اسرائيليات

الإثنين 23 مارس 2026 6:18 مساءً - بتوقيت القدس

صدمة في تل أبيب عقب إعلان ترمب عن محادثات 'مثمرة' مع طهران

أحدثت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن وجود تقدم ملموس في الحوار مع طهران هزة داخل الأوساط السياسية في تل أبيب. وجاء هذا الإعلان في وقت أكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن بلاده تسعى لفرض واقع جديد على إيران لم تشهده من قبل، مما عكس تبايناً واضحاً في الرؤى بين الحليفين.

ووصف ترمب المحادثات التي جرت خلال اليومين الماضيين بأنها كانت جيدة ومثمرة للغاية، مشيراً إلى السعي للتوصل إلى اتفاق كامل وشامل ينهي الأزمة القائمة. ورغم هذا التفاؤل الأمريكي، سارعت طهران إلى نفي وجود أي قنوات حوار مباشرة، مما زاد من غموض المشهد الدبلوماسي المحيط بالملف النووي والإقليمي.

وفي الداخل الإسرائيلي، نقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين رفيعي المستوى وصفهم لحديث ترمب بأنه أخبار سيئة وتطور غير مشجع. وأوضح هؤلاء المسؤولون أن التلميحات الأمريكية بوقف استهداف منشآت الطاقة الإيرانية منحت طهران شعوراً بالأمان، وهو ما اعتبرته الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مؤشراً على تراجع الحزم الأمريكي.

وأعربت المحافل الإسرائيلية عن خشيتها من أن تؤدي هذه التصريحات إلى إلغاء التهديد العسكري الفعلي الذي كان يشكل ضغطاً على صانع القرار في إيران. وحذر مسؤولون من أن تفسير طهران لهذه التحركات كدليل على الضعف قد يدفعها إلى التشدد في مواقفها الإقليمية ومواصلة تطوير قدراتها العسكرية دون رادع.

من جانبها، ذكرت تقارير صحفية عبرية أن حكومة نتنياهو كانت على علم مسبق بالتحركات الأمريكية ولم تتفاجأ بإعلان ترمب الأخير. ومع ذلك، يسود قلق عميق داخل المؤسسة الأمنية حول مآلات أي اتفاق قد لا يضمن التفكيك الكامل للقدرات الصاروخية والبالستية التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية.

وحذر قادة في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من أوهام القضاء الكامل على التهديد الإيراني، مؤكدين أن طهران ستحتفظ بقدرتها على قصف العمق الإسرائيلي حتى بعد انتهاء المواجهة الحالية. وأشاروا إلى أن البرنامج البالستي الإيراني بات متجذراً بشكل يصعب معه إنهاؤه عبر العمليات العسكرية المحدودة أو الضغوط السياسية.

ولوحظ في الآونة الأخيرة تراجع تدريجي في الخطاب الإسرائيلي الرسمي الذي كان يضع إسقاط النظام الحاكم في طهران كهدف استراتيجي للحرب. وبدأت القيادة الإسرائيلية في استعراض أهداف أكثر واقعية، مما يشير إلى اعتراف ضمني بصعوبة تغيير الهيكل السياسي الإيراني عبر القوة الخارجية أو التحريض الداخلي.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير دولية نقلاً عن وثائق استخباراتية أن الخطط المشتركة بين واشنطن وتل أبيب لإشعال تمرد شعبي في إيران كانت مبنية على أوهام. وأوضحت التقارير أن المراهنة على خروج الإيرانيين إلى الشوارع لإسقاط النظام لم تكن تتماشى مع الواقع الميداني المعقد داخل المدن الإيرانية.

وأكد رئيس الموساد السابق يوسي كوهين أن التقديرات الاستخباراتية منذ عام 2018 خلصت إلى عدم قدرة إسرائيل على التسبب في انهيار النظام عبر الاحتجاجات. واعتبر كوهين أن هذا الهدف يتجاوز القدرات العملياتية والمعلوماتية للاستخبارات، مما يتطلب إعادة تقييم شاملة للاستراتيجية المتبعة تجاه طهران.

وتشير هذه التطورات إلى مرحلة جديدة من الصراع، حيث تبدو الولايات المتحدة ميالة لفتح مسارات تفاوضية لتجنب تصعيد إقليمي شامل. وفي المقابل، تجد إسرائيل نفسها مضطرة للتعامل مع واقع يقلص من خياراتها العسكرية ويفرض عليها القبول بتوازنات قوى جديدة في المنطقة.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 6:03 مساءً - بتوقيت القدس

لازاريني يحذر من انهيار الأونروا: الاحتلال يسعى لتصفية حقوق اللاجئين عبر تدمير الوكالة

أكد فيليب لازاريني، المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أن الوكالة تمر بأخطر مراحلها التاريخية نتيجة الهجمات الإسرائيلية الممنهجة التي استهدفت مقراتها وموظفيها. وأوضح لازاريني أن هذه الضغوط المتواصلة، التي شملت الجوانب السياسية والقانونية والميدانية، دفعت المنظمة الدولية نحو حافة الانهيار الكامل، مما يهدد الخدمات الأساسية المقدمة لملايين اللاجئين.

وأشارت تقارير صحفية دولية إلى أن لازاريني يعتزم ترك منصبه في توقيت حرج للغاية بالنسبة للقانون الدولي والنظام متعدد الأطراف. واعتبر المفوض العام أن ما تتعرض له الأونروا ليس مجرد استهداف لمؤسسة إغاثية، بل هو محاولة لتقويض حقوق الفلسطينيين التاريخية وزعزعة استقرار المنطقة بأكملها في ظل التوترات المتصاعدة.

وكشف لازاريني عن حصيلة ثقيلة من الخسائر البشرية في صفوف طواقم الوكالة، حيث تجاوز عدد القتلى 390 موظفاً منذ بدء التصعيد الأخير. كما تعرض مئات الموظفين لإصابات بليغة أدت إلى إعاقات دائمة، فيما واجه آخرون عمليات اعتقال تعسفي وظروف تعذيب قاسية داخل السجون الإسرائيلية، بالتزامن مع تدمير مئات المنشآت الحيوية في قطاع غزة.

وتطرقت المصادر إلى التشريعات الأخيرة التي أقرها الكنيست الإسرائيلي، والتي تهدف بشكل مباشر إلى إنهاء نشاط الأونروا في مدينة القدس المحتلة. وتشمل هذه الإجراءات إغلاق المدارس والعيادات الصحية التابعة للوكالة، وقطع إمدادات المياه والكهرباء عن مقراتها الرئيسية، في خطوة تهدف لإنهاء الوجود الأممي في المدينة المقدسة.

ولم تتوقف الانتهاكات عند التشريعات، بل وصلت إلى حد الاستيلاء الفعلي على مقر الوكالة في القدس ونهب محتوياته وإضرام النيران فيه. وقد رصدت تقارير احتفالات لمسؤولين إسرائيليين بهذا التدمير، في حين أطلق نائب عمدة القدس تصريحات تحريضية دعت صراحة إلى تصفية وقتل أعضاء المنظمة الدولية دون رادع.

واتهم لازاريني الحكومة الإسرائيلية بقيادة حملة تضليل منظمة تهدف إلى تشويه سمعة الوكالة والادعاء بانتهاكها لمبادئ الحياد. وأكد أن هذه الادعاءات المغرضة تسعى لإقناع المجتمع الدولي بأن الأونروا لم تعد فاعلة، رغم استمرارها في تقديم خدمات التعليم والرعاية الصحية وتوفير المياه النظيفة لمئات الآلاف من الفلسطينيين.

وشدد المفوض العام على أن الهدف الحقيقي من وراء القضاء على الأونروا هو إضعاف الموقف الفلسطيني في قضايا الحل النهائي، لا سيما حق العودة. وأوضح أن الوكالة، رغم عدم امتلاكها تفويضاً سياسياً، إلا أن سجلاتها وأرشيفها يمثلان الذاكرة الحية لتهجير الفلسطينيين وحماية حقوقهم القانونية التي لا تسقط بالتقادم.

وفي رسالة وجهها إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، حذر لازاريني من تكرار الأخطاء التاريخية الكارثية التي شهدها العالم في نزاعات سابقة. واستشهد بقرار حل الإدارة المدنية في العراق عام 2003، مؤكداً أن إزاحة الأونروا ستؤدي إلى فراغ إداري وأمني يدمر فرص التعافي ويقضي على أي أمل في تحقيق سلام دائم.

ودعا لازاريني الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى ضرورة الاستفادة من خبرات موظفي الوكالة لضمان تنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة. وأشار إلى أن غياب الدعم السياسي والمالي الفوري سيؤدي حتماً إلى انهيار المنظومة الإغاثية، مما يضع أعباءً هائلة على عاتق الدول المضيفة مثل لبنان وسوريا والأردن.

وأوضح التقرير أن إسرائيل، بصفتها القوة المحتلة، ستكون ملزمة قانونياً بتحمل مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية للفلسطينيين في حال غياب الأونروا. ومع ذلك، فإن الواقع الميداني يشير إلى رغبة الاحتلال في التنصل من هذه المسؤوليات مع الاستمرار في تدمير البنية التحتية للحياة الكريمة في الأراضي المحتلة.

ووصف لازاريني الصمت الدولي تجاه ما يحدث بأنه 'مروع'، معتبراً أن الوكالة أصبحت ضحية لصراعات سياسية تُحاكم فيها بناءً على اتهامات مرسلة قبل ثبوت الأدلة. وطالب المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لحماية النظام متعدد الأطراف الذي بُني على مدار عقود لحماية حقوق الإنسان.

وحذر المفوض العام من أن الفشل في تقديم استجابة فعالة قائمة على القانون الدولي قد سمح بنشوء حالة من 'الحرب خارج نطاق القانون'. وأكد أن هذا النهج يهدد بالانتشار في كافة أنحاء الشرق الأوسط، مما يجعل حماية الأونروا ضرورة استراتيجية للأمن الإقليمي والدولي على حد سواء.

وتستمر الأونروا في تقديم خدماتها في ظروف شبه مستحيلة، حيث تعاني من نقص حاد في التمويل نتيجة تعليق بعض الدول لمساهماتها بناءً على الادعاءات الإسرائيلية. ورغم ذلك، تصر الوكالة على أن دورها في التعليم والصحة العامة يمثل شريان الحياة الوحيد لملايين اللاجئين الذين يعانون من الفقر والتهجير المتكرر.

وفي الختام، شدد التقرير على أن استمرار دعم الأونروا ليس مجرد خيار إنساني، بل هو التزام قانوني وأخلاقي تجاه قضية فلسطين. وأكد أن الحفاظ على الوكالة هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على حقوق اللاجئين ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى والمعاناة الإنسانية التي لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 5:48 مساءً - بتوقيت القدس

ترمب يكشف عن محادثات وشيكة مع طهران ويقترح خطة من 15 بنداً لاتفاق شامل

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن ترتيبات لإجراء محادثات هاتفية مع مسؤولين إيرانيين خلال الساعات القادمة، مشيراً إلى أن الطرفين يمتلكان رغبة جادة في إنهاء حالة التوتر وإبرام اتفاق تاريخي. وأوضح ترمب في تصريحات للصحفيين قبيل توجهه إلى مدينة ممفيس أن إدارته نجحت في فتح قنوات اتصال مع قيادة إيرانية تحظى باحترام واسع، دون أن يفصح عن هويتها بشكل مباشر.

وأكد الرئيس الأمريكي أن المباحثات التي جرت خلال الأيام الماضية كانت قوية وشهدت توافقاً على نقاط رئيسية وجوهرية، مبيناً أن واشنطن تتبنى خطة عمل تتألف من 15 بنداً أساسياً. وتأتي قضية منع إيران من امتلاك السلاح النووي على رأس أولويات هذه الخطة، حيث شدد ترمب على ضرورة ضمان عدم وصول طهران إلى القدرات النووية العسكرية تحت أي ظرف.

وفي مقترح لافت، أشار ترمب إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للذهاب بنفسها لتسلم اليورانيوم المخصب من داخل إيران في حال تم التوصل إلى الصيغة النهائية للاتفاق. واعتبر أن هذه الخطوة ستكون ضمانة عملية لالتزام طهران ببنود المعاهدة، مؤكداً أن الإرادة السياسية المتوفرة حالياً تجعل من إمكانية النجاح حقيقية وجدية أكثر من أي وقت مضى.

وتطرق ترمب إلى الموقف الإسرائيلي من هذه التحركات الدبلوماسية، مؤكداً أن تل أبيب ستكون راضية تماماً عن النتائج التي سيتم التوصل إليها في نهاية المطاف. ورأى أن هذا الاتفاق سيوفر لإسرائيل سلاماً طويل الأمد ومضموناً، وسيمثل نقطة انطلاق جديدة لتحقيق الاستقرار الشامل في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني من صراعات ممتدة.

وفيما يخص الشأن الداخلي الإيراني، أطلق ترمب تصريحات مثيرة للجدل حول مستقبل القيادة هناك، حيث أشار إلى إمكانية حدوث تغيير جدي في شكل النظام أو اللجوء إلى خيار القيادة المشتركة. وشبه ترمب السيناريو المحتمل بما جرى في فنزويلا، مؤكداً في الوقت ذاته أنه لا يسعى لتصفية المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، بل يركز على تغيير النهج السياسي للدولة.

على الصعيد الميداني، أوضح ترمب أن استهداف محطات الكهرباء في إيران، في حال فشل المسار الدبلوماسي، سيكون له طابع مختلف تماماً عن العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا. ويبدو أن هذه التصريحات تهدف إلى ممارسة ضغط مزدوج على طهران للقبول بالشروط الأمريكية المطروحة على طاولة المفاوضات الحالية.

وبحسب تقارير إعلامية استندت إلى مصادر أمريكية، فإن دولاً إقليمية مثل تركيا ومصر وباكستان لعبت دوراً محورياً كوسيط لنقل الرسائل بين واشنطن وطهران خلال اليومين الماضيين. وأفادت المصادر بأن وزراء خارجية هذه الدول عقدوا اجتماعات منفصلة مع مبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتقريب وجهات النظر.

وأكدت المصادر أن جهود الوساطة لا تزال مستمرة وتحرز تقدماً ملموساً في ملفات معقدة تتعلق بإنهاء الحروب الإقليمية وحل القضايا العالقة بين البلدين. وتأمل الأطراف الوسيطة في الحصول على ردود نهائية وواضحة من الجانبين قريباً، خاصة في ظل المهلة القصيرة التي حددها ترمب للوصول إلى نتائج ملموسة.

في المقابل، سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى نفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، حيث أكدت في بيان لها عدم وجود أي نوع من المحادثات المباشرة أو غير المباشرة مع الإدارة الأمريكية. واعتبرت طهران أن تصريحات ترمب تندرج ضمن حملة دعائية تهدف إلى التأثير على أسواق الطاقة العالمية وخفض الأسعار لصالح الاقتصاد الأمريكي.

ونقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية عن مصادر مسؤولة قولها إن ترمب يحاول كسب الوقت لتنفيذ خطط عسكرية أو سياسية معينة، واصفة حديثه عن المفاوضات بأنه جزء من "عملية نفسية". وأشارت تلك المصادر إلى أن تراجع ترمب عن تهديداته بضرب البنية التحتية للطاقة جاء بعد إدراكه أن الرد الإيراني سيطال كافة منشآت الطاقة في المنطقة.

من جانبها، أفادت مصادر إعلامية في واشنطن بأن الوسطاء الإقليميين نقلوا بالفعل رسائل إيرانية، لكنها لم تجزم بمدى جدية طهران في الالتزام بمسار تفاوضي مباشر. وأوضحت المصادر أن ترمب قد يكون يبني تفاؤله على انطباعات شخصية أو تقارير استخباراتية تشير إلى رغبة إيرانية في تجنب مواجهة عسكرية شاملة.

ويرى مراقبون أن اعتماد واشنطن على قنوات خلفية عبر مصر وباكستان يعزز فرضية وجود تحركات فعلية تهدف إلى خفض التصعيد وتجنب استهداف المنشآت الحيوية. ويظل التحدي الأكبر هو كيفية التوفيق بين المطالب الأمريكية الصارمة والخطوط الحمراء التي تضعها طهران فيما يخص سيادتها وبرنامجها النووي.

وحدد الرئيس الأمريكي سقفاً زمنياً ضيقاً لا يتجاوز خمسة أيام للوصول إلى اتفاق شامل، وهو ما يضع الوسطاء تحت ضغط هائل لإنجاز اختراق دبلوماسي في وقت قياسي. ويرى محللون أن هذا الجدول الزمني يعكس رغبة ترمب في تحقيق انتصار سياسي سريع يغير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط قبل تفاقم الأزمات.

وفي ختام المشهد، تترقب الأوساط الدولية ما ستسفر عنه الساعات القادمة، خاصة مع تضارب الأنباء بين البيت الأبيض والخارجية الإيرانية. وسيكون لنتائج هذه الاتصالات إن حدثت، تداعيات كبرى على ملفات الحرب في غزة ولبنان، فضلاً عن مستقبل التسلح النووي في المنطقة برمتها.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 5:48 مساءً - بتوقيت القدس

تحالف دفاعي بين أنقرة والدوحة لمواجهة التصعيد الإقليمي وتداعيات استهداف منشآت الغاز

تشهد المنطقة تحركات دبلوماسية وعسكرية مكثفة تقودها أنقرة والدوحة في ظل تصاعد حاد للتوترات الإقليمية. وأجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان جولة عاجلة شملت قطر والسعودية، أسفرت عن تفاهمات استراتيجية تهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية لمواجهة التهديدات الراهنة التي تعصف بأمن الطاقة والملاحة.

وأكدت مصادر رسمية أن المباحثات التي جرت بين فيدان ورئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، خلصت إلى ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لتطوير الصناعات الدفاعية. ويأتي هذا التوجه كاستجابة مباشرة للتحديات الأمنية التي فرضتها الهجمات الأخيرة على البنية التحتية الحيوية في منطقة الخليج العربي.

وتعرضت منشآت الغاز في منطقة رأس لفان القطرية لضربة عسكرية أدت إلى اضطرابات واسعة في سوق الطاقة العالمي، حيث تمثل هذه المنشآت نحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال في العالم. ووصفت الدوحة هذا الاعتداء بأنه تصعيد خطير ستكون له تداعيات اقتصادية كبرى تتجاوز الحدود الإقليمية لتصل إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

وفي رد فعل دبلوماسي حازم، أعلنت وزارة الخارجية القطرية اعتبار أفراد الطاقم العسكري والأمني التابع للسفارة الإيرانية في الدوحة أشخاصاً غير مرغوب فيهم. وأمهلت السلطات القطرية هؤلاء المسؤولين 24 ساعة فقط لمغادرة البلاد، في خطوة تعكس حجم التوتر في العلاقات الثنائية عقب استهداف حقول الغاز.

من جانبه، كشف سعد الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة القطري، عن حجم الأضرار الاقتصادية الناجمة عن الهجمات، مؤكداً تعطل 17% من القدرات التصديرية للدولة. وأوضح الكعبي أن الخسائر السنوية المقدرة تصل إلى 20 مليار دولار، مما يهدد استقرار الإمدادات المتجهة إلى شركاء دوليين مثل الصين وكوريا الجنوبية وإيطاليا.

وعلى الجانب التركي، لم تكن أنقرة بمنأى عن هذا التصعيد، حيث سقطت ثلاثة صواريخ في أراضيها خلال الأيام الماضية. ورغم اعتراض هذه الصواريخ بواسطة منظومات الدفاع الجوي التابعة لحلف شمال الأطلسي، إلا أن الحادثة دفعت القيادة التركية إلى موازنة خطابها السياسي مع تعزيز حضورها العسكري الميداني.

وفي سياق العمليات الدفاعية المشتركة، أفادت مصادر بأن مقاتلات من طراز 'إف-16' تابعة لسلاح الجو التركي بدأت بمرافقة الطائرات القطرية لتأمين مساراتها. ويعكس هذا التنسيق الميداني عمق الاتفاقية الدفاعية الموقعة بين البلدين منذ عام 2015، والتي تتيح تعاوناً واسعاً في المجالات البرية والجوية والبحرية.

وتلعب القاعدة العسكرية التركية المتمركزة جنوب الدوحة دوراً محورياً في الاستراتيجية الدفاعية الجديدة، حيث تضم نحو 3 آلاف عسكري مع إمكانية التوسع المستقبلي. وتعمل هذه القاعدة تحت قيادة مشتركة، وتهدف إلى توفير الدعم العملياتي والاستشاري للقوات القطرية في ظل الظروف الأمنية المعقدة التي تمر بها المنطقة.

وبالتوازي مع التحرك التركي القطري، شهدت الرياض مشاورات عاجلة ضمت وزراء خارجية 12 دولة عربية وإسلامية لبحث سبل وقف الهجمات على منشآت الطاقة. وأكد المشاركون في الاجتماع على حق الدول في الدفاع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، محذرين من استمرار استهداف البنية التحتية النفطية والغازية.

ولم تقتصر الهجمات على قطر فحسب، بل طالت مصفاة 'سامرف' في ميناء ينبع السعودي عبر طائرة مسيرة، وفق ما أكدته وزارة الدفاع في المملكة. ويعد هذا الميناء نقطة عبور استراتيجية لنفط المملكة بعيداً عن مضيق هرمز، مما يشير إلى محاولات متعمدة لتعطيل ممرات الطاقة الرئيسية في البحر الأحمر.

وفي إطار المساعي الدبلوماسية لاحتواء الموقف، كشف هاكان فيدان عن اتصالات أجراها مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، مطالباً بوقف إطلاق الصواريخ الذي يجعل الحياة اليومية غير محتملة. وأشار فيدان إلى أن استمرار هذه العمليات يدفع دول المنطقة إلى اتخاذ تدابير أمنية دائمة قد تغير موازين القوى الإقليمية.

وحملت أنقرة والدوحة إسرائيل المسؤولية المباشرة عن إشعال فتيل الصراع الحالي، حيث صرح فيدان بأن السياسات الإسرائيلية جرت المنطقة إلى أزمة غير مسبوقة. ورغم الانتقادات الموجهة لطهران، إلا أن الخطاب التركي ركز على أن الممارسات الإسرائيلية هي المحرك الأساسي لحالة عدم الاستقرار الراهنة.

ويرى مراقبون أن الموقف التركي الحالي يهدف إلى الحفاظ على قنوات براغماتية مع كافة الأطراف، بما في ذلك إيران، لضمان استمرار تدفقات التجارة والطاقة. وتسعى أنقرة من خلال هذا التوازن إلى تقديم نفسها كطرف فاعل وقادر على المساهمة في استقرار العلاقات الإقليمية والدولية، خاصة مع واشنطن.

ويبقى نجاح هذه التحركات رهناً بالتطورات الميدانية وقدرة الأطراف الدولية على كبح جماح التصعيد العسكري المتنامي. وفي ظل تقلبات المواقف الدولية، تواصل تركيا تعزيز وجودها العسكري في الخليج كأداة ردع وحماية لمصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها في المنطقة.

اسرائيليات

الإثنين 23 مارس 2026 5:48 مساءً - بتوقيت القدس

خبير إسرائيلي: الهجوم الإيراني على ديمونا 'ردع منظّم' وليس عشوائياً

أفاد خبير إسرائيلي بارز في الشؤون الإيرانية بأن الهجمات الصاروخية التي شنتها طهران مؤخراً واستهدفت مدينة ديمونا جنوبي الأراضي المحتلة، لم تكن مجرد رد فعل انفعالي. وأوضح المحلل في معهد دراسات الأمن القومي، داني سيترينوفيتش أن هذه العمليات تبرهن على امتلاك القيادة الإيرانية قدرات متطورة في توجيه الضربات بدقة متناهية.

وبحسب قراءة الخبير الإسرائيلي، فإن الهجوم جاء رداً مباشراً على استهداف إسرائيلي سابق لحقل غاز في جنوب إيران، مما يشير إلى نمط تصعيد يتم إدارته بعناية فائقة من قبل طهران. وتهدف هذه التحركات إلى إرسال رسائل استراتيجية واضحة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول طبيعة القدرات العسكرية الإيرانية المتاحة حالياً.

وشدد سيترينوفيتش على أن الرد الإيراني يظهر مستوى متقدماً من السيطرة والتنظيم في إدارة الصراع المفتوح بين الطرفين. واعتبر أن الهدف الأساسي من هذه الضربات هو فرض تكاليف باهظة على الجانب الآخر ومحاولة التأثير على سلوكه الاستراتيجي في المستقبل القريب.

في المقابل، ربطت وسائل إعلام إيرانية رسمية الهجوم على ديمونا بما وصفته بـ 'العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك' الذي استهدف منشأة نطنز النووية. وأكدت المصادر الإيرانية أن استهداف المواقع الحيوية الإسرائيلية يأتي في إطار الدفاع المشروع عن المنشآت القومية الحساسة التي تعرضت للتخريب.

من جانبه، نفى جيش الاحتلال الإسرائيلي علمه بوقوع أي هجمات مؤخراً استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، مما يبرز تضارباً حاداً في الروايات الرسمية. ويعكس هذا التناقض حجم التوتر الأمني والغموض الذي يلف العمليات العسكرية المتبادلة في المنطقة خلال الساعات الماضية.

وأشارت تقارير إعلامية إلى أن الضربات الإيرانية لم تقتصر على ديمونا، بل شملت أيضاً مصفاة النفط في حيفا، مما يوسع دائرة الاستهداف الاقتصادي والأمني. وتأتي هذه الهجمات بالتزامن مع محاولات إسرائيلية مستمرة لضرب خطوط الإمداد واستهداف القيادات العسكرية الإيرانية في عدة ساحات.

ويرى مراقبون أن قدرة طهران على تنفيذ عمليات دقيقة في ظل الضغوط العسكرية المكثفة تعكس تخطيطاً استراتيجياً طويل الأمد. ويضع هذا التصعيد استقرار أسواق الطاقة العالمية في مهب الريح، نظراً لحساسية المواقع المستهدفة في كلا الجانبين.

وعلى الصعيد السياسي، برزت تعقيدات إضافية بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى وجود مباحثات جارية مع الجانب الإيراني. وتهدف هذه التحركات الدبلوماسية المفترضة إلى خفض حدة التوتر ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة لا تحمد عقباها.

إلا أن المصادر الإيرانية الرسمية سارعت لنفي هذه الادعاءات، مؤكدة عدم وجود أي قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة مع الإدارة الأمريكية الحالية. وشددت طهران على أن واشنطن هي الطرف الذي بدأ التصعيد، وعليها تحمل تبعات سياساتها العدائية في المنطقة.

وتصر القيادة الإيرانية على أن أي حوار مستقبلي يجب أن يوجه حصراً نحو معالجة الأسباب الجذرية للتصعيد، وفي مقدمتها التدخلات العسكرية الخارجية. وتعتبر طهران أن استعراض القوة الصاروخية هو الوسيلة الوحيدة لضمان عدم تكرار الاعتداءات على منشآتها الحيوية.

وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تحاول قوى إقليمية التدخل للوساطة وتقريب وجهات النظر لتفادي انفجار الأوضاع بشكل كامل. وتواجه هذه الجهود تحديات كبيرة نتيجة إصرار الأطراف المتصارعة على تثبيت معادلات ردع جديدة بالوسائل العسكرية المباشرة.

ويبرز التحدي الأمني أمام إسرائيل والولايات المتحدة في كيفية التعامل مع التهديدات الإيرانية المتصاعدة التي باتت تطال العمق الاستراتيجي. وتتزايد المخاوف من أن تؤدي أي حماقة عسكرية جديدة إلى ردود فعل أكثر عنفاً وتدميراً في المنشآت الحيوية للطرفين.

إن التطورات الأخيرة في ديمونا وحيفا تفرض واقعاً جديداً على طاولة صناع القرار في تل أبيب، حيث لم تعد العمق الإسرائيلي بعيداً عن نيران المواجهة. ويتطلب هذا التحول إعادة تقييم شاملة للمنظومات الدفاعية والسياسات الهجومية المتبعة تجاه الملف الإيراني.

ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل غياب أفق سياسي واضح لحل الأزمة الراهنة. وتستمر حالة التأهب القصوى في المنطقة بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية أو الجولات القادمة من تبادل الضربات الصاروخية.

تحليل

الإثنين 23 مارس 2026 5:18 مساءً - بتوقيت القدس

معضلة واشنطن في الشرق الأوسط: هل ينجح ترامب في تجنب 'فخ' المواجهة الشاملة؟

تواجه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً متجدداً في منطقة الشرق الأوسط، حيث تجد نفسها مدفوعة للعودة إلى قلب العاصفة كلما حاولت ترتيب أوراقها للانسحاب. ومع تصاعد حدة التوتر بين إسرائيل وإيران، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة واشنطن على السيطرة على صراع قد يتدحرج إلى مواجهة إقليمية كبرى. يظهر اسم دونالد ترامب في هذا السياق كرمز لنهج سياسي يعتمد على القوة والصفقات السريعة، في منطقة أثبت التاريخ أنها لا تخضع لمنطق الحسم العاجل.

يعود جذور التورط الأمريكي الراهن إلى عقود من الصراع المفتوح مع طهران منذ عام 1979، إلا أن الغزو الأمريكي للعراق في 2003 مثل المنعطف الأهم. هذا الغزو لم يكتفِ بإسقاط نظام صدام حسين، بل فتح الأبواب على مصراعيها لإيران لتعزيز نفوذها الإقليمي وتوسيع حضورها في دول الجوار. ومنذ ذلك الحين، بدأت موازين القوى تميل تدريجياً لصالح المحور الإيراني، مما قلص من قدرة واشنطن على التحكم المنفرد في المشهد السياسي.

خلال ولايته السابقة، حاول ترامب تغيير هذه المعادلة عبر استراتيجية 'الضغط الأقصى'، والتي تضمنت الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية خانقة. ورغم أن هذه السياسة هدفت إلى تحجيم النفوذ الإيراني، إلا أنها أدت في الواقع إلى تصعيد تدريجي وضع المنطقة على حافة الانفجار. اليوم، يجد صانع القرار الأمريكي نفسه أمام شبكة معقدة من الفاعلين، حيث لم يعد الصراع ثنائياً بل تشعب ليشمل جبهات متعددة في لبنان واليمن وسوريا.

تمتلك إيران اليوم منظومة نفوذ واسعة تجعل من أي مواجهة مباشرة معها مخاطرة غير محسومة النتائج، بالنظر إلى قدرتها على تحريك وكلائها في المنطقة. وفي المقابل، ترى إسرائيل في الطموحات النووية الإيرانية تهديداً وجودياً يستوجب ضربات استباقية وتفوقاً عسكرياً دائماً بدعم أمريكي مطلق. هذا التضاد في المصالح يضع الولايات المتحدة في اختبار صعب لتحقيق توازن مستحيل بين حماية الحلفاء وتجنب الانزلاق لحرب شاملة.

تشير الوقائع الميدانية إلى أن العالم يقترب من سيناريو الحرب الإقليمية، خاصة مع تزايد الهجمات في البحر الأحمر واستهداف القواعد الأمريكية في العراق وسوريا. إن الحروب الكبرى غالباً ما تندلع نتيجة سلسلة من الأخطاء وسوء التقدير وليس بقرار استراتيجي مفاجئ. وأي ضربة إسرائيلية واسعة داخل العمق الإيراني قد تستدعي رداً مباشراً يشعل كافة الجبهات المرتبطة بطهران بشكل متزامن.

وعلى الرغم من استبعاد البعض لسيناريو الحرب العالمية الثالثة، إلا أن عناصرها باتت تلوح في الأفق من خلال الاحتكاك الروسي الأمريكي في سوريا والتنافس الاقتصادي مع الصين. إن تحول الصراع الإقليمي إلى مواجهة بين القوى الكبرى سيمثل كارثة غير مسبوقة للنظام الدولي. وتحاول هذه القوى حتى الآن تجنب الصدام المباشر، إدراكاً منها بأن الكلفة الاقتصادية والعسكرية ستكون مدمرة للجميع دون استثناء.

يبرز الخيار النووي كأحد أكثر الملفات تعقيداً في هذه الأزمة، حيث يظل أداة للردع حتى اللحظة، لكن احتمالات استخدامه تظل قائمة في سيناريوهات الانهيار الكامل. فبينما تلتزم إسرائيل بسياسة الغموض النووي، تقترب إيران من 'نقطة الاختراق' التي تمكنها من امتلاك السلاح. هذا التوازن النووي الهش يجعل المنطقة رهينة لاحتمالات التصعيد غير التقليدي في حال شعرت أي أطراف الصراع بتهديد وجودي حقيقي.

يرى بعض المحللين أن الحل يكمن في توجيه ضربة عسكرية شاملة للمنشآت النووية الإيرانية، لكن هذا الطرح يتجاهل التداعيات الكارثية المتوقعة. فالرد الإيراني لن يقتصر على الصواريخ، بل قد يشمل إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية. إن انهيار الاقتصاد العالمي وارتفاع أسعار النفط بشكل جنوني هما نتيجتان حتميتان لأي مواجهة عسكرية واسعة في منطقة الخليج.

إضافة إلى التهديدات التقليدية، تبرز مخاوف من استخدام 'القنابل القذرة' التي تنشر المواد المشعة وتخلق حالة من الفوضى النفسية والاقتصادية. ورغم عدم وجود أدلة على امتلاك أطراف غير دولية لهذه الأسلحة، إلا أن القدرة التقنية المتاحة تجعل منها كابوساً أمنياً يصعب ردعه. هذا النوع من الأسلحة يمثل تحدياً جديداً للمنظومات الدفاعية التقليدية التي تعتمدها القوى الكبرى في المنطقة.

في الداخل الأمريكي، يتحرك ترامب بين ضغوط المؤسسة العسكرية التي تميل للحذر، وبين تطلعات القاعدة الشعبية المنهكة من الحروب الطويلة. المؤسسة العسكرية تدرك جيداً كلفة التورط في مستنقعات جديدة، بينما يميل ترامب بطبعه إلى الحسم البراغماتي الذي يفضل الصفقات على النزاعات المستمرة. هذا الانقسام في النخبة السياسية الأمريكية يعقد من عملية اتخاذ قرار استراتيجي موحد تجاه أزمات الشرق الأوسط.

تتعدد السيناريوهات المطروحة للخروج من هذه الأزمة، بدءاً من العودة للحلول الدبلوماسية وإعادة التفاوض، وصولاً إلى سياسة الاحتواء التي تهدف لإدارة الصراع دون حله. كما يبرز خيار الانسحاب الجزئي والتركيز على منطقة آسيا والمحيط الهادئ كبديل استراتيجي لواشنطن. ومع ذلك، فإن كل خيار من هذه الخيارات يحمل ثمناً سياسياً وأمنياً باهظاً، ولا يوجد حل مثالي يرضي جميع الأطراف المتصارعة.

لقد أثبت التاريخ أن الشرق الأوسط كان دوماً مقبرة للطموحات الإمبراطورية الكبرى، من بريطانيا إلى الاتحاد السوفيتي وصولاً إلى التجربة الأمريكية في العراق. تعقيد الهويات وتداخل المصالح في هذه المنطقة يجعل من الصعب فرض هيمنة أحادية مستدامة. إن الفشل في فهم هذه الديناميكيات هو ما أدى دائماً إلى غرق القوى العظمى في صراعات استنزاف طويلة الأمد لا تحقق أهدافها النهائية.

السؤال الحقيقي الذي يواجه ترامب أو أي رئيس أمريكي قادم ليس حول القدرة على الانتصار العسكري، بل حول كيفية الخروج من المنطقة دون خسائر كارثية. إن إدارة صراع لا يمكن كسبه بالكامل ولا يمكن تجاهله في الوقت ذاته تمثل المعضلة التاريخية الكبرى لواشنطن. الشرق الأوسط يظل الاختبار الأصعب لقدرة القوى العالمية على الحفاظ على الاستقرار وتجنب الانهيار الشامل.

في نهاية المطاف، يبقى العالم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما المضي في مغامرة عسكرية حاسمة تحمل مخاطر وجودية، أو القبول بتسوية سياسية قد تُفسر كضعف. إن القدرة على اتخاذ قرار ينقذ العالم من حرب لا تنتهي تتطلب حكمة سياسية تتجاوز الشعارات الشعبوية. ويبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كانت الدبلوماسية قادرة على نزع فتيل الانفجار قبل فوات الأوان.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

انفراجة في العلاقات الجزائرية الإسبانية: الطاقة والهجرة تنهيان أزمة الـ 28 شهراً

دخلت العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية بعد قطيعة وتوترات استمرت لنحو 28 شهراً، إثر الخلافات العميقة حول ملف الصحراء. وتشير التقارير إلى أن البلدين تجاوزا مرحلة الغضب الدبلوماسي، حيث بدأت ملامح التقارب تظهر بوضوح من خلال التنسيق في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.

ومن المقرر أن يزور وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، العاصمة الجزائرية خلال الأسبوع الأخير من شهر مارس الجاري. وتعد هذه الزيارة الرسمية الأولى له منذ توليه منصبه، وتهدف بشكل أساسي إلى كسر الجمود الدبلوماسي الذي خيم على علاقات البلدين منذ عام 2022.

تتضمن أجندة الزيارة المرتقبة وضع اللمسات الأخيرة للتحضير لقمة رفيعة المستوى ستجمع بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. ويسعى الطرفان من خلال هذه القمة إلى إعادة تفعيل معاهدة الصداقة وحسن الجوار التي عُلقت خلال فترة الأزمة.

على صعيد الملفات الأمنية، شهدت الأشهر الماضية لقاءات مكثفة بين وزراء داخلية البلدين للتعامل مع تدفقات الهجرة غير النظامية عبر البحر المتوسط. وقد اتفق الجانبان على استئناف البروتوكول الثنائي الخاص بمكافحة الهجرة، وتفعيل آليات تبادل البيانات البيومترية للمهاجرين.

وتكشف الإحصائيات الرسمية عن وصول نحو 3900 مهاجر إلى جزر البليار الإسبانية على متن 224 قارباً انطلقت من السواحل الجزائرية خلال صيف 2025. ويمثل هذا الرقم زيادة ملحوظة تتجاوز 105% مقارنة بالتدفقات نحو جزر الكناري، مما استدعى تنسيقاً أمنياً عاجلاً بين مدريد والجزائر.

وفي سياق متصل، تلعب الوساطة الأمريكية دوراً نشطاً في تقريب وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية العالقة، وعلى رأسها ملف الصحراء. وقد استضافت السفارة الأمريكية في مدريد جولات من المحادثات السرية التي ضمت أطرافاً إقليمية بهدف التوصل إلى تفاهمات مستدامة.

يمثل أمن الطاقة المحرك الأساسي لهذا التقارب، خاصة في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وتأثيرها على الأسواق العالمية. وتطمح مدريد إلى تعزيز شراكتها مع الجزائر لضمان تدفقات مستقرة من الغاز الطبيعي بأسعار تنافسية بعيداً عن تقلبات السوق الدولية.

أظهرت بيانات وزارة التحول البيئي الإسبانية أن الجزائر استعادت مكانتها كمورد أول للغاز إلى إسبانيا خلال عام 2025. وبلغ حجم الصادرات الجزائرية نحو 128,502 جيغاواط/ساعة، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية بحصة سوقية بلغت 34.56%.

تدرس الحكومة الإسبانية حالياً خطة لرفع كفاءة خط أنابيب 'ميد غاز' الذي يربط الجزائر بمدينة ألمرية الإسبانية مباشرة. وتهدف الخطة إلى تشغيل الخط بكامل طاقته الاستيعابية التي تصل إلى 32 مليون متر مكعب يومياً لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة.

تشير مصادر اقتصادية إلى أن التدفقات اليومية عبر 'ميد غاز' سجلت متوسطاً قدره 28 مليون متر مكعب خلال الشهرين الأولين من العام الجاري. ويعكس هذا الارتفاع رغبة مدريد في الاعتماد على الغاز الجزائري كبديل استراتيجي وموثوق في ظل التوترات الدولية.

سجلت صادرات الغاز المسال الجزائري قفزة نوعية خلال النصف الأول من شهر مارس الجاري، حيث تجاوزت 462 ألف طن. ويمثل هذا الرقم نمواً بنسبة 74% مقارنة بالفترة ذاتها من شهر فبراير، مما يؤكد قدرة الجزائر على تلبية احتياجات السوق الأوروبية.

تأتي هذه التحركات الإسبانية في وقت تشهد فيه العلاقات بين مدريد وواشنطن نوعاً من الفتور السياسي. ويرجع ذلك إلى تباين المواقف بين رئيس الوزراء بيدرو سانشيز والإدارة الأمريكية الحالية بشأن عدد من الملفات الساخنة في المنطقة، بما في ذلك الموقف من إيران.

تسعى الدبلوماسية الإسبانية من خلال الانفتاح على الجزائر إلى تحقيق توازن استراتيجي يقلل من ارتهانها للسياسات الأمريكية المتقلبة. ويرى مراقبون أن تعزيز الروابط مع الجزائر يمنح مدريد هامش مناورة أكبر في السياسة الخارجية والأمن الطاقي الأوروبي.

ختاماً، يمثل هذا التقارب الجزائري الإسباني تحولاً مهماً في الخارطة السياسية لغرب المتوسط، حيث تغلبت المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة على الخلافات السياسية. ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة توقيع اتفاقيات تعاون جديدة تشمل قطاعات التكنولوجيا والاستثمار المتبادل.

أحدث الأخبار

الإثنين 23 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

جدل الهوية والدين في مصر: دعاء 'فاطمة وأبيها' يثير تساؤلات حول التوظيف السياسي للتصوف

عادت قضية الهوية المصرية لتتصدر المشهد العام عقب خطبة عيد ألقاها الدكتور سيد عبد الباري، أحد كبار مسؤولي وزارة الأوقاف، والتي تضمنت دعاءً غير مألوف في الأدبيات السنية المصرية. هذا الحدث لم يكن مجرد واقعة دينية عابرة، بل فجر نقاشاً عميقاً حول محاولات حسم سؤال الهوية الذي ظل عالقاً منذ أحداث يناير 2011، حيث تتقاذف التيارات السياسية اتهامات طمس هوية 'المحروسة'.

لقد مثّل الدعاء الذي استغاث بـ 'فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها' مفاجأة للكثيرين، ليس فقط لمحتواه التوسلي، بل لكونه استدعى صيغاً تُنسب تاريخياً للمذهب الشيعي. ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس رغبة في إيجاد نمط تدين يختلف جذرياً عن أطروحات جماعة الإخوان المسلمين والتيارات السلفية، وهو ما دفع البعض لتبني هذا الخطاب على سبيل المكايدة السياسية.

تاريخياً، حاولت بعض النخب المصرية إحياء الهوية الفرعونية كبديل للهوية العربية والإسلامية، إلا أن هذه المحاولات لم تلقَ قبولاً شعبياً واسعاً. ومع فشل 'الفرعنة' في حشد الجماهير، يبدو أن هناك اتجاهاً رسمياً لتبني 'التصوف' كظهير ديني للدولة، وهو ما يظهر في تصدير شخصيات دينية معينة تتبنى رؤى صوفية تتصادم أحياناً مع الموروث السلفي التقليدي.

اللافت في الأزمة الأخيرة هو موقف القوى اليسارية والقومية التي دافعت عن دعاء خطيب العيد، رغم موقفها المبدئي المعلن ضد خلط الدين بالسياسة. هذا التناقض يشير إلى أن 'الهوى السياسي' هو المحرك الأساسي للمواقف، حيث يُقبل توظيف الدين إذا كان يخدم التوجهات الحالية ويساهم في إقصاء الخصوم الأيديولوجيين.

بالعودة إلى جذور العلاقة بين التيارات الإسلامية وإيران، نجد أن التهم كانت تُوجه سابقاً للإخوان بالتقارب مع طهران لتحريض دول الخليج ضدهم. واليوم، تنعكس الآية حيث تجد بعض النخب الموالية للسلطة نفسها في خندق الدفاع عن صيغ دينية شيعية المنشأ، مما يربك المشهد السياسي ويثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإقليمية.

مصادر مطلعة تشير إلى أن المؤسسة الأمنية المصرية كانت دائماً حذرة من التمدد الشيعي، ووصل الأمر في سنوات سابقة إلى التضييق على الموالد الصوفية خشية أن تكون بوابة للتشيع. ومع ذلك، يبدو أن الحاجة السياسية الحالية لخلق 'هوية بديلة' قد دفعت لتجاوز بعض هذه الخطوط الحمراء بشكل مؤقت أو تكتيكي.

إن التدين المصري التقليدي، الذي يقوم على حب آل البيت، يختلف جوهرياً عن التوظيف السياسي لهذا الحب في صراعات السلطة. فالمصريون بطبعهم يميلون للتصوف السني الهادئ، لكن إقحام صيغ دعاء خلافية في مناسبات رسمية كصلاة العيد يحول العبادة إلى رسالة سياسية مشفرة تستهدف أطرافاً في الداخل والخارج.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن يتعلق بمصدر هذا الدعاء؛ إذ لم يسبق لعلماء الأزهر الكبار أو أقطاب الصوفية المعروفين مثل الدكتور أحمد عمر هاشم استخدام هذه الصيغة. غياب المصدر في كتب التراث السني المعتمدة يعزز فرضية الاستدعاء السياسي المتعمد، ويهدف لإحداث قطيعة مع الخطاب الديني الذي ساد في العقود الماضية.

منذ عقود، ظلت العلاقة بين الإخوان والثورة الإيرانية تتسم بالحذر، حيث سعى التنظيم للحفاظ على شعرة معاوية مع دول الخليج. واليوم، يجد التنظيم نفسه في موقع المتفرج على خصومه وهم يتبنون أدبيات دينية كانت تُستخدم ضدهم كأدوات اتهام، مما يكشف عن سيولة كبيرة في المواقف السياسية والدينية.

إن محاولة بناء هوية وطنية على أنقاض خلافات مذهبية أو تاريخية، مثل استحضار صراع طومان باي وسليم الأول، يعكس حالة من التيه الثقافي. فالهوية لا تُصنع بقرار إداري أو بدعاء في خطبة، بل هي نتاج تراكم حضاري طويل لا يمكن اختزاله في مكايدة سياسية عابرة ضد تيار أو جماعة.

السلطة القائمة في مصر تبدو وكأنها وجدت ضالتها في 'تصوف' من نوع خاص، يبتعد عن مدرسة الأزهر التقليدية ويميل نحو ابتكار طرق ومناهج جديدة. هذا التوجه، الذي يقوده بعض المشايخ المثيرين للجدل، يهدف لإنتاج 'إسلام رسمي' يكون طوع بنان الدولة في مواجهة أي حراك ذو خلفية دينية معارضة.

وعلى الرغم من هذا الانفتاح الظاهري على الصيغ الصوفية القريبة من التشيع، إلا أن الرؤية الأمنية العميقة تظل هي المتحكم في المشهد. فالدولة التي منعت الموالد سابقاً لأسباب صحية أو أمنية، لن تسمح لهذا التوجه بأن يتجاوز حدود 'المكايدة السياسية' ليصل إلى مرحلة الاختراق العقائدي المنظم.

في نهاية المطاف، يظل الخلط بين الدين والسياسة في مصر لعبة خطرة لا تقتصر نتائجها على طرف دون آخر. فاستخدام المنابر لتمرير رسائل سياسية تحت غطاء ديني يفتح الباب أمام صراعات هويّة لا تنتهي، ويجعل من الخطاب الديني مادة للاستقطاب بدلاً من أن يكون جامعاً للناس.

لقد استقر المشهد أخيراً على محاولة فرض هوية صوفية الطابع، لكنها تظل هوية قلقة تبحث عن شرعية تاريخية ودينية. وبينما ينشغل الساسة بتأويل الدعاء، يبقى الشارع المصري متمسكاً بفطرته الدينية التي تحب آل البيت والصحابة معاً، بعيداً عن حسابات القصور ودهاليز السياسة.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات دولية من 'مرحلة خطيرة': صواريخ إيران تطال ديمونا ومنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية

حذرت منظمة الصحة العالمية من أن الصراع الراهن في المنطقة دخل "مرحلة خطيرة" للغاية، لا سيما مع انتقال العمليات العسكرية لاستهداف المواقع النووية والمنشآت الاستراتيجية بين إيران وإسرائيل. وتأتي هذه التحذيرات في وقت كشفت فيه مصادر استقصائية عن حجم الدمار الذي خلفه الهجوم الإيراني الأخير باستخدام صاروخ (فتاح - 2) فرط الصوتي، والذي طال مدينة ديمونا الحساسة.

وأفادت المصادر بأن الضربة الصاروخية على ديمونا أسفرت عن تضرر وحدات تبريد حيوية، ومركز قيادة تابع لمنظومة "مقلاع داود" للدفاع الجوي، بالإضافة إلى مستودعات صيانة ومحطة للطاقة. كما شملت الهجمات مجمعاً للإشارة والربط الإلكتروني الخاص بأقمار التجسس وطائرات الاستطلاع في منطقة عراد، مما أدى إلى وقوع إصابات قدرت بنحو 182 جريحاً، ودمار واسع في البنية التحتية التكنولوجية.

في المقابل، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية التي استهدفت في وقت سابق مفاعل نطنز ومنشآت نفطية وحقول غاز إيرانية، بالتزامن مع استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة والعمليات البرية في لبنان. وفي ظل هذا التصعيد، لوحت طهران بقطع الخطوط الحمراء عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة والمياه في الإقليم، مما يضع الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة أمام سيناريوهات كارثية.

ويرى مراقبون أن لجوء رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب المساعدة الدولية وتصوير إسرائيل في موقع الضحية، يتناقض مع حجم التوغل العسكري الإسرائيلي في عدة جبهات. وفي غضون ذلك، تبرز مخاوف جادة من انجرار الإدارة الأمريكية الحالية نحو مواجهة شاملة قد تتطور إلى استخدام أسلحة غير تقليدية في ظل غياب أفق سياسي لوقف التصعيد المتسارع.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

بصبغة دينية.. وزير الدفاع الأمريكي يستحضر 'العناية الإلهية' لتبرير القوة العسكرية ضد خصوم واشنطن

أفادت تقارير صحفية دولية بتصاعد لافت في استخدام الخطاب الديني داخل أروقة الإدارة الأمريكية الحالية، حيث برز وزير الدفاع بيت هيغسيث كأحد أبرز المروجين لربط العمليات العسكرية بمفاهيم عقدية. وأشارت المصادر إلى أن هذا التوجه يأتي في ظل استمرار التوترات العسكرية والضربات المتبادلة في منطقة الشرق الأوسط، مما يضفي طابعاً مختلفاً على الصراع القائم.

وقدم هيغسيث مبررات دينية صريحة لدعم التحركات العسكرية لبلاده، مشدداً على ما وصفه بـ 'القوة الساحقة' للجيش الأمريكي. واعتبر الوزير أن هذه القوة قادرة على إلحاق 'الدمار من السماء' بخصوم الولايات المتحدة، مع إشارة واضحة إلى التهديدات المرتبطة بالملف الإيراني والتحركات الإقليمية المعارضة لواشنطن.

وفي خطوة غير مألوفة من داخل مقر وزارة الدفاع (البنتاغون)، دعا هيغسيث المواطنين الأمريكيين إلى التضرع والصلاة من أجل تحقيق النصر العسكري في الميدان. وطالب الوزير الجمهور بالركوع والدعاء 'باسم يسوع المسيح'، وهو ما يعكس حضوراً دينياً مكثفاً في صياغة العقيدة العسكرية الجديدة للإدارة الحالية.

وبحسب القراءات التحليلية للموقف، فإن الوزير الأمريكي لا يتعامل مع الحروب والعمليات العسكرية كأدوات سياسية أو ديبلوماسية بحتة، بل يمنحها صبغة أخلاقية ودينية متجذرة. ويرى هيغسيث أن التحركات العسكرية الأمريكية تتم تحت 'عناية إلهية' خاصة، وهي التي تمنح القوات المسلحة الثقة المطلقة في تحقيق الغلبة على الأعداء.

وعلى الرغم من هذا الخطاب المتشدد، حرص هيغسيث على تجنب تصوير الدين الإسلامي كعدو مباشر للولايات المتحدة في تصريحاته. وبدلاً من ذلك، ركز على الإشادة بالعلاقات مع حلفاء واشنطن في منطقة الخليج، مؤكداً التزام بلاده بالوقوف إلى جانبهم في مواجهة التهديدات المشتركة التي تواجه استقرار المنطقة.

ويرى مراقبون أن هذا النهج يتقاطع بشكل وثيق مع الخطاب السياسي العام للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي دأب على الحديث عن 'مهمة إلهية' لإنقاذ الولايات المتحدة. كما ينسجم هذا التوجه مع تصريحات مسؤولين آخرين في الإدارة يشددون باستمرار على الروابط الدينية والتاريخية التي تجمع بين أمريكا وأوروبا في مواجهة التحديات العالمية.

في المقابل، لم يمر هذا الخطاب دون إثارة موجة من الانتقادات الحادة داخل الأوساط الدينية والفكرية في الولايات المتحدة. واعتبر عدد من رجال الدين أن محاولة ربط آلة الحرب بالإرادة الإلهية تمثل تناقضاً صارخاً مع الجوهر الحقيقي للتعاليم المسيحية التي تنبذ العنف وتدعو إلى السلام.

وأكد المنتقدون أن وظيفة الدعاء والصلاة يجب أن تتركز على إنهاء النزاعات وحقن الدماء، وليس طلب البركة لاستمرار العمليات القتالية أو زيادة وتيرة الدمار. وحذر هؤلاء من خطورة تحويل الصراعات السياسية إلى حروب دينية مقدسة قد تؤدي إلى عواقب كارثية على السلم العالمي وتؤجج الكراهية بين الشعوب.

كما لفت التقرير إلى أن بعض الخبراء العسكريين والمراقبين يرون في تصريحات هيغسيث خلطاً خطيراً بين العقيدة الدينية والمهام الاحترافية للقوات المسلحة. وأشاروا إلى أن هذا الخلط قد يثير جدلاً واسعاً داخل المجتمع الأمريكي، خاصة وأن الجيش يضم في صفوفه تنوعاً دينياً وعرقياً كبيراً قد لا يتفق مع هذا التوجه.

ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة نقاشات تاريخية قديمة حول مخاطر توظيف الدين في النزاعات المسلحة واستخدامه كغطاء لتمرير أجندات سياسية وعسكرية. ويأتي هذا التحول في وقت تزداد فيه الضغوط الدولية المطالبة بوقف التصعيد العسكري في عدة جبهات، والبحث عن مسارات ديبلوماسية لحل الأزمات العالقة.

وتشير المصادر إلى أن تبني هذا الخطاب من قبل رأس الهرم في وزارة الدفاع يعكس تحولاً في الاستراتيجية الإعلامية للبنتاغون، تهدف إلى حشد الدعم الشعبي الداخلي للعمليات الخارجية. ومع ذلك، فإن التحدي يكمن في مدى تقبل المؤسسات الدستورية والقانونية لهذا التداخل بين الدين والدولة في ملفات حساسة كالحرب والسلم.

وخلص التقرير إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التوتر في النقاش العام حول هوية السياسة الخارجية الأمريكية. فبينما يرى تيار الوزير هيغسيث في القوة العسكرية أداة لتحقيق 'إرادة عليا'، يصر المعارضون على ضرورة إبقاء المؤسسة العسكرية بعيدة عن التجاذبات الدينية لضمان احترافيتها وحيادها.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 4:03 مساءً - بتوقيت القدس

غزة: وقفة تضامنية أمام مقر الصليب الأحمر تنديداً بالتنكيل الممنهج بحق الأسرى

احتشد عشرات الفلسطينيين اليوم الإثنين أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة، استجابة لدعوة وجهتها لجنة الأسرى التابعة لتجمع القوى الوطنية والإسلامية. ورفع المشاركون في الوقفة صوراً لقادة الحركة الأسيرة ولافتات تندد بجرائم الاحتلال، مطالبين بضرورة التدخل الدولي العاجل لوقف الانتهاكات الجسيمة التي يتعرض لها المعتقلون داخل السجون الإسرائيلية.

وأكد المشاركون في الفعالية أن هذه الوقفة تأتي في ظل تدهور خطير وغير مسبوق في ظروف احتجاز الأسرى، حيث يتعرضون لسياسات قمعية ممنهجة تشمل العزل والاعتداء الجسدي. وشدد المحتجون على ضرورة أن تتحمل المؤسسات الحقوقية الدولية مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، والضغط على سلطات الاحتلال لضمان حقوق الأسرى التي كفلتها المواثيق الدولية.

وطالب المتظاهرون بعثة الصليب الأحمر الدولية بتجاوز دورها التقليدي وتكثيف زياراتها الميدانية لغرف وزنازين المعتقلين للاطلاع على أوضاعهم الصحية والمعيشية عن قرب. كما دعوا إلى ضرورة العمل الجاد لإدخال المستلزمات الأساسية والاحتياجات الطبية، خاصة في ظل التقارير التي تتحدث عن تدهور الحالة الصحية للمئات من الأسرى نتيجة الإهمال الطبي المتعمد.

من جانبه، أوضح عبد الله قنديل، مدير جمعية واعد للأسرى أن هذه الفعالية تندرج ضمن سياق التحشيد الشعبي المستمر لنصرة قضية الأسرى التي تمر بأخطر مراحلها. وأشار قنديل إلى أن آلاف الفلسطينيين في السجون يواجهون ما وصفه بـ 'إرهاب الدولة المنظم'، مؤكداً أن الإسناد الشعبي يمثل ركيزة أساسية في مواجهة محاولات الاحتلال الاستفراد بالحركة الأسيرة.

وفي شهادة مؤثرة، تحدثت زوجة الأسير رائد صبيح عن الظروف القاسية التي يكابدها زوجها وبقية الأسرى، مشيرة إلى أنهم يعانون من سياسة تجويع مستمرة وتعذيب جسدي ونفسي لا يتوقف. وقالت إن عائلات الأسرى لن تلتزم الصمت أمام هذه الجرائم، وأن صوتهم سيبقى مرتفعاً حتى نيل كافة الأسرى حريتهم وكرامتهم المسلوبة خلف القضبان.

وتشير الإحصائيات الحقوقية إلى أن عدد الأسرى في سجون الاحتلال قد تجاوز 9300 أسير وأسيرة، من بينهم 350 طفلاً و66 سيدة يعيشون في ظروف تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية. وتؤكد المصادر أن هذه الأعداد تزايدت بشكل ملحوظ في ظل حملات الاعتقال المسعورة التي تشنها قوات الاحتلال في الضفة الغربية وقطاع غزة منذ عدة أشهر.

وتأتي هذه الانتهاكات في سياق تصعيد إسرائيلي شامل بدأ منذ أكتوبر 2023، حيث تزامنت إجراءات القمع داخل السجون مع حرب الإبادة الجماعية المستمرة على قطاع غزة. وقد أسفرت هذه الحرب حتى الآن عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني وإصابة نحو 172 ألفاً آخرين، في ظل صمت دولي تجاه الجرائم المرتكبة بحق المدنيين والأسرى على حد سواء.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 3:33 مساءً - بتوقيت القدس

صمت نيودلهي الاستراتيجي: كيف تدير الهند توازناتها الصعبة وسط الحرب في إيران؟

تواجه الدبلوماسية الهندية اختباراً عسيراً في ظل التطورات المتسارعة التي أعقبت زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي التاريخية إلى إسرائيل. فالتوقيت الذي تزامن مع اندلاع شرارة الحرب في إيران وضع نيودلهي في قلب عاصفة من الانتقادات الداخلية والخارجية، حيث تحول ما كان يُفترض أن يكون نصراً دبلوماسياً إلى مادة لنظريات المؤامرة والاتهامات بالانحياز الكامل للمعسكر الغربي.

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تفاقم القلق في الأوساط السياسية والاقتصادية الهندية، مما دفع الحكومة للتمسك بنهج الحذر الدبلوماسي الذي تعتبره ميزة استراتيجية. ومع اندماج الهند المتزايد في الاقتصاد العالمي، أصبحت عملية صنع القرار أكثر تعقيداً، حيث تحاول نيودلهي الحفاظ على خيوط التواصل مع كافة الأطراف رغم الضغوط الدولية والعقوبات المفروضة على طهران.

داخلياً، واجه مودي ضغوطاً عنيفة من المعارضة، حيث تساءلت سونيا غاندي عن غياب التعزية الرسمية في اغتيال الزعيم الإيراني، معتبرة ذلك تخلياً عن مبادئ السياسة الخارجية الهندية. كما انتقد قادة حزبيون آخرون ما وصفوه بـ 'الاستبداد العالمي' للولايات المتحدة وإسرائيل، محذرين من انجراف الهند الكامل تحت الجناح الغربي على حساب توازنها التقليدي.

يرى محللون أن الصمت الهندي في الأيام الأولى للحرب لم يكن ضعفاً، بل استراتيجية مدروسة لتجنب الانزلاق في صراع مباشر. فقد جاءت الهجمات بعد وقت قصير من إعلان مودي من فوق منصة الكنيست وقوف بلاده مع إسرائيل، مما جعل إصدار إدانة فورية أمراً صعباً من الناحية الدبلوماسية، خاصة في ظل صمت قوى إقليمية أخرى.

العلاقة بين نيودلهي وطهران لم تكن خالية من التوتر قبل الحرب، إذ كان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي من الأصوات المنتقدة للهند في ملف كشمير. وتشير مصادر حكومية إلى أن التدخلات الإيرانية المتكررة في الشؤون الداخلية الهندية أدت سابقاً إلى استدعاء دبلوماسيين إيرانيين لتوبيخهم، مما أضفى صبغة من البرود على العلاقات الرسمية.

رغم هذا التوتر، تظل المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي للقرار الهندي، حيث تعتمد البلاد بشكل هائل على موارد الطاقة من الشرق الأوسط. وبصفتها المستورد الثالث للنفط عالمياً، فإن أي اضطراب في إمدادات المنطقة يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي ورفع معدلات التضخم وإضعاف العملة المحلية 'الروبية' أمام العملات الأجنبية.

تدرك حكومة مودي أن طموحها في تحويل الهند إلى ثالث أكبر اقتصاد في العالم يتطلب استقراراً استراتيجياً وسياسة توزيع مخاطر فعالة. هذه العقلية البراغماتية هي التي دفعت نيودلهي سابقاً لشراء النفط الروسي رغم الضغوط الدولية، وهي ذاتها التي تحكم تعاملها الحالي مع الأزمة الإيرانية لضمان تدفق الطاقة بأي ثمن.

في خطوة مفاجئة، منح الرئيس الأمريكي ترامب الهند استثناءً مؤقتاً لشراء النفط الروسي، وهو قرار لا ينبع من التعاطف بل من الرغبة في كبح جماح أسعار النفط العالمية. وتدرك واشنطن أن الهند ستواصل العمل وفقاً لمصالحها الوطنية، سواء حصلت على موافقات دولية أم لا، مما يمنح نيودلهي هامش مناورة واسع في سوق الطاقة.

استطاعت الهند استغلال رصيدها الاستراتيجي لتأمين مرور ناقلاتها عبر مضيق هرمز بالتنسيق المباشر مع الجانب الإيراني. وأوضح وزير الخارجية سوبرامانيام جايشانكار أن هذا التنسيق ليس اتفاقاً شاملاً، بل هو تعامل حذر مع كل حالة على حدة، مما يعكس قدرة الهند على إدارة الأزمات عبر قنوات خلفية فعالة.

تتحدث تقارير غير رسمية عن وجود صفقات مقايضة سرية تجري في الكواليس، حيث تقوم الهند بتزويد إيران بمعدات طبية حيوية مقابل تسهيلات بحرية. هذه المقايضات تهدف إلى ضمان الإفراج عن السفن المحتجزة وتأمين خطوط الملاحة، بعيداً عن الأضواء والضجيج الإعلامي الذي يرافق العمليات العسكرية.

ترفض نيودلهي الانجرار إلى أي تحالف عسكري دولي لتأمين مضيق هرمز، مفضلة الحفاظ على دور 'الوسيط المحتمل'. فالتدخل العسكري المباشر سيجعل الهند طرفاً في النزاع، وهو سيناريو كارثي يهدد حياة تسعة ملايين هندي في الخليج ويقطع مليارات الدولارات من التحويلات المالية التي تدعم الاقتصاد الهندي.

في نهاية المطاف، تواصل الهند السير على حبل مشدود، موازنةً بين طموحاتها كقوة عالمية صاعدة وضرورات أمنها القومي والاقتصادي. إنها تختار معاركها بعناية، وتؤمن مصالحها الآنية بهدوء، بينما تراقب التحولات الجيوسياسية الكبرى لتحديد موقعها المستقبلي في نظام عالمي دائم التغير.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 3:19 مساءً - بتوقيت القدس

قطر ترفض التهديدات الإيرانية لمنشآت الطاقة وتكثف اتصالاتها العربية لوقف التصعيد

أعرب الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، عن موقف بلاده الحازم تجاه التهديدات الإيرانية الأخيرة، مؤكداً خلال مباحثات مع مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الدوحة لا يمكنها قبول أي هجمات تستهدف الأراضي القطرية. وشدد على أن المساس بمنشآت الطاقة يعد تجاوزاً خطيراً للقوانين الدولية، لما له من تداعيات كارثية على استقرار الإمدادات العالمية وسلامة الملاحة البحرية والبيئة.

وفي سياق الحراك الدبلوماسي المتسارع، أجرت القيادة القطرية سلسلة من الاتصالات الهاتفية مع وزراء خارجية كل من السعودية والكويت والإمارات ومصر، لبحث سبل خفض حدة التوتر في الشرق الأوسط. وأفادت مصادر رسمية بأن هذه المشاورات ركزت على ضرورة تنسيق المواقف العربية لمواجهة التحديات الأمنية الراهنة، والعمل على تجنيب المنطقة مخاطر التصعيد العسكري الذي قد يخرج عن السيطرة.

واستعرض الوزراء العرب خلال اتصالاتهم تداعيات التصعيد العسكري الأخير وأثره المباشر على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، مؤكدين على أهمية حل الخلافات عبر القنوات السلمية والحوار السياسي. وشدد المجتمعون على ضرورة تغليب لغة العقل والحكمة في التعامل مع الأزمات، بما يضمن حماية المصالح الحيوية للدول العربية ويحفظ حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية.

وجاءت هذه التحركات الدبلوماسية رداً على إعلان الجيش الإيراني عن نيته استهداف البنى التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه في دول المنطقة، في حال أقدمت الإدارة الأمريكية على تنفيذ تهديداتها. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد لوح بضرب محطات الطاقة داخل إيران إذا لم تلتزم طهران بفتح مضيق هرمز بشكل كامل خلال مهلة زمنية محددة بـ 48 ساعة.

من جانبه، حاول الحرس الثوري الإيراني تخفيف حدة التوتر عبر بيان أصدره لاحقاً، نفى فيه وجود نية مبيتة لمهاجمة محطات تحلية المياه التي تخدم شعوب المنطقة. ومع ذلك، أكد البيان على مبدأ الرد بالمثل، مشيراً إلى أن أي استهداف لشبكات الكهرباء الإيرانية سيقابله رد فعل مماثل يستهدف البنى التحتية للطرف الآخر، في إطار ما وصفه باستراتيجية الردع.

وعلى صعيد آخر، شهدت الاتصالات العربية تقديم واجب العزاء لدولة قطر في استشهاد عدد من منتسبي قواتها المسلحة، الذين قضوا إثر سقوط طائرة مروحية في المياه الإقليمية. وأوضحت التقارير أن الحادث نتج عن عطل فني مفاجئ أثناء تأدية الطائرة لمهام روتينية، مما أثار موجة من التضامن الأخوي من قبل وزراء خارجية الدول الشقيقة.

وتسعى الجهود القطرية والعربية حالياً إلى إيجاد صيغة تضمن وقفاً فورياً لأي أعمال تصعيدية قد تؤدي إلى مواجهة شاملة في المنطقة، مع التأكيد على أن أمن الطاقة العالمي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. وتطالب العواصم العربية المجتمع الدولي بالاضطلاع بمسؤولياته للضغط على كافة الأطراف للعودة إلى طاولة المفاوضات والالتزام بالاتفاقيات الدولية المنظمة للملاحة.

وتشير المصادر إلى أن التنسيق العربي المشترك سيستمر خلال الأيام القادمة عبر لقاءات واجتماعات مكثفة، تهدف إلى بلورة موقف موحد يمنع تحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية. ويبقى الرهان حالياً على مدى استجابة الأطراف المتنازعة لدعوات التهدئة وتغليب المصالح العليا للأمن والسلم الإقليميين.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 2:48 مساءً - بتوقيت القدس

تضارب الأنباء حول مفاوضات واشنطن وطهران: ترمب يعلن عن 'تقدم' وإيران تنفي

أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتصريحات مفاجئة كشف فيها عن إجراء بلاده محادثات وصفها بالـ 'جيدة والمثمرة' مع الجانب الإيراني خلال الثماني وأربعين ساعة الماضية. وأوضح ترمب أن هذه المباحثات تهدف للوصول إلى تسوية كاملة وشاملة للملفات العالقة، مشيراً إلى أن الحوار لا يزال مستمراً خلال الأسبوع الجاري رغم حالة التوتر العسكري القائمة.

وفي خطوة لخفض التصعيد الميداني، أعلن الرئيس الأمريكي عن قرار بتأجيل الضربات الجوية التي كانت مقررة لاستهداف محطات الطاقة الإيرانية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة استنفاراً كبيراً على خلفية التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران بشأن حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية.

من جانبها، سارعت طهران إلى نفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، حيث أكدت وزارة الخارجية الإيرانية عدم وجود أي شكل من أشكال الحوار مع الإدارة الأمريكية. وأوضحت مصادر رسمية إيرانية أن ما يتم تداوله حول مفاوضات مباشرة هو عارٍ عن الصحة، مشددة على أن الموقف الإيراني ثابت تجاه السياسات الأمريكية الحالية.

وأشارت الخارجية الإيرانية إلى وجود مبادرات تقودها دول إقليمية تهدف إلى خفض حدة التوتر في المنطقة، لكنها أكدت أن الرد الإيراني كان واضحاً بأن طهران ليست الطرف الذي بدأ التصعيد. وطالبت المصادر الإيرانية بضرورة توجيه الضغوط والمطالب الدولية نحو واشنطن لوقف عدوانها المستمر، بدلاً من مطالبة طهران بتقديم تنازلات.

وفي سياق متصل، نقلت مصادر إعلامية عن مصدر مسؤول قوله إنه لا توجد أي اتصالات مباشرة مع الولايات المتحدة، كما لم يتم تفعيل أي قنوات اتصال عبر وسطاء دوليين حتى اللحظة. ويأتي هذا النفي القاطع ليضع تصريحات البيت الأبيض في إطار التضارب الدبلوماسي الحاد الذي يلف المشهد السياسي بين البلدين.

وعلى الصعيد الدولي، دخلت موسكو على خط الأزمة من خلال اتصال هاتفي أجراه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف. ودعا لافروف خلال الاتصال إلى ضرورة الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية، والبدء في عملية تسوية سياسية شاملة تضمن المصالح المشروعة لجميع الأطراف، وفي مقدمتها الدولة الإيرانية.

وكانت حدة التهديدات قد تصاعدت بعد تلويح ترمب باستهداف البنية التحتية للطاقة في إيران، مشترطاً فتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية خلال مهلة زمنية قصيرة. وردت طهران على هذه التهديدات بالتحذير من أن أي مساس بجزرها أو سيادتها سيؤدي إلى تحويل الممرات البحرية والسواحل إلى حقول ألغام تعيق حركة الملاحة تماماً.

وأكد مجلس الدفاع الإيراني في بيان له أن السيادة على مضيق هرمز هي حق أصيل لطهران، وأن عبور السفن التابعة للدول غير المعادية يتطلب تنسيقاً مسبقاً ومباشراً مع السلطات الإيرانية. ويأتي هذا التصعيد الميداني والسياسي ليضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، في ظل غياب رؤية واضحة لإنهاء الأزمة رغم حديث واشنطن عن 'تقدم' في المفاوضات.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي في لبنان واعتراف بمقتل مستوطن بنيران صديقة.. والمجازر تتواصل في غزة

شهد الجنوب اللبناني تصعيداً ميدانياً جديداً اليوم الإثنين، حيث استشهد مواطن وأصيب آخران جراء غارة شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي استهدفت دراجة نارية في بلدة مجدل سلم. وتأتي هذه الغارة في سياق عدوان مستمر طال عدة مناطق حدودية، شمل قصفاً مدفعياً وجوياً عنيفاً على بلدتي شمع وحامول، مما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في القرى الجنوبية.

في المقابل، أعلن حزب الله عن تنفيذ عمليات تصدٍ لقوات الاحتلال المتوغلة، مؤكداً استهداف تجمع للآليات والجنود في محيط بلدة الطيبة الحدودية باستخدام صاروخ نوعي حقق إصابات مباشرة. وتزامن ذلك مع انطلاق صفارات الإنذار في مستوطنات يرؤون وبرعم بالجليل الأعلى، وسط مخاوف إسرائيلية من تسلل طائرات مسيرة من الأراضي اللبنانية.

وفي تطور لافت، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بمسؤوليته عن مقتل أحد المستوطنين في كيبوتس 'ميسغاف عام' الواقع على الحدود الشمالية، وذلك نتيجة نيران مدفعية صديقة أطلقت بالخطأ. وأوضح التحقيق العسكري أن بطارية مدفعية كانت تهدف لقصف قرية لبنانية، إلا أنها أخطأت في حساب المدى، مما أدى لسقوط أربع قذائف داخل المستوطنة وإصابة سيارة المستوطن عوفر موسكوفيتز.

وأشارت تقارير عبرية إلى أن القذائف أصابت منزلاً وسيارات بالقرب من متجر محلي، حيث عُثر على جثة المستوطن داخل سيارته التي اشتعلت فيها النيران. ويعد هذا الاعتراف نادراً في ظل الرقابة العسكرية المشددة، ويكشف عن حالة من الارتباك الميداني التي تعاني منها وحدات المدفعية المنتشرة على طول الجبهة الشمالية مع لبنان.

وعلى الصعيد السياسي والعسكري، عقد رئيس أركان جيش الاحتلال اجتماعات مع رؤساء البلديات في الشمال لتقديم رسائل طمأنة حول الوضع الأمني. وادعت قيادة الجيش أن خطر الاجتياح البري من قبل حزب الله بات 'غير قائم' في الوقت الحالي، مؤكدة أن القوات تتواجد في مواقع متقدمة داخل الأراضي اللبنانية لتشكيل حزام أمني يمنع التسلل.

من جانبها، حذرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن العمليات العسكرية الإسرائيلية وتوسيع التوغل البري في لبنان يندرج ضمن 'جرائم الحرب'. وأكدت المنظمة أن نية تهجير السكان قسراً وتدمير البنى التحتية يتطلب تحركاً دولياً فورياً، مشددة على أن الدول التي تواصل تزويد إسرائيل بالأسلحة قد تُعتبر شريكة في هذه الانتهاكات الجسيمة.

وفي قطاع غزة، لم يتوقف نزيف الدم رغم اتفاقات وقف إطلاق النار الهشة، حيث أفادت مصادر باستشهاد 4 فلسطينيين وإصابة 8 آخرين في غارة استهدفت مركبة شرطة بمخيم النصيرات. وكانت المركبة المستهدفة تؤدي مهمة رسمية عند مفترق أبو صرار، في محاولة واضحة من الاحتلال لتقويض المنظومة الأمنية والخدمية داخل القطاع.

كما استهدفت طائرات الاحتلال تجمعاً للمواطنين في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، مما أدى إلى ارتقاء شهيد وإصابة آخرين. وتأتي هذه الهجمات ضمن سلسلة من الخروقات المستمرة منذ أكتوبر 2025، والتي أسفرت حتى الآن عن ارتقاء 677 شهيداً وإصابة أكثر من 1800 آخرين، في تحدٍ صارخ للجهود الدبلوماسية الرامية للتهدئة.

وتشير الإحصائيات الرسمية اللبنانية إلى أن العدوان الذي بدأ في الثاني من مارس الجاري خلف خسائر بشرية فادحة، حيث ارتقى 1024 شهيداً، بينهم عدد كبير من الأطفال والنساء. كما تسبب القصف العنيف في نزوح أكثر من مليون شخص من قراهم ومدنهم، مما خلق أزمة إنسانية متفاقمة في مراكز الإيواء التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

وفي غزة، لا تزال آثار الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 تلقي بظلالها الكارثية، حيث تجاوز عدد الشهداء 72 ألفاً مع دمار طال 90% من البنية التحتية. ويؤكد مراقبون أن استهداف الأجهزة الشرطية والمدنية في القطاع يهدف إلى نشر الفوضى ومنع أي محاولة لإعادة تنظيم الحياة اليومية للسكان المحاصرين.

وتحدثت مصادر ميدانية عن تراجع نسبي في وتيرة إطلاق الصواريخ المضادة للدروع من لبنان تجاه المستوطنات، إلا أنها أكدت أن هذه الصواريخ تتركز الآن ضد القوات المتوغلة. ويرى خبراء عسكريون أن حزب الله يعتمد استراتيجية استدراج قوات الاحتلال إلى نقاط اشتباك قريبة لتقليل فاعلية الغطاء الجوي والمدفعي الإسرائيلي.

وفي سياق متصل، ذكرت القناة 12 العبرية أن الجيش قرر تعزيز نقاط الانتشار بدلاً من إخلاء المزيد من المستوطنات، في محاولة لإعادة المستوطنين الذين نزحوا في بداية المواجهات. ومع ذلك، لا تزال المعارضة الداخلية في إسرائيل تنتقد أداء الحكومة والجيش، خاصة بعد تكرار حوادث النيران الصديقة والفشل في تأمين الحدود بشكل كامل.

إن استمرار العمليات العسكرية في كل من لبنان وغزة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لوقف المجازر بحق المدنيين. فبينما تدعي إسرائيل الدفاع عن أمنها، تظهر الوقائع الميدانية استهدافاً ممنهجاً للمدنيين والمؤسسات الخدمية، مما يعزز من فرضية ارتكاب جرائم تطهير عرقي وتهجير قسري.

ختاماً، يبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات في ظل إصرار الاحتلال على مواصلة التصعيد العسكري وخرق التفاهمات الدولية. ومع تزايد أعداد الضحايا وتفاقم الدمار، تظل الحاجة ماسة لضغط دولي حقيقي ينهي دوامة العنف ويوفر الحماية للشعبين الفلسطيني واللبناني من آلة الحرب الإسرائيلية.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

جدل في عمان عقب 'إفطار السفارة الإيرانية' وتراشق التصريحات بين طهران وتل أبيب

شهدت الساحة السياسية والإعلامية في العاصمة الأردنية عمان حالة من الجدل الواسع عقب تلبية مجموعة من الإعلاميين والأكاديميين لدعوة إفطار في مقر السفارة الإيرانية. وقد برز هذا التوتر بوضوح من خلال التغطية الإعلامية الرسمية التي وجهت تساؤلات مباشرة للحكومة حول دلالات هذا الحضور، في وقت تؤكد فيه المؤسسات السيادية الأردنية أن التهديدات الصاروخية الإقليمية تمس أمن البلاد بشكل مباشر ولا يمكن تجاوزها.

وعلى الرغم من أن الدعوة الإيرانية وُجهت قبل أسابيع من التصعيد الأخير وبمناسبة 'يوم القدس' السنوي، إلا أن التوقيت وضع الحاضرين في مواجهة انتقادات حادة وصلت إلى حد التخوين عبر منصات التواصل الاجتماعي. ويرى مراقبون أن الرواية الرسمية الأردنية تحاول احتواء الفجوة بين الموقف السيادي الحذر وبين المزاج الشعبي الذي يميل لدعم أي قوة تقف في وجه الاحتلال الإسرائيلي، خاصة في ظل استمرار المجازر في قطاع غزة.

وفي سياق إقليمي متصل، برزت تناقضات حادة في الخطاب السياسي بين طهران وتل أبيب، حيث تحدث الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن رؤية لتشكيل تحالف إسلامي يركز على التنمية الإقليمية. وفي المقابل، واجهت هذه التصريحات تشكيكاً بالنظر إلى التجارب السابقة في مدن عربية مثل حلب والبصرة، مما يجعل استعادة الثقة العربية في النوايا الإيرانية مهمة شاقة تتطلب سنوات من العمل الدبلوماسي والواقعي.

من جهة أخرى، أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موجة من الاستنكار بعد تصريحات نقلتها وسائل إعلام عبرية، حاول فيها توظيف رموز تاريخية ودينية لتبرير سياسات القتل الجماعي والتطهير العرقي. ويُنظر إلى محاولات نتنياهو لتقديم نفسه كصاحب رؤية فلسفية على أنها محاولة فاشلة للتغطية على جرائم الحرب الموثقة دولياً، والتي جعلت من صورته 'ذئباً' يحاول تقمص دور المفكر أمام المجتمع الدولي.

وفي قراءة عسكرية للمشهد، أشار خبراء إلى أن الصراع المستمر بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي قد يمثل 'هدية' غير مقصودة للنظام العربي إذا أحسن استثمارها لإضعاف نفوذ الطرفين وتحسين موقعه التفاوضي. ومع ذلك، يبقى المستفيد الأكبر من هذا الاستنزاف الإقليمي هو القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الصين، التي تراقب تحولات القوة الصاروخية في المنطقة وتأثيرها على توازنات القوى العالمية بعيداً عن الدعاية الأمريكية التقليدية.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

شبح 'ماكبث' يطارد واشنطن وطهران: صراع النبوءات واستعجال الأقدار في الشرق الأوسط

يرى مراقبون أن الصراع المحتدم بين واشنطن وطهران يتجاوز المصالح السياسية المباشرة ليتحول إلى صدام عقائدي تغذيه نبوءات دينية عميقة. وقد تجلى ذلك في التسميات الحربية، حيث اختار دونالد ترامب 'الغضب الملحمي' عنواناً لحملته، مستحضراً معركة 'هرمجدون' الفاصلة، بينما ردت طهران بعمليات 'الوعد الصادق' المستمدة من أدبيات الانتظار الشيعية.

يبدو أن الطرفين يسعيان لاستدراج الأقدار وتصديق النبوءات المركزية في الفكر البروتستانتي الإنجيلي والمذهب الشيعي على حد سواء. هذا التوجه يظهر بوضوح في الخطاب الرسمي الأمريكي الذي يمزج بين القوة العسكرية والرموز الدينية، وفي السردية الإيرانية التي تربط التحركات الميدانية بالتمهيد لظهور المهدي المنتظر.

يمكن تشبيه مصائر القادة في طهران وواشنطن وتل أبيب بحبكة مسرحية 'ماكبث' لشكسبير، حيث تقود النبوءات الطموحة أصحابها إلى مسارات دموية. فكما دفع الطموح الجموح ماكبث لقتل الملك واستعجال العرش، يبدو أن القادة الحاليين يحاولون فرض إرادتهم على القدر عبر القوة العسكرية المفرطة.

تاريخياً، لم تخلُ الحروب الكبرى من حضور الدين حتى في الأنظمة العلمانية، كما فعل ستالين حين استعان بالكنيسة لمواجهة النازية. واليوم، نجد أن السياسة الخارجية للدول الكبرى باتت محكومة برؤى غيبية تحاول تقديم عقارب الساعة الكونية لتحقيق غايات سياسية وتوسعية.

ميدانياً، دخلت المواجهة أسبوعها الرابع مع تصعيد غير مسبوق يهدد أمن الطاقة العالمي، حيث لوح الحرس الثوري الإيراني بإغلاق مضيق هرمز بشكل كامل. هذا التهديد يأتي رداً على تلويح ترامب بتدمير محطات الطاقة الإيرانية، مما يضع المنطقة على حافة كارثة اقتصادية وبيئية لا يمكن التنبؤ بتبعاتها.

حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن أي استهداف للمنشآت الإيرانية سيؤدي إلى دمار لا رجعة فيه للبنية التحتية للطاقة في المنطقة برمتها. وتؤكد مصادر إيرانية أن المضيق بات مغلقاً فعلياً أمام السفن المرتبطة بإسرائيل وحلفائها، في خطوة تهدف للضغط على القوى الدولية.

في المقابل، يواجه ترامب مأزقاً يشبه مأزق جونسون في فيتنام، حيث يجد نفسه مضطراً للهروب من أزمة إلى أخرى لتثبيت سلطته. ورغم أحلامه السابقة بالحصول على جائزة نوبل للسلام، إلا أن الوقائع الميدانية في الشرق الأوسط دفعته لإشعال حرائق جديدة قد يصعب إطفاؤها مستقبلاً.

العبرة من التراجيديا الشكسبيرية تظل قائمة؛ فالطموح الذي يتجاوز الحدود الأخلاقية يؤدي حتماً إلى الهلاك، ومحاولة محايلة الأقدار بالشر لا تجلب سوى الكوابيس. إن القادة الذين يظنون أنهم يسيطرون على مسار التاريخ قد يجدون أنفسهم ضحايا لنفس النبوءات التي حاولوا استغلالها.

إيران من جهتها، وظفت التدخلات العسكرية في سوريا واليمن كجزء من سردية 'تعجيل الفرج'، وهو ما يعكس رغبة في تحويل الغيبيات إلى واقع جيوسياسي. هذا الاستعجال للمستقبل يعبر عن تعب القوى الإقليمية من الانتظار، ورغبتها في حسم الصراع التاريخي بين 'روما وفارس' بنسختهما المعاصرة.

على الجانب الآخر، يسعى بنيامين نتنياهو لتوظيف الأساطير الدينية، مثل قصة 'البقرات الحمراء'، لتعزيز موقفه السياسي والديني داخل إسرائيل. هذا التداخل بين الخرافة والسياسة يجعل من الصعب الوصول إلى حلول دبلوماسية عقلانية، حيث يصبح التنازل السياسي بمثابة خيانة للنبوءة.

رغم الجهود الدبلوماسية التي تقودها دول مثل عمان وروسيا وقطر لتهدئة الأوضاع، إلا أن لغة التهديد لا تزال هي السائدة. فإيران تدرس فرض رسوم عبور على السفن في مضيق هرمز كأداة ضغط مستقبلية، بينما تواصل واشنطن حشد حلفائها لتأمين الممرات المائية الدولية.

إن شبح مصير ماكبث يحوم اليوم فوق خامنئي وطبقة الحكم في طهران، كما يطارد ترامب الذي يرى في القوة العسكرية سبيلاً وحيداً للعظمة. الحروب عادة ما تأتي بوقائع خارجة عن السيطرة، ومن يبدأ الحرب ليس بالضرورة هو من ينهيها، خاصة عندما تكون الدوافع غيبية.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن التنبؤ بمواعيد 'التحرير' أو 'النصر' بناءً على حسابات غير علمية غالباً ما ينتهي بالفشل، كما حدث مع توقعات تحرير القدس عام 2022. السياسة في جوهرها هي علم التوقع المبني على المعطيات، وليست رجماً بالغيب أو استناداً إلى أساطير الشعوب القديمة.

في نهاية المطاف، يظل الصراع بين الإرادة والقدر هو المحرك الأساسي لهذه المأساة، حيث يحاول البشر صناعة 'وحوش' في مختبرات السياسة للسيطرة على العالم. لكن التاريخ يعلمنا أن من يستعجل 'المخلص' عبر الدماء والحروب، قد لا يجد في انتظاره سوى الدمار والخراب الذي طالما حذرت منه الآداب العالمية.

اقتصاد

الإثنين 23 مارس 2026 2:18 مساءً - بتوقيت القدس

تراجع حاد في أسعار النفط عقب قرار ترامب تأجيل استهداف منشآت الطاقة الإيرانية

سجلت أسواق النفط العالمية تراجعاً حاداً في تعاملات اليوم الاثنين، حيث انخفضت الأسعار بنسب تجاوزت 13% فور صدور قرارات من البيت الأبيض تتعلق بالملف الإيراني. وجاء هذا الهبوط الحاد مدفوعاً بإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تجميد مؤقت للخطط العسكرية التي كانت تستهدف قطاع الطاقة في طهران، مما خفف من مخاوف الإمدادات التي سيطرت على السوق مؤخراً.

وفي تفاصيل حركة الأسواق، فقدت العقود الآجلة لخام برنت نحو 17 دولاراً من قيمتها، ما يعادل انخفاضاً بنسبة 15%، لتهبط إلى مستوى 96 دولاراً للبرميل الواحد خلال جلسة منتصف النهار. ولم يكن خام غرب تكساس الوسيط بمنأى عن هذه الموجة، إذ تراجع بنحو 13 دولاراً ليصل إلى أدنى مستوياته عند 85.28 دولاراً، وسط حالة من الترقب لما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية القادمة.

أما في سوق المعادن الثمينة، فقد أظهر الذهب استجابة سريعة لهذه التطورات السياسية، حيث قلص المعدن الأصفر من خسائره الصباحية ليغلق عند تراجع بنسبة 1.3%. واستقرت أسعار الذهب في المعاملات الفورية عند مستوى 4432.09 دولار للأوقية، في ظل إعادة تقييم المستثمرين للمخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بعد بوادر التهدئة الأمريكية.

وكان الرئيس الأمريكي قد كشف عبر منصته 'تروث سوشيال' عن كواليس هذا القرار، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة وإيران انخرطتا في محادثات وصفها بالبناءة والمثمرة للغاية خلال الـ 48 ساعة الماضية. وأوضح ترامب أن هذه المباحثات تهدف إلى إيجاد تسوية شاملة ونهائية لإنهاء حالة العداء في المنطقة، وهو ما انعكس فوراً على شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.

وبناءً على المعطيات الجديدة، أصدر ترامب تعليمات مباشرة لوزارة الدفاع (البنتاغون) بتأجيل كافة الضربات العسكرية المخطط لها ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية النفطية في إيران لمدة خمسة أيام. وأكدت مصادر أن هذا التأجيل مشروط باستمرار التقدم في الاجتماعات والمناقشات التفصيلية التي من المقرر أن تتواصل على مدار الأسبوع الجاري بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة المفاجئة قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة، رغم بقاء الحذر سيد الموقف في الأوساط الاقتصادية. وتترقب الأسواق الآن نتائج هذه المهلة المحددة بخمسة أيام، حيث سيتحدد بناءً عليها مسار أسعار الطاقة العالمي، سواء بالاستقرار في حال نجاح الدبلوماسية أو العودة للارتفاع إذا ما فشلت الجهود الجارية.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 2:04 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة طاقة خانقة في غزة: أسعار الكهرباء تقفز 10 أضعاف والاحتلال يعرقل دخول الوقود

يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة معاناة متفاقمة جراء الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والكهرباء المستمدة من المولدات التجارية، والتي باتت المصدر الوحيد بعد تدمير الاحتلال للشبكة العامة. وتسببت حرب الإبادة المستمرة منذ نحو عامين ونصف في شلل كامل لمنظومة الطاقة، مما دفع أسعار الكيلوواط الواحد للقفز من 2.5 شيكل إلى نحو 30 شيكلاً في بعض المناطق.

هذا الارتفاع الجنوني الذي يعادل عشرة أضعاف السعر السابق، جعل الحصول على الإنارة الأساسية عبئاً مالياً يفوق قدرة الغالبية العظمى من العائلات النازحة والمحاصرة. وتتزامن هذه الأزمة مع شح شديد في مشتقات الوقود الواردة عبر المعابر، مما أدى إلى تسجيل أرقام قياسية في تكاليف التشغيل والنقل داخل القطاع المنهك.

وفي ظل غياب غاز الطهي، عاد الغزيون إلى استخدام الوسائل البدائية كإشعال الأخشاب لطهي الطعام وتلبية احتياجاتهم اليومية الأساسية. وتنتشر في مراكز النزوح وشمال القطاع أفران طينية وحجرية تعتمد كلياً على الحطب، في محاولة لتجاوز أزمة المحروقات التي تعصف بالمنطقة منذ أكتوبر 2023.

وأفادت مصادر بأن الاحتلال الإسرائيلي يتعمد تقليص كميات الغاز والوقود الداخلة إلى القطاع، رغم وجود اتفاقات تنص على توريد كميات محددة ضمن البروتوكول الإنساني. وتؤكد الإحصائيات أن ما سمح بدخوله منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً من الاحتياجات الفعلية للسكان.

ويقول الشاب عبد الله جمال، الذي يعمل في فرن يدوي بشمال غزة إن أزمة الغاز المستمرة منذ أكثر من عامين أجبرت الناس على البحث عن بدائل قاسية للخبز والطهي. وأوضح أن المواطنين يحرصون على تقنين استخدام ما يتوفر لديهم من غاز بكميات محدودة جداً، خشية الانقطاع المفاجئ الذي يفرضه الاحتلال بين الحين والآخر.

وتشير البيانات الحكومية الصادرة في مارس الجاري إلى أن الاحتلال سمح بإدخال 1190 شاحنة وقود فقط من أصل 8050 شاحنة كان من المفترض دخولها خلال 161 يوماً. هذا العجز الذي يصل إلى نحو 85% يفسر الحالة الكارثية التي تعيشها المرافق الخدمية والاقتصادية التي تعتمد بشكل كلي على المحروقات.

من جانبه، أوضح إياد الشوربجي، مدير عام الهيئة العامة للبترول أن قطاع غزة يحتاج شهرياً إلى ما بين 350 و400 شاحنة من غاز الطهي لسد الرمق. إلا أن الواقع يشير إلى وصول 100 شاحنة فقط شهرياً، وهو ما يغطي أقل من ربع الاحتياج الأدنى للسكان الذين يتجاوز عددهم مليوني نسمة.

أما فيما يخص السولار التجاري، فإن الاحتياج يقدر بنحو 15 مليون لتر شهرياً، بينما لا تتجاوز الكميات الواردة حالياً 3 ملايين لتر فقط. ويتم تخصيص معظم هذه الكميات الشحيحة عبر المؤسسات الدولية للقطاعات الصحية والخدماتية الطارئة، مما يترك القطاع التجاري والخاص في حالة شلل شبه تام.

وتنعكس هذه الأزمة بشكل مباشر على حصة الأسرة الواحدة، حيث تحصل العائلة على أسطوانة غاز بسعة 8 كيلوغرامات فقط كل شهرين أو ثلاثة أشهر. وترتبط دورية التوزيع بشكل كامل بالمزاج الأمني للاحتلال والكميات التي يسمح بمرورها عبر المعابر التي يتحكم فيها بشكل مطلق.

وقبل اندلاع الحرب، كان معدل استهلاك الأسرة الفلسطينية في غزة يصل إلى 12 كيلوغراماً من الغاز كل 25 يوماً، مع توفر الإمدادات بشكل دائم. أما اليوم، فقد تحول الحصول على أسطوانة غاز إلى حلم يتطلب الانتظار في طوابير طويلة أو الاعتماد على السوق السوداء بأسعار فلكية.

وعلى صعيد المواصلات، سجل سعر لتر السولار ارتفاعات غير مسبوقة وصلت في بعض فترات الحرب إلى 90 شيكلاً، قبل أن يستقر حالياً عند ثلاثة أضعاف سعره الطبيعي. هذا الارتفاع أدى إلى زيادة مضاعفة في تكلفة التنقل بين المحافظات، مما زاد من عزلة المناطق وقطع أوصال القطاع.

ويعزو المسؤولون في قطاع الطاقة هذا الارتفاع إلى زيادة تكاليف النقل والتنسيق عبر الشركات الموردة، بالإضافة إلى سياسة الخنق التي يمارسها الاحتلال. وتؤكد المصادر أن التحكم في المعابر يمثل أداة ضغط سياسي واقتصادي تهدف إلى مفاقمة المعاناة الإنسانية ومنع استعادة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.

وتفتقر معظم المنازل في غزة حالياً إلى أدنى مقومات الطاقة، حيث لا يقوى أرباب الأسر على تسديد الفواتير الباهظة في ظل انعدام الدخل وتوقف الرواتب. وباتت المشاهد اليومية في غزة تقتصر على البحث عن أغصان الأشجار أو بقايا الركام الخشبي لتأمين وقود للنار التي لا تنطفئ في مخيمات النزوح.

ويبقى تحسن الأوضاع المعيشية ووصول إمدادات الطاقة مرهوناً بمدى التزام الاحتلال بالاتفاقيات الدولية وفتح المعابر بشكل كامل. وفي انتظار ذلك، يواصل سكان غزة ابتكار وسائل بديلة للبقاء على قيد الحياة، متحدين سياسات التضييق التي طالت كل تفاصيل حياتهم اليومية.

اسرائيليات

الإثنين 23 مارس 2026 1:49 مساءً - بتوقيت القدس

كواليس فشل خطة الموساد لإسقاط النظام الإيراني: كيف ضلل نتنياهو ترامب بوعود الثورة؟

كشفت مصادر صحفية دولية عن تفاصيل مثيرة تتعلق بكواليس الحرب المستمرة على إيران، حيث تبين أن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لعب دوراً محورياً في دفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو التصعيد العسكري بناءً على تقديرات استخباراتية وصفت بالمتفائلة جداً. وأشارت التقارير إلى أن هذه التحركات استندت إلى وعود قدمها جهاز الموساد بقدرته على حسم المعركة من الداخل دون الحاجة لتورط بري طويل الأمد.

ووفقاً لما نقلته صحيفة 'نيويورك تايمز' عن مصادر أمريكية وإسرائيلية، فإن رئيس الموساد ديفيد بارنياع قدم لنتنياهو خطة استراتيجية تهدف إلى إشعال تمرد شعبي واسع داخل المدن الإيرانية. واعتبر بارنياع أن هذه الخطة كفيلة بإسقاط النظام الحاكم في طهران وإنهاء المواجهة العسكرية بسرعة قياسية، مما شجع نتنياهو على تبني المقترح وعرضه على الإدارة الأمريكية كخيار واقعي ومضمون النتائج.

وتضمنت 'خطة الموساد' التي عُرضت على مسؤولين كبار في واشنطن خلال يناير الماضي، سيناريو يبدأ بتنفيذ سلسلة اغتيالات دقيقة تستهدف القيادات العليا في إيران. وكان من المفترض أن تتبع هذه العمليات تحركات ميدانية للمعارضة الإيرانية، مدعومة بجهود استخباراتية لتحفيز الشارع على الخروج في احتجاجات عارمة تؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار مؤسسات الدولة.

ورغم الشكوك التي أبداها بعض المسؤولين في أجهزة الاستخبارات الأمريكية وقطاعات داخل الأمن الإسرائيلي، إلا أن نتنياهو وترامب أبديا حماساً كبيراً للفكرة. واعتقد الزعيمان أن الضغط العسكري الجوي المكثف، بالتزامن مع العمليات السرية، سيخلق حالة من الفوضى تدفع الإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، وهو ما انعكس في خطابات ترامب الأولى التي دعا فيها الشعب الإيراني للسيطرة على مصيره.

ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، بدأت ملامح الإحباط تظهر بوضوح على نتنياهو في الغرف المغلقة، حيث تشير المصادر إلى أنه أعرب عن استيائه من عدم تحقق وعود الموساد. ويخشى نتنياهو حالياً من أن يؤدي هذا الفشل الميداني إلى دفع الرئيس ترامب لاتخاذ قرار مفاجئ بوقف العمليات العسكرية، خاصة وأن النتائج على الأرض لم تطابق التوقعات الاستخباراتية التي رُسمت مسبقاً.

التقديرات الاستخباراتية الحالية تشير إلى أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضربات قاسية، لا يزال متماسكاً وقادراً على إدارة الأزمة. وأوضحت المصادر أن القبضة الأمنية المشددة داخل إيران قللت بشكل كبير من فرص اندلاع تمرد جماهيري، كما أن الرهان على دخول كتائب مسلحة من الخارج لم يثمر عن تغيير حقيقي في موازين القوى الداخلية.

واعتمدت التقارير المنشورة على شهادات من 12 مصدراً مسؤولاً في الولايات المتحدة وإسرائيل، أكد معظمهم أن الواقع الميداني أثبت صعوبة تفكيك الدولة الإيرانية من الداخل. وبدلاً من الانهيار المتوقع، تحصنت الحكومة في طهران واتجهت نحو تصعيد مضاد شمل استهداف منشآت طاقة وسفن تجارية في منطقة الخليج، مما زاد من تعقيد المشهد العسكري.

وفي محاولة لتبرير الموقف، خرج نتنياهو في مؤتمر صحفي مؤخراً ليتحدث بلغة أكثر حذراً، مشيراً إلى أن المعارك الجوية تحتاج إلى إسناد بري لتحقيق تغييرات سياسية. وألمح إلى وجود خيارات برية لم يكشف عنها، لكنه ألقى بالكرة في ملعب الشعب الإيراني، معتبراً أن استغلال 'الظروف التي تنتجها إسرائيل' هو مسؤولية الداخل الإيراني في نهاية المطاف.

وتشير المعلومات المسربة إلى أن نتنياهو بدأ يوجه أصابع الاتهام بشكل غير مباشر للموساد، في محاولة لتبرئة نفسه أمام الإدارة الأمريكية من تهمة التضليل. ويرى مراقبون أن هذا التوتر بين القيادة السياسية والجهاز الاستخباراتي يعكس عمق الأزمة التي تسببت فيها الرهانات الخاطئة على سرعة سقوط النظام الإيراني تحت ضغط القصف والاغتيالات.

من جانب آخر، كشفت الصحيفة الأمريكية أن رئيس الموساد السابق، يوسي كوهين، كان قد قلص الموارد المخصصة لدعم الثورات الداخلية في إيران قبل مغادرته منصبه. وكان كوهين قد توصل إلى قناعة بأن إسقاط النظام يتطلب خروج ملايين الأشخاص إلى الشوارع بشكل يشبه ثورة عام 1979، وهو أمر اعتبره غير متاح في الظروف الراهنة.

إلا أن ديفيد بارنياع، المدير الحالي للموساد، غير هذا التوجه خلال العام الأخير، حيث خصص ميزانيات ضخمة لدعم سيناريوهات الفوضى. ويبدو أن بارنياع راهن على أن العمل العسكري المشترك بين واشنطن وتل أبيب سيوفر الزخم اللازم لتحويل الاحتجاجات المحدودة إلى ثورة شاملة، وهو الرهان الذي لم يتحقق حتى الآن.

وفي سياق التعليقات الإسرائيلية، حذر الجنرال عاموس غلعاد، المسؤول السابق في وزارة الأمن، من خطورة الاعتماد على القوة العسكرية لتغيير الأنظمة الحاكمة. واستذكر غلعاد تجربة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، مؤكداً أن التاريخ أثبت فشل مثل هذه المساعي التي غالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية وتورط القوات المهاجمة في استنزاف طويل.

وحتى اللحظة، لم يصدر أي تعقيب رسمي من مكتب نتنياهو أو البيت الأبيض حول هذه التسريبات التي تضع صدقية التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين على المحك. وتلتزم الرقابة العسكرية الإسرائيلية الصمت حيال تفاصيل الخلافات الناشئة بين نتنياهو وقادة الأجهزة الأمنية حول سير العمليات العسكرية ونتائجها السياسية.

ويبقى التساؤل قائماً حول الخطوات القادمة التي قد يتخذها ترامب في ظل هذه المعطيات، خاصة مع تزايد الأصوات داخل واشنطن التي تطالب بمراجعة أهداف الحرب. فبينما يأمل البعض في استمرار الضغط العسكري، يرى آخرون أن الرهان على 'ثورة من الجو' كان خطأ استراتيجياً قد يكلف الولايات المتحدة وحلفاءها الكثير في منطقة الخليج.

أقلام وأراء

الإثنين 23 مارس 2026 1:19 مساءً - بتوقيت القدس

الصمود الإيراني في مواجهة التصعيد: قراءة في المقومات والآفاق المستقبليّة

دخل التصعيد العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أسبوعه الرابع، وسط غارات جوية مكثفة استهدفت المنشآت والأرواح. ورغم ضراوة الهجمات، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الأهداف المعلنة للعدوان لم تتحقق بعد، حيث حافظت الدولة على هيكليتها الأساسية.

يرى مراقبون أن فقدان قادة بارزين في هرم السلطة لم يؤدِ إلى الانهيار المتوقع أو الفوضى الداخلية التي كان يراهن عليها الخصوم. وبدلاً من خروج احتجاجات شعبية تندد بالسلطة، لوحظ انخراط جماهيري في الدفاع عن السيادة الوطنية والكرامة بوجه التهديدات الخارجية.

قبل اندلاع المواجهة المباشرة، استنفد الرئيس الأمريكي كافة أدوات التهديد والوعيد العسكري، آملاً في تراجع القيادة الإيرانية عن مواقفها السياسية. وكان الرهان الأمريكي منصباً على حدوث ثورة شعبية تطيح بالنظام لتجنيب البلاد ويلات الحرب، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع.

أبدى الجانب الأمريكي استغراباً واضحاً من استمرار المقاومة الإيرانية، حيث تساءل ترامب عن سر عدم الاستسلام رغم الضغوط الهائلة. هذا التساؤل يفتح الباب أمام فهم طبيعة الصمود التي تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى أبعاد تتعلق بالهوية والكرامة الوطنية.

تعتمد القوة الكامنة في الموقف الإيراني على فلسفة ترفض التبعية وتعتبر الحرية قيمة لا يمكن المقايضة عليها مهما بلغت التضحيات. إن هذا النوع من الإرادة يمنح الشعوب قدرة على تحمل المخاطر الجسيمة في سبيل الحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها السياسي.

منذ عقود، عملت التنشئة السياسية في إيران على تعبئة المجتمع ضد ما يوصف بـ 'الاستكبار العالمي'، وهي مفاهيم ترسخت منذ الثورة عام 1979. هذه التنشئة لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى ممارسة عملية في مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة.

يستحضر التاريخ مواقف مشابهة، مثل أزمة السفارة الأمريكية التي استمرت 444 يوماً، حيث واجه الإيرانيون تهديدات الأسطول السادس بشجاعة لافتة. حينها، أدرك الرئيس الأسبق جيمي كارتر أن التعامل مع شعب لا يخشى التضحية يتطلب حسابات مختلفة تماماً عن الحروب التقليدية.

إن عدم الخوف من الموت في العقيدة السياسية الإيرانية لا يعني الرغبة في الفناء، بل هو وسيلة للدفاع عن حياة كريمة ومستقلة. فالحياة بلا سيادة أو قيم أخلاقية تعتبر في هذا المنظور وجوداً بلا معنى، مما يعزز من صلابة الجبهة الداخلية.

تتجلى رمزية الصمود في استمرار القيادات بممارسة مهامها من مكاتبها الرسمية رغم التهديدات المباشرة بالاغتيال والقصف. كما أن الخروج الشعبي في مناسبات مثل يوم القدس العالمي يعكس رسالة تحدٍ واضحة مفادها أن القيادة والشعب في خندق واحد.

تشير التوقعات إلى أن الأحلام الأمريكية بفرض استسلام كامل لن تتحقق مهما كانت الكلفة المادية والبشرية باهظة. فالتفوق التكنولوجي العسكري لا يضمن دائماً حسم المعارك ضد شعوب تمتلك عقيدة قتالية راسخة ترفض الذل والتبعية.

إن شعار 'هيهات منا الذلة' يمثل ركيزة أساسية في الوعي الجمعي الإيراني، وهو يتجاوز كونه صرخة سياسية ليصبح عقيدة تمنع الانكسار. هذا البعد العقائدي هو ما يجعل من الصعب فرض تسويات بشروط 'الغالب والمغلوب' كما يحدث في النزاعات الأخرى.

من المرجح أن يفشل المعتدون في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، مما قد يضطرهم للبحث عن مخارج آمنة وتسويات تحفظ ما تبقى من ماء الوجه. فالشعوب التي تدافع عن وجودها تمتلك نفساً طويلاً وقدرة على الصبر لا تتوفر لدى القوى المعتدية.

قد تشهد المرحلة القادمة محاولات للوصول إلى هدنة اضطرارية أو تسويات مغرية، لكنها لن تمحو حالة العداء المتجذرة بين الطرفين. فكل طرف يسعى لبناء مكاسبه الخاصة استعداداً لجولات قادمة من المواجهة التي تبدو حتمية في ظل تضارب المصالح.

في نهاية المطاف، يبقى الصمود الإيراني ظاهرة تستحق الدراسة من منظور سياسي واجتماعي، حيث تتداخل فيها الروح الوطنية مع العقيدة الدينية. إن آفاق هذا الصمود ستحدد شكل التوازنات الجديدة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

فرنسا تودع ليونيل جوسبان.. رحيل مهندس 'التعايش السياسي' عن 88 عاماً

غيب الموت رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق ليونيل جوسبان، الذي وافته المنية عن عمر يناهز 88 عاماً، مخلفاً وراءه إرثاً سياسياً طويلاً في صفوف اليسار الفرنسي. وقد أكدت مصادر إعلامية فرنسية نبأ الوفاة، مشيرة إلى أن الراحل كان أحد الأعمدة الأساسية التي شكلت ملامح الجمهورية الخامسة خلال العقود الأخيرة.

تولى جوسبان رئاسة الحكومة الفرنسية في فترة حساسة بين عامي 1997 و2002، وذلك خلال عهد الرئيس الراحل جاك شيراك المنتمي ليمين الوسط. واتسمت تلك المرحلة بما يعرف بـ 'التعايش السياسي'، حيث اضطر قطبا السياسة الفرنسية المتنافسان للعمل معاً في إدارة شؤون البلاد، وهي تجربة نادرة تكررت ثلاث مرات فقط في تاريخ فرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية.

بدأت مسيرة جوسبان السياسية من جذور عائلية اشتراكية عميقة، حيث ولد في منطقة مودون عام 1937 لعائلة تأثرت بالتيار التحرري والإنساني. وكان والده روبرت جوسبان قيادياً بارزاً في الحزب الاشتراكي منذ عشرينيات القرن الماضي، مما ساهم في صقل شخصية ليونيل السياسية منذ نعومة أظفاره وسط أجواء من النقاشات الفكرية الجادة.

شهدت حياة جوسبان المهنية صعوداً مذهلاً، حيث تدرج في المناصب القيادية داخل الحزب الاشتراكي حتى أصبح سكرتيره الأول في عهد الرئيس فرانسوا ميتران. كما تولى حقيبة وزارة التربية الوطنية، قبل أن يقود 'اليسار المتعدد' للوصول إلى سدة رئاسة الوزراء، محققاً توازناً سياسياً فريداً في إدارة الدولة.

إلا أن هذه المسيرة الحافلة واجهت نهاية دراماتيكية في الحادي والعشرين من أبريل عام 2002، حين تعرض جوسبان لإقصاء مفاجئ من الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية. وقد شكلت تلك اللحظة صدمة في الشارع الفرنسي، حيث حل مكانه اليميني المتطرف جان ماري لوبان لمنافسة شيراك، مما دفع جوسبان لاعتزال العمل السياسي التنفيذي حينها.

وفي ردود الفعل الرسمية، نعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الراحل عبر منصة 'إكس'، واصفاً إياه بالشخصية الفرنسية العظيمة التي جسدت رؤية سامية للجمهورية. وأكد ماكرون أن جوسبان تميز بالصرامة والشجاعة في كافة المناصب التي شغلها، وصولاً إلى عضويته في المجلس الدستوري.

من جانبه، أعرب الرئيس الأسبق فرانسوا هولاند عن حزنه العميق لرحيل جوسبان، مؤكداً أنه كان نموذجاً للنزاهة والشفافية في الخدمة العامة. وأشار هولاند، الذي عمل تحت قيادة جوسبان في الحزب الاشتراكي، إلى أن فرنسا فقدت اليوم واحداً من أعظم قادتها الذين أخلصوا لمبادئ الدولة والمسؤولية الوطنية.

كما أشاد أوليفييه فور، السكرتير الأول الحالي للحزب الاشتراكي، بذكرى الراحل معتبراً إياه ملهماً للأجيال السياسية المتعاقبة. وصرح فور بأن جوسبان لم يكن مجرد رئيس حكومة، بل كان مدرسة في الحكم والنزاهة، مكنت جيلاً كاملاً من تعلم أصول العمل السياسي الملتزم بقضايا العدالة الاجتماعية.

وتوقفت الصحافة الفرنسية عند الدور المحوري الذي لعبه جوسبان في استقرار المؤسسات الدستورية خلال فترات التوتر السياسي بين قصر الإليزيه ومقر الحكومة. واعتبرت التقارير أن رحيله يمثل نهاية حقبة من السياسيين الذين جمعوا بين الصرامة الأكاديمية والالتزام الأيديولوجي الواضح دون التنازل عن قيم الجمهورية.

تترك وفاة ليونيل جوسبان فراغاً كبيراً في المشهد السياسي الفرنسي، خاصة لدى أنصار تيار اليسار الذين يرون فيه رمزاً للنزاهة والوضوح. ومن المتوقع أن تشهد الأيام المقبلة مراسم تكريم رسمية تليق بمكانة الرجل الذي ساهم في صياغة جزء هام من تاريخ فرنسا المعاصر.

عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 1:18 مساءً - بتوقيت القدس

لوموند: حرب الشرق الأوسط تمنح بوتين "مفاجأة إلهية" لتمويل حربه في أوكرانيا

أفادت تقارير صحفية فرنسية بأن الانخراط الأمريكي مع إسرائيل في المواجهة العسكرية ضد إيران قد منح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرصة استراتيجية واقتصادية لم تكن في الحسبان. واعتبرت المصادر أن هذه التطورات وفرت لموسكو متنفساً حيوياً في حرب الاستنزاف التي تخوضها في أوكرانيا، مما أربك حسابات القوى الغربية التي كانت تراهن على خنق الاقتصاد الروسي.

وذكرت المصادر أن الرئيس الروسي أبدى ارتياحه خلال لقاءات مع قادة قطاع الطاقة، حيث سخر من المحاولات الأوروبية المستمرة منذ سنوات للاستغناء عن الغاز والنفط الروسي. وأكد بوتين أن توفر الطاقة بأسعار تنافسية يظل أداة جذب سياسية قوية لا يمكن للدول الصناعية تجاهلها طويلاً، خاصة في ظل الأزمات الراهنة.

جاءت هذه الصدمة النفطية في توقيت مفصلي للاقتصاد الروسي، الذي كان يعاني من ضغوط العقوبات وسقوف الأسعار التي فرضتها مجموعة السبع. ومع ارتفاع أسعار الخام عالمياً، بدأت الضغوط على المالية العامة الروسية في التراجع، مما سمح لموسكو بإعادة توازن ميزانيتها التي تتطلب سعراً لا يتجاوز 59 دولاراً للبرميل.

وأوضحت التحليلات أن وصول سعر البرميل إلى عتبة 100 دولار قد غير المعطيات الميدانية والسياسية بالكامل، حيث ارتفعت قيمة نفط الأورال الروسي لمستويات قياسية. وتشير البيانات إلى أن كل زيادة طفيفة في الأسعار تساهم بشكل مباشر في رفع معدلات النمو الروسي، مما يمنح الكرملين قدرة أكبر على المناورة المالية.

ويخطط الكرملين لاستغلال هذه الفوائض المالية الضخمة في دعم المصارف الحكومية الكبرى لتمكينها من استيعاب الديون العامة المتزايدة. كما تهدف موسكو إلى توجيه جزء كبير من هذه العوائد لتعزيز التمويل المخصص للصناعات الدفاعية، وهو ما يضمن استمرارية العمليات العسكرية في الجبهة الأوكرانية لفترة أطول.

واعتبرت المصادر أن التعديلات التي أجرتها واشنطن على سياسة العقوبات، والتي سمحت بمرور شحنات نفطية عبر شبكات معينة، قد خدمت المصالح الروسية بشكل غير مباشر. هذا التوجه أضعف حالة التضامن الغربي، وأعطى دفعة قوية للدعاية الروسية التي تروج لفشل الغرب في الالتزام بقراراته الاقتصادية الصارمة تجاه موسكو.

وفي سياق متصل، وجه بوتين دعوات مبطنة للشركات الأوروبية لاستئناف التعاون الطاقي بعيداً عن التجاذبات السياسية، مشدداً على أن الغاز الروسي يظل الأرخص مقارنة بالغاز المسال الأمريكي. ويبدو أن هذه الرسائل بدأت تجد صدى لدى بعض القادة الأوروبيين الذين يواجهون ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.

وتبرز المجر كأحد الأصوات المطالبة بضرورة استئناف تدفق النفط الروسي عبر خط أنابيب 'دروغبا'، مستخدمة هذا الملف كأداة للتفاوض داخل الاتحاد الأوروبي. كما ظهرت أصوات في بلجيكا تدعو لإبرام اتفاقات عملية مع موسكو تضمن الوصول إلى مصادر طاقة بأسعار معقولة لتأمين القطاعات الصناعية المهددة بالركود.

ولا تقتصر الاستفادة الروسية على الجانب المالي فقط، بل تمتد لتشمل الجانب العسكري الاستراتيجي نتيجة استنزاف منظومات الدفاع الجوي الغربية في الشرق الأوسط. فالحاجة لحماية القواعد والمصالح في المنطقة قلصت من حجم الدعم العسكري الموجه لأوكرانيا، خاصة فيما يتعلق ببطاريات 'باتريوت' الحيوية لصد الهجمات الصاروخية.

ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذا الانتعاش الروسي قد يكون مؤقتاً ومرتبطاً باستمرار التوتر الإقليمي، حيث إن أي تهدئة في الشرق الأوسط ستؤدي فوراً لهبوط الأسعار. كما تعاني البنية التحتية النفطية في روسيا من نقص حاد في الاستثمارات التكنولوجية الغربية، مما يهدد قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.

وتواجه روسيا تحديات داخلية موازية، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة معدلات التضخم المحلي، مما يضطر البنك المركزي للإبقاء على أسعار فائدة مرتفعة جداً. هذا الوضع يضغط على الاستهلاك الخاص والاستثمارات غير العسكرية، مما يخلق حالة من عدم التوازن في هيكلية الاقتصاد الروسي المعتمد على الحرب.

وخلصت التقارير إلى أن واشنطن، من خلال إشعال أو إدارة الأزمات في الشرق الأوسط، تساهم دون قصد في تخفيف الخناق الاقتصادي عن خصمها في موسكو. هذا التناقض الاستراتيجي يمنح بوتين ما وصفته المصادر بـ 'الانتصار التكتيكي'، الذي قد يطيل أمد الصراع في شرق أوروبا لسنوات إضافية.

في نهاية المطاف، تظل أسواق الطاقة هي المحرك الأساسي للسياسات الدولية الكبرى، حيث تتداخل مصالح الدول المصدرة مع صراعات النفوذ الإقليمي. ورغم العقوبات، أثبتت الأزمة الحالية أن الجغرافيا السياسية للنفط لا تزال قادرة على قلب الموازين وتوفير مخارج غير متوقعة للقوى الخاضعة للحصار الاقتصادي.

أقلام وأراء

الإثنين 23 مارس 2026 1:13 مساءً - بتوقيت القدس

العدالة الانتقالية الفلسطينية: مسار للاعتراف بالأخطاء، المصالحة الوطنية، وبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع

تمر فلسطين اليوم بمرحلة حرجة نتيجة تراكم الانقسامات الداخلية وأثر الاحتلال المستمر، مما جعل معالجة آثار الماضي ضرورة وطنية عاجلة. لم يكن الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد خلافات سياسية بين الفصائل، بل امتد أثره ليشمل الشعب الفلسطيني بأسره، فقد تأثر المواطنون في حياتهم اليومية، سواء على صعيد الحقوق الفردية والاجتماعية، أو في فرص العمل والتعليم والخدمات الأساسية، كما تراجع مستوى الثقة بالمؤسسات الوطنية. علاوة على ذلك، تأثرت القضية الفلسطينية برمتها، إذ أضعف الانقسام التمثيل الوطني الموحد، وقلل قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك السياسات الإسرائيلية، مما أوجد حاجزًا مزدوجًا أمام الوحدة الوطنية والتحرك الدولي الفعال. في هذا السياق، يظهر بوضوح أن الشعب الفلسطيني هو الضحية الحقيقية للانقسام والتراكمات السياسية والاجتماعية، وليس طرفًا واحدًا من الفصائل، ما يجعل العدالة الانتقالية ضرورة وطنية شاملة لاستعادة الوحدة الوطنية والثقة بين المجتمع والدولة.

يمكن الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية التي طبقتها دول أخرى. ففي المغرب، نجحت تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة في تحقيق توازن بين كشف الحقيقة، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، دون اللجوء إلى محاكمات قضائية واسعة، مما عزز الاستقرار السياسي والعدالة الرمزية للضحايا. أما جنوب إفريقيا، فقد أظهرت تجربة لجنة الحقيقة والمصالحة أهمية مبدأ “الاعتراف مقابل العفو” لتجاوز إرث الفصل العنصري وبناء مجتمع متماسك على أساس المصالحة والاعتراف المتبادل. وتجربة تونس بينت ضرورة وجود إطار قانوني ومؤسساتي واضح لمعالجة انتهاكات الماضي، بينما ركزت رواندا على العدالة المجتمعية والمصالحة المحلية بعد الإبادة الجماعية، مستفيدة من التقاليد المجتمعية لضمان إعادة بناء النسيج الاجتماعي. هذه النماذج تؤكد أن التوازن بين الاعتراف بالخطأ، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، والمصالحة الجماعية هو عامل أساسي في بناء وحدة وطنية مستدامة، ويمكن تكييف هذه الدروس مع خصوصية الواقع الفلسطيني لتعزيز أثرها الإيجابي.

تبرز العدالة الانتقالية الفلسطينية كمسار وطني حيوي يسمح لكل الأطراف السياسية بالاعتراف بأخطائها والتعلم من تجارب الماضي، وتحويل الأخطاء السابقة إلى قاعدة لبناء مستقبل سياسي واجتماعي جامع. المطلوب هو أن تتحمل الفصائل مسؤوليتها في الاعتراف بالخطأ، ليس فقط على مستوى الأفراد، بل على مستوى المؤسسات والمجتمع بأسره، لضمان عدم تكرار الانتهاكات والتجاوزات، وخلق بيئة يمكن فيها إدارة الخلافات السياسية والاجتماعية ضمن حدود القانون والمؤسسات، بعيدًا عن العنف أو الإقصاء. وتكتسب العدالة الانتقالية الفلسطينية بعدًا استراتيجيًا إضافيًا، إذ تمثل أداة لقطع الطريق أمام محاولات الاحتلال لاستغلال الانقسام وإضعاف اللحمة الوطنية، كما تمثل استجابة لمطلب شعبي واسع، يضغط على الفصائل للتعامل بإيجابية مع مسار المصالحة الوطني. فالعودة إلى الشعب عبر الانتخابات وحدها لا تكفي لمعالجة الانقسامات أو إعادة الثقة بين الأطراف، وإذا لم يتم تأسيسها على قاعدة مصالحة وطنية شاملة، فإنها ستفشل في تحقيق التغيير المرجو. أما إذا تم التوافق على هذا المقترح وتطبيقه بجدية، فإن الانتخابات تصبح خطوة فعّالة، مبنية على أساس من الوحدة والمساءلة والشفافية، وتؤسس لمسار ديمقراطي مستقر وقابل للاستدامة.

ويتمثل المقترح التفصيلي للعدالة الانتقالية الفلسطينية في مجموعة من الإجراءات المتكاملة:

  • بناء التوافق السياسي: عبر اتفاق وطني شامل بين جميع الأطراف على معالجة الماضي والاعتراف بالأخطاء، مع إشراف جهة مستقلة تمثل المجتمع المدني والقوى الوطنية لضمان حياد المسار، وإشراك جميع الفصائل في صياغة خريطة الطريق للمصالحة. هنا يمكن معالجة التحديات السياسية عبر وضع سيناريوهات مرنة لمواجهة المقاومة، مثل إنشاء حوارات ثنائية وفصلية في البداية بين الأطراف الأكثر تحفظًا لضمان مشاركتهم، ثم توسيع نطاق التوافق ليشمل الجميع، مع تقديم ضمانات بأن المسار لن يستخدم لتصفية حسابات سياسية.
  • إنشاء هيئة الحقيقة والإنصاف الفلسطينية: هيئة مستقلة تضم شخصيات قضائية وحقوقية ومجتمعية، تكلف بتوثيق الانتهاكات والاستماع للضحايا من جميع أنحاء فلسطين، وإعداد تقرير شامل يبني ذاكرة جماعية وطنية تعكس الاعتراف بأن الشعب الفلسطيني كله هو الضحية، ويضمن الاعتراف بالخطأ على المستوى الفردي والجماعي، مع نشر نتائج عملها بشفافية لتعزيز الاعتراف الجماعي. ويمكن تطوير مؤشرات لقياس نجاح الهيئة مثل: عدد الضحايا المستفيدين، مدى رضاهم عن العملية، عدد المبادرات التي تمت بناءً على توصيات الهيئة.
  • برنامج وطني لجبر الضرر: يتضمن توفير التعويض المادي والاجتماعي والنفسي لكل المتضررين من الانقسام، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وإعادة إدماج المتضررين في المؤسسات والوظائف الوطنية، إلى جانب برامج تأهيلية وتدريبية، مع الاعتراف الرسمي بالمتضررين لاستعادة كرامتهم وتعزيز شعورهم بالعدالة.
  • مقاربة مرنة للمساءلة: تعتمد مبدأ “الاعتراف مقابل التخفيف”، مع التركيز على المسؤولية الأخلاقية والسياسية، وتجنب المحاكمات القضائية الواسعة التي قد تعيق المصالحة الوطنية، لضمان أن يصبح الاعتراف بالخطأ جزءًا من التعلم الجماعي وليس أداة للانقسام. وللتأكيد على التوازن بين العدالة والمصالحة، يمكن وضع إطار يوضح أن المسار يدمج بين العدالة الرمزية، الاعتراف بالضرر، والمسؤولية القانونية المحدودة، بما يمنع تكرار الانتهاكات دون تسييس العدالة.
  • إصلاح وتوحيد المؤسسات: يشمل إصلاح الأجهزة القضائية والإدارية والأمنية لضمان الشفافية والعدالة، وتعزيز استقلال القضاء والمهنية في الإدارة، ووضع ضوابط واضحة لمنع تكرار الانتهاكات.
  • إشراك المجتمع في المصالحة: من خلال دعم مبادرات الصلح المحلي والمجتمعي، وإشراك المجتمع المدني والأطر المحلية في إدارة الحوار الوطني، لتعزيز ثقافة الاعتراف والمصالحة والمشاركة المجتمعية، مع ضمان أن يشمل المسار كل شرائح المجتمع المتضررة، بما في ذلك الشباب والمرأة والفئات المهمشة. ويمكن تعزيز ذلك عبر آليات تواصل إعلامية ومجتمعية مستمرة، مثل برامج حوار مفتوحة، منتديات إلكترونية، وحملات إعلامية تفاعلية تتيح للمواطنين المشاركة في صياغة الحلول.
  • إدارة ملف الاحتلال بشكل موازٍ: عبر توثيق الانتهاكات الإسرائيلية بشكل منهجي عبر المسارات القانونية والدولية، مع فصل هذا الملف عن مسار المصالحة الداخلية لضمان تركيز الجهود على معالجة الانقسامات الداخلية والمصالحة الوطنية.
  • إدماج الذاكرة في التعليم والإعلام: من خلال تضمين مفاهيم العدالة الانتقالية والاعتراف بالأخطاء والمصالحة في المناهج الدراسية، وإنتاج برامج إعلامية تهدف لتعزيز ثقافة الاعتراف والمساءلة والتسامح بين جميع مكونات المجتمع، ما يساهم في توعية الأجيال الجديدة بقيمة المصالحة والوحدة الوطنية.
  • آليات متابعة وتنفيذ: لضمان استمرار المسار وعدم الانحراف، تشمل مراقبة تنفيذ توصيات هيئة الحقيقة والإنصاف، وآليات مستقلة لتقييم التقدم، وضمان الفصل بين السلطة السياسية والقضائية. يمكن إضافة مؤشرات تقييم مرحلية لقياس مدى تقدم المسار وفاعليته بشكل دوري.
  • مرونة زمنية وتدرج في التنفيذ: مع جدول زمني واضح لكل مرحلة من مراحل المصالحة، يسمح بالتقييم الدوري والتعديل حسب النتائج على الأرض.

من المتوقع أن يؤدي هذا المسار إلى أثر متعدد الأبعاد؛ سياسيًا، من خلال تعزيز الوحدة الوطنية، تقليل الانقسام، وزيادة شرعية المؤسسات؛ ومجتمعيًا، عبر استعادة الثقة بين المواطنين، وتعزيز المشاركة المدنية، ونشر ثقافة المصالحة والتسامح على مستوى المجتمع بأكمله؛ وقانونيًا ومؤسساتيًا، من خلال تطوير منظومة العدالة، وتعزيز استقلال القضاء، وتحسين أداء الأجهزة الأمنية والإدارية؛ ودوليًا، عبر تعزيز صورة فلسطين كمجتمع يسعى للحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان، وجذب الدعم الفني والحقوقي؛ وعلى المدى البعيد، من خلال بناء دولة قانون قوية ومستقرة، تقليل احتمالات الصراعات الداخلية، وتمكين المجتمع الفلسطيني من العمل بشكل موحد على مستقبل سياسي واجتماعي شامل يضمن مشاركة الجميع دون إقصاء.

إن هذا النموذج الفلسطيني للعدالة الانتقالية يمثل مسارًا للاعتراف السياسي بالأخطاء والتعلم منها من قبل كل الفصائل، مع وضع الخلافات ضمن حدود القانون والمؤسسات، ومعالجة الضرر الذي طال الشعب الفلسطيني بأسره والقضية الوطنية برمتها. كما يوفر قاعدة صلبة تجعل أي انتخابات مستقبلية مجدية وفعّالة، لأنه يضمن أن التنافس السياسي سيقوم على أرضية من الوحدة والمساءلة والشفافية، وليس على الانقسام أو استغلال الانقسامات السابقة. عبر هذا المسار، تتحول التجارب المؤلمة إلى قاعدة لبناء مستقبل شامل، حيث يُدار الاختلاف السياسي بشكل بناء، ويصبح الاختلاف وسيلة للحوار، لا أداة للصراع أو الانقسام، ليتمكن المجتمع الفلسطيني من استعادة وحدته وقوته، وإطلاق مشروعه الوطني بشكل متماسك ومستدام، مستفيدًا من دروس النماذج الدولية مثل المغرب وجنوب إفريقيا وتونس ورواندا في الاعتراف بالماضي، جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات كأساس لأي مصالحة وطنية حقيقية.


عربي ودولي

الإثنين 23 مارس 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

سجال واسع عقب تهكم ضاحي خلفان على صورة مفبركة للرئيس السوري

شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة من الانتقادات الحادة الموجهة إلى نائب قائد شرطة دبي، الفريق ضاحي خلفان، على خلفية تصريحاته الأخيرة بشأن الرئيس السوري أحمد الشرع. وجاء هذا الجدل بعدما تفاعل خلفان مع صورة جرى تداولها تظهر الرئيس السوري وهو يؤدي صلاة عيد الفطر مرتدياً حذاءه داخل المسجد. وقد اعتبر ناشطون أن هذا التفاعل يعكس حالة من التوتر أو الرغبة في تسجيل مواقف سياسية تحت غطاء التعليقات الاجتماعية.

بدأت الأزمة حينما قام أكاديمي يمني بنشر الصورة التي تبين لاحقاً أنها خضعت لعمليات تعديل تقنية 'فبركة' لإظهار الشرع بشكل غير لائق شرعاً وعرفاً. وعلق الأكاديمي على الصورة متسائلاً عن مدى ملاءمة الوقوف بين يدي الله بالنعال، وهو ما استدعى رداً مباشراً من خلفان الذي كتب: 'إذا صلى عندنا الواحد بنعاله نطرده'، مرفقاً تعليقه برمز تعبيري ساخر، مما أجج غضب المتابعين السوريين.

من جانبهم، سارع ناشطون ومنصات إخبارية سورية إلى تفنيد الصورة المتداولة عبر نشر المقاطع الأصلية التي بثها التلفزيون الرسمي السوري لمراسم صلاة العيد. وأظهرت الأدلة المرئية بوضوح أن الرئيس أحمد الشرع كان قد خلع حذاءه قبل الدخول إلى مصلى العيد، مما أكد أن الصورة التي بنى عليها المسؤول الإماراتي تعليقه كانت مزيفة وتهدف إلى التضليل.

ولم تتوقف الردود عند كشف زيف الصورة، بل امتدت لتشمل تحذيرات من قبل مراقبين سوريين اعتبروا أن تعريض خلفان برئيس الدولة السورية قد يحمل دلالات سياسية أعمق من مجرد تغريدة عابرة. وأشار هؤلاء إلى أن توقيت ونبرة التعليق قد ينعكسان على طبيعة التفاعلات الدبلوماسية والشعبية بين الطرفين في ظل الظروف الراهنة التي تمر بها المنطقة.

وفي سياق النقاش الديني الذي أثاره التعليق، لفت مدونون ومختصون إلى أن الصلاة بالنعال في الأصل ليست أمراً محرماً في الشريعة الإسلامية إذا كانت طاهرة، مستشهدين بوقائع تاريخية ونصوص فقهية. وأوضحوا أنه حتى في حال صحة الصورة، فإن الأمر لا يستوجب لغة 'الطرد' التي استخدمها خلفان، معتبرين أن الهجوم كان يستهدف الرمزية السياسية أكثر من كونه حرصاً على آداب المساجد.

أقلام وأراء

الإثنين 23 مارس 2026 12:35 مساءً - بتوقيت القدس

تدنيس الحميمية: حين تتحول أشياؤنا الخاصة إلى أدوات حرب


في لحظةٍ ينهار فيها سكون الليل، تُكسر الأبواب وتُقتحم البيوت. لا يطول المشهد، لكنه يترك أثرًا يتجاوز زمنه: جنود يدخلون، يعربدون، يعبثون، ثم يرتدون الملابس الداخلية الخاصة بالنساء—اللانجري—ويصورون أنفسهم داخل فضاء تم اغتصابه بفوهة البنادق. ليس الهدف هنا التفتيش ولا حتى التخريب المادي، بل إعادة تعريف المكان نفسه: تحويل البيت من ملاذٍ خاص إلى مسرحٍ للسيطرة والاختراق.


ما يحدث في غزة ولبنان ليس سلوكًا شاذًا، بل تقنية استعمارية: الاستعمار الحميمي—ذلك الشكل من الهيمنة الذي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يمتد إلى الجسد، والخصوصية، والمعنى. حين تُرتدى الملابس الحميمة وتُعرض على أجساد غريبة، لا يتم انتهاك الممتلكات فحسب، بل يتم اقتحام الحدود النفسية التي تفصل بين العام والخاص، بين الآمن والمهدَّد. يصبح الحميم مادةً للإيذاء الاستعماري، وتتحول الخصوصية إلى مساحة قابلة للإخضاع.


الأخطر من الفعل نفسه هو إعادة بثّه. الصور والفيديوهات التي تُنشر لاحقًا ليست بوستا عابرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بل جزء من استراتيجية مقصودة: الصدمة المؤجلة عبر الشاشة. يشاهد النازحون بيوتهم منتهكة، لا في لحظة الحدث، بل بعده—حين يصبحون عاجزين عن الفعل، ومجبرين على التلقي. هنا، لا ينتهي الاقتحام بخروج الجنود؛ بل يبدأ شكل آخر من الانتهاك، يستقر في الذاكرة ويُعاد استحضاره كلما أُعيدت مشاهدة الصورة.


هذا التصرف، الذي قد يبدو ساخرًا أو منحرفًا، هو في جوهره ممارسة مُنظّمة لإعادة ترتيب السلطة: إذلال، وإخضاع، وإعادة تعريف الإنسان في علاقته بذاته وبجسده. وهو فعل احتلالي ممنهج، لا يكتمل إلا بإعادة إنتاجه ونشره، كوسيلة لإطالة أمد الأذى وتعميمه على النازحين والمجتمع المحتل بأسره. وهذا ما ينسجم مع مقاربة علم النفس التحرري التي ترى أن العنف النفسي ليس عرضًا فرديًا، بل نتاج بنية قمعية يجب فهمها في سياقها السياسي والاجتماعي.


الأثر النفسي يتوزع، لكنه يتكامل في تفكيك النسيج الاجتماعي:


على الرجال: يتجسد العنف كإذلال مركب—عجز عن الحماية، وانكشاف الفضاء الخاص، وتهديد للهوية المرتبطة بدور الحماية.


على النساء: يتحول الجسد إلى مساحة مُخترقة رمزيًا؛ يتداخل الغضب مع الخزي والخوف، ليس بسبب الفعل بحد ذاته فقط، بل لما يحمله من إيحاءات بالهيمنة على الجسد وإمكانية إخضاعه.


على الأطفال: ينهار الحد الفاصل بين ما هو خاص وما هو عام. ما كان مخفيًا عن عيونهم يظهر فجأة، لا كمعرفة، بل كصدمة تُربك إدراكهم للأمان، وتزرع تصدعًا عميقًا في شعورهم بثبات العالم من حولهم.


هنا، لا يُستهدف الفرد فقط، بل تُستهدف البنية الجندرية للمجتمع: إذلال الرجال عبر تعرية عجزهم، وانتهاك النساء عبر تدنيس حميميتهن، في عملية متكاملة لتفكيك الأدوار والعلاقات. إنه عنف حميمي مُسلّح، يستخدم الرموز اليومية لإعادة إنتاج الهيمنة.


يمتد هذا الفعل عبر الزمن. فهو لا يحدث مرة واحدة، بل يتكرر في الذاكرة، في الصور، في استعادة التفاصيل الصغيرة: باب بيت اقتُحم، درج فُتح، قطعة قماش انتزعت، ترتيب اختل. حتى لو بقي البيت قائمًا، فإنه لم يعد كما كان. يصبح محمّلًا بذاكرة الانتهاك، وكأن الاحتلال لم يغادره قط.


وبالرغم من ذلك، فإن تحويل هذه التجارب إلى شهادة ضد الاحتلال ليس سرد إخباري فقط، بل فعل مقاومة. تحويل هذه الشهادة إلى فضاء عام لا يفضح الانتهاك فحسب، بل يحدّ من عزل الضحايا، ويعيد ربط التجربة بسياقها الجماعي بدل تركها كعبء فردي صامت. بذلك، تُستعاد القدرة على الفهم، وتُفتح إمكانيات المواجهة، وتُرمَّم الكرامة والعلاقات الاجتماعية التي يُراد لها أن تتمزق.


هذه الممارسات ليست تفصيلًا هامشيًا من الحرب، بل إحدى تقنياتها الدقيقة: تفكيك الإنسان من داخله، عبر تحويل أكثر مساحاته خصوصية إلى أدوات للسيطرة عليه. والمواجهة تبدأ بإدراك ذلك وتسميته، لا بوصفه كحادثة عابرة، بل كبنية مستمرة من العنف الرمزي، لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر ما لم ننجح في تفكيكها وتحييد أثرها.

أحدث الأخبار

الإثنين 23 مارس 2026 12:33 مساءً - بتوقيت القدس

سيناريوهات الفناء: ماذا ينتظر البشرية في اليوم التالي للحرب النووية؟

تتصاعد التحذيرات الدولية من مغبة الانزلاق نحو مواجهة نووية، حيث لم يعد القلق محصوراً في الدمار الفوري الذي تخلفه الانفجارات، بل في التداعيات المستدامة التي قد تنهي الحضارة البشرية. ويشير تقرير حديث إلى أن العلماء يراقبون بقلق شديد سلسلة من الكوارث البيئية والصحية التي ستبدأ فور انطفاء الكرات النارية الأولى.

وحذرت نشرة علماء الذرة، وهي المنظمة المسؤولة عن 'ساعة يوم القيامة'، من أن العالم بات في أقرب نقطة له من الفناء التام عبر التاريخ. وتؤكد الدراسات أن أي صراع نووي، مهما كان محدوداً، سيؤدي إلى تمزيق النسيج البيئي للأرض، مما يجعل البقاء على قيد الحياة تحدياً شبه مستحيل للناجين من الضربة الأولى.

من أبرز المخاطر الصحية المتوقعة هو الانهيار الكامل للمنظومة الطبية، حيث ستتوقف المستشفيات عن العمل وتختفي مصادر المياه النظيفة تماماً. هذا الوضع سيحول المدن المنكوبة إلى بؤر للأوبئة الفتاكة، خاصة مع انتشار الجثث التي ستصبح مرتعاً للميكروبات والجراثيم في ظل غياب الرقابة الصحية.

ويتوقع الخبراء انتشاراً واسعاً لأمراض مثل السالمونيلا، التيفوئيد، والملاريا، بالإضافة إلى حمى الضنك والتهاب الكبد الوبائي. وستتفاقم هذه الأزمة بسبب تكاثر الحشرات المقاومة للإشعاع، والتي ستقوم بنقل العدوى من الجثث المتحللة إلى البشر الذين نجوا من الانفجارات الأولية في مختلف أنحاء العالم.

وعلى الصعيد البيئي، يبرز تهديد 'الربيع فوق البنفسجي' القاتل، والناجم عن تدمير طبقة الأوزون التي تحمي الأرض. فالحرب النووية الشاملة كفيلة بتدمير نحو 70% من هذه الطبقة، بينما قد تتسبب المواجهات المحدودة في فقدان 40% منها، مما يسمح للأشعة الضارة بالوصول مباشرة إلى سطح الأرض.

هذا الارتفاع في مستويات الأشعة فوق البنفسجية سيؤدي إلى طفرة هائلة في معدلات الإصابة بسرطان الجلد وتلف العيون لدى البشر والحيوانات. كما ستتأثر المحاصيل الزراعية بشكل مباشر، مما يؤدي إلى انهيار الأنظمة البيئية التي تعتمد على توازن دقيق في درجات الحرارة والإشعاع الشمسي.

ظاهرة 'المطر الأسود' تعد واحدة من أكثر المشاهد رعباً في سيناريوهات ما بعد الانفجار، وهي مزيج ملوث من الرماد والمواد المشعة القاتلة. هذا المطر يسقط من السماء ليغطي مساحات شاسعة، مسبباً حروقاً إشعاعية فورية وتلوثاً دائماً للتربة ومصادر المياه الجوفية والسطحية.

ويمتد تأثير التساقط النووي لمئات الكيلومترات بعيداً عن مركز الانفجار، مما يعني أن المناطق التي لم تُستهدف مباشرة لن تكون بمنأى عن الخطر. فالمواد المشعة ستنتقل عبر الرياح لتستقر في السلسلة الغذائية، مما يجعل الغذاء والماء سلاحاً قاتلاً ضد من يتناوله.

أما الكارثة الكبرى فتتمثل في 'الشتاء النووي' والمجاعة العالمية التي ستعقب الحرائق الهائلة في المدن والمناطق الصناعية. الدخان الكثيف المتصاعد سيحجب أشعة الشمس لفترات طويلة، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد ومفاجئ في درجات الحرارة العالمية وفشل كلي في المواسم الزراعية.

وتشير التقديرات العلمية إلى أن هذا النقص الحاد في الغذاء قد يؤدي إلى وفاة ما يصل إلى 5 مليارات شخص جوعاً حول العالم. ولن تقتصر المعاناة على الدول المتحاربة فقط، بل ستشمل كافة القارات نتيجة توقف التجارة الدولية وانهيار سلاسل الإمداد الغذائي العالمية.

وحتى الملاجئ التي يعتقد الكثيرون أنها توفر الأمان، قد تتحول إلى فخاخ مميتة في ظل العواصف النارية الناتجة عن الانفجارات. هذه العواصف ترفع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة وتستهلك الأكسجين الموجود في الجو المحيط، مما قد يؤدي للاختناق داخل الملاجئ المحصنة.

إن تعطل المعدات الطبية والكهربائية نتيجة النبضات الكهرومغناطيسية سيجعل من المستحيل تقديم الرعاية للجرحى والمصابين بمتلازمة الإشعاع الحادة. وسيعاني الملايين من آلام مبرحة دون وجود مسكنات أو أدوات جراحية معقمة، في ظل انقطاع كامل للتيار الكهربائي والاتصالات.

وتؤكد هذه السيناريوهات أن الحرب النووية ليست مجرد حدث عسكري عابر، بل هي عملية انتحار جماعي للجنس البشري وتدمير شامل لكوكب الأرض. فالسلسلة المترابطة من الكوارث تبدأ بالنار والضغط، وتستمر عبر الإشعاع والمرض، وتنتهي بانهيار حضاري وبيئي لا يمكن التعافي منه.

في الختام، تبقى هذه التحذيرات العلمية الصارخة بمثابة جرس إنذار للقادة الدوليين حول خطورة التصعيد العسكري في العصر النووي. إن الحفاظ على السلام ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة حتمية لضمان استمرار الحياة على هذا الكوكب وتجنيب البشرية مستقبلاً مظلماً لا رابح فيه.

اسرائيليات

الإثنين 23 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

سيناريوهات نهاية الحرب: تقديرات إسرائيلية ترجح بقاء النظام الإيراني وإعلان الطرفين النصر

أفادت تقارير صحفية دولية بأن الحرب المشتركة التي تقودها الولايات المتحدة ودولة الاحتلال ضد إيران دخلت أسبوعها الخامس دون ظهور مؤشرات على استسلام وشيك لطهران. ورغم الانتكاسات العسكرية الكبيرة وفقدان قيادات بارزة، إلا أن التقديرات تشير إلى أن الجدول الزمني الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب يقترب من نهايته دون تغيير جذري في بنية النظام.

ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين إسرائيليين اعترافهم بأن الصراع قد ينتهي ببقاء الحكومة الإيرانية في السلطة، مما قد يخلق حالة من الإحباط في الأوساط التي كانت تتوقع انهياراً سريعاً. ويعود ذلك إلى تباين الأهداف المعلنة وتباطؤ وتيرة الإنجازات العسكرية مقارنة بالزخم الذي صاحب العمليات في مراحلها الأولى.

وأوضح مسؤول عسكري إسرائيلي أن إيران تمثل تحدياً جغرافياً وأمنياً هائلاً، فهي دولة تفوق مساحة إسرائيل بنحو ثمانين مرة وتساوي نصف مساحة القارة الأوروبية تقريباً. وأضاف أن النظام الإيراني نجح على مدار عقود في بناء جهاز أمني معقد، وهو ما يجعل مجرد صموده في وجه الهجمات الحالية نصراً من وجهة نظره.

وأشار المسؤول إلى أن الرواية الإعلامية التي تعتبر بقاء النظام هزيمة لواشنطن وتل أبيب هي رواية غير دقيقة من المنظور الاستراتيجي الإسرائيلي. فمن وجهة نظرهم، فإن وصول دولة كانت تهدد بمسح إسرائيل من الوجود إلى مرحلة تعتبر فيها النجاة فوزاً، يعكس حجم الضرر الذي لحق بقدراتها.

وشددت المصادر على أن إسقاط النظام في طهران لم يكن يوماً هدفاً عسكرياً معلناً للعمليات الجوية الحالية، بل كان التركيز منصباً على إزالة التهديدات الوجودية المباشرة. ويرى القادة العسكريون أن إضعاف النظام يهيئ الظروف الملائمة للشعب الإيراني ليختار التغيير بنفسه إذا أراد ذلك في المستقبل.

وفيما يخص مآلات الحرب، توقع المسؤول العسكري ظهور سيناريو يعلن فيه الطرفان النصر في آن واحد، حيث يرى النظام الإيراني في بقائه نجاحاً تاريخياً. وفي المقابل، ستعتبر إسرائيل والولايات المتحدة أنهما حققتا أهدافهما من خلال تدمير البنية التحتية العسكرية وإضعاف القدرات الهجومية لطهران بشكل غير مسبوق.

ورصدت تقارير استخباراتية وجود تصدعات في الحافز القتالي لدى القوات الإيرانية، وصعوبات متزايدة في التنسيق لإطلاق رشقات صاروخية منظمة. وأكدت المصادر أن القادة الميدانيين باتوا يضطرون لمرافقة جنودهم لتنفيذ المهام بسبب تفشي الخوف والارتباك في صفوف القوات البرية.

كما كشفت المعلومات الاستخباراتية عن لجوء القوات الإيرانية لإطلاق الصواريخ من مواقع مخفية تحت الجسور والأنفاق لتجنب المراقبة الجوية المكثفة. وقد أدى هذا التكتيك الدفاعي إلى انخفاض ملحوظ في عدد الهجمات الصاروخية المنطلقة من المنطقة، مما يشير إلى تراجع القدرة على المبادرة الهجومية.

وعلى صعيد القيادة، لوحظ تزايد في اتخاذ القرارات الفردية من قبل القادة العسكريين الميدانيين خلال الأسبوعين الماضيين، مما يعكس ضعفاً في التنسيق المركزي. ويرى مراقبون أن غياب قيادة موحدة ومتماسكة للحرس الثوري أدى إلى حالة من التخبط في إدارة العمليات العسكرية اليومية.

من جانبه، صرح أوفير أكونيس، القنصل الإسرائيلي في نيويورك، بأن المؤسسة الأمنية الإيرانية تضعف يوماً بعد يوم رغم استمرار سيطرتها على مفاصل الدولة. ووصف الوضع الحالي بالهش للغاية، خاصة مع احتمالية دخول أطراف إقليمية أخرى مثل جماعة أنصار الله في اليمن على خط المواجهة بشكل أوسع.

ورغم التأثيرات العميقة للحملة الجوية على استقرار الدولة الإيرانية، إلا أن أكونيس استبعد حدوث انهيار حكومي وشيك في الوقت الراهن. وأشار إلى أن احتمالية اندلاع انتفاضة داخلية تظل معقدة بسبب وجود تيارات تعارض النظام لكنها ترفض في الوقت ذاته التدخل العسكري الخارجي في بلادها.

وفيما يتعلق بالموقف الأمريكي، اتسمت رسائل إدارة ترامب بالتقلب بشأن أهداف الحرب النهائية وإمكانية نشر قوات برية. فبينما حدد ترامب مهلاً زمنية قصيرة لإنهاء العمليات، عاد ليؤكد لاحقاً أنه لن يرسل جنوداً للمشاركة في عمليات برية، مشدداً على أن تأمين الممرات المائية الدولية يجب أن يكون مسؤولية جماعية.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الإغاثة والتمكين: وكالة بيت مال القدس تختتم حملتها الرمضانية

اختتمت وكالة بيت مال القدس الشريف، حملتها الرمضانية في مدينة القدس وضواحيها هذا العام، والتي عكست حضوراً مغربياً ثابتاً يجمع بين العمل الإحساني المباشر وبناء مشاريع مستدامة تعزز صمود الإنسان المقدسي على أرضه.
وفي هذا السياق، أكد المدير المكلف بتسيير وكالة بيت مال القدس الشريف، محمد سالم الشرقاوي، أن الحملة الرمضانية لهذا العام، التي بلغت ميزانيتها نحو مليون دولار أمريكي، استهدفت أكثر من 5000 عائلة مقدسية، منها 3000 داخل مدينة القدس و2000 في القرى والتجمعات البدوية خارج الجدار، وفق قواعد بيانات دقيقة تضمن وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.
وشملت هذه التدخلات توزيع 5112 قسيمة شراء (كوبونات)، بقيمة 350 شيقلا (ما يعادل 140 دولارا اميركيا)، إلى جانب توفير سلال غذائية متكاملة تضم 22 صنفاً، تكفي احتياجات الأسرة المتوسطة المكونة من 4 إلى 5 أفراد لمدة شهر كامل، ويعكس هذا التنوع في آليات الدعم حرص الوكالة على الجمع بين الكفاءة في الاستهداف والحفاظ على كرامة المستفيدين، من خلال تمكينهم من اختيار احتياجاتهم الأساسية.
وأوضح الشرقاوي أن اعتماد نظام القسائم لم يكن مجرد آلية توزيع، بل خياراً استراتيجياً يزاوج بين العمل الإحساني والتنمية الاقتصادية، حيث أسهم في خلق رواج تجاري داخل المدينة، من خلال التعاقد مع 16 محلاً تجارياً تشمل أكثر من 30 منطقة في محافظة القدس.
كما عملت فرق الوكالة على إيصال المساعدات إلى المناطق النائية خارج الجدار، التي يصعب على سكانها الوصول إلى مراكز التوزيع، ما عزز العدالة في الاستفادة، وضمن شمول الفئات الأكثر تهميشاً ضمن برامج الدعم.
وشملت المساعدات توزيع 20 طنا من المواد الغذائية الأساسية على التكايا في القرى المحاذية للجدار، ومراكز اجتماعية ومستشفيات، لا سيما مستشفى جمعية المقاصد الخيرية، لتهيئة وجبات الإفطار والسحور، التي كانت توزع يوميا على الفئات المستهدفة وبلغ مجموعها أزيد من 20 ألف وجبة، طوال الشهر الفضيل، بواقع 700 وجبة يوميا.  
وتوجت حملة هذه السنة بتوزيع ملابس العيد على 500 يتيم من الأيتام المكفولين من قبل الوكالة، بينما خصصت حصة إضافية من 100 كسوة لفائدة أطفال القرى وتجمعات البدو، التابعة لمحافظة القدس.
وفي الجانب الصحي، نفذت الوكالة 6 حملات طبية ميدانية في القرى والتجمعات السكانية النائية، استفاد منها حوالي 600 مواطن، شملت تخصصات الطب الباطني وطب العيون وطب النساء والتوليد، ومختبر متنفل يؤمن الفحوصات المخبرية في عين المكان.
من الإغاثة إلى التمكين الاقتصادي:
لم تقتصر تدخلات الوكالة على الدعم الإغاثي، بل امتدت إلى برامج التمكين الاقتصادي التي تهدف إلى خلق فرص مستدامة، حيث نظمت دورات تدريبية لفائدة التجار في مجالات التسويق الالكتروني وتعزيز المعرفة القانونية في مساطر التصدير بالتعاون مع الغرفة التجارية والصناعية العربية للقدس.
واشار الشرقاوي الى ان الوكالة نظمت بالتعاون مع مؤسسة "العلية" في بيت حنينا اسبوع التكوين والحرف التقليدية، بمشاركة صناع مغاربة محترفين في مجالات النسيج والنقش على الخشب والفضة والنحاسيات، تقدم اليه نحو 400 متدرب ومتدربة ، تأهل منهم 36 مشاركاً للمرحلة النهائية.
وأوضح أن هذه البرامج تهدف إلى الحفاظ على الهوية المعمارية والحرفية للقدس، من خلال نقل الخبرات المغربية في مجالات تتلاءم مع حاجيات السوق المحلي، بما يسهم في تأهيل جيل جديد من الحرفيين القادرين على حماية الهوية الحرفية الفلسطينية وصيانة الطابع الحضاري للمدينة المقدسة.
وفي هذا السياق، بين الشرقاوي أن الوكالة أطلقت مبادرة "صنع لأجل فلسطين" لتعزيز تنافسية المنتج الفلسطيني، وذلك في اطار مخطط عملها برسم السنة الجارية 2026.
كما تواصل الوكالة دعم قطاعات الصحة والتعليم، وطرحت لهذا الغرض مبادرة استعجالية للحد من آثار الأحداث الجارية في الشرق الأوسط.
تحديات متزايدة تتطلب دعماً أوسع:
أبرز الشرقاوي أن الوكالة تعتمد نموذجاً مالياً قائماً على تمويل مغربي كامل منذ عام 2011، بميزانية سنوية تبلغ نحو 3 ملايين دولار للتسيير مع ما يتم تعبئته من تبرعات من قطاعات الدولة والمؤسسات الاقتصادية والمدنية والافراد لتمويل المشاريع في حدود 4 ملايين دولار اميركي سنويا.
وأكد أن كامل التبرعات تُوجّه مباشرة إلى المشاريع الميدانية دون اقتطاع أي تكاليف إدارية، في حين تتحمل الدولة المغربية مصاريف التسيير، وهو ما يعزز الشفافية والمصداقية، خاصة مع حصول الوكالة على شهادات الجودة الدولية ISO في مجال الحكامة وتتبع التبرعات.
ورغم هذه الإنجازات، أشار الشرقاوي إلى أن الوكالة تعمل في سياق تحديات متزايدة، أبرزها عدم الاستقرار الأمني وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، في ظل فقدان العديد من الفلسطينيين لمصادر دخلهم وارتفاع تكاليف المعيشة.
وأوضح أن تزايد الاحتياجات مقابل محدودية التمويل يفرض أحياناً ترتيب الأولويات، مع الحرص على توسيع دائرة المستفيدين قدر الإمكان، وضمان استدامة البرامج التنموية.
إشادة مقدسية بالأثر الإنساني والاقتصادي:
أشاد مفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، بالجهود التي بذلتها وكالة بيت مال القدس الشريف خلال شهر رمضان، مؤكداً أن تدخلاتها الإنسانية كان لها أثر ملموس في تعزيز التماسك الاجتماعي والتخفيف من معاناة الفئات الأكثر احتياجاً، خاصة في المخيمات والتجمعات النائية.
واعتبر أن هذه المبادرات تجسد قيم التكافل، وتسهم في رفع المعنويات وترسيخ شعور المقدسيين بوقوف الأشقاء إلى جانبهم، مثمناً الدعم الذي تقدمه المملكة المغربية بقيادة الملك محمد السادس، ومشيداً بكفاءة إدارة الوكالة واستمرارية عملها. كما دعا إلى توسيع هذه الجهود وتعزيز الدعم العربي والإسلامي لصمود الفلسطينيين.
من جانبه، أكد رئيس دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، عدنان الحسيني، أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، في ظل الإغلاقات وتراجع فرص العمل، تجعل من هذه المبادرات دعماً حيوياً لا غنى عنه، خاصة للفئات الأكثر تهميشاً في القرى المحيطة والتجمعات البدوية.
وشدد على ضرورة استمرار الإسناد العربي والإسلامي على مختلف المستويات، بما في ذلك القطاع الصحي، لتعزيز قدرة الفلسطينيين على الصمود ومواجهة الضغوط المتزايدة.
بدوره، أبرز المدير العام للغرفة التجارية الصناعية العربية في القدس، لؤي الحسيني، الأثر الاقتصادي المباشر للحملة، مشيراً إلى دورها في تنشيط الحركة التجارية ودعم التجار، خاصة في ظل التراجع الحاد الذي تشهده قطاعات حيوية كالسياحة.
وأوضح أن هذه التدخلات ساهمت في تحفيز الطلب، وتقليل الخسائر، والحفاظ على فرص العمل، رغم القيود المفروضة على الحركة وتراجع القدرة الشرائية. وأكد أن مثل هذه المبادرات تمثل رافعة أساسية لدعم الاقتصاد المحلي وتعزيز استقرار الحياة اليومية في المدينة.

فلسطين

الإثنين 23 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

جريمة تهز غزة: الاحتلال يعذب طفلاً رضيعاً بالسجائر للضغط على والده المعتقل

شهد قطاع غزة واقعة صادمة تعكس مدى القسوة والانتهاكات التي يمارسها جيش الاحتلال الإسرائيلي بحق المدنيين، حيث تحول طفل لم يتجاوز عامه الثاني إلى وسيلة ضغط جسدية ونفسية خلال تحقيق عسكري ميداني. الحادثة التي وقعت في منطقة المغازي أثارت موجة غضب عارمة بعد الكشف عن تفاصيل تعذيب الطفل أمام ناظري والده المعتقل.

بدأت فصول المأساة عندما خرج الشاب أسامة أبو نصار من منزله برفقة طفله الصغير 'كريم' لتأمين بعض الاحتياجات الأساسية للعائلة. وبشكل مفاجئ، تعرضت المنطقة لإطلاق نار كثيف من قبل قوات الاحتلال المتمركزة قرب الحدود الشرقية للمغازي، مما وضع الأب وطفله في دائرة استهداف مباشرة.

أفادت مصادر محلية وشهود عيان بأن طائرة مسيرة من نوع 'كواد كابتر' حاصرت أبو نصار، وأجبرته تحت تهديد السلاح على ترك طفله وحيداً على الأرض والتقدم نحو حاجز عسكري مؤقت. هناك، أُجبر الأب على خلع ملابسه بالكامل قبل البدء في استجوابه من قبل جنود الاحتلال بطريقة مهينة.

في مشهد يفتقر لأدنى معايير الإنسانية، أقدم الجنود على احتجاز الطفل الرضيع وبدأوا بممارسة صنوف شتى من التعذيب الجسدي بحقه. كان الهدف من هذه الممارسات الوحشية هو الضغط على الأب المنهار لمشاهدة طفله يتألم، وذلك لانتزاع اعترافات ومعلومات خلال التحقيق الميداني معه.

نقلت مصادر عائلية عن والدة الطفل كريم تفاصيل مروعة وثقها تقرير طبي رسمي عقب الإفراج عن الصغير. حيث تبين أن الجنود قاموا بإطفاء أعقاب السجائر المشتعلة في أنحاء متفرقة من جسد الرضيع، بالإضافة إلى غرس مسمار حديدي في ساقه ونخزه بأدوات حادة لإجباره على الصراخ المتواصل.

استمر احتجاز الطفل كريم لمدة عشر ساعات متواصلة بعيداً عن حضن عائلته وفي ظروف تفتقر لأبسط مقومات الرعاية. وبعد انتهاء جولة التحقيق مع والده، جرى تسليم الطفل إلى طواقم الصليب الأحمر في منطقة سوق المغازي، وهو في حالة صحية ونفسية صعبة للغاية نتيجة ما تعرض له.

بينما عاد الطفل كريم إلى والدته مثقلاً بجراحه الجسدية، لا يزال والده أسامة أبو نصار رهن الاعتقال في سجون الاحتلال، دون معرفة مصيره أو التهم الموجهة إليه. وتعيش العائلة حالة من القلق المزدوج على مصير الأب المجهول وعلى الحالة الصحية للطفل الذي يحتاج لرعاية طبية ونفسية مكثفة.

أثارت هذه الجريمة ردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبرها ناشطون وحقوقيون جريمة حرب مكتملة الأركان تتجاوز كافة الخطوط الحمراء. وأكد مغردون أن استهداف الرضع واستخدامهم كرهائن للضغط العسكري يمثل انحداراً أخلاقياً غير مسبوق في تاريخ الصراعات الحديثة.

دعت منظمات حقوقية إلى ضرورة فتح تحقيق دولي عاجل ومستقل في هذه الواقعة وتوثيقها ضمن ملفات جرائم الحرب التي تُرفع ضد قادة الاحتلال. وشدد حقوقيون على أن الصمت الدولي المطبق تجاه هذه الانتهاكات يمنح الضوء الأخضر لجيش الاحتلال لتكرار مثل هذه الممارسات الوحشية بحق الأطفال والنساء.

تأتي هذه الحادثة في سياق سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يوثقها الفلسطينيون يومياً في قطاع غزة، والتي تشمل القتل العمد والتعذيب الميداني. وتبقى قصة الطفل كريم شاهداً حياً على حجم المعاناة التي يعيشها سكان القطاع، حيث لا يسلم حتى الرضع من آلة البطش والتنكيل الإسرائيلية.