فلسطين

الجمعة 05 يونيو 2026 5:54 مساءً - بتوقيت القدس

هدن ترامب الهشة: قصف متبادل في غزة ولبنان وإيران رغم اتفاقات وقف القتال

شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيداً عسكرياً واسعاً شمل قطاع غزة وجنوب لبنان وشمال إسرائيل وصولاً إلى الكويت، بالرغم من سلسلة اتفاقات وقف إطلاق النار التي هندستها الولايات المتحدة. وأفادت مصادر ميدانية بأن الغارات الجوية الإسرائيلية لم تتوقف على غزة ولبنان، في حين واصلت القوات الإسرائيلية انتشارها النشط في المناطق الحدودية والقطاع، مما يضع فاعلية الدبلوماسية الأمريكية على المحك.

وفي تعليق لافت على هذه التطورات، أقر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن ما يجري حالياً هو 'إطلاق نار أكثر اعتدالاً' وليس وقفاً شاملاً للعمليات القتالية كما كان مخططاً له. وبالرغم من أن ثلاث هدن تفاوضت عليها إدارته كانت تهدف لإنهاء الحروب المشتعلة، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار سقوط القذائف والضحايا، وإن تراجعت حدة المواجهات نسبياً مقارنة بالفترات السابقة.

وفيما يخص الوضع في قطاع غزة، كانت واشنطن قد توسطت في اتفاق جرى توقيعه في العاشر من أكتوبر 2025، نص على إنهاء الأعمال القتالية وتبادل الأسرى. ورغم تنفيذ بند إطلاق سراح المحتجزين الإسرائيليين، إلا أن الخلافات لا تزال محتدمة حول حجم المساعدات الإنسانية المسموح بدخولها، ورفض حركة حماس القاطع لمطالب نزع سلاحها التي تضمنتها خطة ترامب لتعزيز الهدنة.

وتشير الإحصائيات إلى استشهاد أكثر من 900 فلسطيني في غزة منذ الإعلان عن بدء الهدنة، بينهم تسعة شهداء سقطوا في غارات نفذت يوم الخميس الماضي. وفي المقابل، أدت هجمات متفرقة شنتها فصائل فلسطينية إلى مقتل أربعة جنود إسرائيليين داخل القطاع، مما يعكس هشاشة الالتزام الميداني بالاتفاقات الموقعة في ظل غياب أفق سياسي واضح.

وعلى الجبهة اللبنانية، لم يفلح وقف إطلاق النار الذي أعلنه ترامب لمدة 10 أيام في 16 أبريل الماضي في لجم المواجهات العنيفة في الجنوب. ورغم امتناع إسرائيل عن استهداف العاصمة بيروت بشكل مباشر خلال هذه الفترة، إلا أن الغارات الجوية والقصف المدفعي المتبادل مع حزب الله استمر بوتيرة مرتفعة، مما أدى إلى سقوط مئات الضحايا الجدد.

وتؤكد السلطات اللبنانية أن إجمالي عدد الشهداء منذ مطلع مارس الماضي تجاوز 3500 شخص، في حين أعلنت إسرائيل عن مقتل 26 جندياً وأربعة مدنيين في هجمات نفذها حزب الله. وتصر إسرائيل على احتفاظها بالحق في شن عمليات عسكرية 'لإحباط التهديدات' حتى في ظل الهدنة، وهو ما ترفضه الجماعة اللبنانية التي تواصل عملياتها الصاروخية.

ويرتبط الملف اللبناني بشكل وثيق بالصراع المباشر بين واشنطن وطهران، حيث تشترط إيران أن يكون أي هدوء في لبنان جزءاً من اتفاق شامل ينهي حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وتطالب طهران بإعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار عن موانئها كشرط أساسي لوقف التصعيد الإقليمي، وهو ما لم يتحقق حتى الآن رغم جولات التفاوض غير المباشرة.

وكانت المواجهة المباشرة قد اندلعت في فبراير الماضي عندما هاجمت القوات الأمريكية والإسرائيلية منشآت نووية وصاروخية إيرانية، في محاولة لتقويض قدرات طهران العسكرية. ورغم الضربات الموجعة التي تلقتها القيادة العسكرية الإيرانية، إلا أن طهران أثبتت قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة الدولية.

وفي محاولة لاحتواء الموقف، أعلنت واشنطن عن وقف إطلاق نار مع إيران في أوائل أبريل، لفتح الطريق أمام محادثات بوساطة قطرية وباكستانية. ومع ذلك، لم تسفر هذه المحادثات عن اتفاق دائم، حيث استمر تبادل القصف الصاروخي، ووصلت الهجمات الإيرانية إلى مطار الكويت الدولي هذا الأسبوع، مما يزيد من تعقيد المشهد الدبلوماسي.

ويرى محللون سياسيون أن فشل هذه الاتفاقات يعود إلى عدم استعداد الأطراف المتحاربة لتقديم التنازلات الجوهرية المطلوبة في المراحل الأولى من الهدن. وبدلاً من الانتقال إلى تسويات مستدامة، تلجأ الأطراف إلى العمل العسكري لاختبار حدود الاتفاقات أو لتحقيق مكاسب ميدانية عجزت عن انتزاعها على طاولة المفاوضات.

ويشير أوربان كونينغهام، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إلى أن غياب الحوافز الحقيقية للالتزام بالهدن يجعل من الصعب الحفاظ عليها لفترات طويلة. ومع انغلاق الأفق السياسي، تجد القوى الإقليمية نفسها مدفوعة لمواصلة القتال لفرض شروطها، خاصة في ظل تراجع دور المنظمات الدولية وقدرتها على فرض الرقابة.

وفي غزة، تواصل إسرائيل توسيع مساحة الأراضي التي تسيطر عليها عسكرياً، مما يقوض فرص إعادة الإعمار التي كانت جزءاً من وعود الإدارة الأمريكية. هذا التوسع الميداني، يقابله إصرار من الفصائل الفلسطينية على مواصلة المقاومة، مما يجعل من 'هدنة ترامب' مجرد مسمى سياسي لا يغير من واقع الحرب الدامية شيئاً.

أما في الكويت، فقد أثار استهداف المطار الدولي قلقاً إقليمياً واسعاً، حيث اعتبرته مصادر مراقبة رسالة إيرانية واضحة بقدرتها على نقل الصراع إلى دول الخليج. وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه واشنطن إقناع حلفائها بأن المسار الدبلوماسي لا يزال ممكناً، رغم المؤشرات الميدانية التي توحي بعكس ذلك تماماً.

ختاماً، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث تتداخل ملفات غزة ولبنان وإيران في عقدة واحدة يصعب حلها بالهدن المؤقتة. ومع استمرار سقوط الضحايا يومياً، يظل التساؤل قائماً حول قدرة الإدارة الأمريكية على تحويل 'إطلاق النار المعتدل' إلى سلام حقيقي ينهي معاناة الملايين في المنطقة.

دلالات

شارك برأيك

هدن ترامب الهشة: قصف متبادل في غزة ولبنان وإيران رغم اتفاقات وقف القتال

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.