلة من الإجراءات والتقييدات التي تُفرض على المصلين، الأمر الذي يثير استياء واسعاً بين المواطنين، خاصة في المناسبات الدينية التي تشهد عادة توافد آلاف المصلين إلى المسجد المبارك، محذرين من التصاعد الخطير في خطاب التحريض الذي تقوده ما تُسمّى "منظمات الهيكل" المتطرفة ضد الأقصى، في ظل استمرار إجراءات الإغلاق.
وأكدوا أن ما يجري لا يمكن اعتباره إجراءات أمنية مؤقتة كما تدّعي سلطات الاحتلال، بل يندرج ضمن مسار سياسي وأيديولوجي ومشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة يهدف إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.
أسوار المسجد الأقصى شاهدة على "مفارقة مؤلمة"
يقول رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير في الكنيست د. أحمد الطيبي: "في الوقت الذي تشرع فيه أبواب المصانع والمطاعم والمراكز التجارية في كل مكان، وتنبض فيه الأسواق بالحياة شبه الروتينية ، تقف أسوار المسجد الأقصى شاهدةً على "مفارقة مؤلمة" وقرار جارف يفتقر لأي منطق تنظيمي أو أمني مبرر".
ويتساءل الطيبي: كيف يمكن للعالم أن يفسر السماح بالتجمعات في "معابد الاستهلاك" ومنعها في "محراب الروح"؟ أو السماح باحتفالات البوريم في نحلؤوت لمئات اليهود ومنع المسلمين من الصلاة، خاصة في شهر رمضان والعشر الاواخر وليلة القدر قريبا.
ويقول: "إن هذا التساؤل ليس مجرد سؤال عابر، بل هو صرخة وجهناها في وجه هذا التمييز الصارخ تحت قبة الكنيست".
اختبار للإرادة
ويضيف الطيبي: "في هذه الليالي المباركة من العشر الأواخر، يرقب الصائمون مآذن الأقصى بعيون تحدق وقلوب يملأها الشوق. المشهد في القدس اليوم ليس مجرد مشهد مدينة محاصرة، بل هو اختبار للإرادة.
ويؤكد الطيبي ان العيون الشاخصة ترى المصلين يقفون على أقرب نقطة تسمح بها القيود، يفترشون الأرصفة، وتلتحف سجادة صلاتهم برد الشوارع، وعيونهم لا تغادر قبة الصخرة.
ويشير الى المفارقة الصارخة بانه لا يوجد تفسير منطقي يبرر منع المصلين كلياً من ممارسة حقهم الطبيعي في العبادة، بينما تستمر عجلة الاقتصاد والمرافق العامة بالدوران دون عوائق. إنها سياسة تهدف إلى تغييب الهوية الروحية للمدينة في أقدس أوقاتها.
حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية
ويرى الطيبي أن صلاة المقدسيين وأهلنا من الداخل والضفة على عتبات السور وباب الساهرة هي أبلغ رد على محاولات التقييد. إنهم يراقبون المسجد بقلوبهم، ويحولون كل زقاق في القدس إلى "محراب".
ويقول الطيبي: "لقد طرحنا هذا التناقض بوضوح؛ فالحق في العبادة ليس منّة من أحد، بل هو حق أساسي تكفله كافة الشرائع الدولية، وما يحدث اليوم هو محاولة لفرض واقع جديد يكسر الروابط الوجدانية بين المسلم ومسجده في ذروة تعبده."
ويشدد الطيبي في ختام حديثه لـ"ے" على أن مآذن الأقصى ستبقى تصدح، وسيبقى الصائمون يرقبون فجر حريتهم من خلف الأسوار. إن منع الصلاة في المسجد بينما تفتح "المولات" أبوابها هو شهادة إدانة صارخة ضد منطق الكيل بمكيالين.
رمز ديني ووطني
ويؤكد سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، أن المسجد الأقصى يشكّل رمزاً دينياً ووطنياً، وأن ما يجري حالياً من حصار للمسجد الأقصى ومنع المصلين من الوصول إليه لا يمس فقط بحرية العبادة والديانة، بل يندرج ضمن مشروع سياسي مستمر منذ فترة طويلة.
ويوضح أن هناك اعتداءات متواصلة على المسجد الأقصى تقوم بها سلطات الاحتلال، ويؤكد أن هذه الإجراءات غير قانونية ومرفوضة، لأن القانون الدولي لا يمنح دولة الاحتلال سيادة على القدس أو على المسجد الأقصى، وأن جميع هذه الخطوات تتناقض مع قواعد القانون الدولي.
ويضيف أبو شحادة: إن هذه الإجراءات تمس بشكل مباشر بحرية العبادة ومشاعر المصلين المسلمين، كما تؤثر على أدائهم لطقوسهم الدينية وتقاليدهم، خاصة في شهر رمضان، حيث يتوافد إلى المسجد الأقصى عشرات الآلاف وربما أكثر من مئة ألف مصلٍ يوميا في الظروف الطبيعية.
ويشير إلى أنه لولا القيود التي يفرضها الاحتلال، لكان ملايين المسلمين من مختلف أنحاء العالم قادرين على زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، ويوضح أنه حتى أبناء الشعب الفلسطيني أنفسهم، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية، محرومون من الوصول إلى المسجد.
ويؤكد أبو شحادة أن هذا الواقع يمس كرامة ومشاعر كل مسلم، بل وكل من يؤمن بحقوق الإنسان الأساسية وحرية العبادة.
اختبار لردود الفعل
ويعرب أبو شحادة عن خشيته من أن يكون ما جرى بمثابة اختبار لردود الفعل، ويحذر من احتمال أن تتكرر مثل هذه الإجراءات في المستقبل تحت ذرائع مختلفة تؤدي إلى إغلاق المسجد الأقصى مرة أخرى.
ويرى أبو شحادة أن شهر رمضان يشهد عادة أعداداً كبيرة من المصلين في الأقصى، إذ تجاوز عدد الزوار في العام الماضي ثلاثة ملايين مصلٍ خلال الشهر الفضيل، فيما تشهد ليلة القدر تحديدا حضورا واسعًا، حيث يحرص مئات الآلاف سنويا على أداء الصلاة في المسجد الأقصى في تلك الليلة المباركة.
تداعيات وآثار
ويقول مدير مركز القدس للحقوق الاقتصادية والاجتماعية زياد الحموري: إن شهر رمضان هذا العام كان من أسوأ الأعوام بالنسبة للمسلمين الذين اعتادوا أداء صلاة الجمعة أو قضاء العشر الأواخر من رمضان في المسجد الأقصى المبارك، إذ حُرم كثيرون من ذلك، الأمر الذي ترك أثراً كبيراً في نفوس الناس الذين ارتبطوا روحانياً بالأقصى عبر سنوات طويلة، ومن المتوقع أن تظل لهذه الإجراءات تداعيات وآثار حتى في المستقبل.
ويضيف الحموري أن هناك إدراكاً واسعاً بأن الخطوة التي اتخذها الاحتلال بإغلاق الأقصى ترتبط، في نظر كثيرين، بترتيبات ومخططات تتعلق بقضية بناء "الهيكل".
ويوضح الحموري أن هذا الإغلاق حرم أهالي القدس، والفلسطينيين من الداخل، وسكان الضفة الغربية من أداء عباداتهم في المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، وهو ما يعد حرماناً كبيراً، ليس فقط من الصلاة في الأقصى، بل أيضا من الوصول إلى البلدة القديمة، حيث إن عددا من التجار لم يعد بإمكانهم الوصول إلى محالهم إذا لم يكونوا من سكان المنطقة.
ويشير الحموري إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل انتشار مقاطع مصورة وتصريحات من قبل بعض المستوطنين تتحدث عن إقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى، إضافة إلى ما وصفه بحالة التبجح لدى بعضهم باقتراب تنفيذ هذه الفكرة.
مؤشرات مقلقة
ويلفت إلى أنه قبل أحداث 7 أكتوبر كانت هناك مؤشرات مقلقة، من بينها الحديث عن تجهيزات مرتبطة بهذا المشروع، بما في ذلك إحضار ما يُعرف بـ"البقرات الحمراء"، إلى جانب الإعلان للمرة الأولى عن ميزانية حكومية مخصصة لموضوع بناء الهيكل، وهو أمر لم يكن يحدث سابقا، إذ كانت هذه القضية تُطرح غالباً من قبل جماعات استيطانية أو جمعيات دينية، وليس بشكل مباشر من الحكومة.
ويعتبر الحموري أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة وردود فعل واسعة، نظراً لحجم الحرمان الذي يشعر به الناس، خاصة أن الكثير من المسلمين يتهيؤون طوال العام لقضاء شهر رمضان والعشر الأواخر في رحاب المسجد الأقصى.
ويؤكد الحموري أن ما حدث هذا العام قد يكون الأول من نوعه منذ عام 1967 من حيث منع أعداد كبيرة من المسلمين من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، ويشير إلى أن الإغلاقات كانت تحدث في سنوات سابقة، لكنها لم تكن بهذا الشكل الشامل وفي هذا التوقيت الحساس من الشهر الفضيل.
الاحتلال لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى
ويقول الباحث في شؤون القدس فخري أبو دياب إنه في هذه الليالي المباركة، ومع الألم والحسرة والشوق إلى المسجد الأقصى، ورغم كل ما يقوم به الاحتلال من محاولات لإبعاد أجساد المقدسيين وتفريغ المسجد الأقصى من المصلين، فإنه لن يستطيع إزالة قدسية المسجد الأقصى أو محبته من قلوب المقدسيين.
ويضيف: كلما ازداد الاحتلال في منع أداء العبادات والصلاة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، ازدادت محبة الناس وشوقهم إليه. ويوضح أن هذه الأيام ليست مجرد ليالٍ للعبادة فحسب، بل هي أيضًا أيام لتجديد العهد مع المسجد الأقصى والدعاء بأن يرفع الله عنه الحصار والإغلاق.
ويشير أبو دياب إلى أن الاحتلال قد يظن أنه من خلال إغلاق المسجد الأقصى وإبعاد المصلين عنه يستطيع فرض سيطرته الكاملة عليه، إلا أن ذلك قد يتحول إلى شرارة قد تفجر الأوضاع في القدس.
ويلفت إلى أن الأشهر الماضية، منذ العدوان على الشعب الفلسطيني في غزة، شهدت تراجعاً نسبياً في مظاهر الوقوف مع المسجد الأقصى، لكن هذا الإغلاق قد يعيد الزخم ويعيد الشارع المقدسي إلى موقعه السابق.
محاولات لفرض وقائع جديدة
ويوضح أبو دياب أن الاحتلال يحاول خلق فجوة بين أهل القدس والمسجد الأقصى لتسهيل فرض وقائع جديدة عليه في المستقبل، غير أن تشديد الإجراءات والحصار والإغلاق لن يؤدي إلا إلى زيادة تعلق الناس بالأقصى.
ويضيف أبو دياب: إن المسجد الأقصى، خاصة في هذه الأيام من العشر الأواخر من رمضان، يمثل بالنسبة لأهل القدس مصدر الروح والسكينة، وكأنه الأكسجين الذي يتنفسون منه. لذلك فإن حرمانهم من هذا المصدر لن يخنقهم، بل قد يدفعهم إلى التحرك للدفاع عن هذا المكان الذي يمثل لهم القلب من الجسد.
ويتابع: إن ما يجري، رغم قسوته، قد يؤدي إلى إعادة تماسك الشارع المقدسي واستعادة دوره في الدفاع عن المسجد الأقصى، كما حدث في محطات سابقة شهدت هبات وانتفاضات شعبية ضد إجراءات الاحتلال.
ويختتم أبو دياب حديثه بالقول: إن هذا الإغلاق، رغم ما يحمله من ألم وحرمان من العبادة والاعتكاف والرباط في المسجد الأقصى، قد يتحول إلى شرارة لتغيير الأوضاع في القدس، وإلى رسالة واضحة للاحتلال بأن المسجد الأقصى لن يكون سهل التغيير أو السيطرة.
ويشير إلى أن بوادر التحرك بدأت بالفعل من خلال إقامة بعض الصلوات في محيط المسجد الأقصى.
الصائمون يرقبُون "الأقصى" من خلفِ الحواجز
يقول الخبير في مجال البناء المؤسسي و المختص بعالم القيادة والقيم د.محمد ربعي: "في أطهرِ بقاع الأرض، وحيث تلتقي تنهيداتُ الأرضِ بوعودِ السماء، تطلُّ العشرُ الأواخرُ على القدس هذا العام غريبةً، كأنها "عامُ الحزن" الذي لم ينتهِ بعد".
يضيف: "هناك، حيثُ كان ينبغي أن تزدحمَ المصاطبُ بدموعِ المتهجدين، وتقرعَ الخطواتُ أبوابَ الجنةِ الأرضية، يقفُ المسجدُ الأقصى اليوم وحيداً، يلفُّه صمتٌ موجع، وتُحاصرهُ قسوةُ الحديدِ التي منعتِ الجباهَ من ملامسةِ الثرى".
ويؤكد ربعي أن الصائمين يرقبُون الأقصى من خلفِ الحواجز، وتكادُ أرواحهم تسبقُ أجسادهم التي قيّدها الحصار.
ويضيف ربعي "هذا المشهدُ يُعيدُ للأذهانِ وجعَ الصحابةِ الذين حُبسوا عن "عمرة القضاء"، يومَ أن كان النبي ﷺ ينظرُ إلى مكةَ من بعيد ويقول: "واللهِ إنكِ لأحبُّ أرضِ اللهِ إليَّ". "
ويتابع القول: "اليوم، كل مقدسيٍّ يقفُ على عتبةِ الطريق، يرمقُ القبةَ الذهبيةَ بعينينِ دامعتين، يُرددُ بلسانِ حاله ما قاله كعبُ بن مالك حين تخلف عن الركب: "فكنتُ أطوفُ في الأسواق فلا يكلمني أحد". هي غربةُ الروحِ في وطنها، وصلاةُ القلبِ خلفَ قضبانِ الحرمان.
ويشير ربعي إلى قساوة رفع المؤذنُ نداءَ "حيَّ على الصلاة"، فلا يجدُ خلفه إلا صدى صوتهِ المبحوح، ورياحاً تمرُّ بين الأعمدةِ الرخاميةِ التي اشتاقت لزحامِ الأكتاف. في هذه الليالي، يرتسمُ كربُ النبي ﷺ في "ليلةِ الطائف"؛ حين نادَى ربه بضعفهِ وقلةِ حيلته.
قيمة "الاحتساب الـمُر"
ويؤكد ربعي أن الصائمين اليوم، الذين يفطرون على أرصفةِ الشوارع لأنهم مُنعوا من دخولِ ساحاتهم، يجسدون قيمة "الاحتساب الـمُر"؛ هم يعلمون أنَّ المحرابَ يبكي شوقاً لساجديه، وأنَّ المنبرَ يحنُّ لزفيرِ المؤمنين كما حنَّ "جذعُ النخلة" لرسول الله ﷺ حين فارقه.
ويقول: "لذا يرقبُ المقدسيون الأقصى في العشرِ الأواخرِ ليس كأثرٍ تاريخي، بل كقطعةٍ من عقيدتهم تُذبحُ كل ليلة. "
ويوضح ربعي انه ورغم الحزنِ الذي يلفُّ زقاق البلدة القديمة، ورغم دموعِ العجائزِ اللواتي منعن عن اعتكافهنَّ المعتاد، يبقى اليقينُ بأنَّ "الضيقَ لا يدوم".
ويضيف: "إنهم يستحضرون لحظة دخول النبي ﷺ مكةَ فاتحاً، مُنحنياً على ناقتهِ تواضعاً لله، بعد أن ذاقَ مرارةَ الإخراجِ والمنعِ لسنواتٍ طوال".
ويختتم ربعي حديثه بالقول: إنَّ الأقصى في هذه الليالي لا يبكي خذلانَ الحجر، بل يبكي غربةَ البشر. سيظلُّ الصائمون يرقبونهُ بقلوبٍ محترقة، يُصلّون بدموعهم حيثُ عجزت أقدامهم، مؤمنين أنَّ اللهَ الذي أسرى بنبيهِ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، قادرٌ على أن يُسري بالفرجِ إلى تلك القبابِ الحزينة، ليصدحَ التكبيرُ مجدداً في ساحاتٍ غسلها دمعُ المحبين وانتظارُ الصابرين. فيا من تُصلّون على الأسفلتِ وتحتَ هراواتِ القسوة، أنتم اليوم "القدوةُ السلوكيةُ" للأمةِ بأسرها. أنتم تجسدون قيمة "الوفاء" في زمنِ التخاذل.
ويخاطب ربعي المصلين "اعلموا أنَّ منعكم من دخولِ الأقصى هو وسامُ شرفٍ، فأنتم تحرسونه بقلوبكم حيثُ غابت الأجساد. تذكروا قولَ النبي ﷺ لصحابتهِ حين اشتدَّ الكرب: "أبشروا، واستبشروا بما يسرُّكم".
الإثنين 16 مارس 2026 10:03 صباحًا -
بتوقيت القدس
تواجه دول الخليج العربي تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة مع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. وأفادت مصادر صحفية بريطانية بأن هذا الصراع بدأ يلقي بظلاله الثقيلة على الاقتصادات الخليجية التي تعتمد بشكل أساسي على الاستقرار وحركة التجارة العالمية، مما أثار مخاوف جدية حول استدامة صورة المنطقة كملاذ آمن للاستثمارات الدولية.
وسلط تقرير لصحيفة 'صاندي تايمز' الضوء على مشهد استثنائي في مراكز التسوق الكبرى بأبوظبي، حيث خلت الأروقة من المتسوقين وسط دوي الألحان الوطنية وصافرات الإنذار. وجاء هذا الهدوء الحذر عقب ليلة من التهديدات الصاروخية التي دفعت آلاف السياح والمقيمين الأجانب لمغادرة البلاد، في إشارة واضحة إلى اهتزاز الثقة بالمنظومة الأمنية التي طالما تغنت بها المنطقة.
وأكد التقرير أن التهديدات الإيرانية انتقلت من مرحلة الوعيد إلى التنفيذ المباشر قبل نحو أسبوعين، حينما شنت طهران هجوماً واسعاً بطائرات مسيرة من طراز 'شاهد'. واستهدفت هذه المسيرات مواقع استراتيجية في قلب مدينة دبي، التي لا يفصلها عن السواحل الإيرانية سوى مسافة قصيرة تقدر بنحو 160 كيلومتراً، مما جعلها في مرمى النيران المباشرة.
وتسببت إحدى الضربات الجوية في اندلاع حريق هائل بفندق فاخر في منطقة نخلة جميرا الشهيرة، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قاصمة للصورة الذهنية التي عملت الإمارات على ترسيخها لعقود. ويرى خبراء أن وصول النيران إلى هذه الوجهات السياحية العالمية يبعث برسالة إيرانية مفادها أن المراكز الاقتصادية لم تعد محصنة ضد التداعيات الجيوسياسية.
وفي سياق متصل، أشارت مصادر إلى أن المركز المالي العالمي في دبي تعرض لهجمات مماثلة دفعت مؤسسات مالية كبرى لإخلاء مكاتبها بشكل مؤقت كإجراء احترازي. ولم تقتصر الأضرار على المباني، بل امتدت لتشمل هجمات سيبرانية وضربات لمراكز بيانات أدت إلى تعطل واسع في الخدمات المصرفية الرقمية، مما أربك حركة المعاملات اليومية.
ولم تسلم المنشآت الحيوية الأخرى من الاستهداف، حيث رُصدت أعمدة الدخان تتصاعد من منشأة نفطية في إمارة الفجيرة عقب هجوم بمسيرة انتحارية. كما طالت الهجمات محطة لتحلية المياه في البحرين وناطحات سحاب في مناطق مختلفة، فيما أحدث استهداف مطار دبي الدولي صدمة في أوساط الملاحة الجوية العالمية نظراً لمكانته كمحور ربط دولي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت المؤسسات الدولية في مراجعة تقييماتها للمنطقة، حيث خفضت مؤسسة 'ستاندرد آند بورز' توقعات النمو الاقتصادي لدول الخليج لعام 2026 بشكل حاد. وتراجعت التوقعات من 4.3% إلى ما يزيد قليلاً عن 2%، في ظل إلغاء فعاليات كبرى مثل سباقات فورمولا 1 التي كانت مقررة في البحرين والسعودية.
هناك نظام حلفاء مزدوج في الشرق الأوسط؛ إسرائيل في القمة ودول الخليج في الأسفل.
ونقلت الصحيفة عن دانيا ظافر، مديرة منتدى الخليج الدولي، تحذيراتها من أن استمرار هذه الحالة الحربية سيؤدي إلى تآكل صورة 'واحة الاستقرار' التي سوق لها الخليج طويلاً. وأوضحت أن الضرر الاقتصادي قد يكون طويل الأمد إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء التصعيد ومنع تحول الأراضي الخليجية إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية.
من جانبها، حاولت السلطات الإماراتية التقليل من حجم التأثيرات، حيث صرحت وزيرة الدولة للشؤون الخارجية نورة الكعبي بأن سمعة الدولة الأمنية لم تتأثر بشكل جوهري. وأكدت الكعبي في تصريحات إعلامية أن قطاع السياحة يمتلك القدرة على التعافي السريع، مشددة على أن الإمارات تظل وجهة جاذبة للأعمال رغم الظروف الراهنة.
وفي محاولة للسيطرة على الرواية الإعلامية، شددت السلطات الرقابة على تداول صور ومقاطع الفيديو المتعلقة بالهجمات، حيث جرى اعتقال عشرات الأشخاص في أبوظبي ودبي والبحرين. ومن بين المعتقلين سائح بريطاني واجه تهمة تصوير ضربات صاروخية، وهي أفعال قد تؤدي للسجن لمدة تصل إلى عامين وفقاً للقوانين المحلية الصارمة.
وكشف التقرير عن حالة من الاستياء المكتوم في الأروقة السياسية الخليجية تجاه الحليف الأمريكي، رغم الاستثمارات الضخمة في صفقات الأسلحة التي تجاوزت 100 مليار دولار. وأشارت المصادر إلى أن امتلاك أحدث المنظومات الدفاعية مثل 'باتريوت' و'ثاد' لم يوفر الحماية الكافية ضد المسيرات الرخيصة التي تستنزف الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن.
وفي إطار العلاقات مع إدارة ترامب، لفت التقرير إلى استثمارات سياسية واقتصادية كبرى، من بينها استحواذ الشيخ طحنون بن زايد على حصة في شركة مرتبطة بعائلة الرئيس الأمريكي. ومع ذلك، يرى مسؤولون خليجيون أن هذه الاستثمارات لم تمنع واشنطن من جر المنطقة إلى دائرة خطر لم تكن مستعدة لها بشكل كامل.
وختمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن الضغوط العسكرية الأمريكية، بما في ذلك استهداف جزيرة خرج الإيرانية ونشر آلاف الجنود الإضافيين، تزيد من احتمالات الانفجار الشامل. وتجد دول الخليج نفسها الآن أمام خيار صعب بين الاستمرار في ضبط النفس أو الانخراط في مواجهة عسكرية قد تدمر ما تبقى من مكتسبات اقتصادية.
الإثنين 16 مارس 2026 8:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت تقارير صحفية ألمانية بوجود حالة من الانقسام الحاد داخل أروقة الإدارة الأمريكية، نتيجة تباين وجهات النظر حول كيفية التعامل مع الملف الإيراني. وتتمحور هذه الخلافات بين تيار يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، وتيار آخر يتصدره وزير الخارجية ماركو روبيو، مما يعكس شروخاً في الفريق الرئاسي رغم الحماسة التي يبديها الرئيس دونالد ترامب تجاه العمليات العسكرية الجارية.
وذكرت مصادر صحفية أن المواجهة الخفية بين روبيو وفانس تعود إلى اختلاف جذري في الرؤية الاستراتيجية تجاه طهران. فبينما يتبنى فانس موقفاً يميل إلى تغليب الحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد العسكري الشامل، يصر روبيو على انتهاج خطاب متشدد يدعم التحركات العسكرية المباشرة لتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتشير المعطيات المسربة إلى أن هذا التنافس لا يقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل يمتد ليشمل طموحات سياسية مستقبلية تتعلق بانتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في عام 2028. حيث يسعى كل من فانس وروبيو لتعزيز مكانتهما داخل الحزب الجمهوري باعتبارهما الوريثين المحتملين للقاعدة الشعبية التي بناها دونالد ترامب خلال فترتيه الرئاسيتين.
وفي سياق هذا الصراع الداخلي، يبدو أن كفة وزير الخارجية ماركو روبيو هي الأرجح لدى الرئيس ترامب في الوقت الراهن. فقد أشارت التقارير إلى أن ترامب يميل بوضوح نحو التوجهات المتشددة التي يطرحها روبيو، في حين بدأ دور نائب الرئيس جي دي فانس يتقلص تدريجياً في دوائر صنع القرار المتعلقة بالأمن القومي بسبب اعتداله تجاه طهران.
يُنظر إلى التنافس بين روبيو وفانس على أنه مقدمة لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028، حيث يُعتبر كلاهما الأوفر حظًا لخلافة ترامب.
وكشفت المصادر عن واقعة وصفت بـ 'المرة' لنائب الرئيس، حين استطلع ترامب آراء مجموعة من كبار المانحين للحزب الجمهوري حول الشخصية الأنسب لخلافته في البيت الأبيض. وجاءت النتائج شبه إجماعية لصالح ماركو روبيو، مما عزز من فرضية تهميش فانس داخل المطبخ السياسي للإدارة الحالية.
ويأتي هذا الحراك المبكر نحو انتخابات 2028 في ظل القيود الدستورية التي تمنع دونالد ترامب من الترشح لولاية ثالثة، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أقطاب الإدارة للتنافس على كسب ثقة المانحين والقاعدة الانتخابية. ويعد ملف الحرب على إيران الاختبار الحقيقي الذي سيحدد ملامح الزعامة القادمة داخل المعسكر الجمهوري.
وعلى الرغم من الفخر الذي يبديه ترامب بالتقدم العسكري المحرز في العمليات ضد الأهداف الإيرانية، إلا أن التباين بين نائبه ووزير خارجيته يضع الإدارة أمام تحديات في توحيد الخطاب السياسي. فالتناقض بين الدبلوماسية التي ينادي بها فانس والقبضة الحديدية التي يفضلها روبيو قد يؤثر على وتيرة القرارات الاستراتيجية المتخذة في واشنطن.
ختاماً، يراقب المحللون السياسيون هذا الانقسام باهتمام بالغ، معتبرين أن ميزان القوى داخل البيت الأبيض قد يشهد تحولات إضافية بناءً على نتائج المواجهة مع إيران. ويبقى السؤال المطروح حول قدرة جي دي فانس على استعادة نفوذه، أو ما إذا كان ماركو روبيو سيحكم قبضته على السياسة الخارجية الأمريكية تمهيداً لسباق الرئاسة القادم.
الإثنين 16 مارس 2026 7:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
نعت أوساط إعلامية عربية ودولية، اليوم، الإعلامي الفلسطيني الأردني جمال ريان، الذي وافته المنية عن عمر ناهز 73 عاماً. وقد أكدت مصادر إعلامية رحيل الفقيد الذي يعد واحداً من أبرز الوجوه الصحافية التي تركت بصمة واضحة في المشهد الإعلامي العربي على مدار عقود طويلة.
ويُعرف الراحل بكونه أول مذيع ظهر على شاشة القناة القطرية عند انطلاق بثها الرسمي في عام 1996، ليصبح منذ ذلك الحين علامة فارقة في مسيرة القناة. وقد ساهم ريان في تأسيس المدرسة الإخبارية للمحطة، حيث ارتبط صوته وصورته بأبرز الأحداث السياسية التي عصفت بالمنطقة العربية.
وُلد جمال ريان في مدينة طولكرم بالضفة الغربية عام 1953، ونشأ في أسرة فلسطينية متمسكة بهويتها الوطنية، وهو ما انعكس بوضوح على توجهاته المهنية لاحقاً. حمل الفقيد الجنسية الأردنية، وبدأ أولى خطواته في عالم الميكروفون من العاصمة عمان، حيث انطلق شغفه بالعمل الإذاعي والتلفزيوني.
استهل ريان مسيرته المهنية في عام 1974 من خلال العمل مذيعاً للأخبار والبرامج السياسية في الإذاعة والتلفزيون الأردني. كانت هذه المرحلة بمثابة الحجر الأساس الذي صقل موهبته، وأهله للانتقال إلى فضاءات إعلامية أوسع خارج حدود الوطن العربي في سنوات لاحقة.
تنوعت الخبرات المهنية للراحل بين محطات إقليمية ودولية مرموقة، حيث عمل في هيئة الإذاعة الكورية الجنوبية، وقدم محتوى إخبارياً متميزاً. كما كانت له محطة هامة في تلفزيون الإمارات، قبل أن ينتقل للعمل في هيئة الإذاعة البريطانية، مما منحه رؤية شمولية للعمل الصحفي العالمي.
خلال عمله في القناة القطرية، تخصص ريان في تقديم الفترات الإخبارية الرئيسية والبرامج الحوارية التي تناقش القضايا الاستراتيجية. وقد عُرف بأسلوبه الرصين وقدرته العالية على إدارة الحوارات الساخنة، خاصة تلك المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وتطورات القضية الفلسطينية.
يروي زملاء الراحل مواقف عديدة تجسد شجاعته المهنية، من أبرزها مواجهته للمسؤولين الإسرائيليين على الهواء مباشرة بوقائع تاريخية. وفي إحدى المقابلات الشهيرة، أحرج ريان مسؤولاً إسرائيلياً بإظهار وثائق ملكية عائلته لمنزل في فلسطين التاريخية، مؤكداً على حق العودة.
يعتبر ريان من جيل التأسيس، حيث كان أول من أطل على الشاشة عند انطلاقها عام 1996، وقدم خلال مسيرته أهم الفترات الإخبارية والسياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وصفت مصادر صحفية رحيل ريان بأنه خسارة كبيرة للصحافة العربية، مشيرة إلى أنه رسخ مكانته كأحد أكثر المذيعين تأثيراً في جيله. لقد كان الفقيد نموذجاً للإعلامي الملتزم بقضايا أمته، والمتمسك بالمعايير المهنية في نقل الخبر وتحليل أبعاده السياسية المعقدة.
تفاعل ناشطون وإعلاميون بشكل واسع مع خبر الوفاة، مستذكرين اللحظات الأولى لانطلاق البث الإخباري العربي العابر للحدود الذي كان ريان بطل واجهته. وأشار مغردون إلى أن صوته سيبقى محفوراً في ذاكرة الأجيال التي تابعت التحولات الكبرى في المنطقة عبر شاشات التلفزة.
تميزت مسيرة جمال ريان بالثبات على المبادئ، حيث ظل طوال عقود يدافع عن الحقوق الفلسطينية من على منبره الإعلامي. ولم يكتفِ بنقل الأخبار، بل كان يسعى دائماً لتسليط الضوء على المعاناة الإنسانية للشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، مستخدماً لغة عربية فصيحة وأداءً واثقاً.
أوضحت تقارير من الدوحة أن الراحل ترك إرثاً غنياً من العمل الصحفي الميداني والاستقصائي، حيث شارك في تغطية حروب وأزمات كبرى. وكان يُنظر إليه كمرجع للمذيعين الشباب، حيث تتلمذ على يديه الكثير من الكوادر التي تقود المشهد الإعلامي الحالي في عدة قنوات.
نعت مؤسسات صحفية قطرية وأردنية الفقيد، مؤكدة أن الساحة الإعلامية فقدت فارساً من فرسان الكلمة الصادقة. وأشارت هذه المؤسسات إلى أن مسيرة ريان الحافلة بالعطاء ستبقى مصدر إلهام لكل من يسعى للتميز في مجال الصحافة التلفزيونية والعمل السياسي.
من المقرر أن تتم مراسم التشييع والدفن وسط حضور من زملائه وعائلته، في وقت توالت فيه برقيات التعزية من مختلف أنحاء العالم العربي. سيبقى جمال ريان حاضراً في تاريخ الإعلام كأول من قال 'هنا الدوحة' في تجربة غيرت وجه الإعلام العربي المعاصر.
الإثنين 16 مارس 2026 6:18 صباحًا -
بتوقيت القدس
كشفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الأحد، عن خطة لإعادة تشغيل معبر رفح الحدودي الفاصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية بصورة جزئية. ومن المقرر أن يبدأ العمل بهذا القرار اعتباراً من يوم الأربعاء الموافق 18 مارس/آذار الجاري، وذلك بعد فترة من الإغلاق التام الذي فرضه الاحتلال تزامناً مع التصعيد العسكري الأخير ضد إيران.
وأفادت مصادر رسمية تابعة لهيئة تنسيق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلة بأن المعبر سيُخصص لحركة محدودة للأفراد في كلا الاتجاهين. وأوضح البيان الصادر عن الهيئة أن هذه الخطوة جاءت بعد إجراء مراجعة شاملة للظروف الميدانية وتقييمات أمنية أجرتها قيادة جيش الاحتلال، التي تسيطر حالياً على مساحات واسعة من القطاع تتجاوز نصف مساحته الإجمالية.
وفيما يخص الآلية التنفيذية، أكدت المصادر أن إدارة المعبر ستتم وفق بروتوكولات تنسيق مسبقة مع السلطات المصرية وبمراقبة مباشرة من بعثة الاتحاد الأوروبي. كما سيتم فرض إجراءات فحص وتفتيش إضافية في المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة، لضمان ما وصفه الاحتلال بالمعايير الأمنية المشددة خلال فترة التشغيل الجزئي.
تشغيل المعبر سيخضع لآليات تنسيق مسبقة مع الجانب المصري، وتحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي، مع إجراءات تدقيق إضافية.
على الصعيد السياسي، يتزامن هذا الإعلان مع وصول وفد قيادي من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إلى العاصمة المصرية القاهرة. ويهدف الوفد من خلال هذه الزيارة إلى عقد سلسلة من المباحثات مع المسؤولين المصريين، استكمالاً للقاءات سابقة جرت مع منسق مجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لبحث ملفات التهدئة والأوضاع الإنسانية المتدهورة في غزة.
وتركزت النقاشات في القاهرة على ضرورة إيجاد آليات مستدامة لتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وضمان عدم انهياره في ظل الخروقات الميدانية المتكررة. وشدد وفد الحركة على ضرورة التزام الاحتلال الكامل ببنود التهدئة ووقف كافة أشكال الاعتداءات، محذراً من أن استمرار الاستفزازات العسكرية سيؤدي حتماً إلى تقويض الجهود الدبلوماسية الرامية لاستقرار الأوضاع.
يُذكر أن معبر رفح يمثل الشريان الوحيد لسكان قطاع غزة نحو العالم الخارجي بعيداً عن المعابر التي يتحكم بها الاحتلال بشكل مباشر. وكان المعبر قد شهد إغلاقاً طويلاً تخلله فتح جزئي لفترة وجيزة في مطلع فبراير الماضي، قبل أن يتم إيصاده مجدداً في أعقاب الهجوم المشترك الذي شنته إسرائيل والولايات المتحدة ضد الأراضي الإيرانية في الثامن والعشرين من الشهر ذاته.
الإثنين 16 مارس 2026 4:33 صباحًا -
بتوقيت القدس
لطالما ارتبط شهر رمضان المبارك في الوجدان المصري والعربي بخصوصية فريدة، حيث تتلاقى الروحانيات مع الإبداع الفني الذي يقدم وجبات درامية دسمة. وقد شكلت هذه الفترة تاريخياً موسماً للتميز المصري الذي فرض ريادته على الشاشات العربية بلا منازع، مقدماً تنوعاً ثرياً بين الكوميديا والتاريخ والاجتماع.
إلا أن المشهد الراهن يشير إلى تحول مقلق، حيث بدأ هذا الكيف المتميز يتآكل تدريجياً ليحل محله ضعف فني وصل في بعض جوانبه إلى حد الهزال. ورغم الوفرة الإنتاجية، إلا أن القيمة الإبداعية باتت تفتقر إلى العمق الذي ميز الأعمال الكلاسيكية التي حفرت أسماءها في ذاكرة الأجيال.
وعند العودة بالذاكرة إلى العصر الذهبي، لا يمكن إغفال أعمال شكلت وجدان المشاهد العربي مثل مسلسل 'الدوامة' للمخرج نور الدمرداش. هذا العمل الذي تصدر بطولته الفنان محمود ياسين، كان نموذجاً للدراما التي تجمع بين الحبكة القوية والأداء التمثيلي الرفيع الذي يلامس قضايا المجتمع.
كما برزت الدراما التاريخية والدينية كأحد أعمدة الريادة المصرية، بفضل مخرجين كبار مثل أحمد طنطاوي في 'محمد رسول الله'. هذه الأعمال لم تكن مجرد سرد تاريخي، بل كانت رسائل فكرية وفنية عميقة ساهمت في تشكيل الهوية الثقافية العربية لسنوات طويلة.
وفي سياق متصل، يبرز مسلسل 'بوابة الحلواني' للمخرج إبراهيم الصحن كعلامة فارقة في تاريخ الدراما الاجتماعية والتاريخية. مثل هذه الأعمال كانت تعتمد على نصوص محكمة ورؤية إخراجية تضع القيمة الفنية فوق أي اعتبار تقني أو تجاري عابر.
لكن الواقع الحالي يفرض تساؤلات مؤلمة حول أسباب تراجع هذا العملاق الدرامي ووصوله إلى حالة تستدعي الحنين إلى الماضي. فقد طغت التقنيات الشكلية المبهرة على جوهر القصة والموضوع، مما أفقد العمل الدرامي روحه وقدرته على التأثير الحقيقي في الجمهور.
تراجع الموضوع الدرامي لصالح التقنيات الشكلية بلا مبرر، وكثر التقليد والسطو الذي يصل إلى حد المساءلة القانونية عبر اقتباسات لا تناسب مجتمعنا.
ومن أبرز مظاهر هذا التراجع هو تفشي ظاهرة الاقتباس والسطو على الأصول الأجنبية دون مراعاة لخصوصية المجتمع المصري. هذا التقليد الأعمى أدى إلى إنتاج أعمال غريبة عن بيئتنا، مما خلق فجوة بين ما يعرض على الشاشة وبين واقع المشاهد وتطلعاته.
إن التغيرات السياسية والاجتماعية المتلاحقة ألقت بظلالها على البنية الإنتاجية للدراما، مما أدى إلى تغييرات جذرية في معايير الاختيار. وقد نتج عن ذلك تهميش متعمد أو غير مقصود لعدد كبير من القامات الفنية من مؤلفين ومخرجين وممثلين كانوا يمثلون صمام أمان للجودة.
هذا الزلزال الإنتاجي أحدث هزة عنيفة في قيم المهنة نفسها، حيث فُتح الباب أمام الدخلاء وغير المتخصصين لتصدر المشهد الفني. وبات الفن في بعض حالاته مهنة لمن لا مهنة له، مما أدى إلى انحدار المستوى العام وغياب الرؤية الإبداعية المتكاملة.
ورغم هذه الصورة القاتمة، لا يمكن إنكار وجود محاولات جادة ومبشرة من بعض المخرجين الواعدين الذين يحاولون تقديم رؤى مختلفة. إلا أن هذه التجارب تظل فردية ومحدودة التأثير في ظل غياب استراتيجية شاملة لإعادة إحياء الصناعة الدرامية على أسس سليمة.
إن الحاجة باتت ملحة اليوم لإعادة النظر في المنظومة الدرامية برمتها، بدءاً من اختيار النصوص وصولاً إلى آليات الإنتاج والتوزيع. ويجب على القائمين على الشأن الثقافي والفني العمل بجدية لنفض الغبار عن هذه الجوهرة الفنية التي تمثل قوة مصر الناعمة.
في الختام، يبقى الأمل معقوداً على استعادة البريق المستحق للدراما المصرية من خلال العودة إلى الجذور مع الاستفادة من أدوات العصر. إن الحفاظ على الريادة يتطلب شجاعة في مواجهة الأخطاء وإرادة حقيقية لتقديم فن يحترم عقل المشاهد ويليق بتاريخ مصر العريق.