دخل التصعيد العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أسبوعه الرابع، وسط غارات جوية مكثفة استهدفت المنشآت والأرواح. ورغم ضراوة الهجمات، تشير المعطيات الميدانية إلى أن الأهداف المعلنة للعدوان لم تتحقق بعد، حيث حافظت الدولة على هيكليتها الأساسية.
يرى مراقبون أن فقدان قادة بارزين في هرم السلطة لم يؤدِ إلى الانهيار المتوقع أو الفوضى الداخلية التي كان يراهن عليها الخصوم. وبدلاً من خروج احتجاجات شعبية تندد بالسلطة، لوحظ انخراط جماهيري في الدفاع عن السيادة الوطنية والكرامة بوجه التهديدات الخارجية.
قبل اندلاع المواجهة المباشرة، استنفد الرئيس الأمريكي كافة أدوات التهديد والوعيد العسكري، آملاً في تراجع القيادة الإيرانية عن مواقفها السياسية. وكان الرهان الأمريكي منصباً على حدوث ثورة شعبية تطيح بالنظام لتجنيب البلاد ويلات الحرب، وهو ما لم يحدث على أرض الواقع.
أبدى الجانب الأمريكي استغراباً واضحاً من استمرار المقاومة الإيرانية، حيث تساءل ترامب عن سر عدم الاستسلام رغم الضغوط الهائلة. هذا التساؤل يفتح الباب أمام فهم طبيعة الصمود التي تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية إلى أبعاد تتعلق بالهوية والكرامة الوطنية.
تعتمد القوة الكامنة في الموقف الإيراني على فلسفة ترفض التبعية وتعتبر الحرية قيمة لا يمكن المقايضة عليها مهما بلغت التضحيات. إن هذا النوع من الإرادة يمنح الشعوب قدرة على تحمل المخاطر الجسيمة في سبيل الحفاظ على سيادتها واستقلال قرارها السياسي.
منذ عقود، عملت التنشئة السياسية في إيران على تعبئة المجتمع ضد ما يوصف بـ 'الاستكبار العالمي'، وهي مفاهيم ترسخت منذ الثورة عام 1979. هذه التنشئة لم تكن مجرد شعارات، بل تحولت إلى ممارسة عملية في مواجهة الأزمات الدولية المتلاحقة.
يستحضر التاريخ مواقف مشابهة، مثل أزمة السفارة الأمريكية التي استمرت 444 يوماً، حيث واجه الإيرانيون تهديدات الأسطول السادس بشجاعة لافتة. حينها، أدرك الرئيس الأسبق جيمي كارتر أن التعامل مع شعب لا يخشى التضحية يتطلب حسابات مختلفة تماماً عن الحروب التقليدية.
ما الذي يمكن فعله مع أناس لا يخافون الموت بل يسعون إليه؟
إن عدم الخوف من الموت في العقيدة السياسية الإيرانية لا يعني الرغبة في الفناء، بل هو وسيلة للدفاع عن حياة كريمة ومستقلة. فالحياة بلا سيادة أو قيم أخلاقية تعتبر في هذا المنظور وجوداً بلا معنى، مما يعزز من صلابة الجبهة الداخلية.
تتجلى رمزية الصمود في استمرار القيادات بممارسة مهامها من مكاتبها الرسمية رغم التهديدات المباشرة بالاغتيال والقصف. كما أن الخروج الشعبي في مناسبات مثل يوم القدس العالمي يعكس رسالة تحدٍ واضحة مفادها أن القيادة والشعب في خندق واحد.
تشير التوقعات إلى أن الأحلام الأمريكية بفرض استسلام كامل لن تتحقق مهما كانت الكلفة المادية والبشرية باهظة. فالتفوق التكنولوجي العسكري لا يضمن دائماً حسم المعارك ضد شعوب تمتلك عقيدة قتالية راسخة ترفض الذل والتبعية.
إن شعار 'هيهات منا الذلة' يمثل ركيزة أساسية في الوعي الجمعي الإيراني، وهو يتجاوز كونه صرخة سياسية ليصبح عقيدة تمنع الانكسار. هذا البعد العقائدي هو ما يجعل من الصعب فرض تسويات بشروط 'الغالب والمغلوب' كما يحدث في النزاعات الأخرى.
من المرجح أن يفشل المعتدون في تحقيق أهدافهم الاستراتيجية، مما قد يضطرهم للبحث عن مخارج آمنة وتسويات تحفظ ما تبقى من ماء الوجه. فالشعوب التي تدافع عن وجودها تمتلك نفساً طويلاً وقدرة على الصبر لا تتوفر لدى القوى المعتدية.
قد تشهد المرحلة القادمة محاولات للوصول إلى هدنة اضطرارية أو تسويات مغرية، لكنها لن تمحو حالة العداء المتجذرة بين الطرفين. فكل طرف يسعى لبناء مكاسبه الخاصة استعداداً لجولات قادمة من المواجهة التي تبدو حتمية في ظل تضارب المصالح.
في نهاية المطاف، يبقى الصمود الإيراني ظاهرة تستحق الدراسة من منظور سياسي واجتماعي، حيث تتداخل فيها الروح الوطنية مع العقيدة الدينية. إن آفاق هذا الصمود ستحدد شكل التوازنات الجديدة في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.





شارك برأيك
الصمود الإيراني في مواجهة التصعيد: قراءة في المقومات والآفاق المستقبليّة