اسرائيليات

الثّلاثاء 24 مارس 2026 12:03 مساءً - بتوقيت القدس

معاريف: استراتيجية الحرب ضد طهران تركز على تقويض النظام لا إسقاطه الفوري

كشفت مصادر صحفية عبرية عن الملامح الاستراتيجية للحملة العسكرية التي يقودها التحالف الغربي ضد إيران، مؤكدة أن الأهداف تتجاوز الضربات الموضعية. وذكرت التقارير أن المسعى الحالي يركز على إحداث ضغط استراتيجي يهدف إلى إضعاف هيكلية النظام الإيراني بشكل تدريجي، مما يفتح الباب أمام تحولات داخلية محتملة.

وأوضحت صحيفة معاريف أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعليق استهداف منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام لا يعد تراجعاً عن التصعيد. بل وصفت الصحيفة هذه الخطوة بأنها مناورة تكتيكية ضمن مسار طويل الأمد، مشيرة إلى أن أي ضربات كانت ستوجه للطاقة ستكون ذات أثر رمزي ومحدود في هذه المرحلة.

وفي قراءة للمشهد السياسي الداخلي في طهران، أشارت المصادر إلى غياب عنصر قيادي يمتلك الصلاحية المطلقة لاتخاذ قرارات مصيرية بشأن الحرب أو السلم. ومع ذلك، برز اسم محمد باقر قاليباف كأقوى الشخصيات المؤثرة حالياً، حيث يتولى إدارة الملفات الحساسة والتواصل غير المباشر مع الجانب الأمريكي.

وتطرقت التقارير إلى ما وصفته بـ 'السلم الصغير' الذي يطرحه ترامب حالياً، متسائلة عما إذا كان سيقود إلى 'سلم كبير' يضمن استسلاماً إيرانياً كاملاً. وترى الدوائر السياسية أن واشنطن لن تقبل بإنهاء العمليات العسكرية دون انتزاع تنازلات جوهرية تمس صلب البرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية.

وحددت الإدارة الأمريكية ثلاثة شروط تعجيزية لوقف إطلاق النار، أولها تسليم 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب لضمان عدم الوصول للقنبلة النووية. كما تشمل المطالب الموافقة الإيرانية غير المشروطة على فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وضمان حرية الحركة التجارية دون تهديدات عسكرية.

أما الشرط الثالث فيتعلق بإنشاء آلية رقابة دولية صارمة وفعالة لمتابعة برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني والحد من تطويره. وتؤكد المصادر أن إدارة ترامب لن تبرم أي صفقة سياسية أو توقف الزخم العسكري ما لم تتحقق هذه المعايير الثلاثة بشكل كامل وملموس على الأرض.

ونفت التقارير العبرية الأنباء التي تحدثت عن سعي الموساد للإطاحة الفورية بالنظام عبر القوة العسكرية المباشرة في الوقت الراهن. وأوضحت أن التقييمات الاستخباراتية تشير إلى أن تغيير الأنظمة يتطلب نضوجاً في البدائل السياسية الداخلية، وهو ما تعمل الحملة الحالية على تهيئته عبر سياسة 'الصدمة والتقويض'.

ووفقاً لتقديرات أجهزة الاستخبارات، فإن الهدف هو إيصال النظام إلى حالة من العجز تدفع الشارع الإيراني للتحرك والانخراط في احتجاجات واسعة. وتراهن هذه الاستراتيجية على أن الضغط الخارجي المكثف سيؤدي في نهاية المطاف إلى تصدعات داخلية قد تفضي إلى انقلاب أو ثورة شعبية تغير وجه السلطة.

وشددت المصادر على أن أي عملية عسكرية، مهما بلغت قوتها التدميرية، لا يمكنها استبدال النظام بشكل آلي دون وجود قيادة بديلة جاهزة. ولذلك، تركز الخطة الحالية على تدمير المرتكزات الاقتصادية والعسكرية التي يستند إليها النظام في قمع المعارضة الداخلية وإدارة نفوذه الإقليمي.

وتوقعت الصحيفة أن تستمر هذه العملية لشهور أو ربما سنوات، حيث أن التغيير السياسي في طهران عملية معقدة وطويلة الأمد. وأكدت أن الضغط العسكري هو مجرد أداة لخدمة الهدف السياسي الأكبر، وهو جعل كلفة استمرار النظام الحالي باهظة وغير قابلة للاستمرار.

ويربط تقييم الموس ووكالة 'أمان' بين النجاح العسكري وبين مدى قدرة المجتمع الإيراني على استغلال حالة الضعف التي سيعاني منها النظام. وتعتبر هذه الأجهزة أن الحرب الحالية هي 'المحفز' الذي سينتج واقعاً جيوسياسياً جديداً في المنطقة، شريطة استمرار الضغط الاستراتيجي دون تراجع.

وفي الختام، يظهر أن التوجه الأمريكي الإسرائيلي المشترك يميل نحو استنزاف القدرات الإيرانية بدلاً من الدخول في حرب احتلال شاملة. وتظل الأيام القادمة مرهونة بمدى استجابة طهران للشروط الأمريكية، أو قدرتها على امتصاص الصدمات العسكرية المتتالية التي تستهدف بنيتها التحتية.

إن المسار الذي تسلكه إدارة ترامب يعكس رغبة في إعادة صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط عبر تحجيم الدور الإيراني بشكل نهائي. وهذا المسار يتطلب نفساً طويلاً وتنسيقاً وثيقاً بين الحلفاء لضمان عدم انزلاق المنطقة نحو فوضى غير مسيطر عليها قد تضر بالمصالح الغربية.

ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة النظام الإيراني على الصمود أمام هذه الموجة العاتية من الضغوط العسكرية والاقتصادية. فبينما تصر واشنطن على شروطها، تحاول طهران المناورة عبر شخصيات مثل قاليباف لتخفيف وطأة الضربات دون تقديم تنازلات تمس جوهر وجود النظام.

فلسطين

الثّلاثاء 24 مارس 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد ميداني في إيران: غارات تطال منشآت الطاقة في أصفهان وخرمشهر وواشنطن تعلن ضرب 9 آلاف هدف

تعرضت منشآت حيوية للطاقة في مدينتي أصفهان وخرمشهر الإيرانيتين لسلسلة من الغارات الجوية فجر الثلاثاء، في إطار التصعيد العسكري المستمر الذي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل منذ نهاية فبراير الماضي. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف طال مبنى إدارة الغاز ومحطة لتخفيض الضغط في شارع كاوه بمدينة أصفهان، مما أدى إلى وقوع أضرار مادية جسيمة.

وذكرت تقارير إعلامية أن الانفجار الذي وقع في أصفهان كان شديداً لدرجة تسببه في أضرار جزئية ببعض الأبنية السكنية المجاورة للمنشأة المستهدفة. ورغم حجم الدمار، أشارت المصادر إلى أن المنشأة كانت خارج مدار التشغيل الفعلي قبل وقوع القصف، وهو ما ساهم بشكل نسبي في تقليل حجم الخسائر التشغيلية المباشرة.

وفي مدينة خرمشهر الواقعة جنوبي البلاد، سقط مقذوف في محيط أحد خطوط الغاز الرئيسية التي تغذي محطة لإنتاج التيار الكهربائي. وبحسب مسؤولين محليين، فإن الانفجار لم يسفر عن وقوع إصابات بشرية أو خسائر مادية تذكر في البنية التحتية للمحطة، مؤكدين أن الوضع تحت السيطرة الأمنية والفنية.

من جانبها، كشفت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) في بيان رسمي عبر منصة 'إكس' عن حصيلة عملياتها العسكرية الواسعة داخل الأراضي الإيرانية. وأكد البيان استهداف أكثر من 9 آلاف هدف عسكري واستراتيجي منذ اندلاع المواجهات، مشيراً إلى استخدام مزيج من القاذفات الاستراتيجية والمقاتلات والطائرات المسيرة.

وأوضحت 'سنتكوم' أن الهجمات الجوية والبحرية والبرية أسفرت عن تدمير أو إلحاق أضرار بالغة بأكثر من 140 سفينة حربية تابعة للبحرية الإيرانية. وتأتي هذه الإعلانات في وقت أكد فيه الجيش الإسرائيلي تنفيذ موجة غارات استهدفت مقرات تابعة للحرس الثوري ووزارة الاستخبارات في العاصمة طهران.

وعلى الصعيد الأمني الداخلي، أعلنت وزارة الأمن الإيرانية عن تنفيذ عملية أمنية واسعة أسفرت عن إلقاء القبض على 30 شخصاً وصفتهم بـ'العملاء'. وتركزت هذه الاعتقالات في محافظات همدان ولورستان وكرمان، وذلك في إطار جهود طهران لملاحقة ما تسميها شبكات التجسس والعمليات التخريبية المرتبطة بالخارج.

وفي خضم هذا التصعيد العسكري، برزت مؤشرات على تحركات دبلوماسية خلف الكواليس تهدف إلى احتواء الأزمة المتفاقمة. ونقلت مصادر إعلامية عن مسؤولين أن هناك ترتيبات لعقد محادثات محتملة بين واشنطن وطهران خلال الأيام الخمسة المقبلة، بمساهمة فاعلة من تركيا ومصر لتيسير هذا الحوار.

وأكد مسؤول رفيع في الخارجية الإيرانية أن طهران تلقت بالفعل مجموعة من النقاط والمقترحات من الجانب الأمريكي عبر وسطاء دوليين. وأشار المسؤول إلى أن الجهات المختصة في إيران تعكف حالياً على دراسة هذه النقاط قبل الرد عليها، في ظل ضغوط دولية متزايدة لفتح مضيق هرمز وتأمين إمدادات الطاقة العالمية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد في وقت سابق بضرب منشآت الطاقة الإيرانية الكبرى ما لم يتم التراجع عن تقييد الملاحة في مضيق هرمز. وتسبب الإغلاق الجزئي للمضيق المستمر منذ مطلع مارس في اضطرابات حادة بأسواق النفط العالمية، مما دفع أسعار الخام وتكاليف الشحن إلى مستويات قياسية.

يذكر أن الصراع المندلع منذ 28 فبراير الماضي قد خلف مئات القتلى والجرحى، وشهد أحداثاً دراماتيكية كان أبرزها مقتل المرشد علي خامنئي. وتواصل طهران ردودها العسكرية عبر إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه أهداف إسرائيلية ومصالح أمريكية في المنطقة، وسط تحذيرات دولية من انزلاق الأوضاع إلى حرب إقليمية شاملة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 24 مارس 2026 11:03 صباحًا - بتوقيت القدس

تحليل عسكري: مهلة ترامب لإيران تكتيك لترتيب الخيارات العسكرية وتوسيع الوجود الميداني

اعتبر المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هرئيل أن المهلة الجديدة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للقيادة الإيرانية، والتي تمتد لخمسة أيام، ليست مجرد فسحة دبلوماسية. وأوضح هرئيل أن الهدف الجوهري من هذا التأجيل هو منح الإدارة الأمريكية وقتاً إضافياً لترتيب أوراقها العسكرية وتجهيز سيناريوهات الرد المحتملة في حال فشل المسار السياسي.

وأشار التحليل إلى أن هذا السلوك يندرج ضمن التكتيكات المعهودة لترامب، حيث يمزج بين لغة التهديد المباشر وترك نافذة مواربة للمفاوضات. ويتزامن هذا التحرك مع تعزيزات عسكرية ملموسة في المنطقة، شملت نشر وحدات من القوات البحرية ومشاة البحرية (المارينز) لتكون على أهبة الاستعداد لأي طارئ ميداني.

وفي حال وصلت المحادثات إلى طريق مسدود، كشف هرئيل أن واشنطن تضع على طاولتها خيارات تصعيدية غير مسبوقة. ومن أبرز هذه الخيارات التدخل العسكري لكسر أي حصار قد تفرضه طهران على مضيق هرمز، وضمان حرية الملاحة الدولية بالقوة المسلحة إذا لزم الأمر.

كما تتضمن الخطط الأمريكية المحتملة السيطرة الميدانية على مواقع استراتيجية إيرانية، وفي مقدمتها جزيرة خارك التي تعد شرياناً حيوياً لتصدير النفط. ويهدف هذا التوجه إلى تجفيف منابع التمويل الإيراني والضغط على النظام من خلال السيطرة على مفاصل الاقتصاد القومية.

ولم تقتصر التهديدات عند هذا الحد، بل شملت إمكانية توجيه ضربات جوية وصاروخية مركزة تستهدف منشآت الطاقة داخل العمق الإيراني. ويرى المحلل أن هذه التهديدات تهدف إلى إيصال رسالة حازمة بأن الولايات المتحدة مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى لحماية مصالحها وحلفائها.

وعلى الصعيد الميداني، لاحظ هرئيل أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تضع قيوداً واضحة أو خطوطاً حمراء أمام العمليات العسكرية التي ينفذها الاحتلال ضد أهداف إيرانية. واستمرت الهجمات الجوية في استهداف مواقع مختلفة، مما يعكس نوعاً من التنسيق الضمني أو غض الطرف الأمريكي عن التحركات الإسرائيلية.

وحول دور رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، أوضح التحليل أن تأثيره على قرارات البيت الأبيض لا يزال ملموساً وقائماً. ومع ذلك، يرى هرئيل أن هذا التأثير بات أقل حسماً مقارنة بفترات سابقة، حيث يميل ترامب لاتخاذ قراراته بناءً على رؤيته الخاصة لمصالح بلاده أولاً.

وأكد المحلل أن القرار النهائي في ملف التصعيد أو التهدئة يظل بيد ترامب وحده، الذي قد يقبل بتسويات سياسية لا ترضي طموحات الاحتلال بالكامل. هذا التباين المحتمل في وجهات النظر يشير إلى تعقيد العلاقة بين واشنطن وتل أبيب في إدارة الملف الإيراني الشائك.

وفيما يخص مستقبل النظام في طهران، استبعد التحليل أن يكون هدف "تغيير النظام" مطروحاً بجدية في أي اتفاق وشيك. ورغم التصريحات الحماسية السابقة لترامب حول انهيار النظام، إلا أن الواقعية السياسية بدأت تفرض نفسها على طاولة المفاوضات الحالية.

وتبقى القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي هي العقدة الأكبر في أي مسار تفاوضي محتمل بين الطرفين. ويشكل مخزون اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي المتطورة حجر الزاوية في المطالب الأمريكية والدولية لضمان عدم وصول إيران للسلاح النووي.

إلى جانب الملف النووي، تبرز قضية الصواريخ الباليستية الإيرانية كأحد الملفات الشائكة التي تصر واشنطن على إدراجها في أي تسوية. وتعتبر الولايات المتحدة أن القدرات الصاروخية المتنامية لطهران تشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي وقواعدها العسكرية في المنطقة.

وخلص هرئيل إلى أن الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في الشرق الأوسط يظل بنداً ثابتاً في قائمة المطالب الأمريكية. ويرى أن أي اتفاق لا يعالج مسألة النفوذ الإقليمي الإيراني سيبقى منقوصاً من وجهة نظر الدوائر الأمنية في واشنطن وتل أبيب على حد سواء.

اقتصاد

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

مبادرات البنك العربي المجتمعية خلال شهر رمضان تصل لأكثر من 30 ألف مستفيد

نفّذ البنك العربي مجموعة من المبادرات والأنشطة المجتمعية خلال شهر رمضان المبارك، استفاد منها أكثر من 30,000 شخص في مختلف المحافظات. وتأتي هذه المبادرات ضمن برنامج البنك للمسؤولية الاجتماعية "معاً" الذي يركز على دعم الفئات الأكثر احتياجاً وتعزيز جهود التنمية المجتمعية المستدامة.


وشملت هذه المبادرات تقديم وجبات إفطار للصائمين استفاد منها أكثر من 13,300 شخص، تم خلالها توزيع الوجبات على الأسر الأشد فقراً بالتنسيق مع عدد من الجمعيات المحلية المعنية بخدمة الفئات الأكثر احتياجاً، وذلك بهدف المساهمة في التخفيف من الأعباء المعيشية عن كاهل الأسر المتعففة وتعزيز قيم التكافل والتراحم التي يجسدها شهر رمضان المبارك. 


كما وزع البنك أكثر من 2,000 طرد غذائي على الأسر المحتاجة، استفاد منها ما يقارب 10,200 شخص في ثماني محافظات مختلفة، وذلك بالتعاون مع وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية ومديرياتها في تلك المناطق، في إطار الجهود المشتركة لتوفير الاحتياجات الأساسية للعائلات المحتاجة خلال الشهر الفضيل. 


وتضمنت المبادرات أيضاً تنظيم إفطارات خيرية وأنشطة ترفيهية استفاد منها ما يقارب 6,500 شخص من فئات المسنين والأيتام والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والمكفوفين، في أجواء سادتها روح الألفة والتكافل الاجتماعي. بالإضافة الى زيارة ومعايدة الأطفال المصابين بالسرطان ومرضى غسيل الكلى في مستشفى الأوغستا فكتوريا – المطّلع في القدس، حيث هدفت الزيارة الى تقديم الدعم النفسي والمعنوي وإدخال البهجة إلى قلوب الأطفال تزامناً مع قرب حلول عيد الفطر المبارك. 


وقد تميزت هذه المبادرات بمشاركة فاعلة من موظفي البنك العربي بأكثر من 220 مشاركة تطوع شملت نشاطات تحضير وتغليف الطرود الغذائية ووجبات الإفطار، إلى جانب مشاركتهم في تنظيم الإفطارات الخيرية والأنشطة الترفيهية المختلفة. ويعكس ذلك ثقافة العمل التطوعي وروح العطاء التي يحرص البنك على ترسيخها بين موظفيه، وتشجيعهم على الاسهام الفاعل في خدمة المجتمع.  


وفي تعليقه على هذه المبادرات، قال الدكتور جمال حوراني مدير منطقة فلسطين في البنك العربي: "تعكس هذه المبادرات التزام البنك العربي المتواصل بدوره في دعم وتنمية المجتمعات المحلية، حيث نحرص على تحقيق أثر إيجابي، ملموس ومستدام يساهم في دعم الفئات الأشد فقراً وتعزيز قيم التكافل والتضامن". وأضاف:" يحظى شهر رمضان المبارك بمكانة خاصة لما يحمله من معانٍ إنسانية واجتماعية تعزز روح التكافل والعطاء. كما يسعدنا المشاركة الفاعلة لموظفي البنك في هذه المبادرات التطوعية، والتي تعكس ثقافة التكافل والعمل الجماعي وروح المسؤولية التي نحرص على ترسيخها لدى موظفينا."


تجدر الإشارة إلى أن البنك العربي يتبنى استراتيجية شاملة في مجال الاستدامة والمسؤولية المجتمعية تهدف إلى تحقيق أثر إيجابي ملموس على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب التزامه بالممارسات البيئية المستدامة. ويجسّد برنامج البنك العربي للمسؤولية الاجتماعية "معاً" هذا التوجه من خلال دعمه لمجموعة متنوعة من المبادرات التي تخدم قطاعات حيوية تشمل التعليم والصحة ومكافحة الفقر وحماية البيئة وتمكين المرأة ورعاية الأيتام، وذلك بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي.

اقتصاد

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

شبهات استغلال معلومات داخلية: صفقات نفطية بـ 580 مليون دولار تسبق إعلان ترامب بشأن إيران

أفادت مصادر صحفية دولية برصد تحركات لافتة ومثيرة للريبة في أسواق النفط العالمية، سبقت إعلاناً رسمياً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن العلاقات مع إيران. وأشارت التقارير إلى تنفيذ رهانات مالية ضخمة بلغت قيمتها نحو 580 مليون دولار قبل دقائق معدودة من نشر ترامب لمنشوره الذي أحدث هزة في الأسواق.

ووفقاً للبيانات المالية المرصودة، فقد نفذ متداولون صفقات كبرى في سوق النفط قبل نحو 15 دقيقة من ظهور منشور ترامب على منصة 'تروث سوشيال'. وكان ترامب قد أشاد في منشوره بما وصفها بـ 'محادثات مثمرة' مع طهران، وهو ما أدى فوراً إلى تراجع أسعار الخام وتقلبات حادة في أصول مالية أخرى.

وتشير الحسابات المستندة إلى بيانات الأسواق إلى تداول نحو 6200 عقد آجل لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط في دقيقة واحدة فقط، وتحديداً بين الساعة 6:49 و6:50 صباحاً بتوقيت نيويورك. وبلغت القيمة الاسمية لهذه الصفقات أرقاماً قياسية تعكس ثقة مفرطة من قبل المنفذين في اتجاه السوق القادم.

ولم يقتصر النشاط غير المعتاد على عقود النفط فحسب، بل رصد المحللون ارتفاعاً ملحوظاً في أحجام التداول قبل 27 ثانية فقط من الساعة 6:50 صباحاً. كما صعدت العقود الآجلة المرتبطة بمؤشر S&P 500 بعد لحظات من صفقات النفط، مما يشير إلى استراتيجية تداول منسقة سبقت الإعلان الرئاسي.

وعند حلول الساعة 7:04 صباحاً، تسبب منشور ترامب في موجة بيع حادة بأسواق الطاقة العالمية، حيث سارع المستثمرون لتقليص رهاناتهم على استمرار النزاع. وفي المقابل، شهدت الأسهم الأوروبية والعقود الآجلة للمؤشرات الأمريكية ارتفاعاً ملحوظاً، مما حقق أرباحاً طائلة للجهات التي دخلت السوق مبكراً.

ويرى مراقبون أن توقيت هذه الصفقات يعكس نمطاً متكرراً من الرهانات الكبيرة والمربحة التي سُجلت مؤخراً على منصات التوقعات العالمية. وقد أثار هذا التزامن تساؤلات مشروعة لدى استراتيجيي السوق حول هوية الجهات التي كانت مستعدة للبيع بقوة قبل ربع ساعة من صدور الخبر اليقين.

من جانبه، رد البيت الأبيض على هذه الشكوك عبر متحدثه الرسمي كوش ديساي، الذي أكد أن الإدارة تركز فقط على مصلحة الشعب الأمريكي. وشدد ديساي على أن الرئاسة لا تتسامح مع أي مسؤول يستفيد بشكل غير قانوني من معلومات داخلية، واصفاً الاتهامات التي تفتقر للأدلة بأنها تصرفات غير مسؤولة.

في المقابل، أعرب مديرو صناديق تحوط عن إحباطهم من تكرار هذه الحوادث، معتبرين أنها تقوض عدالة المنافسة في الأسواق المالية. وأوضح أحد المتداولين أن مستشاري الطاقة رصدوا عدة صفقات ضخمة ذات توقيت غير معتاد سبقت إعلانات رسمية للحكومة الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة.

ووصف مدير محفظة مالية ذو خبرة طويلة هذه التحركات بأنها 'غير طبيعية حقاً'، خاصة وأنها تمت في يوم لم يكن يحمل مخاطر أحداث كبرى مجدولة. وأضاف أن دقة التوقيت وحجم المبالغ المرصودة تشير بوضوح إلى أن طرفاً ما استفاد من معلومات مسبقة ليحقق ثروة طائلة في دقائق معدودة.

وعلى الصعيد السياسي، سارع رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لنفي وجود أي مفاوضات مع واشنطن، مؤكداً في منشور له أن هذه الأنباء عارية عن الصحة. واتهم قاليباف أطرافاً دولية باستخدام 'أخبار كاذبة' للتلاعب بالأسواق المالية وأسواق النفط العالمية للخروج من مآزق سياسية.

وأدى النفي الإيراني إلى تراجع الأسهم العالمية مجدداً وعودة الإقبال على شراء عقود الطاقة، مما زاد من حدة التذبذب في الأسواق. ورغم أن بعض متداولي السلع قللوا من شأن حجم المبيعات مقارنة بأيام الذروة، إلا أنهم رصدوا تحركات حادة ومريبة في مؤشر الغاز الأوروبي في التوقيت ذاته.

وختاماً، أشار خبراء في المشتقات المالية إلى أن أسواق العقود الآجلة لخام برنت شهدت تدفقات كبيرة من الصناديق خلال الأسابيع الأخيرة. وأوضحوا أن معظم المستثمرين كانوا في مراكز شراء، وهو ما ساهم في زيادة حدة التحركات السعرية عندما بدأت عمليات البيع المفاجئة والمشبوهة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

"موظف مياومة" بمرتبة رئيس!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير


أقل الكلام

لا يتوقف قطب العقارات، ورجل المفاجآت، الذي يقود البيت الأبيض بـ"نظام المياومات"، عن تقديم عروض الإدهاش في الليالي الحالكات، بالصدمة تارة، وطوراً بالتهدئة لأيامٍ معدودات، بعد أن أوقف العالمَ على رؤوس أصابعه، وحَبس أنفاسه، عندما منح قادة طهران بضع ساعات قبل أن يرسل قاذفاته لتدمير منشآت الطاقة لديهم بدءاً من أكبرها، إنْ لم  تفتح طهران المضيق.
 ليس غريباً هذا التناقض الظاهر في تصريحات بطل "تلفزيون الواقع"، المفتون بالمؤتمرات، وتناقض التصريحات، فكلام الليل عنده يمحوه النهار، فهو لا يمل من تكرار الوعيد بـ"الجحيم" الذي بات لغواً يتردد على لسانه، ولازمة في خطاب الاتحاد كلما أراد ترهيب أعدائه، أو تحسين شروط تفاوضه.
لقد دخل الحرب بذرائع هشة، وبلا مخارج آمنة، قالها السيناتور "تشاك شومر"، وجهر بها قبله "جوزيف كينيت"، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب الذي قدم استقالته بعد أن وخزه ضميره من قيام ترمب بخوض الحرب، مدفوعاً بنوازع "ذئب الليكود"، الذي زين له قدرتها على تغيير النظام بعد ضربة الافتتاح، وفق  سيناريو "غزوة كاراكاس"، ليتفاجأ بالمكيدة قبل أن يذهب إلى دروب مغايرة، بينما ظل الذئب يتلمظ سانحةً لتوجيه الضربة المؤجلة لمنشآت الطاقة الإيرانية عندما تتعانق عقارب الساعة عند اللحظة المؤاتية.
لعل ما هو أخطر من إشعال الحرائق خروجها عن السيطرة، وعجز مُشعلها عن إطفائها، وتوسله حلفاءه الذين انفضوا من حوله بعد أن هددهم بغزو أجزاء من "القارة العجوز" لمساعدته في إطفائها.
ألقى ترمب حجراً كبيراً في المياه الهائجة، لتنشط بعدها الجهود الدبلوماسية، من كل مَن يهمه الأمر في أربعة أرجاء الأرض، ليفرمل سائق الشاحنة المتهور اندفاعته، ويكشف عن مفاوضاتٍ بلغت مرحلة مبشرة لا ينفي حقيقتها إعلان طهران عدم حدوثها.
بانتظار انتهاء مهلة الأيام الخمسة يوم الجمعة، بالتزامن مع إغلاق البورصات العالمية. فإن الحرب التي سيخرج منها الجميع بأُنوفٍ نازفة، وأسنانٍ مكسورة، تدخل منعطفاً جديداً، سيحاول خلالها ترمب الخروج الصاخب من حلبة المصارعة، بعد أن تقلصت أهدافه إلى هدفٍ يتيم: فتح المضيق المفتوح أصلاً، فيغدو كمن رضي من الغنيمة بالإياب!

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:33 صباحًا - بتوقيت القدس

نحو وعي إعلامي وتحليل ذكي


في عصر تتسارع فيه المعلومات وتتدفق الأخبار من مختلف المنصات، أصبح الوعي الإعلامي لدى الطلبة حاجة أساسية توازي مهارات القراءة والكتابة. يتعرض الطالب يوميًا لرسائل متعددة عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، ما يتطلب امتلاك أدوات تساعده على الفهم والتحليل واتخاذ المواقف بوعي. انطلاقًا من ذلك تبرز مناهج الدراسات الاجتماعية كمنصة تعليمية فاعلة تسهم في بناء هذا الوعي، حيث تتجاوز حدود المعرفة بالتاريخ والجغرافيا لتشكل مساحة تربوية لتنمية التفكير النقدي وتعزيز الإدراك الواعي لما يدور حول الطالب.
الإعلام اليوم يؤدي دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام وبناء الانطباعات. صياغة الخبر، اختيار المفردات، توظيف الصور، وترتيب الأحداث، جميعها عناصر تؤثر في طريقة استقبال المعلومة وفهمها. الطالب الذي يمتلك مهارات تحليلية يصبح أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والرأي، وبين المعلومات الدقيقة والمغلوطة، كما يستطيع قراءة الرسائل الإعلامية في سياقها الصحيح، وفهم أبعادها وتأثيرها في المجتمع.
تتجه مناهج الدراسات الاجتماعية نحو بناء بيئة تعليمية حيوية تعزز مهارات التحليل الإعلامي، فيتعلم الطالب قراءة الأخبار بوعي وفهم مضامينها وتحليلها بعمق، وطرح الأسئلة التي تقوده إلى استنتاجات أعمق. هذا التحول في طبيعة التعلم يجعل الطالب شريكًا في إنتاج المعرفة، ويعزز لديه روح البحث والاستقصاء، مما يسهم في بناء شخصية واعية قادرة على التفاعل مع الواقع بوعي ومسؤولية.
تتحقق هذه الأهداف من خلال توظيف أنشطة تعليمية تفاعلية داخل الغرفة الصفية. من أبرز هذه الأنشطة مقارنة الأخبار بين مصادر مختلفة، وتحليل الفروقات في الطرح والمضمون، الأمر الذي يفتح أمام الطالب آفاقًا لفهم تنوع وجهات النظر. كما تسهم المشاريع الصفية القائمة على مصادر متعددة في تعزيز مهارات البحث والتحقق، وتمنح الطالب القدرة على بناء معرفة قائمة على الأدلة. إضافة إلى ذلك، تتيح مناقشة تأثير الإعلام على السلوك الاجتماعي والقيم الثقافية فهمًا أعمق لدور الإعلام في تشكيل وعي الأفراد والمجتمعات.
هذه الممارسات تنقل الطالب من مرحلة تلقي المعلومات إلى مرحلة توظيفها في الحياة اليومية. يصبح أكثر وعيًا بما يتلقاه من محتوى، وأكثر قدرة على تقييمه، واتخاذ مواقف مبنية على الفهم والتحليل. كما يتعزز لديه الشعور بالمسؤولية تجاه ما ينشره أو يتداوله، مما يسهم في بناء ثقافة مجتمعية قائمة على الوعي والانضباط.
يرتبط الوعي الإعلامي ارتباطًا وثيقًا بالتراث الثقافي، حيث يشكل هذا الربط مدخلًا مهمًا لتعميق الفهم وتعزيز الهوية. عند دراسة الحرف التقليدية أو المناسبات الشعبية، يمكن للطلبة تحليل ما ينشر عنها في وسائل الإعلام، ومقارنته بالواقع الفعلي. هذه المقارنة تساعد على بناء وعي نقدي يميز بين الصورة الإعلامية والواقع، وتشجع الطلبة على إنتاج محتوى يعبر عن ثقافتهم بوعي واعتزاز، مما يعزز الانتماء ويقوي الصلة بين المعرفة والهوية.
كما يسهم تنمية الوعي الإعلامي في تطوير مهارات التعبير والتواصل لدى الطلبة. الطالب القادر على التحليل يمتلك القدرة على صياغة أفكاره بوضوح، وعرض آرائه بشكل منظم، سواء في الحديث أو الكتابة. هذه المهارات تعزز ثقته بنفسه، وتؤهله للمشاركة الفاعلة في النقاشات المجتمعية، وتمنحه القدرة على التأثير الإيجابي في محيطه.
تفعيل هذا التوجه في المناهج يتطلب اعتماد ممارسات تعليمية مستمرة ومنظمة. يمكن إدراج أنشطة دورية لمتابعة الأخبار وتحليلها، مع التركيز على التحقق من المصادر وفهم السياق. كما يمكن تنفيذ مشاريع تربط بين الإعلام والتراث، مثل توثيق الحرف التقليدية أو دراسة صورة المواقع التاريخية في وسائل الإعلام ومقارنتها بالواقع. هذه الأنشطة تجعل الطالب جزءًا فاعلًا في العملية التعليمية، وتمنحه دورًا في إنتاج المعرفة بدلاً من الاكتفاء بتلقيها.
يسهم هذا النهج أيضًا في تنمية مهارات التفكير العليا، مثل التحليل والمقارنة والاستنتاج والتقييم. هذه المهارات تشكل أساسًا للتعلم المستمر، وتمكن الطالب من التكيف مع التغيرات المتسارعة في العالم الرقمي. كما تعزز قدرته على التعامل مع المعلومات المعقدة، وفهم تأثيرها في سلوكه وقراراته.
دور المعلم في هذا السياق محوري وأساسي، حيث يسهم في توجيه الطلبة نحو التفكير الواعي، ويعمل على خلق بيئة تعليمية تشجع على الحوار والنقاش. المعلم الذي يمتلك وعيًا إعلاميًا قادر على توجيه الطلبة نحو المصادر الموثوقة، وتعزيز قيم الدقة والموضوعية، وتنمية مهارات التحليل لديهم، مما ينعكس بشكل إيجابي على مستوى الوعي العام داخل المجتمع.
دمج الوعي الإعلامي ضمن مناهج الدراسات الاجتماعية يمثل خطوة مهمة في تطوير العملية التعليمية. هذا الدمج يسهم في إعداد جيل يمتلك القدرة على الفهم والتحليل، وقادر على التعامل مع القضايا المعاصرة بوعي ومسؤولية. كما يعزز من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات الإعلامية، والحد من تأثير المعلومات غير الدقيقة.
الغاية الأساسية من هذا التوجه تتمثل في إعداد طالب واعٍ، قادر على تحليل المعلومات وفهم أبعادها، واتخاذ قراراته بناءً على معرفة دقيقة وفهم عميق. هذا الطالب يصبح عنصرًا فاعلًا في مجتمعه، يسهم في بنائه وتطوره، ويعكس صورة إيجابية عن وعي الجيل الجديد.
في هذا الإطار تأخذ الدراسات الاجتماعية دورها الحقيقي كمنصة لصناعة الوعي وبناء الفكر للطلبة. التعليم هنا يتجاوز نقل المعرفة ليصل إلى تنمية القدرات وتعزيز القيم، مما يسهم في إعداد جيل قادر على فهم العالم والتفاعل معه بوعي ومسؤولية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

فائض التضحية وفشل الإنجاز: أزمة العقل السياسي الفلسطيني

نجح المحتلون، عبر محطات الصراع الممتدة خلال ما يزيد على سبعة عقود، في استدراجنا إلى الساحة التي يحققون فيها تفوقًا حاسمًا ومضمونًا؛ فمنذ أن أُجهضت انتفاضة الشعب عام 1987 قبل أن تؤتي ثمارها، نصب المحتلون لنا فخاخًا وقعنا فيها جميعًا: فصائل، وحركات، وقوى، وفعاليات، ورأيًا عامًا، وإعلامًا، ومنظّرين، ومؤسسات تعليمية ودينية وثقافية واجتماعية، عبر جرّنا إلى العنف المسلح، في التوقيت الذي اختاره الاحتلال، والساحة التي أرادها.
إذ جاءت انتفاضة الأقصى عام 2000، والتي استطاع المحتلون خلالها جرّنا جميعًا إلى مربعهم القادر على تحقيق إنجازات سياسية حاسمة، وترسيخ قاعدتهم المقدسة: "أرض أكثر وعرب أقل". فقد نجح المحتلون، خلال انتفاضة الأقصى، في حقن الرأي العام الفلسطيني بكل مقومات العسكرة، عبر خطاب شعبوي يمجّد شكلًا أحاديًا للمقاومة، ويُقصي أي دعوة للمراجعة ونقد الأداء وترشيده، ليتم نقل الصراع إلى ساحة عسكرية مفتوحة، في توقيت وسياق اختارهما المحتلون بعناية، بما مكّنهم من تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية عميقة.
وفي هذا السياق، لم تكن عسكرة الانتفاضة مجرد خيار ميداني، بل تحولت إلى حالة ذهنية عامة، جرى من خلالها إعادة تشكيل الوعي الجمعي الفلسطيني. فقد ساد خطاب شعبوي يُمجّد الفعل المسلح بوصفه الخيار الوحيد، ويُقصي كل دعوة إلى المراجعة أو العقلنة باعتبارها تعبيرًا عن ضعف أو تراجع. وتكامل هذا الخطاب مع أداء إعلامي وحركي ورسمي ساهم، بدرجات متفاوتة، في تكريس رؤية أحادية للمقاومة، الأمر الذي أدى إلى تضييق المجال أمام أي نقاش نقدي حقيقي حول جدوى الأدوات المستخدمة ومآلاتها.
ولم تكن نتائج هذه المرحلة بحاجة إلى تحليل معقّد لإدراك آثارها؛ فقد أفضت انتفاضة الأقصى إلى تحولات عميقة في بنية الصراع، تجلت في بناء جدار الفصل، وتسارع الاستيطان، وتعميق تهويد القدس، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية بما يخدم مشروع المحتلين وأجندتهم. كما ساهمت في صعود اليمين الديني المتطرف داخل إسرائيل، مقابل تراجع غير مسبوق لقوى اليسار، وانكماش أي أفق سياسي تقدمي داخل المجتمع الإسرائيلي. بل إن حالة الانقسام الدامي التي ابتدأت عام 2007 هي أحد مخرجات حالة العسكرة التي سادت منذ الانتفاضة؛ ذلك الانقسام الذي تمّت تسميته بـ"الحسم العسكري"، والذي أكد أن أولويات جهات نافذة في المجتمع الفلسطيني ليست أولويات الشعب، وإنما تمجيد عسكرة المجتمع، حتى لو كان ذلك على حساب الوطن والشعب والقضية.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر بوصفها لحظة مفصلية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، والتي يحاجج البعض بأنها أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وكسرت وهم "الاستقرار" الذي ساد في السنوات التي سبقتها. إلا أن قراءة مآلات هذه العملية، بعيدًا عن العاطفة والتنظير والاستقطاب الحزبي، تُظهر أنها فتحت الباب أمام مرحلة أكثر قسوة على الشعب الفلسطيني، وعلى عدد من الشعوب العربية.
وفي المقابل، شهدت فلسطين، وشعبنا، وأجيالنا، وخاصة قطاع غزة، تصعيدًا غير مسبوق في مستويات العنف، وصل إلى حد الإبادة الجماعية للبشر والحجر والمياه والمؤسسات، وكل مقومات الحياة في القطاع. وها هو الاحتلال يعيد احتلال ما يزيد على نصف قطاع غزة، ويتحكم بكل ما يدخل إلى القطاع من دواء وطعام وهواء.
إن التأكيد على أن المقاومة حق وواجب لا ينبغي أن يُختزل في تبني مسار واحد، أو في تحصينها ضد النقد والمراجعة. فالمقاومة الواعية هي التي تخضع باستمرار للمتابعة والمراقبة والتقييم العقلاني، وتُعيد النظر في أدواتها وفق معايير الفاعلية والكلفة والمآلات.
إننا أمام مفترق حقيقي، لا بين خيارات متعددة، بل بين مسارين: مسار يُفضي إلى تعزيز البقاء والصمود، وآخر يفتح الباب أمام التآكل والتفكك. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون التردد خيارًا، بل يصبح القرار الواعي مسؤولية تاريخية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:31 صباحًا - بتوقيت القدس

بين القوة والقيمة: هل يكتب نتنياهو روايته على خطى جنكيز خان؟

ليست كل العبارات التي تُطلق في السياسة زلات لسان، وبعضها يُقال بعناية ليكشف أكثر مما يخفي، فكلام نتنياهو  نقلا عن المؤرخ دورانت يُفهم على انها مساواة بين السيد المسيح عليه السلام وجنكيز خان.
كلمات تكشف عن رؤية أعمق من مجرد استفزاز، بل إعادة تعريف القيمة الإنسانية والتاريخية وفق معيار واحد، من يترك أثرا بغض النظر عن طبيعته، فلا تعود القيم مركز الحكم، بل النتائج.
المسيح، في الوعي الديني والتاريخي، يمثل نموذجا أخلاقيا قائما على الرحمة والتسامح، فتأثيره لم يكن نتيجة سلطة او قوة، بل نتيجة فكرة استقرت في وجدان البشر عبر قرون، بينما جنكيز خان يمثل نموذج القوة والقتل والتي أعادت رسم خرائط العالم عبر الدم.
المشكلة ليست في القول ان كليهما ترك أثرا، بل في المساواة بين أثرين مختلفين والمساواة بين فكرة تنتشر بالقناعة واخرى تفرض بالقوة، ما يجعل من المقارنة إهانة حتى لو كانت ضمنية.
استدعاء الكلام في خطاب سياسي يحوله الى اداة تبرير، وهنا تكمن الخطورة، متجاوزة الفكرة إلى استخداماتها، ويبقى السؤال عن سبب استدعاء الفكرة الأن؟
الاجابة لا تنفصل عن واقع سياسي وعسكري حيث يقود نتنياهو حروبا في الاقليم بدعوى الدفاع عن الحضارة والقيم الغربية، من غزة الى لبنان وسوريا، وصولا إلى ساحات اوسع تشمل اليمن وايران، وذلك كله بدعم سياسي وعسكري ومالي معلن من امريكا ودول غربية كلها ذات خلفية مسيحية.
وهنا تكمن المفارقة التي لا يمكن تجاهلها، فنتنياهو يستند في قوته وعلوه الى منظومة تشكلت تاريخيا تحت تاثير تعاليم المسيح، ثم يعود ليستخدم طرحا يقلل من قيمة هذا الاساس، ما يتجاوز موضوع التناقض الى النكران.
والامر هنا يتجاوز موضوع الاهانة ليفتح الباب لسؤال اخر، هل اخطأ في التوصيف او الاستدلال ام انه كشف - بقصد او بدون - عن معالم الطريق الذي يمضي فيه؟
ليس من الصعب اعتبار كلام نتنياهو وفعله اعترافا صريحا بانه يسير على خطى جنكيز خان، حتى لو رأى البعض خلاف ذلك، فلا يمكن تجاهل تركيزه على موضوع الأثر أيا كان الثمن، والذي يفهم منه أنه تبنٍّ او إعجاب في حده الأدنى، وبكلمات أخرى، فحتى لو لم يعترف صراحة بأنه يسير على جنكيز خان، لكنه جعل منه مشروعا او مفهوما على الأقل.
فجنكيز خان بنى امبراطوريته فوق انهار من الدم وجبال من الجماجم، ورغم ان هذا المنطق اليوم بات اكثر تعقيدا ويقوم على التحالفات والتفوق العسكري وفتح جبهات متعددة، الا ان القاسم المشترك هو اعادة تشكيل الواقع عبر القوة والدم حصرا.
وهنا تحديدا تكمن الاشكالية، اعادة تعريف الشرعية بمنطق القوة لا القيم، لكنه منطق يغفل حقيقة تاريخية قاسية، فكل مشروع يقوم على القوة وحدها ومهما بدا صلبا وقويا وممتدا، فانه يحمل في باطنه بذور زواله.
فامبراطورية جنكيز خان التي بلغت بالغ القوة زالت لان القوة التي صنعتها لم تكن كافية لاستدامتها، وهذا هو الدرس التاريخي الأهم، فالاستدامة تتطلب جعل هذا النظام مقبولا أخلاقيا بدرجة ما.
وبالتالي فان مقولة نتنياهو تضع مشروعه في خانة اليك، فهو يعترف ان القوة هي ما تمنحه القدرة على الفعل وهي الاساس الوحيد لصناعة اللحظة التاريخية، لكنه بذات المنطق، منطق التاريخ، يضع مشروعه ايضا في اختيار الزمن، والتاريخ يقدم جوابا شافيا، لكن يبقى ليس دائما من انتصر، بل من أوجد الاثر.
وبين من حكم بالسيف ومن حكم بالفكرة، يبقى السؤال الذي لا يمكن لاي قوة أن تتجاوزه: ماذا سيبقى عندما تسكت اصوات المدافع؟ القوة، أم الأثر الذي خُلق ليبقى دون الحاجة للقوة؟


أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة جيوسياسية لمستقبل المنطقة والأمن القومي العربي


د.جمال رفيق العبادي : باحث في العلاقات الدولية
في حال افتراض نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل في إلحاق هزيمة استراتيجية بـ إيران وحزب الله، فإن هذا الحدث لا يمكن فهمه بوصفه مجرد انتصار عسكري، بل باعتباره تحولًا بنيويًا في توزيع القوة داخل النظام الإقليمي، يفتح المجال أمام نمط من الهيمنة يستند إلى ما تطرحه أدبيات الواقعية الهجومية من سعي الدول المتفوقة إلى تعظيم قوتها ومنع ظهور أي منافس محتمل. في هذا السياق، تتحول إسرائيل من فاعل إقليمي متفوق إلى مركز ثقل مهيمن، مدعوم بغطاء استراتيجي أمريكي، وقادر على إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية للإقليم.
غير أن هذا التحول لا يقود إلى استقرار، حتى في صيغته القسرية، بل يعيد إنتاج ما يُعرف في أدبيات العلاقات الدولية بـ"معضلة الأمن"، حيث يؤدي تعاظم قوة طرف إلى دفع الأطراف الأخرى—حتى الضعيفة منهاإلى البحث عن أدوات مقاومة بديلة. فإضعاف إيران لا يعني إنهاء التهديد، بل قد يؤدي إلى تفكيكه وإعادة توزيعه في أشكال لا تماثلية أكثر تعقيدًا، كما أظهرت تجارب إقليمية سابقة مثل ما أعقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث لم يؤدِ إسقاط الدولة إلى الاستقرار، بل إلى إنتاج أنماط جديدة من الفاعلين غير الدولتيين.
ضمن هذا الإطار، فإن سلوك إسرائيل لا يمكن فصله عن عقيدتها الأمنية التي تقوم على مبدأ “الردع الوقائي” أو “الأمن الهجومي”، وهي عقيدة تتجلى بوضوح في الخطاب السياسي لقادتها، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، الذي يكرر في أكثر من سياق أن أمن إسرائيل لا يتحقق فقط بإزالة التهديدات القائمة، بل بمنع تشكلها مستقبلًا. الإشارات المتكررة إلى تصورات مثل “إسرائيل الكبرى” لا ينبغي فهمها كطرح جغرافي تقليدي بقدر ما تعكس سعيًا لتوسيع المجال الحيوي الأمني، بما يسمح لإسرائيل بالتدخل الاستباقي في بيئات ترى أنها قد تتحول إلى مصادر تهديد.
وعليه، فإن سقوط إيران أو تحييدها لا يمثل نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة تتسم بتوسيع دائرة الاستهداف، حيث قد تنتقل إسرائيل من مواجهة خصم استراتيجي واضح إلى إعادة تعريف التهديدات لتشمل قوى إقليمية صاعدة أو حتى دولًا عربية تسعى إلى قدر من الاستقلال الاستراتيجي. هذا النمط من السلوك يعزز فكرة أن الهيمنة الناتجة ليست ساكنة، بل ديناميكية، تقوم على إعادة إنتاج التهديدات كجزء من آلية الحفاظ على التفوق.
على مستوى بنية النظام الإقليمي، سيؤدي هذا السيناريو إلى إعادة ترتيب التحالفات بشكل متسارع، حيث تزداد قابلية بعض الدول العربية للاندماج في ترتيبات أمنية تقودها إسرائيل، في ظل تراجع البدائل الإقليمية. إلا أن هذا الاندماج لن يكون متكافئًا، بل سيؤسس لعلاقات تبعية أمنية، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة كمظلة استراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور القوى الدولية الأخرى مثل الصين وروسيا، التي قد تسعى إلى استثمار أي فراغ أو اختلال في التوازن لإعادة إدخال نفسها في معادلات الإقليم، ما يجعل الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية غير مكتملة بطبيعتها.

أما بالنسبة للأمن القومي العربي، فإن تداعيات هذا السيناريو تتجاوز البعد العسكري المباشر، لتطال بنيته المفاهيمية ذاتها. فمن حيث أمن الأنظمة، قد يوفر تراجع التهديد الإيراني شعورًا مؤقتًا بالاستقرار، خاصة لدى دول الخليج. لكن من حيث أمن الدولة، يزداد خطر الاختراق السياسي والتكنولوجي في ظل صعود فاعل مهيمن يمتلك تفوقًا نوعيًا. أما على مستوى أمن الإقليم ككل، فإن غياب توازن القوى يفتح المجال أمام إعادة هندسة العلاقات الإقليمية بما يخدم مركز الهيمنة، وليس بالضرورة المصالح العربية الجماعية. وعلى مستوى أمن الهوية، فإن تهميش القضية الفلسطينية وإعادة تعريفها ضمن أطر إنسانية أو إدارية يهدد أحد أهم محددات التماسك الرمزي العربي.
وفي هذا السياق، تُعد القضية الفلسطينية أحد أبرز مؤشرات اختلال النظام الناتج، إذ إن غياب قوة إقليميه بحجم إيران سيؤدي إلى إضعاف قدرتها على الصمود، ويفتح المجال أمام فرض تسويات تتماشى مع الرؤية الإسرائيلية، في ظل بيئة إقليمية أقل قدرة على الرفض. وهو ما يعكس أن الهيمنة لا تقتصر على إعادة توزيع القوة، بل تمتد إلى إعادة تعريف القضايا المركزية في الإقليم.
في المحصلة، لا يؤدي هذا السيناريو إلى استقرار بقدر ما يؤسس لنمط من الهيمنة الديناميكية غير المكتملة، حيث تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل القدرة على فرض الترتيبات، لكنها تفتقر إلى القدرة على إنتاج شرعية مستدامة لها. ونتيجة لذلك، فإن الصراع لا ينتهي، بل يعاد إنتاجه في مستويات أكثر تفككًا وتعقيدًا، عبر فاعلين جدد وأدوات مختلفة، بما يجعل النظام الإقليمي الناتج عرضة لدورات مستمرة من إعادة التوازن، حتى في ظل غياب خصوم تقليديين بحجم إيران.
في المقابل، إذا افترضنا سيناريو فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية، ونجاح إيران وحزب الله في الصمود أو تحقيق شكل من أشكال الانتصار، فإن هذا التطور لا يمكن اختزاله في كونه مجرد تعثر عسكري، بل يمثل تحولًا بنيويًا في ميزان القوى الإقليمي، يكشف حدود القدرة الأمريكية–الإسرائيلية على فرض الهيمنة، ويفتح المجال أمام نمط أكثر تعقيدًا من إعادة توزيع القوة.
غير أن “انتصار” إيران في هذا السياق يحتاج إلى تفكيك تحليلي، إذ لا يتخذ شكلًا واحدًا، بل يتوزع على عدة مستويات متداخلة. فعلى المستوى العسكري، يعني ذلك الحفاظ على القدرة الردعية ومنع الاختراق الاستراتيجي. وعلى المستوى الجيوسياسي، يتجلى في تثبيت النفوذ داخل دوائر إقليمية ممتدة تشمل العراق وسوريا ولبنان. أما على مستوى الفاعلين من غير الدول، فيتمثل في تعزيز دور حلفائها مثل حزب الله بوصفها أدوات ردع غير متماثل. وفي البعد الأيديولوجي، يمنح هذا الصمود إيران شرعية إضافية داخل خطاب “المقاومة”، ما يعزز قدرتها على التأثير الرمزي في الإقليم.
هذا النمط المركب من الصعود لا يؤدي بالضرورة إلى استقرار، بل يعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ"فائض القوة المعاكس"، حيث يثير تعاظم نفوذ إيران ردود فعل إقليمية مضادة تسعى إلى احتوائه أو موازنته. وهنا تتجلى ديناميات توازن القوى، ولكن في بيئة أكثر هشاشة، تتداخل فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع الانقسامات الطائفية والاعتبارات الداخلية للدول، ما يفتح المجال أمام صراعات ممتدة وحروب بالوكالة.

في هذا السياق، لا يمكن فهم سلوك إسرائيل بوصفه انتقالًا بسيطًا إلى موقع الدفاع، بل كحالة من “إعادة التكيّف العدواني”، حيث قد يدفع تآكل الردع إلى تبني استراتيجيات أكثر مخاطرة بهدف استعادة الهيبة الاستراتيجية. فالفشل في الحسم لا يؤدي بالضرورة إلى الانكفاء، بل قد يدفع صانع القرار، بما في ذلك بنيامين نتنياهو، إلى توسيع نطاق العمليات أو إعادة تعريف ساحات الاشتباك، وهو ما يزيد من احتمالات التصعيد بدل احتوائه.
أما على مستوى الوجود الأمريكي، فإن هذا السيناريو يعزز من اتجاهات “إعادة التموضع الاستراتيجي”، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تقليل كلفة الانخراط المباشر دون التخلي الكامل عن الإقليم. غير أن هذا التراجع النسبي يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا لتعزيز حضورها، سواء عبر أدوات اقتصادية أو عسكرية، ما يساهم في تكريس نمط من التعددية القطبية غير المستقرة.
فيما يتعلق بالنظام الإقليمي، فإن صعود إيران لا يعني انتقالًا إلى هيمنة بديلة، بل إلى حالة من “الفراغ التنافسي”، حيث تتعدد مراكز القوة دون وجود إطار ناظم قادر على ضبط التفاعلات بينها. فإيران، رغم توسع نفوذها، تواجه حدودًا بنيوية، تتعلق بالضغوط الاقتصادية، واتساع رقعة التمدد الجغرافي، والتباينات داخل البيئات التي تنشط فيها، وهو ما يحدّ من قدرتها على تحويل هذا النفوذ إلى نظام إقليمي مستقر.
على مستوى الأمن القومي العربي، تتخذ التداعيات طابعًا أكثر تركيبًا. إذ لا يمكن الحديث عن استجابة عربية موحدة، بل عن أنماط مختلفة من التفاعل. فهناك دول قد تتجه نحو المواجهة أو الاحتواء المباشر للنفوذ الإيراني، خاصة في الخليج، حيث يُنظر إلى هذا الصعود كتهديد لأمن الدولة والنظام. في المقابل، قد تسعى دول أخرى إلى تبني استراتيجيات توازن أو تكيّف، تقوم على إدارة العلاقة مع إيران دون الانخراط في صراع مفتوح. كما توجد دول قد تجد نفسها ساحة لتجاذبات هذا الصراع، ما يزيد من هشاشة أوضاعها الداخلية.
وفي هذا السياق، تتوزع إشكاليات الأمن القومي العربي على عدة مستويات. فعلى مستوى أمن الدولة، تتزايد المخاوف من تشكل قوى ما دون الدوله تكون حليفة لإيران. وعلى مستوى أمن الإقليم، يتعمق الاستقطاب، ما يضعف فرص بناء نظام إقليمي متماسك. أما على مستوى أمن الهوية، فإن تصاعد بعض الأبعاد الطائفية في الصراعات الإقليمية قد يهدد التماسك الداخلي لعدد من الدول.
أما القضية الفلسطينية، فقد تستفيد جزئيًا من هذا التحول، إذ إن صمود إيران ومحورها يعيد إدراجها ضمن معادلات القوة الإقليمية، ويمنحها هامشًا أوسع للمناورة. إلا أن هذا الارتباط يحمل في طياته إشكالية، تتمثل في احتمال تزايد توظيف القضية ضمن صراعات المحاور، بما قد يؤثر على استقلاليتها السياسية.
في المحصلة، لا ينتج هذا السيناريو نظامًا إقليميًا مستقرًا أو بديلًا متماسكًا، بل يفتح المجال أمام حالة من التعددية القطبية الهشة القائمة على فراغ تنافسي، تتداخل فيه مستويات الصراع بين الدول والفاعلين من غير الدول، وتتكرر فيه دورات إعادة التوازن دون الوصول إلى صيغة نهائية للاستقرار.
في ضوء السيناريوهين المحتملين، يصبح المطلوب من الدول العربية، وخصوصًا الخليجية والدول الكبرى، التحرك عبر مشروع عربي موحد قائم على الاعتماد على الذات والتكامل، كاستراتيجية بديلة عن المظلة الأمريكية التقليدية، بحيث تدمج بين الأبعاد العسكرية، التكنولوجية، السيبرانية، التنموية، والهوياتية. هذا المشروع لا يهدف فقط إلى حماية الأمن القومي العربي، بل إلى بناء قوة عربية فاعلة قادرة على التأثير في السياسة الدولية بشكل مستقل، مع تقليل الاعتماد على أي قوة خارجية مهيمنة.
على المستوى العسكري، يجب إنشاء هيئة عسكرية عربية موحدة، تنسق بين الدول لوضع خطط دفاع جماعية، تشمل الدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة الحرب غير المتكافئة، بما في ذلك الحرب السيبرانية والهجمات غير التقليدية. هذا التكامل العسكري يوفر الردع الجماعي ويعزز استقلالية القرار العربي، ويمنع أي محاولة لإعادة فرض الهيمنة الخارجية، سواء في سيناريو الانتصار الإسرائيلي–الأمريكي أو صمود إيران ومحورها. في السيناريو الأول، تكون الأولوية لتعزيز الدفاع وحماية البنية التحتية الحيوية، بينما في السيناريو الثاني، تركز الجهود على التوازن الاستراتيجي والردع الإقليمي.
على المستوى التكنولوجي والعلمي، يجب إنشاء شبكات أبحاث عربية موحدة، تشمل الابتكار في الصناعات الدفاعية والمدنية، الذكاء الاصطناعي، الطاقة، النقل والاتصالات، والأمن السيبراني. يهدف هذا إلى بناء قدرات مستقلة وقادرة على مواجهة التهديدات الرقمية والعسكرية، مع الربط بين الجامعات والمراكز البحثية والقطاع الصناعي. ويجب أن يصاحب ذلك استثمار طويل المدى في التعليم العالي والبحث العلمي لتعزيز القدرة على الابتكار، بما يضمن للعرب حضورًا فاعلًا في التقنيات المتقدمة والقدرة على المنافسة الدولية.
على المستوى التنموي والاقتصادي، يشمل المشروع تعزيز التكامل الاقتصادي العربي، عبر إنشاء أسواق مشتركة للطاقة والتجارة والصناعة، وتطوير البنى التحتية الاستراتيجية بشكل مشترك، مع استراتيجيات تكامل تنموي مشابهة لتجارب الاتحاد الأوروبي أو مجلس التعاون الخليجي، بما يضمن الاعتماد على الذات وتقليل التأثر بالضغوط الخارجية. هذا التكامل الاقتصادي يدعم القدرة العسكرية والعلمية ويعزز مرونة الدول العربية أمام أي تغير في ميزان القوى الإقليمي.
على المستوى الهوياتي والسياسي، يجب تعزيز الهوية العربية–الإسلامية الجامعة، مع إدماج الأقليات في إطار دستوري يضمن المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان. هذا التماسك الداخلي يساهم في صياغة مشروع عربي متكامل قادر على مواجهة أي محاولات للتفتيت أو الهيمنة، ويخلق خطابًا موحدًا يمكن استخدامه في السياسة الدولية لتأكيد الاستقلالية والشرعية الجماعية للدول العربية.
علاوة على ذلك، يجب بناء تحالفات خارجية على أساس الندية والاحترام المتبادل، مع رفض التبعية لأي قوة خارجية. هذا يشمل تطوير شراكات استراتيجية مع قوى دولية غير مهيمنة، مثل روسيا والصين، لتعزيز قدرة العرب على التأثير في موازين القوى دون فقدان الاستقلالية. كما يتطلب المشروع وضع خطط تقييم المخاطر الداخلية والخارجية، تشمل الانقسامات السياسية، الفروقات الاقتصادية بين الدول، والتحديات الناتجة عن نفوذ إيران وإسرائيل، لضمان قابلية التنفيذ وفعالية الاستراتيجيات.
في المحصلة، يشكل هذا المشروع العربي الموحد إطارًا استراتيجيًا متكاملًا، يربط بين القدرات العسكرية، الابتكار التكنولوجي، التنمية الاقتصادية، الهوية الجامعة، والسياسة الخارجية المستقلة. إنه يسمح للدول العربية بالحفاظ على الأمن القومي، تعزيز القوة الذاتية، وتحقيق تأثير فاعل في السياسة الدولية، سواء في مواجهة سيناريو الانتصار الإسرائيلي–الأمريكي أو صمود محور إيران، مع التأكيد على أن الاعتماد على الذات والتكامل العربي هما الركيزتان الأساسيتان لأي استقرار طويل المدى في المنطقة
باحث في العلاقات الدولية


أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

مع الخليج العربي وسنبقى

تعلمنا من الآباء والأجداد، من تراثنا: "أنني مع أخي ضد ابن عمي، وأنا مع ابن عمي على الغريب" معادلة عائلية عشائرية سياسية، فرضت قيم التحالف والأولويات، بدون زيادة وبلا نقصان.
 معادلة تفرض نفسها علينا في كيفية التعامل، وتحديد أولويات الانحياز في مواجهة حرب المستعمرة الإسرائيلية الأميريكية ضد إيران، ومع بلداننا وشعوبنا العربية الخليجية ضد القصف الإيراني، غير المقبول لأي بلد عربي.
هكذا كنا في الحرب العراقية الإيرانية طوال سنواتها العجاف، كنا مع العراق بلا تردد في مواجهة إيران، وعلّمنا الراحل الحسين، أننا كنا ضد العراق في اجتياحه للكويت، ونصحه الحسين بالانسحاب من الكويت بدون شروط، حماية للعراق وكرامة للكويت، وعاند صدام حسين، ولم يتجاوب مع نصيحة الحسين، قالها الحسين، وكنت برفقته بطائرة العودة عن العراق، قالها الحسين: "لن نشارك في ذبح العراق تحت الراية الأميركية"، ولم يذهب جيشنا الأردني إلى حفر الباطن كما فعل حافظ الأسد وحسني مبارك، ودفعنا الثمن بالحصار والقطيعة، ولكننا تفوقنا بامتلاك الكرامة الوطنية والقومية، بصلابة وحكمة الحسين، رغم غضب الأميركيين وعتب الأشقاء.
 الهجوم العدواني العنصري الإسرائيلي الأميركي على إيران بدأ يوم 28 شباط 2026، الدولة المسلمة الجارة لنا، على خلفية الموقف الإيراني: 1- الداعم للشعب الفلسطيني، 2- الرافض لمشروع المستعمرة الإسرائيلية، وهذا الاعتداء كان يمكن أن يجعل العرب والمسلمين جميعاً أن يكونوا مع إيران، ولكن الخطيئة الإيرانية شبيهة بالخطيئة العراقية في اجتياح الكويت يوم 2/8/1990، وخطيئة إيران بتوجيه القصف نحو البلدان الخليجية والأردن، حتى ولو كان ذلك تحت حجة استهداف مؤسسات أميركية، قلبت الموقف العربي، وأرغمته لأن نكون ضد أي مس بسيادتنا الوطنية والقومية، من قبل إيران.
القصف الإيراني للمستعمرة الإسرائيلية هو الرد الطبيعي المشروع السوي، على هجوم 28/2/2026، ولكننا وقعنا في مصيدة مدبرة، حيث لا يمكننا الوقوف مع المستعمرة ضد إيران، ولا نستطيع دعم إيران والصمت على مسها بالأمن والسيادة لبلادنا.
نراهن على حكمة بلدان الخليج العربي، وخاصة عُمان والعربية السعودية وإمارة قطر، التي تتحلى بسعة الأفق ومطالباتها الواقعية العملية، أن لا يتم زجها في معركة سعى نتنياهو ونجح في توريط الولايات المتحدة، وبلدان الخليج العربي، وإيران في معركة لا مصلحة لها بها، فالحرب تمت بتخطيط وبرمجة إسرائيلية لصالحها بهدف:
أولاً تغيير الاهتمام العربي والدولي إعلامياً وسياسياً عن جرائم المستعمرة التي قارفتها بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
ثانياً تقليص وتحجيم التعاطف والتضامن الدولي مع معاناة الشعب الفلسطيني.
ثالثاً محاولة التهرب وتمييع الاهتمام بمطالبة محكمة العدل الدولية للمحاكمة على خلفية الجرائم التي قارفتها، ومطالبة محكمة الجنايات الدولية لنتنياهو على خلفية المسؤولية على إرتكاب الجرائم ضد الإنسانية بحق الفلسطينيين.
نتنياهو وظف رغبات ترامب الذي يسعى لمواصلة الهيمنة والأحادية الأميركية على السياسة الدولية، وخاصة: 1- نحو الصين المنافس الاقتصادي، 2- روسيا المنافس السياسي، 3- أوروبا التي تتطلع نحو التحرر من التسلط والأحادية الأميركية، منذ فوزها في الحرب الباردة.
حرب الخليج الثالثة فجرتها المستعمرة بهدف السيطرة على الشرق العربي برمته بدءاً من سواحل شرق البحر المتوسط حتى حدود إيران، وتمكنت عبر الولايات المتحدة من إسقاط نظام صدام حسين في 9/4/2003، وإسقاط نظام بشار الأسد يوم 8/6/2024، واغتيال قيادات حزب الله وقيادات حركة حماس والحوثيين، وتسير باتجاه الشرق نحو إيران، نحو خطة وبرنامج "المستعمرة الكبرى" القوية المتنفذة المتحكمة المتسلطة على شعوب شرقنا العربي.
السؤال الذي ننتظر إجابته ماذا ستكون حصيلة هذه الحرب، هل تتمكن المستعمرة من فرض نتائجها، وتحقيق ما تسعى إليه؟؟.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:29 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة : بين أخلاق المسيح وقوة جنكيز خان .. بماذا يجأر الوحش

  لم تكن درجة واحدة أو اثنتين، ولا حتى عشر، من درجات الوقاحة والصفاقة، التي لمسنا زيادتها مؤخرا، في تصريحات وأحاديث بعض قادة دول العالم المؤثرة والمؤثرين، كانت هذه الزيادة في الكم السيئ، قد أخذت في التحول الى نوع جديد من سلبيات الانسان المتراكمة المكثفة، لنراها تنفجر في وجوه البشرية جمعاء،  ونخص بالذكر هنا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وشريكه في الحربين على غزة وإيران، بنيامين نتنياهو.
    الأول عندما "اعتقل" رئيس فنزويلا وعقيلته قبل حوالي أربعة أشهر، وأحضرهما مخفورين الى أحد سجونه في نيويورك، كان الحدث بحد ذاته، شيئا غريبا وعجيبا ومستهجنا ومستنكرا، وألأغرب منه وأعجب، ردة فعل زعماء العالم وقادته من أدعياء الحرية والعدالة والديمقراطية والقانون الدولي، صمت القبور، المبني على الخوف من مواجهة نفس مصير رئيس فنزويلا .
 كان هذا ارتفاعا في الدرجة فقط، درجة الوقاحة والصفاقة، لكن الارتفاع في التحول النوعي، كان خروج الرئيس ترمب الى الملأ ليفاخر بما قام به من فعل خسيس ودنيء، كما لو أنه قام برفع مرتبات العمال والموظفين 10 في المئة، او تخفيض ساعات العمل، او منح قروض طويلة الأجل بدون فائدة لمن يريد ان يتزوج أو يبني بيتا.
   أما الثاني، الخارج لتوه من حرب إبادة، مطلوبا للعدالة الدولية كمجرم حرب، فقد صرح مؤخرا أن "لا أفضلية للمسيح على جنكيز خان" دون أن نفهم ما هي العلاقة بينهما، فالأول نبي مرسل، والثاني زعيم سياسي على مبعدة اثني عشر قرنا بينهما، وأنت من ديانة غير ديانة المسيح على مبعدة ثمانية قرون من جنكيز خان، كان يمكن ان نتفهم، لو ذكرت أحد أنبيائك ممن هم رسلك وربما قدوتك، ممن تتشبه بهم في صحوك ونومك، شاؤول، داوود، سليمان، كيف لم تنتبه انك شريك في الحرب المستمرة والمستعرة مع رئيس أمريكا الذي يدين للمسيح بمسيحيته ومعه غالبية الشعب الأمريكي المطلقة، في الحرب على إيران التي تدين بدين ثالث.
   "لا يكفي أن تكون أخلاقيا، ولا عادلا، ولا حتى على حق. القوة فوق الأخلاق" هذا ما قاله نتنياهو في تفضيل "قوة" جنكيز خان على المسيح وأخلاقه، فترتفع الدرجة، درجة الصفاقة، وسرعان ما تتحول الى صنف جديد من القوة والقتل والإبادة، إلى الفاشية الحديثة، فاشية ان يذهب الشبان للبحث عن قوة نتنياهو خان بدلا من أخلاق المسيح، وكما قالها الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه: ليس على الأرض من هو أعظم مني، كذلك يجأر الوحش. وعلى لسان زرادشت: إنني أغفر لك جنايتك علي، ولكني لا أقدر أن أغفــر لك ما جنيته على نفسـك.




أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

كلمة المسيح وسيف جنكيزخان


من الظلم المقارنة بين المسيح وجنكيزخان، فالمسيح كان يُحيي الموتى بأمر ربه، فيما كان جنكيزخان يقتل الناس لوهم وقر في نفسه أنه ينتمي إلى القبيلة الذهبية، كل الطغاة في العالم، وعلى مر التاريخ، اعتقدوا أنهم ينتمون إلى جنس أعلى، ولأن من الظلم المقارنة، أو لنقل أن من الجنون المقارنة بينهما، فالمسيح لم يأتِ إلى العالم بسيف، ولكنه غيّر العالم وغيّر الامبراطوريات وأسس لعمارة هائلة من الرؤى الروحية والفكرية والفنية، فأولئك الذين نفّذوا عملية الصلب – حسب المفهوم المسيحي – لم تمضِ سوى عدّة مئات من السنين حتى كان أحفادهم يؤمنون بما جاء به المسيح، أما أحفاد جنكيزخان فلم تمضِ عدّة عشرات من السنين حتى آمنوا بدين من ذبحوهم في بغداد.
كلمة المسح أزهرت وامّتدت وتحوّلت إلى مالا نهاية له من الاجتهادات والرؤى، فيما سيف جنكيزخان لم يستطع أن يصمد أمام الثقافة والسلوك الرفيع والإيمان المنسجم مع الكون والإنسان.
جنكيز خان هذا، قيل إنه كان يضع طوقاً فضياً على رقبته منقوشٌ عليه "روستي كوستي"، أو الحق هو القوة، ولكنه كان يُعاند في ذلك منطق الدنيا وسنّة الله في خلقه، أراد الله له أن يسقط عن جواده بين جنوده في لحظة من لحظات انتصاره، اختطفه الموت من على جواده بين الآلاف من جنوده، كانت ميتة فعلية ورمزية لنهاية القوة والغطرسة والعنجهية، حتى جثة الرجل لم يُعرف مكانها، فقد دّفن بطريقة غامضة لأسباب مختلفة، وكأن ذلك رسالة أُخرى تقول إن السيف لا يمكن أن يكتب المصائر، أما ميلاد المسيح وموته وانبعاثه – حسب المفهوم المسيحي – فهو تلخيص وتكثيف للقدرة الإلهية في تقديم البراهين للبشر على إحاطة الله ورحمته بالناس.
حقاً، من الظلم المقارنة بين المسيح وبين جنكيزخان على كل المستويات، فلماذا يتم الآن استحضار ذلك والاتّكاء عليه لتبرير القتل والظلم؟
إن الانحياز إلى سيف جنكيزخان واعتباره الفيصل في صنع التاريخ وإقامة الدول، هو إعلان عن الإفلاس الأخلاقي والفكري والديني، هو التخلي عن القيم تماماً واعتناق فكرة التميّز والتعالي بديلاً عنها، لا يمكن هدم القيم الإنسانية من أجل أوهام سرعان ما تتبخر، لا يمكن محاربة الناس وظلمهم لمجرد ظنّكَ بأنك أفضل وأنك أحق وأنك مختلف، جنكيزخان كان ظالماً وتوسعياً واستعلائياً وقوياً جداً، ولكنه في نهاية الأمر لم يستطع أن يبني دولة ولم يستطع أن يُورّث أفكاره البغيضة لأحفاده، يمكن القول أيضاً إن رغبته في التوسع من أواسط آسيا إلى شمالها وغربها لم يكن لشيء إلا لفائض القوة التي كان يمتلكها، ولكنه لم يُعطِ شيئاً للشعوب التي دمّرها أو التي احتلها، السيف أعمى وغبي ومُدّعٍ دائماً، ولأنه لا يملك شيئاً سوى الوهم، فمصيره أن يَقتل نفسه أو أن يتحوّل إلى سيف من قصدير.
المفاضلة أو المقارنة بين المسيح وجنكيزخان هي مفاضلة تقود إلى المهالك وتُعزز الوهم أكثر فأكثر، وهي على المدى الطويل والقصير، محاولة بائسة لتبرير القتل والظلم، وتغذية فاشلة للأوهام، أما المسيح، الذي أُرسل للناس رحمة من عند الله، فهو الذي تُبنى له في الصدور وفي مراكز المدن أجمل العمائر، لا يمكن المفاضلة بين الخير والشر على الإطلاق.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

جرائم المستوطنين

اعتداءات المستوطنين لا تتوقف في الضفة الفلسطينية من شمالها وحتى الجنوب، كما أن ارتفاع وتيرة تلك الجرائم يعود إلى الدعم المباشر من قبل بن غفير وسموتيرتش وآخرين في حكومة الاحتلال، الذين يوفرون الدعم المالي والعسكري، ويصدرون القرارات العسكرية. وما كان لهذه الجرائم أن تحدث لولا الحماية المباشرة من قبل جنود الاحتلال الذين يحرسون قطعان المستوطنين ويوفرون لهم الحماية، حيث إن كل اعتداء يقومون به، وكل جريمة يرتكبونها، تحدث تحت أعين الجنود وبتعليمات من وزراء حكومة الاحتلال الذين يتزعمون الحركات الاستيطانية.
إن الدعم والحماية لأولئك الأشرار هو الدافع الحقيقي لكل الجرائم التي تُرتكب، فلم يسلم حقل زراعي، ولم تسلم المواشي ومزارع الدواجن، ولا الأشجار الحرجية والمثمرة، ولا المركبات والبيوت التي تتعرض للنهب والحرق والسرقة، والشواهد على ذلك كثيرة، وليس آخرها ما حدث ليلة أمس الأول في بيت امرين وبرقا وحوارة، وكيف قاموا بحرق عيادة صحية وبيت لعائلة نجا أفرادها بأعجوبة، ولولا لطف الله بهم لماتوا جميعًا.
إن ما يعيشه المواطن الفلسطيني في مدن وقرى الضفة صعب الوصف، أمام وحشية المستوطنين الذين يواصلون عربدتهم، والناس لا يجدون من يحميهم ويرفع عنهم هذا التوحش. فعلى الأرض مستوطنون مسلحون بالرشاشات تحت حماية جنود الاحتلال، والمواطن الفلسطيني أعزل، وغير مسموح له أن يدافع عن نفسه وعن رزقه وحقله وقوت أطفاله وممتلكاته التي تتعرض للسرقة والنهب على يد المستوطنين الأغراب.
وأمام هذا الواقع الصعب، وبينما تستعر الحرب الإقليمية على عدة جبهات، ومع استمرار المعاناة في غزة والتي لم تتوقف حتى بعد تشكيل اللجنة الإدارية ومجلس السلام المزعوم، وحيث تتواصل معاناة الناس في الضفة الفلسطينية والقدس، مع ارتفاع الاعتداءات ومنسوب الجرائم التي ترتكبها عصابات المستوطنين، في ظل غياب الحماية المطلوبة، وتصاعد مشاعر الخوف وانعدام الأمان لدى المواطنين الذين يتعرضون في كل يوم للاعتداء. وهنا يكون البحث عن وسائل وأساليب حماية لتوفير الأمن والأمان ضرورة حتمية، وعلى الأحزاب والفصائل والسلطة بمكوناتها أن تعمل معًا في إطار خلق حالة موحدة لمواجهة  ودرء هذه الجرائم التي تهدد الإنسان الفلسطيني.
إن ما يعانيه الناس في القرى والبلدات الفلسطينية جراء تلك الجرائم، يفوق الوصف والكلام، حيث أن دائرة الخوف تتسع ويغيب الشعور بالأمان في ظل تكرار الاعتداءات واستمرارها دون رادع، الأمر الذي يفاقم معاناة الأهالي ويثقل كاهلهم نفسيًا ومعيشيًا، ولا أحد يوفر لهم الحماية، وهم يواصلون ثباتهم فوق أرضهم وفي بيوتهم. وأمام هذه المشاهد يبقى السؤال عمن يؤمن لهم الحماية؟ وكيف يمكن لهم أن يصمدوا في وجه العصابات المسلحة التي تعتدي عليهم بالحرق والضرب والسرقة.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

في يوم الشِعر العالمي.. شهادةٌ لِزَمَنِ الزَّهْرِ البَرّيّة

أنا من الجيل أو كوكبة المبدعين، الذين ولدوا في فلسطين المحتلة، وتفتّح وعيهم الاجتماعي والسياسي والفكري مع نهايات السبعينيات من القرن الفائت، وشكّلوا ظاهرة مميزة لم يكلّف أحدٌ نفسه بالبحث في نتاجها أو في نبش تضاعيفها، فقد تكونت - لسببٍ ما - رؤية نمطية أو تقييم مسبق عن ذلك الجيل وعن إنتاجه، أقل ما قيل فيه: إنه نتاج خطابي ومباشر ومنبري ومتشنّج وغير فني، وإنه متحامِل ومُنحاز وعاطفي وليس فيه جماليات تدرس أو أساليب تُسْتساغ.
وهكذا شُطبنا، نحن المبدعين من الضفة والقطاع، من قائمة المبدعين الفلسطينيين الذين أضافوا إلى الأدب الفلسطيني شيئاً، وتمّ تجاوزهم تحت مسمّيات عديدة، وبالتالي فقد حُرموا من النشر أو إعادة النشر، وحرموا من الدراسة والنقد، وحرموا من الأضواء، ولم تقترب منهم روافع الأدب أو السياسة أو النجومية، وهكذا كان عليهم أن يناموا في الظلام، وأن يتطوّروا بصمت وعناد، وأن يبنوا أنفسهم بأنفسهم وإيمانهم بقضيتهم الجمالية والموضوعية..حتى نهاية الألفية المنصرمة!
كان على هؤلاء المبدعين أن يكتبوا وهم يعرفون أنهم غير منتشرين، وأنهم وحيدون تماماً، وأن تواصلهم مع غيرهم يكاد يكون مقطوعاً، وأن إنتاجهم يجد طريقه في بعض الأحيان إلى المنابر بسبب الخصوصية الفلسطينية أو بسبب الخصوصية الجغرافية، وكأن نتاجهم لا يتميز بغير ذلك، أو أن هذا النتاج لا يحمل إلا بسبب ذلك.
إن ذلك الصمت والتجاهل دفع بالبعض من هؤلاء المبدعين إلى التواري أو الجفاف أو الموت أو الغياب، سكوتاً أو هجرة أو كسراً للقلم وحرقاً للورق.
إن الاحتلال لا يجفّف الإبداع، ولا يدفع الناس إلى الموت، بل على العكس من ذلك، الاحتلال يدفع إلى التعلّق بالحياة، ويدفع إلى إثبات الذات، ويدفع إلى التحدي، وربما كان هذا هو السرّ وراء الإبداع في الأرض المحتلة، أو أن هذا هو الإكسير السحري الذي كان يدفع المبدعين الفلسطينيين إلى التنظيم والاجتماع وتكوين الفِرق المسرحية أو التشكيلية أو الأدبية، وهذا الذي كان يدفعهم إلى تنظيم المهرجانات واللقاءات في المدن والقرى والمخيمات لقراءة القصص وإلقاء الأشعار.
التعلّق بالحياة وإثبات الذات وروح التحدي هي التي كانت تكمن وراء ذلك الكمّ الكبير من النتاج الأدبي والفني في الضفة والقطاع، كان ذلك أشبه ما يكون بكتابة وضرورة خلق، بمعنى ضرورة الوجود وضرورة الكينونة وضرورة التعريف بالذات وضرورة خلق المسافة التي تجعلنا غير محتلّين.
كتابة الضرورة هي كتابة التقشف والمكاشفة والصراحة والوضوح وربما الصراخ.
كتابة الضرورة هي كتابة الاختزال وعدم الفذلكة وعدم الترف.
كتابة الضرورة هي كتابة الجذور والاحتماء بالمرجعية العليا.
كتابة الضرورة هي الرد على الحصار والانقطاع والتغييب والتقتيل والإلغاء.
ولا يمكن لأحد أن يتجاوز لحظته الزمنية - ونحن هنا لا نتكلم عن  عباقرة - نحن نتكلّم عن مبدعين راكموا نتاجاً فنياً في لحظة زمنية معينة، ولهذا؛ فإن سنوات السبعينيات والثمانينيات سنوات عجاف بكل معنى الكلمة، سنوات كان فيها الاحتلال في أوج ذكائه ودهائه وجموحه وقدرته على التعامل مع الجماهير، وكان فيها الاحتلال احتلالاً مراوغاً قادراً على امتصاص الغضب، وقادراً على تقديم الحلول الجزئية التي تبدو من الخارج حلولاً كافية أو مناسبة أو لنقل: إنها كانت تلقى قبولاً ولو سلبياً..إلى أن انفجرت الانتفاضة الأولى بعبقرية لافتة.
ولم يكن الاحتلال وحده هو الذي يلعب في الساحة، كانت هناك قوى عربية وأخرى محلية قادرة على تجميل معادلات الاحتلال وجعلها أكثر من برّاقة. وربما يفسر هذا عدم انفجار الثورات الكبيرة في تلك السنوات، وربما كان ذلك يفسر عدم نجاح ما يسمى في حينه "الحرب الشعبية"، واستطاع الاحتلال لذلك أن يحاصر كلّ شيء، وأول ما حاصر المناضل الثوري، مروراً بحصار الاقتصاد والثقافة وتطور المجتمع الفلسطيني نفسه.
إذن، تحرّك المبدع في تلك السنوات في ظل هامش ضيّق من كلّ شيء، الفقر المعرفي، وغياب المنابر  الصحافية أو الحزبية العلنية، وغياب المؤسسات التعليمية، وغياب المجتمع الذي يشجع المبدع عن طريق الجائزة أو التفرغ أو النجومية، وغياب الظرف الدافع المحرض على الاستمرار، فالكتابة في نهاية الأمر مثلها مثل كل عمل تحتاج إلى تغذية راجعة.
 كان المبدع في تلك السنوات يمارس إبداعه حتى لا يصاب بالجنون  فقط، فالمجتمع حوله لا يكاد ينتبه إليه، وخاصة إذا علمنا أن سنوات السبعينيات والثمانينيات تميزت بتدمير الاقتصاد الفلسطيني وانحسار المساحات الخضراء وتدمير الزراعة وتحول أكثر من (85) في المائة من الشعب الفلسطيني إلى عمال في مصانع "إسرائيل" ومزارعها، وهذا يعني انخفاض الاهتمام بالثقافة بجميع أشكالها، وانخفاض مستوى الاهتمامات الفنية والفكرية.
الفن والاهتمام به تعبير عن رغبة اجتماعية أيضاً، الفن في نهاية الأمر سلوك اجتماعي ناتج أو مؤَسّس على قيمة اجتماعية، والمجتمع العمالي الذي أجبر على أن يتشوّه بهذا الشكل سيكون أقل اهتماماً بنتاج نخبوي مثل الأدب.
ولهذا كان على المبدع أن يكون مباشراً واضحاً لا يستطيع أن يتجمّل ولا يستطيع أن يتأنق، كان عليه أن يتقدم إلى جماهيره بلغة سهلة واضحة يضع فيها كل استخلاصاته وكل هواجسه وكل آماله.
هذا من جهةٍ، ومن جهة أُخرى، كان الاحتلال بالمرصاد، حصاراً للمثقف وحصاراً للكتاب وحصاراً للنشاط الثقافي وحصاراً للمؤسسة الثقافية، وكان الاحتلال برقابته العسكرية والمخابراتية صاحياً ويقظاً لكل ما من شأنه أن ينير أو يحرض أو يكشف سوأته القبيحة.
في مثل تلك الأجواء القاحلة الجديبة، ظهرت كوكبة من الكتاب والشعراء والفنانين الذين حاولوا أن يقولوا في وقت لا يكاد فيه للقول، ولا يكاد فيه للثقافة، ولا يكاد فيه للجدل والنقاش والحوار، ولا يكاد فيه لاصطراع  المذاهب والتيارات النقدية والجمالية والأسلوبية أي مكان.
كانت السياسة بمعناها النضالي والفصائلي هي الطاغية، إنْ سرّاً وإنْ علناً، وكانت المنافسات المالية والعشائرية هي الطاغية المسيطرة، ومن المفارقة العجيبة أن تكون سنوات السبعينيات والثمانينيات هي السنوات الأكثر نموّاً وتطوراً ودخْلاً مرتفعاً للمواطن الفلسطيني ضمن سياسة احتلالية تقوم على تحسين الحياة الاقتصادية مقابل الابتعاد عن الاهتمام بالسياسة بشكليها الثقافي والسياسي.
تلك الكوكبة من المبدعين واجهت ذلك كله بنتاج أدبي تراوح بين الغضب والأمل، وبين خيبة الأمل والنضال الأبدي، وكان عليها أن تواجه اليومي المعيش على حرقته وأن تتأمل الإستراتيجي على بعده، وكان عليها أن توازن ما بين اللحظة المعيشة والمستقبل الغائب. ولهذا تراوح النص، أيضاً، ما بين الصراحة الموجعة والمواربة الغامضة، وما بين آهة الألم وحشرجة اليأس.
المراوحة ما بين الاجتماعي والسياسي في أدب تلك السنوات كان يتم بمعزل عمّا يجري في الساحات العربية أو في مدن الثقافة العربية، حيث كان اليسار مسيطراً من جهة واليمين الذي يدعي الإسلام أو المحافظة مسيطراً من جهة أُخرى، أما في الأرض المحتلة، فقد كان الحوار يجري في وادٍ آخر، وله أولويات أُخرى تماماً، حتى الكُتّاب اليساريون كان عليهم أن يستعملوا لغة مختلفة، أو أن يضعوا لأنفسهم أولويات أُخرى حتى ولو كانت تلك على غير ما يحبّون.
كانت مواجهة المجتمع في تلك السنوات صعبة جداً- وربما لنفسها أن تنكشف أو أن تنفضح- ولهذا غابت الأعمال الأدبية التي توجه إصبع الاتهام إلى المجتمع، ومال المبدع إلى تقديس جماعته أو مجتمعه، لأسباب نضالية أو لأسباب اجتماعية. وهكذا غاب العامل الاجتماعي أو تفاصيل الحياة اليومية من النص الأدبي، وصار الهجوم على الاحتلال موحداً وجامعاً وملخصاً لكل الخلافات أو التناقضات. وفي هذا الشأن يمكن أن يقال الكثير، إذ إن المبدع – ولاقتناع ذاتي أكيد – يعتقد أنّ المحتل سبب كل المشاكل، التخلّف والعشائرية والعمالة والخيانة والتبعية. يضاف إلى ذلك أن الهجوم على المحتل لا يُكلّف كما تكلف مواجهة الجماعة، فالسجن أرحم من النبذ، والاعتقال أرحم من الرفض.
ولكن الكتابة ضد الاحتلال كانت ضرورة أيضاً، ففي زمن الحروب والاحتلالات، تكتسب الجماعة ميزات مقدّسة، ويسبغ عليها ما فيها وما ليس فيها، ويتم استنهاض الروح  الجماعية والإرث المقدس  للجماعة حتى تكون على مستوى التحدي، وتعود العيوب والنواقص فيها إلى نتائج الاحتلال وليس بسبب فطرة أصلية.
ومن هنا، كانت الكتابة ضد الاحتلال أكثر قدسية وأكثر طهارة وأكثر قبولاً وأكثر شرعية من الكتابة عن المجتمع. إن الكاتب الذي ينتقد مجتمعه يتحول إلى "كاشف" لأسرار جماعته زمن الاحتلال. ولكن غياب الاجتماعي في النص وحضور السياسي يجعله أكثر وضوحاً وصراحة ومكاشفة. إن الكتابة عن الاجتماعي سيضطر المبدع إلى أن يكون متردداً غير واثق، يوازن بين وجهات النظر، أكثر عمقاً وأكثر شمولية وإحاطة وأكثر حساسية، لكن هذا لم يوجد في الأدب الفلسطيني في الأرض المحتلة لفترة طويلة.
كان كتاب وشعراء السبعينيات والثمانينيات ومطلع التسعينيات يعيشون عصر الاحتلال الذي بدأ وكأنه لا احتلال، وكان على النص الأدبي أن يصارح الناس بأهوال ورعب المحتل الناعم الذي يقدم رواتب عالية، ويقضم الأرض بوتيرة عالية، أيضاً.
كان هؤلاء الكُتّاب مضطرين إلى الشعارات القريبة والرموز الحيّة والصور التي تحمل شحنة عاطفية عالية.
كان كلامهم يشبه حياتهم، وكانت نصوصهم تشبه مدنهم وقراهم التي تتحول إلى "بركسات" عمال، وحقولهم التي تتحول إلى حقول أشواك، وبيوتهم التي تهدم وتبنى على شكل مربعات دون جماليات ودون تفاصيل، وأيامهم التي تخلو من المسارح والنشاطات الثقافية والفضاء الكافي. كانت نصوصهم فقيرة من المغامرة، ودون مكافآت ودون تشجيع، ودون نقد أو تشريح، كانت تلك النصوص تكتب أشبه بالمنشور السري الذي يريد أن يقول كل شيء بسرعة وبوضوح وبكثير من الصدقية العالية الحارة.
تلك كانت نصوص أُولئك الكوكبة من المبدعين الأوائل الذين راكموا تلك النصوص التي قيل فيها إنها خطابيّة ومتشنّجة وتخلُو من الجماليات. هل نبرر لهم؟ لا، إنّما نحن نقوم بمحاولة أولية لفهم ذلك الأدب الذي شُطب من خارطة الإبداع الفلسطيني بهدف أو دون هدف، بقصد أو دون قصد، ولكن هل هذه هي الصورة كاملة!
أعتقد أننا نظلم هؤلاء بهذا الغرض، فهؤلاء المبدعون لم يكونوا على درجة واحدة من العطاء ومن المستوى، فعلى الرغم من الإهمال الطويل وحتى النسيان الكامل، فقد أصر هؤلاء على التواجد والحياة والاستمرار، وأصروا على أن يكتبوا بمداد الحبر ومداد الدم والعرق. إن معظم هؤلاء دخل السجن الإسرائيلي، ما يدل على أن كتابتهم كانت جزءاً من حياتهم اليومية وسلوكهم المعتاد، ما يعطي تلك النصوص ميزة لا تكاد تكون موجودة عند غيرهم من الكُتاب والشعراء العرب، فقصائدهم "المسطّحة" ورواياتهم "الضعيفة" كانت تصور جزءاً من نشاطاتهم العلنية أو السرية. إن إصرار هؤلاء على التواجد والاستمرار، دفع بمنظمة التحرير الفلسطينية إلى أن تتنبه إلى المضامين الثورية والكفاحية للتنظيمات الاجتماعية والنخب الفكرية، وفي خطوة متأخرة جداً، تم تشكيل اتحاد الكتاب والأدباء، وتم دعم بعض المجلات والصحف لتنطق باسم هؤلاء، وكان أن ولد اتحاد الكتاب الفلسطينيين  بعد مخاض عسير ومناقشات كثيرة وخلافات فصائلية ضيقة، وكان أن ولدت مجلة "البيادر الأدبي" و "الفجر الأدبي" والصفحات الثقافية للجرائد، حيث احتضنت الأصوات والتجارب والرؤى، وحيث أصبح من الممكن التأريخ والتوثيق لذلك النتاج الذي يوصف عادة بالتسطيح، وهي تهمة صارت تعني أكثر مما توحي به الكلمة جمالياً أو تذوقياً. فهذا التسطيح كان حفاظاً على الروح المقاتلة، وهذا التسطيح كان ضرورياً لتأكيد الهوية، وهذا التسطيح كان مؤلماً للاحتلال، أيضاً.
ولأننا لا نوافق على هذا التعبير ونعتبر أنه مقصود لشطب مرحلة من مراحل الإبداع في هذه الأرض، فإننا نقول: إن النصوص التي ظهرت في تلك السنوات إنّما كانت نصوصاً مكتملة الشروط في زمانها ومكانها، وكانت ضرورة نضالية وجمالية وحياتية في آن معاً.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الأم.. وطنٌ لا يُغادر ونبضٌ لا يخفت

في الحادي والعشرين من آذار، تتوشّح الكلماتُ بأجمل ما فيها، وتخجل اللغةُ من عجزها أمام مقامٍ لا يُدرك، فتقف الحروف على أعتاب القلب خاشعةً، لأن الحديث عن الأم ليس نصّاً يُكتب، بل شعورٌ يُعاش، وامتنانٌ لا تحدّه العبارات. فالأم ليست يوماً في الروزنامة، بل هي الزمن كلّه، وهي الفضل الذي لا يُحصى، والخير الذي لا ينضب، وهي الحياة حين تضيق، والنور حين يعتم الطريق.
الأم… تلك التي تبدأ الحكاية منها، ولا تنتهي إلا عند دعائها. هي المدرسة الأولى التي لا تُغلق أبوابها، ولا تنفد دروسها، ولا تتأخر عن طلابها مهما أثقلها التعب. منها نتعلّم الحرف الأول، ومنها نرتقي إلى معنى الإنسان. هي الحضن الذي لا يُبدَّل، والظل الذي لا يزول، واليد التي تمسح عنا تعب الأيام دون أن تسأل.
لقد عظّم الله شأن الأم، ورفع قدرها فوق كل اعتبار، فجعل برّها طريقاً إلى رضاه، وربط رضاه برضاها، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، وكأن السماء كلّها تنحني إجلالاً لهذا القلب الذي احتمل الألم حبّاً، والتعب رحمةً، والتضحية إيماناً.
وعلى امتداد التاريخ، ظلّت الأم هي العمود الفقري للأسرة، والمحرّك الصامت للمجتمع. هي التي تبني دون أن تنتظر شكراً، وتغرس دون أن تطلب ثمراً. لا تقتصر رسالتها على الإنجاب، بل تتجاوز ذلك إلى صناعة الإنسان، وصياغة القيم، وتشكيل الضمير. هي المعلّمة، والمربّية، والطبيبة، والصديقة، وهي التي تسهر حين نمرض، وتبتسم حين ننجح، وتخفي دموعها كي لا نضعف.
ولئن كان العالم يحتفل بعيد الأم بوصفه مناسبة حديثة بدأت في أوائل القرن العشرين، فإن جوهر هذا الاحتفال أقدم من التاريخ ذاته، لأنه مرتبط بالفطرة الإنسانية. وقد أطلقت آنا جارفيس أول احتفال رسمي في الولايات المتحدة عام 1908، تخليداً لذكرى والدتها، ثم انتقلت الفكرة إلى العالم العربي بجهود مصطفى وعلي أمين، ليصبح الحادي والعشرون من مارس موعداً سنوياً لردّ شيءٍ من جميلٍ لا يُرد.
لكن، هل يكفي يومٌ واحد؟
وهل تختزل الأم في هديةٍ أو وردة؟
الحقيقة أن عيد الأم ليس مناسبةً للاحتفال بقدر ما هو لحظة مراجعة، نعيد فيها ترتيب علاقتنا بمن منحتنا الحياة. هو دعوة لأن نقول ما أخّرناه من كلمات، وأن نردّ ولو جزءاً يسيراً من بحر عطائها، بالكلمة الطيبة، وبالاهتمام، وبالبرّ الذي هو أعظم الهدايا.
أما الأم الفلسطينية، فهي قصةٌ أخرى تُكتب بحبر الصبر ودمع الصمود. ليست أمّاً فقط، بل وطنٌ يمشي على قدمين. هي التي تودّع أبناءها شهداء، وتستقبل الألم بصبر الأنبياء، وتنهض من بين الركام لتصنع أملاً جديداً. في وجهها تختصر الحكاية، وفي قلبها يسكن الوطن، وفي صبرها تتجلّى معاني الكرامة. إنها لا تحتفل… بل تُعلّم العالم كيف يكون الصمود احتفالاً بالحياة.
وفي فضاء الوطن العربي، تظلّ الأم نبضاً واحداً رغم اختلاف الجغرافيا، تجمعها رسالة العطاء، وتوحّدها قيم التضحية. من المحيط إلى الخليج، تبقى الأم هي الأصل الذي تتفرّع منه الحكايات، وهي الجذر الذي يمنحنا الثبات في وجه العواصف.
إن أعظم هديةٍ تُقدَّم للأم ليست في صندوقٍ يُفتح، بل في قلبٍ يُبرّ، وسلوكٍ يُحسن، واهتمامٍ لا ينقطع. أن نكون لها كما كانت لنا، وأن نمنحها الأمان الذي منحتنا إياه، وأن نردّ لها الجميل حضوراً لا غياباً، حباً لا مناسبة.
وفي الختام، تبقى الأم أكبر من كل وصف، وأعمق من كل معنى. هي الجنة التي نمشي إليها كل يوم، وهي الدعاء الذي يسبق خطانا، وهي البركة التي إن حضرت، حضر معها كل خير. فلنحفظ هذا الكنز الإلهي، ولنجعل من كل يوم عيداً لها، لا بالكلمات وحدها، بل بالأفعال التي تليق بعظمة قلبها.
كل عام وأمهاتنا نور الحياة، وسرّ البقاء، وأجمل ما في الوجود.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

العيد خارج التقويم

أتخيل أن يأتي العيد…
لا كزمن يتكرر، بل كحقيقة تستعيد ذاتها بعد طول اغتراب، وكصدع في بنية الزمن يعيد ترتيب العلاقة بين ما كان وما ينبغي أن يكون..
كأنّ العيد ليس وعدا يتأخر، بل معنى يؤجل في أعماقنا حتى نستحقه، وكأنّه ليس يوما ننتظره في التقويم، بل انكشافا يسقط فيه القناع عن العالم، فنراه كما كان ينبغي له أن يكون منذ البدء.
وكأنّ الانتظار لم يكن فراغا، بل كان شكلا خفيا من التكوين، كأنّنا كنا نُعاد صياغتنا ببطء لنحتمل الحقيقة حين تأتي.
في الثامنة صباحاً، صوتي يخرج على الهواء، لكنّه هذه المرة لا ينقل خبرا فقط، بل يحمل تاريخا كاملا ينهض من صمته، ويعلن تحولا في بنية المعنى:
"من هنا.. حيث كان الاسم مثقلا بالاحتلال، نعلن أنّ البلاد عادت أخيرا إلى معناها الأول: حرة".
لكنّني، وأنا أقولها، أدرك أنّ الحرية لا تعلن فقط… بل تكتشف.
كأنّها كانت مخبوءة في طيات الصمت، تنتظر اللحظة التي نتجرأ فيها على تصديقها، وكأنّ ما يتحرر في تلك اللحظة ليس الأرض وحدها، بل الوعي بها، ليس الجغرافيا فحسب، بل اللغة التي كانت عاجزة عن قولها.
أشعر أنّ الكلمات أثقل من الصوت، وأنّ اللغة لا ترتجف فقط… بل تتشقق. كأنّها تخلع عنها قرونا من القهر، وتنفض طبقات الخوف التي تسربت إلى حروفها حتى صارت جزءا من نحوها وصرفها، حتى أنّ قول الحقيقة لم يعد فعلا لغويا، بل مغامرة وجودية كاملة.
اللغة هنا ليست حروفا… بل ذاكرة.
كل كلمة مرت من تحت الخوف تحمل أثره،
وكل صمت طويل تحول إلى جملة مؤجلة،
وحين ننطق اليوم، لا نصدر أصواتا فقط… بل نصحح تاريخا كتب ضدنا، ونستعيد القدرة على تسمية العالم كما نشاء.
كأنّني لا أقرأ نشرة أخبار، بل أحرر المعنى من سجنه، وأعيد تعريف الزمن: ما قبل هذا الإعلان لم يكن إلا انتظارا طويلا، بل زمنا معطلا، زمنا ناقصا يعيش خارج معناه،
وما بعده… ليس مجرد ولادة، بل بداية الزمن الحقيقي.
ولكن، أي ولادة هذه التي تحدث في اللحظة نفسها التي كنّا نظنها نهاية؟
كأنّ الزمن لا يسير كما تعلمنا، بل ينكسر عند اللحظات الكبرى، ويعيد تشكيل نفسه حولها،
كأنّ كل ما سبقها كان مجرد طريق إليها، أو ظلّا لها.
في ذلك الصباح، لا يكون العيد مجرد طقس،
ولا حتى احتفالا، بل يصبح برهانا على أنّ المعنى يمكن أن يُستعاد مهما طال تشوهه،
وأنّ الحقيقة، حتى لو أُجلت، لا تُلغى.
يقين لا يموت… ليس لأنّه لا يُهزم، بل لأنّه، حتى حين يُهزم، يترك أثرا يستحيل محوه،
كأنّ كل محاولة لطمسه، تعمقه أكثر.
كأنّ الحرية ليست حدثا ننتظره، بل حالة نتعلم أن نكونها، حالة انكشاف تتشكل فينا قبل أن تتحقق خارجنا، حتى ونحن في أقسى أشكال الحرمان.
فمتى سيأتي هذا العيد؟
ربما السؤال نفسه ينتمي إلى زمن الانتظار…
أما العيد الحقيقي، فلا يأتي بوصفه موعدا، بل يحدث بوصفه تحولا: حين ينكسر الخوف بوصفه طريقة في رؤية العالم، حين نتوقف عن اعتبار القهر حقيقة نهائية، ونبدأ في الشك فيه، لا في أنفسنا.
وربما… العيد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل إلينا تدريجيا، في صمود لا ينكسر، في صوت يخرج رغم الخوف، في إيمان يرفض أن يتعلم اليأس. حتى نجد أننا—دون أن ننتبه—لم نعد ننتظره… بل صرنا نعيشه، وصار العالم، أخيرا، أقرب إلى معناه الأول.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

هل النظام المالي الفلسطيني في خطر؟ وإلى متى يمكنه تحمّل الضغوط؟



في ظل الضغوط المالية المتزايدة، يتكرر سؤال يبدو بسيطًا في صياغته لكنه عميق في مضمونه: هل يقترب النظام المالي الفلسطيني من مرحلة الخطر؟
 لكن السؤال الأهم اليوم لم يعد فقط حول وجود الخطر، بل حول مدة القدرة على تحمّله.
هذا الواقع لا يمكن اختزاله بإجابة حاسمة، لأننا لا نعيش حالة انهيار، لكننا في الوقت ذاته لا نعمل ضمن بيئة مستقرة. ما نواجهه فعليًا هو حالة من التوازن الحساس، الذي يستمر لكنه يزداد هشاشة مع مرور الوقت.
في نقاشات سابقة، جرى التركيز على ما يمكن تسميته "اقتصاد الفجوة"، أي الفارق المستمر بين الإيرادات المتاحة والنفقات القائمة. لكن النقاش اليوم لم يعد متعلقًا بأسباب هذه الفجوة، بل بقدرة النظام المالي على الاستمرار في إدارتها دون أن تتحول إلى مصدر خطر حقيقي.
تشير الأرقام إلى حجم الضغط القائم. فالدين العام يناهز 15 مليار دولار، وهو مستوى يوازي تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي. كما تستهلك فاتورة الرواتب ما بين 900 مليون إلى مليار شيكل شهريًا، في حين تتراوح خدمة الدين بين 250 و300 مليون شيكل شهريًا. وفي المقابل، تعتمد الإيرادات على مصادر غير مستقرة، وعلى رأسها أموال المقاصة، التي تبقى عرضة للتقلبات والتأخير.
ورغم هذه المؤشرات، لا يمكن القول إن النظام المالي ينهار. فالمؤسسات لا تزال تعمل، والرواتب تُدفع ولو جزئيًا، والخدمات مستمرة. كما أن الجهاز المصرفي لا يزال يحافظ على درجة من الاستقرار، ويؤدي دورًا مهمًا في امتصاص جزء من الضغوط. لكن هذه الصورة لا تعكس استقرارًا حقيقيًا بقدر ما تعكس قدرة مستمرة على إدارة الأزمة.
تكمن المشكلة الأساسية ليس فقط في حجم الدين أو العجز، بل في طبيعة النموذج المالي نفسه. فالنظام المالي الفلسطيني يعمل دون أدوات سيادية مكتملة، ويعتمد على تدفقات إيرادات غير مستقرة مقابل التزامات ثابتة لا يمكن تأجيلها. هذا الاختلال البنيوي يجعل أي صدمة مالية تتحول سريعًا إلى أزمة سيولة، ويحد من قدرة النظام على امتصاص المخاطر كما هو الحال في الاقتصادات التقليدية.
ومع استمرار هذا النمط، لا يحدث الانهيار بشكل مفاجئ، بل يتشكل ما يمكن وصفه بـ"التآكل البطيء". حيث تتكرر الأزمات ذاتها: تأخر الرواتب، تراكم الالتزامات، وتراجع القدرة على التخطيط. ومع كل دورة جديدة، يصبح النظام أقل مرونة في مواجهة الصدمات.
في هذا السياق، يبرز دور الجهاز المصرفي كعامل توازن أساسي، لكنه في الوقت ذاته يحمل مفارقة مهمة. فالبنوك الفلسطينية تدير موجودات تُقدّر بنحو 22 إلى 25 مليار دولار، منها ما يقارب 17 إلى 19 مليار دولار ودائع، وهو ما يعكس حجمًا كبيرًا من السيولة داخل الاقتصاد.
غير أن هذه السيولة لا تتحول بالكامل إلى استثمار إنتاجي. فجزء منها يبقى ضمن توظيفات قصيرة الأجل أو موجهًا لتمويل العجز، بدل أن يُستخدم في مشاريع قادرة على توليد دخل مستدام. وهنا تظهر فرصة استراتيجية، لا تتعلق بزيادة الاقتراض، بل بإعادة توجيه الموارد.
تشير التقديرات إلى أن توجيه نسبة محدودة ومدروسة من الودائع، تتراوح بين 5% إلى 10%، عبر أدوات تمويل آمنة، يمكن أن يخلق محفظة استثمارية تتراوح بين 1 إلى 2 مليار دولار، دون المساس باستقرار الجهاز المصرفي. لكن هذا التوجه لا يعني استخدام أموال المودعين بشكل مباشر، بل تصميم أدوات استثمارية تضمن الحماية، وتوفر عوائد مستقرة.
وفي هذا الإطار، يمكن توجيه التمويل نحو مشاريع ذات جدوى واضحة، مثل مشاريع الطاقة التي تسهم في تقليل فاتورة الاستهلاك، أو مشاريع البنية التحتية التي تولد إيرادات مباشرة، إضافة إلى الاستثمار في التحول الرقمي، الذي يمكن أن يرفع من كفاءة الجباية ويقلل من الفاقد المالي.
كما يمكن تطوير نماذج شراكة تجمع بين القطاع المصرفي وصندوق الاستثمار الفلسطيني، لتشكيل منصات استثمارية موجهة نحو مشاريع استراتيجية طويلة الأجل. مثل هذه النماذج لا تعزز فقط فرص الاستثمار، بل تساهم أيضًا في توزيع المخاطر وخلق بيئة أكثر استقرارًا، وتحول السيولة من أداة لإدارة الأزمة إلى أداة لبناء الاقتصاد.
لكن في المقابل، فإن استمرار الاعتماد على الاقتراض لتمويل النفقات الجارية يضع ضغطًا إضافيًا على الجهاز المصرفي، ويحد من قدرته على لعب دوره التنموي. ومع مرور الوقت، قد يتحول هذا الدور من دعم الاقتصاد إلى مجرد إدارة للسيولة، وهو ما يقلل من أثره الإيجابي على النمو.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال أكثر حساسية من كل ما سبق: إلى متى يمكن أن يستمر هذا النمط من الإدارة المالية؟ وإلى أي حد تستطيع المالية العامة الفلسطينية تحمّل هذا المستوى من الضغط دون أن تصل إلى نقطة يصعب بعدها الاستمرار بنفس الأدوات؟
الإجابة لا ترتبط بزمن محدد بقدر ما ترتبط بهوامش التحمل. فالنظام المالي قادر على الاستمرار طالما توفرت ثلاثة عناصر أساسية: تدفق حد أدنى من الإيرادات، واستمرار قدرة الجهاز المصرفي على الاستيعاب، والحفاظ على مستوى مقبول من الثقة لدى السوق والمواطن. لكن هذه العناصر نفسها ليست ثابتة، بل تتآكل تدريجيًا مع استمرار الضغوط دون معالجة هيكلية.
ومع كل دورة تأجيل جديدة، تصبح القدرة على المناورة أقل، وتتحول إدارة الأزمة من خيار مؤقت إلى حالة دائمة. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية: ليس في السؤال عن موعد الانهيار، بل في مدى استمرار التآكل قبل أن يصل النظام إلى نقطة يصبح فيها أي اضطراب إضافي كافيًا لإحداث خلل أوسع.
ورغم كل ذلك، لا يزال هناك هامش يمنع الانزلاق نحو الانهيار. لكن هذا الهامش ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، بل يتآكل مع استمرار الضغوط.
وفي ضوء ذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تجنب الانهيار فقط، بل في القدرة على منع الصمود نفسه من التحول إلى استنزاف طويل الأمد، والانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة توجيه الموارد نحو مسار أكثر استدامة.
مستشار اقتصادي دولي، وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية


عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:23 صباحًا - بتوقيت القدس

"الخارجية الأمريكية" تُطلق خدمة المغادرة البرية المُيسَّرة عبر الأردن للمواطنين الأمريكيين

 تُنظّم السفارة الأمريكية في القدس رحلات مغادرة مُيسَّرة بالحافلات للمواطنين الأمريكيين الراغبين في مغادرة المنطقة من إسرائيل إلى مطار الملكة علياء الدولي في عمّان، الأردن، عبر معبر نهر الأردن/الشيخ حسين، اعتبارًا من 23 آذار/ مارس 2026.  وذكرت السفارة أن الحافلات تنطلق من نقاط تجمع في منطقتي القدس وتل أبيب.
وأشارت إلى أن المسافرون عبر هذا المسار يتحملون مسؤولية حجز ودفع تكاليف رحلاتهم التالية من عمّان، بما في ذلك الرحلات الجوية من مطار الملكة علياء الدولي وأي إقامة ليلية في عمّان إن لزم الأمر، وعليهم الاستعداد لدفع الرسوم الحدودية الإسرائيلية والأردنية المعمول بها. وعليه، يُنصح المسافرون بشراء أو ترتيب رحلاتهم الجويّة التالية من عمّان قبل ركوب الحافلة.
كما لفتت إلى أنه يتعين على المواطنين الأمريكيين الراغبين بهذا الخيار من المغادرة المُيسَّرة أن يقوموا أولًا بتعبئة النموذج الإلكتروني الخاص المتاح على موقع السفارة الأمريكية في القدس:
https://il.usembassy.gov/security-alert-u-s-embassy-jerusalem-march-22-2026-update/
وستقوم السفارة الأمريكية بعد ذلك بتزويد المسافرين الذين تم تأكيد سفرهم بتواريخ وأوقات المغادرة المحددة ومواقع نقاط التجمع.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

من جيمي كارتر إلى دونالد ترمب.. دبلوماسية الإعلام

لم تكن "دبلوماسية الإعلام" التي يعتمدها دونالد ترمب مجرد أسلوب ارتجالي، بل هي امتداد لمنهجية أمريكية أقدم تقوم على توظيف المنصات الإعلامية كأداة تفاوضية موازية بل وأحياناً بديلة للقنوات الدبلوماسية التقليدية. فترمب لم يبتدع إرسال الرسائل عبر الشاشات، بل أعاد تفعيلها بشكل أكثر صخباً وعلانية، حيث تتحول المؤتمرات الصحفية والتصريحات الإعلامية إلى أدوات ضغط، تحمل في طياتها إنذارات مبطّنة ورسائل نهائية موجهة ليس فقط للطرف المقابل، بل أيضاً للرأي العام الدولي.
هذه المنهجية تمتد جذورها إلى  أزمة الرهائن في إيران 1979، حيث لم تكن الرسائل الأمريكية تُنقل فقط عبر القنوات الدبلوماسية السرية، بل كانت تُبث بشكل محسوب عبر الإعلام الرسمي. فقد أدركت واشنطن حينها أن إدارة الأزمة لا تتم فقط خلف الأبواب المغلقة، بل أيضاً عبر شاشات التلفزيون، حيث يُعاد تشكيل ميزان الضغط من خلال مخاطبة الجماهير، وصناعة سردية دولية تضيق هامش المناورة أمام الطرف الآخر.
في تلك اللحظة، تحوّل الإعلام إلى ساحة تفاوض موازية: تصريحات مدروسة، تسريبات محسوبة، وخطاب سياسي يوازن بين التهديد والانفتاح. والهدف لم يكن فقط إيصال رسالة إلى طهران، بل أيضاً تعبئة الداخل الأمريكي، وبناء إجماع دولي يُضفي شرعية على أي خطوات لاحقة.
وفي هذا السياق، من المهم التوقف عند الشخصيات التي أدارت هذا النمط من التفاوض في كلتا المرحلتين. ففي تجربة الأزمة، قاد الجهد السياسي جيمي كارتر، الذي استخدم الإعلام كأداة مخاطبة وضغط، بينما تولّى وارن كريستوفر إدارة القنوات التفاوضية غير المباشرة، وقد استغرقت ٤٤٤ يوماً حتى إطلاق سراح الرهائن الذي تزامن مع وصول الرئيس ريغين للحكم.
أما في المرحلة المعاصرة، فيعيد ترمب إنتاج هذه المقاربة ولكن بأدوات أكثر مباشرة وفورية. فبدلاً من القنوات الدبلوماسية التقليدية، اي بدلا من القناصل والسفراء الرسميين، تُستخدم الشاشات ووسائل الإعلام بل وحتى المنصات الرقمية كمنابر لإرسال "الإنذار الأخير"، في مشهد يختزل التفاوض إلى لحظة إعلامية علنية. وإلى جانبه، برزت في ولايته الأولى شخصيات مثل مايك بومبيو وجون بولتون ، غير أن مركز الثقل بقي متمركزاً في القيادة الشخصية، حيث تتحول الرسالة الإعلامية نفسها إلى أداة تفاوض مباشرة.
وهنا يكمن التحول الجوهري: من دبلوماسية الغرف المغلقة التي تُدار عبر مؤسسات متعددة، إلى دبلوماسية الضغط العلني المتمركزة حول القائد، حيث تصبح الرسالة الإعلامية جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الإكراه السياسي.
لكن هذه المقاربة، رغم فعاليتها في خلق زخم وضغط سريع، تحمل مخاطر بنيوية، إذ قد تُقيد هامش التراجع، وتدفع الأطراف نحو مواقف أكثر تصلباً، خصوصاً عندما تتحول الرسائل إلى التزامات علنية يصعب التراجع عنها دون كلفة سياسية.
وعليه، فإن "دبلوماسية الإعلام" ليست مجرد أداة تواصل، بل أداة قوة تُستخدم لإعادة تشكيل قواعد التفاوض، ونقل المعركة من طاولة المفاوضات إلى فضاء الرأي العام العالمي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة مضيق هرمز تضع حلف الناتو على حافة الانهيار: هل ينسحب ترمب؟

تصاعدت حدة التوترات بين البيت الأبيض وحلفائه الأوروبيين إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يلوح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعادة تقييم جدوى البقاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). تأتي هذه التطورات على خلفية رفض دول الحلف الرئيسية تقديم الدعم العسكري لتأمين مضيق هرمز، الذي توقفت فيه حركة الملاحة الدولية بشكل شبه كامل نتيجة التداعيات المباشرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ووصف ترمب في تصريحات حادة عبر منصته 'تروث سوشال' أعضاء الحلف بـ 'الجبناء'، معتبراً أن المنظمة الدفاعية التي تقودها واشنطن منذ عقود تحولت إلى 'نمر من ورق' بدون القوة الأمريكية. ويرى الرئيس الأمريكي أن الدول الأوروبية تتهرب من مسؤولياتها في حماية ممرات الطاقة العالمية، رغم أنها المستفيد الأكبر من تدفقات النفط والغاز عبر المضيق الاستراتيجي.

من جانبها، أبدت القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، تحفظاً شديداً على الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة تحت مظلة الناتو. وأكدت مصادر دبلوماسية في برلين أن الحلف أُسس للدفاع عن أراضي أعضائه وليس للتدخل في حروب إقليمية لم يتم التشاور بشأنها، مشددة على أن الصراع الحالي مع إيران لا يقع ضمن صلاحيات المادة الخامسة من ميثاق الحلف.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن حركة الشحن في مضيق هرمز انخفضت بنسبة مذهلة بلغت 95% منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير الماضي. ولم يسجل المضيق سوى 138 عملية عبور خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر مارس، معظمها لناقلات نفط إيرانية أو سفن تابعة لدول نسقت مسبقاً مع الحرس الثوري الإيراني لضمان مرورها.

وفي ظل هذا الشلل الملاحي، تبرز معضلة المادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع. ورغم سقوط صواريخ إيرانية على أراضٍ تركية، إلا أن الأمين العام للحلف مارك روته استبعد تفعيل هذا البند، مؤكداً أن الدفاعات الجوية للحلف قامت بواجبها في اعتراض التهديدات، وهو ما اعتبرته واشنطن تخاذلاً عن نصرة حليف أساسي.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية ليست سوى قمة جبل الجليد في علاقة ترمب المتوترة مع الناتو، والتي بدأت منذ ولايته الأولى. فالرئيس الأمريكي لا يزال يضغط على الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، مشيراً إلى أن بلاده تتحمل وحدها نحو 70% من ميزانية الحلف، وهو وضع يصفه دائماً بأنه 'طريق ذو اتجاه واحد' يستنزف المليارات الأمريكية.

وفي باريس، يتبنى الرئيس إيمانويل ماكرون رؤية مغايرة تدعو إلى 'الاستقلال الاستراتيجي' لأوروبا، بعيداً عن التقلبات السياسية في واشنطن. ماكرون الذي وصف الحلف سابقاً بأنه في حالة 'موت سريري'، يرى أن الاعتماد المفرط على المظلة الأمريكية بات يشكل خطراً على الأمن القومي الأوروبي، خاصة مع تزايد النزعات الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية.

أما في لندن، فيحاول رئيس الوزراء كير ستارمر إمساك العصا من المنتصف، حيث أعرب عن استعداد بلاده للمشاركة في خطط تأمين الملاحة ولكن خارج إطار الناتو الرسمي. هذا الموقف يعكس رغبة بريطانية في الحفاظ على 'العلاقة الخاصة' مع واشنطن دون الانجرار إلى التزامات جماعية قد تثير غضب الشركاء الأوروبيين أو تؤدي إلى تصعيد غير محكوم.

وتكشف التقارير أن إيران استغلت هذا الانقسام الغربي لفرض واقع جديد في المضيق، حيث اعتمدت مسارات بديلة حول جزيرة لارك تحت إشرافها المباشر. وتتم عمليات العبور حالياً بالتنسيق مع قوى دولية مثل الصين والهند، بينما تظل السفن الغربية عرضة للاستهداف أو المنع، مما يعزز من نفوذ طهران البحري في المنطقة.

داخلياً في الولايات المتحدة، يتزايد الدعم في الأوساط اليمينية لقرار ترمب بالابتعاد عن الحلفاء 'غير الممتنين'. ويرى أنصار هذا التوجه أن أموال الضرائب الأمريكية يجب أن تُنفق على تأمين الحدود والمصالح الوطنية المباشرة، بدلاً من حماية دول ترفض الوقوف مع واشنطن في لحظات الأزمات الكبرى مثل أزمة هرمز الحالية.

تاريخياً، لم تكن الانسحابات من القيادة العسكرية للناتو أمراً مستحيلاً، فقد فعلتها فرنسا في عهد ديغول عام 1966 احتجاجاً على الهيمنة الأمريكية البريطانية. لكن انسحاب الولايات المتحدة، وهي العمود الفقري للحلف، سيعني بالضرورة نهاية المنظومة الأمنية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو سيناريو بات يطرح نفسه بقوة على طاولات البحث في بروكسل.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن استمرار إغلاق المضيق سيكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات، حيث يمر عبره عادة نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. هذا الضغط الاقتصادي قد يدفع بعض الدول الأوروبية لمراجعة مواقفها، لكنه حتى الآن لم ينجح في ردم فجوة الثقة العميقة التي خلفها خطاب ترمب 'أمريكا أولاً'.

وفي ظل هذه الأجواء، تبرز قضية جزيرة غرينلاند الدنماركية كمثال آخر على التوتر، حيث أثار تلويح ترمب بضمها استياءً واسعاً في القارة العجوز. هذه التحركات، إلى جانب الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، جعلت الأوروبيين يشعرون بأن التحالفات التقليدية لم تعد توفر الضمانات الأمنية الكافية التي كانت قائمة في العقود الماضية.

يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان ترمب سينفذ تهديده بالانسحاب الفعلي أم أنها مجرد وسيلة ضغط لتحصيل مكاسب مالية وسياسية. المؤكد هو أن حلف الناتو يمر اليوم بأخطر مرحلة في تاريخه، حيث تتلاقى التهديدات العسكرية الخارجية مع الانقسامات السياسية الداخلية لتشكل تهديداً وجودياً لمنظومة الدفاع الغربي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

كولومبيا تحسم الجدل حول 'قنبلة الحدود' وتعلن نتائج التحقيق مع الإكوادور

أنهت السلطات الكولومبية حالة الجدل السياسي والأمني التي سادت خلال الأيام الماضية، عقب إعلان وزير الدفاع بيدرو سانشيز أن سقوط قنبلة تابعة للجيش الإكوادوري داخل الأراضي الكولومبية كان مجرد حادث عرضي. وأوضح سانشيز عبر منصة 'إكس' أن التحقيقات الرسمية أثبتت عدم وجود نية لاستهداف السيادة الكولومبية، مشيراً إلى أن الواقعة جاءت في سياق العمليات العسكرية التي تجري على الجانب الآخر من الحدود.

وبحسب نتائج التحقيق الذي أجرته وزارة الدفاع في بوغوتا، فإن القنبلة سقطت في البداية داخل النطاق الجغرافي للإكوادور، إلا أنها ارتدت بشكل غير متوقع لتستقر داخل الأراضي الكولومبية. وقد عثر مزارعون محليون على العبوة الناسفة وهي من طراز 'إم كيه' (MK) الأمريكي والبرازيلي الصنع، حيث سارعت الفرق الهندسة في القوات المسلحة لتفكيكها وتأمين المنطقة الحدودية قبل وقوع أي إصابات.

تأتي هذه التوضيحات الرسمية بعد فترة من التوتر الحاد، حيث كانت كولومبيا قد وجهت اتهامات صريحة لجارتها بالمسؤولية عن قصف عابر للحدود، وهو ما نفاه الرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا جملة وتفصيلاً. وترتبط هذه التحركات العسكرية بحملة أمنية واسعة تشنها كيتو بدعم من الولايات المتحدة لملاحقة عصابات تهريب المخدرات التي تنشط بكثافة في المناطق الوعرة الفاصلة بين البلدين.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر إعلامية بنقل شهادات لمزارعين يقطنون المنطقة الحدودية، اتهموا فيها الجيش الإكوادوري بتجاوزات خطيرة تشمل قصف منازل المدنيين وممارسة عمليات تعذيب بحق السكان. وزعم هؤلاء المزارعون أن القوات الإكوادورية تتهمهم بالانتماء إلى جماعات مسلحة غير شرعية، مما فاقم من الأزمة الإنسانية والأمنية على طول الشريط الحدودي الملتهب.

وتتزامن هذه الحادثة مع أزمة دبلوماسية وتجارية أعمق بين الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو ونظيره الإكوادوري دانيال نوبوا، حيث فرضت الأخيرة رسوماً جمركية مشددة على البضائع الكولومبية. ويتهم نوبوا حكومة بيترو بالتقاعس عن أداء دورها في كبح جماح تجارة المخدرات، مما يضع أعباءً أمنية إضافية على الإكوادور التي تحولت إلى ممر رئيسي للسموم نحو الأسواق العالمية.

وتشير البيانات الإحصائية إلى أن نحو 70% من إنتاج الكوكايين في كولومبيا والبيرو يجد طريقه عبر الأراضي الإكوادورية للوصول إلى الموانئ الاستراتيجية على المحيط الهادئ. هذا الواقع الجغرافي والاقتصادي جعل من الحدود المشتركة ساحة صراع مستمر، حيث تتداخل العمليات العسكرية لمكافحة الجريمة المنظمة مع التوترات السياسية التي تهدد استقرار العلاقات الثنائية بين الجارين.

تحليل

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس

التراجع المحسوب: كيف أعادت الحسابات الإستراتيجية رسم موقف ترمب من إيران

تحليل إخباري


في تبريره للتراجع عن تهديده بقصف مراكز الطاقة الإيرانية، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن هناك مفاوضات جارية مع طهران، واصفًا إياها بأنها مثمرة وتحمل مؤشرات إيجابية. غير أن هذا الطرح قوبل بنفي إيراني قاطع، إذ أكدت طهران عدم وجود أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة في هذا السياق. هذا التناقض لا يبدو مجرد اختلاف في التصريحات، بل يعكس على الأرجح استخدامًا سياسيًا مدروسًا للخطاب، حيث قد يشكل الحديث عن "مفاوضات" غطاءً دبلوماسيًا لتبرير التراجع، أو إشارة إلى قنوات اتصال غير معلنة لم ترتقِ بعد إلى مستوى التفاوض الرسمي.
بالتوازي مع هذا التباين، تتصاعد مؤشرات واضحة على حراك دبلوماسي نشط يهدف إلى احتواء الأزمة. فقد أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي سلسلة اتصالات مكثفة مع نظرائه في سلطنة عُمان وباكستان وأذربيجان وتركمانستان وكوريا الجنوبية، في خطوة تعكس محاولة منظمة لتوسيع دائرة الوساطات. وفي الاتصال مع وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، تم التركيز على التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، مع الاتفاق على استمرار المشاورات، ما يعزز الدور التقليدي لمسقط كقناة تواصل موثوقة في الأزمات المعقدة. كما تناول الاتصال مع وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار تطورات الموقف الإقليمي، في ضوء التواصل بين قيادتي البلدين، مع التشديد على أهمية الحفاظ على الاستقرار وتجنب التصعيد. هذه التحركات، إلى جانب انخراط أطراف آسيوية أخرى، توحي بوجود مسار دبلوماسي متعدد الأطراف يعمل بوتيرة متسارعة خلف الكواليس، وربما أسهم في تهيئة بيئة ملائمة لخفض التصعيد.
ورغم أهمية هذا المسار، فإن تفسير التراجع الأميركي يتطلب النظر إلى شبكة أوسع من العوامل. فالتصعيد الأولي عكس رغبة في ممارسة ضغط أقصى على إيران، غير أن الانتقال السريع نحو التهدئة يكشف عن إدراك عميق لتعقيدات المواجهة. فإيران لا تمثل خصمًا تقليديًا يمكن احتواؤه بضربة عسكرية محدودة، بل تمتلك منظومة ردع قائمة على قدرات صاروخية متقدمة، إلى جانب شبكة من الحلفاء الإقليميين القادرين على توسيع نطاق المواجهة. هذا الواقع يجعل أي صراع معها مفتوحًا على احتمالات الاستنزاف، ويحدّ من فرص تحقيق نصر سريع أو حاسم.
وفي هذا السياق، تلعب حسابات الحلفاء دورًا لا يقل أهمية. فدول الخليج، التي تقف في دائرة التأثر المباشر، تدرك أن أي تصعيد واسع سيضع بنيتها التحتية واقتصاداتها في مرمى الخطر. لذلك، لم تعد هذه الدول تتعامل مع التحركات الأميركية بمنطق الاصطفاف التلقائي، بل باتت تمارس ضغوطًا واضحة باتجاه التهدئة وضرورة تحديد الأهداف بدقة. هذا التحول يعكس تطورًا في طبيعة العلاقة، حيث أصبحت المصالح الإقليمية عاملًا مؤثرًا في توجيه القرار الأميركي، وليس مجرد متغير تابع له.
كما لا يمكن إغفال العامل الإسرائيلي، الذي يشكل أحد أبرز محددات أي تصعيد مع إيران. فإسرائيل تدرك أن استهداف مراكز الطاقة لديها—سواء محطات الكهرباء أو البنى التحتية المرتبطة بها—قد يؤدي إلى شلل واسع في البلاد، يصل إلى حد انقطاع الكهرباء على نطاق كبير وتحولها إلى “ساحة مظلمة” في حال تعرض الشبكات لضربات مركزة. كما أن منشآت تحلية المياه، التي تمثل شريانًا حيويًا لتأمين المياه في إسرائيل، تُعد من الأهداف الحساسة التي قد يؤدي استهدافها إلى أزمة إنسانية وخدمية حادة. هذه المخاوف تجعل من أي مواجهة مفتوحة مع إيران مخاطرة استراتيجية عالية، لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأمن الحيوي اليومي. ومن هنا، فإن واشنطن تأخذ هذه الاعتبارات بجدية، في إطار سعيها لتجنب سيناريو تصعيد يهدد استقرار حليف رئيسي ويقود إلى حرب إقليمية واسعة.
إلى جانب ذلك، يبرز خطر توسع النزاع إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات، وهو سيناريو تحاول واشنطن تجنبه بشدة. فاحتمال انخراط أطراف أخرى، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، يرفع منسوب المخاطر ويجعل من الصعب احتواء التصعيد ضمن حدود جغرافية أو زمنية محددة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح التراجع خطوة استباقية تهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة يصعب التحكم بمسارها.
على المستوى الدولي، يظل غياب الدعم الواسع لأي عمل عسكري عاملًا حاسمًا. فالحلفاء الأوروبيون، الذين يشكلون تقليديًا ركيزة للشرعية الدولية، أبدوا تحفظًا واضحًا تجاه الانخراط في مواجهة جديدة في الشرق الأوسط. هذا التردد يضعف الغطاء السياسي لأي تحرك أميركي، ويزيد من كلفته الدبلوماسية، ما يعزز الاتجاه نحو التهدئة بدل التصعيد الأحادي.
غير أن العامل الأكثر تأثيرًا يبقى داخليًا، ويتمثل في الانعكاسات الاقتصادية المباشرة لأي توتر في مضيق هرمز. فهذا الممر البحري الحيوي لا يمثل مجرد نقطة عبور للطاقة، بل يشكل شريانًا رئيسيًا للاقتصاد العالمي. أي تهديد له ينعكس فورًا على أسعار النفط، ما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الوقود وزيادة الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة. في ظل هذه المعطيات، يصبح التصعيد العسكري خيارًا مكلفًا اقتصاديًا، خاصة إذا ترافق مع تباطؤ في النمو أو تراجع في ثقة الأسواق.
وترتبط هذه الاعتبارات بشكل وثيق بالحسابات الانتخابية. فالرأي العام الأميركي، الذي يولي أهمية كبيرة للوضع الاقتصادي، لا يميل إلى دعم الحروب الطويلة أو غير الواضحة الأهداف. ومع اقتراب أي استحقاق انتخابي، تصبح الإدارة أكثر حساسية تجاه أي قرار قد ينعكس سلبًا على الداخل. من هنا، يمكن فهم التراجع كجزء من إستراتيجية تهدف إلى تقليل المخاطر السياسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى معين من الضغط على إيران.
في ضوء هذه العوامل مجتمعة، يبدو التراجع الأميركي نتيجة مزيج من الضغوط والتقديرات الواقعية، وليس مجرد تحول مفاجئ في الموقف. فهو يعكس إدراكًا بأن التصعيد، رغم ما يوفره من أوراق ضغط، قد ينقلب سريعًا إلى عبء استراتيجي إذا تجاوز حدود السيطرة. كما يكشف عن نهج براغماتي في إدارة الأزمات، يقوم على استخدام التهديد كأداة تفاوض، ثم إعادة ضبطه عندما ترتفع كلفته.
في النهاية، تتقاطع رواية "المفاوضات المثمرة" التي تحدث عنها ترمب مع نفي طهران، ومع الحراك الدبلوماسي المتسارع في المنطقة، لتشكل صورة معقدة لمرحلة انتقالية. مرحلة لا تُحسم فيها الأزمات بالتصعيد وحده، ولا بالتفاوض المعلن فقط، بل بمزيج من الضغوط والتحركات غير المباشرة. وفي هذا السياق، يبدو أن الخيار الأميركي اتجه، على الأقل في هذه المرحلة، نحو احتواء الأزمة بدل تفجيرها، بانتظار ما ستسفر عنه الاتصالات الجارية خلف الأبواب المغلقة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تقديرات عبرية: المواجهة مع إيران تتحول إلى حرب استنزاف طويلة تهدد الاستقرار الإقليمي

دخلت المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران وحلفائها من جانب آخر، أسبوعها الرابع وسط مؤشرات ميدانية متزايدة على تعقيد المشهد. وأفادت مصادر صحفية عبرية بأن التقديرات الاستخباراتية والعسكرية بدأت تميل نحو اعتبار هذا الصراع حرباً طويلة الأمد، وليست مجرد جولة قتالية عابرة كما كان مخططاً لها في البداية.

وأكدت القراءات التحليلية الصادرة عن صحيفة معاريف أن التخطيط الأولي للحملة اتسم بنوع من الاستهانة بقدرات الخصم وأساليبه القتالية. هذا الواقع دفع المخططين العسكريين في واشنطن والقدس المحتلة إلى ضرورة إعادة تقييم الأهداف الاستراتيجية للحملة، بما يتناسب مع القدرة الفعلية للقوات على الأرض وتجنب الانزلاق نحو الفشل.

وتشير المعطيات إلى أن طهران أثبتت جديتها في سباق التسلح النووي عبر رفع نسب تخصيب اليورانيوم إلى 60 بالمئة، وهو ما يضعها على عتبة امتلاك السلاح النووي. ويرى مراقبون أن القيادة الإيرانية الحالية تخضع لسيطرة الجناح المتطرف في الحرس الثوري، الذي يبدي استعداداً لخوض مواجهة شاملة تتجاوز القواعد التقليدية للحروب الدولية.

وحذرت المصادر من أن امتلاك إيران المحتمل لـ 'القنبلة' سيحولها إلى أداة تهديد استراتيجي تعقد أي تدخل عسكري مباشر في المستقبل. هذا التطور يستدعي من القوى الدولية تخطيطاً دقيقاً للغاية، خاصة وأن طهران تستخدم ملفها النووي كدرع لحماية تحركاتها الإقليمية وتوسيع نفوذها في المنطقة.

وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية، أوضحت التقارير أن البنتاغون يواجه معضلة حقيقية تتمثل في قدرة الإيرانيين على إغلاق مضيق هرمز الحيوي. فحتى في حال تعرض الأسطول البحري الإيراني لضربات مدمرة، تظل الصواريخ الساحلية المتطورة والمنصات المخبأة في مواقع استراتيجية تشكل تهديداً دائماً للملاحة الدولية.

ويرى الخبراء العسكريون أن تحييد الخطر الإيراني من الجو وحده بات أمراً بالغ الصعوبة، مما يفتح الباب أمام احتمالات التدخل البري. فالسيطرة على الممرات البحرية وحماية تدفقات الطاقة العالمية قد تتطلب وجوداً عسكرياً على الأرض لتأمين السواحل ومنع الهجمات الصاروخية التي تستهدف ناقلات النفط.

ولم تكن الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز والنفط في دول الجوار مفاجئة للمتابعين، بل كانت جزءاً من سيناريوهات التصعيد المتوقعة. وأشارت المصادر إلى أن الحاجة لطائرات اعتراضية وقدرات لوجستية لإدارة حرب استنزاف كانت واضحة منذ البداية، رغم محاولات التقليل من شأن هذا الاحتمال في مراحل التخطيط الأولى.

وتتوافق هذه التقييمات مع دراسات استراتيجية أكدت أن النظام الإيراني مستعد لخوض حرب غير متكافئة تهدف لمنع الخصوم من تحقيق انتصار حاسم. فالهدف الأساسي لطهران هو ضمان بقاء النظام والحفاظ على حرية التحرك الاستراتيجي، حتى لو كلف ذلك الدخول في صراع طويل يستنزف موارد المنطقة.

وعلى الصعيد السياسي، انضمت إدارة ترامب بدعم مباشر من بنيامين نتنياهو إلى هذه الحملة تحت غطاء معالجة التحدي النووي. إلا أن التحليلات تشير إلى وجود تباين بين الأهداف المعلنة والخفية، حيث تسعى واشنطن لتقويض النظام الإيراني والسيطرة على أسعار النفط العالمية، خاصة لقطع الطريق على الإمدادات المتجهة نحو الصين.

ويبرز السيناريو الأول لنهاية الحرب في إمكانية فرض سيطرة برية على مضيق هرمز، مما قد يجبر طهران على قبول تسوية سياسية شاملة. هذا المسار قد يستغرق من أسابيع إلى ثلاثة أشهر، ويؤدي إلى إضعاف النظام داخلياً مع فقدانه لأهم أوراقه الضاغطة في الصراع الإقليمي والدولي.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في رفض إيران للتفاوض واستمرارها في حرب عصابات برية وبحرية، مما يجر المنطقة إلى حرب استنزاف قد تمتد لأكثر من عام. في هذه الحالة، ستضطر الولايات المتحدة لنشر قوات ضخمة، مع تزايد الضغوط السياسية الداخلية على الإدارة الأمريكية نتيجة الخسائر البشرية والاقتصادية المتوقعة.

ويظل السيناريو الثالث هو الأكثر خطورة، ويتمثل في انسحاب أمريكي من الخليج دون تحقيق نتائج ملموسة أو اتفاق نووي ملزم. هذا الفشل سيعني بقاء النظام الإيراني قادراً على إنتاج قنبلة نووية في غضون أشهر، مع تعاظم نفوذه الإقليمي وظهوره بمظهر المنتصر أمام القوى العظمى.

وشددت المصادر العبرية على أن التركيز الحالي يجب أن ينصب على إجراءات تؤدي لإنهاء الحرب بسرعة، بما في ذلك التحرك البري لتقويض نفوذ الحرس الثوري. ومع ذلك، تظل فكرة تغيير النظام عبر القوة العسكرية أقرب إلى الخيال السياسي منها إلى الواقع الميداني القابل للتطبيق بوسائل محدودة.

وفي الختام، يرى المحللون أن نجاح التحالف الأمريكي الإسرائيلي في منع إيران من جر المنطقة إلى حرب استنزاف هو المعيار الحقيقي للنصر. فإضعاف القدرات العسكرية للحرس الثوري قد يهيئ الظروف لتغييرات داخلية مستقبلية، لكن الاعتماد على هذا الاحتمال كاستراتيجية وحيدة يظل رهاناً محفوفاً بالمخاطر.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد عسكري يستهدف منشآت الطاقة في إيران وترامب يلوح بتدمير شامل

تعرضت البنية التحتية لقطاع الطاقة في إيران لسلسلة من الضربات الجوية فجر الثلاثاء، حيث استهدف قصف أمريكي إسرائيلي منشآت حيوية في مدينتي أصفهان وخرمشهر. وأفادت مصادر ميدانية بأن الهجوم طال مكاتب إدارية تابعة لشركة الغاز ومحطة لخفض الضغط في شارع كاوه بوسط أصفهان، مما تسبب في أضرار مادية جسيمة طالت بعض المباني السكنية المحيطة بالموقع، رغم أن المنشأة كانت خارج الخدمة مؤقتاً قبل الاستهداف.

وفي مدينة خرمشهر، سقط مقذوف صاروخي على خط أنابيب رئيسي يغذي محطة توليد الكهرباء في المنطقة، وهو ما أدى إلى اندلاع حريق في الموقع دون تسجيل خسائر في الأرواح حتى اللحظة. وتأتي هذه التطورات الميدانية في ظل توتر غير مسبوق تشهده المنطقة، حيث تسعى القوى المهاجمة إلى تحجيم القدرات اللوجستية لطهران رداً على إغلاق الممرات المائية الحيوية.

من جانبه، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة عبر منصته 'تروث سوشيال'، هدد فيه بتدمير شامل لمنشآت الطاقة الإيرانية بدءاً من المحطات الكبرى. وربط ترامب تنفيذ هذه الضربات بمهلة زمنية أمدها 48 ساعة، يشترط خلالها قيام طهران بفتح مضيق هرمز بالكامل أمام الملاحة الدولية دون أي قيود أو تهديدات عسكرية، معتبراً أن السيطرة على المضيق يجب أن تكون مشتركة مستقبلاً.

في المقابل، ردت طهران على هذه التهديدات بالوعيد باستهداف كافة البنى التحتية التكنولوجية ومنشآت الطاقة التابعة للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة. وأكدت القيادة الإيرانية أنها لن تتراجع عن موقفها، في حين نفت وسائل إعلام رسمية إيرانية صحة ما أعلنه ترامب حول وجود محادثات سرية مع مسؤولين كبار، واصفة تصريحاته بأنها تندرج ضمن الحرب النفسية الموجهة ضد الشعب الإيراني.

وعلى الصعيد السياسي، أشار ترامب إلى وجود 'نقاط اتفاق رئيسية' في مفاوضات يزعم إجراءها مع مسؤول إيراني رفيع، مستثنياً المرشد الأعلى الجديد آية الله مجتبى خامنئي من هذه الاتصالات. وشدد الرئيس الأمريكي على ضرورة تخلي إيران الكامل عن طموحاتها النووية وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب كشرط أساسي لوقف التصعيد العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي.

يُذكر أن المواجهات العسكرية المباشرة التي اندلعت منذ 28 فبراير قد خلفت مئات القتلى والجرحى، وشملت اغتيال شخصيات قيادية بارزة على رأسها المرشد السابق علي خامنئي. وتستمر إيران في ردها عبر إطلاق المسيرات والصواريخ باتجاه أهداف إسرائيلية، بالإضافة إلى استهداف ما تصفه بالمصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما أدى إلى اضطرابات واسعة في أسواق النفط العالمية وتكاليف الشحن البحري.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي واسع على لبنان: عشرات الشهداء والجرحى في غارات استهدفت جبل لبنان والجنوب

شهدت الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً خطيراً منذ فجر اليوم الثلاثاء، حيث شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة من الغارات الجوية المكثفة التي طالت بلدات في العمق وفي الجنوب. وأدت هذه الاستهدافات إلى وقوع عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، في وقت تواصل فيه فرق الإسعاف عمليات الإنقاذ ونقل المصابين إلى المستشفيات القريبة وسط ظروف ميدانية معقدة.

وفي تفاصيل الميدان، أكدت مصادر طبية استشهاد أربعة مواطنين وإصابة أربعة آخرين جراء غارة جوية استهدفت منزلاً مأهولاً في بلدة سلعا، حيث جرى نقل الضحايا إلى مستشفيات مدينة صور. كما تعرضت بلدة طيردبا لثلاث غارات متتالية أدت إلى ارتقاء شهيدين وإصابة خمسة آخرين، مما يعكس كثافة القصف الذي يركز على التجمعات السكنية في قضاء صور.

ولم تقتصر الغارات على الجنوب، بل امتدت لتطال جبل لبنان، حيث استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في بلدة بشامون التابعة لقضاء عاليه. وأفادت مصادر ميدانية بأن الهجوم أسفر عن استشهاد شخصين وإصابة خمسة آخرين بجروح متفاوتة، فيما تسببت الغارة بدمار كبير في المبنى المستهدف والمباني المجاورة له.

وفي قضاء بنت جبيل، نفذت طائرة مسيرة هجوماً فجر اليوم استهدف منزلاً في بلدة عين إبل، مما أدى إلى تدمير الطبقة الثانية من المبنى بشكل كامل. وبحسب مصادر محلية، فقد نجت عائلة كانت تتواجد في الطبقة الأولى من المنزل بأعجوبة، رغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمنشأة جراء الانفجار القوي.

وشملت موجة القصف تدمير منزل في بلدة الدوير واستهداف حي الثغرة في بلدة حاروف، بالإضافة إلى قصف طال محطتي وقود على طريق الرشيدية وفي بلدة البرغلية. وتزامن ذلك مع قصف مدفعي عنيف استهدف أطراف بلدة علما الشعب ومدينة الناقورة الساحلية، مما أدى إلى اشتعال حرائق في بعض الأحراج والمناطق المفتوحة.

وعلى صعيد الضاحية الجنوبية لبيروت، عاشت المنطقة ليلة دامية شهدت تنفيذ سبع غارات جوية عنيفة استهدفت أحياء برج البراجنة وحارة حريك وبئر العبد والحدث. وسبق هذه الغارات استهداف لشقة سكنية في منطقة الحازمية شرقي العاصمة مساء الإثنين، مما أدى إلى استشهاد شخص واحد على الأقل ووقوع أضرار مادية واسعة في المنطقة.

وفي سياق الضغوط الميدانية، وجه الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء عاجلة لسكان عدة مبانٍ في مدينة صور وبلدتي معشوق والبرج الشمالي، مطالباً الأهالي بالمغادرة فوراً. وتأتي هذه التطورات في وقت تشير فيه الإحصاءات الرسمية إلى تجاوز عدد الشهداء حاجز الألف منذ مطلع الشهر الجاري، مع نزوح أكثر من مليون شخص من قراهم ومدنهم.

فلسطين

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من إفراغ الأغوار: تراجع الوجود الفلسطيني إلى 1500 نسمة بفعل اعتداءات الاحتلال

أكد معتز بشارات، مسؤول ملف الاستيطان والأغوار بمحافظة طوباس أن الوجود الفلسطيني في مناطق الأغوار الشمالية يواجه تهديداً وجودياً غير مسبوق. وأوضح بشارات أن المنطقة تشهد تراجعاً حاداً في أعداد السكان منذ سنوات، نتيجة تضافر اعتداءات المستوطنين مع الإجراءات العسكرية المشددة التي يفرضها جيش الاحتلال الإسرائيلي.

وأشار المسؤول الفلسطيني إلى أن التغير في الواقع الديموغرافي بات ملموساً وواضحاً للعيان، حيث انخفض عدد المقيمين في تلك التجمعات بشكل دراماتيكي. وبين أن المنطقة التي كانت تعج بآلاف الفلسطينيين الذين يعتمدون على الزراعة وتربية المواشي، أصبحت اليوم شبه خالية من سكانها الأصليين.

وبحسب الأرقام التي أوردها بشارات، فقد كان يعيش في مناطق الأغوار الشمالية أكثر من 6 آلاف مواطن فلسطيني في فترات سابقة. إلا أن هذه الأعداد تقلصت بفعل سياسات التهجير القسري لتصل اليوم إلى نحو 1500 مواطن فقط، ما يعكس حجم الضغوط الممارسة على الأرض.

ولم يقتصر التراجع على أعداد الأفراد، بل امتد ليشمل التجمعات السكانية بحد ذاتها، حيث كشف بشارات عن اختفاء عشرات القرى والمضارب. فبعد أن كانت المنطقة تضم نحو 28 تجمعاً سكانياً فلسطينياً، لم يتبق منها اليوم سوى ثمانية تجمعات تصارع من أجل البقاء.

وعزا بشارات هذا التدهور إلى الهجمات اليومية التي ينفذها المستوطنون، والذين يقدر عددهم بنحو 750 ألف مستوطن في عموم الضفة الغربية والقدس المحتلة. وتهدف هذه الاعتداءات الممنهجة إلى ترويع المواطنين ودفعهم للرحيل عن أراضيهم ومصادر رزقهم لتسهيل السيطرة عليها.

وأوضح أن أساليب التضييق لا تقتصر على العنف الجسدي المباشر، بل تشمل حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى مصادر المياه الحيوية. كما تمنع قوات الاحتلال المزارعين من دخول أراضيهم، مما يحول دون استمرار نشاطهم الزراعي الذي يمثل شريان الحياة الوحيد لهم.

وذكرت مصادر محلية أن هذه الظروف القاسية أجبرت عائلات بأكملها على مغادرة مساكنها التاريخية والبحث عن ملاذات أكثر أمناً. وقد أدى هذا النزوح القسري إلى تفكك النسيج الاجتماعي والاقتصادي لتلك التجمعات التي صمدت لعقود طويلة في وجه الاحتلال.

وشهد العامان الماضيان تصعيداً خطيراً في عمليات التهجير، خاصة في مناطق المالح والمضارب البدوية التي كانت تعد مراكز رئيسية لتربية المواشي. وأفاد بشارات بأن معظم هذه التجمعات تعرضت لإخلاء شبه كامل، ولم يتبق في بعضها سوى عائلتين فقط في مواجهة غلاة المستوطنين.

وحذر المسؤول من التداعيات الاقتصادية الكارثية لهذا الإخلاء، معتبراً أن الأغوار هي السلة الغذائية الأهم للضفة الغربية. فمغادرة السكان تعني توقف إنتاج الخضار والفواكه والمحاصيل الاستراتيجية، مما يضرب الاقتصاد المحلي الفلسطيني في مقتل ويزيد من التبعية للاحتلال.

كما نبه بشارات إلى خطورة المشاريع الهندسية التي ينفذها جيش الاحتلال في المنطقة، من إقامة جدران وسواتر ترابية وإغلاق للطرق. واعتبر أن هذه الإجراءات تهدف إلى عزل الفلسطينيين في معازل ضيقة ومنعهم من التواصل الجغرافي مع محيطهم الطبيعي في محافظة طوباس.

وكشف بشارات عن مخططات إسرائيلية لعزل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، قد تصل إلى أكثر من 190 ألف دونم في محافظة طوباس وحدها. وهذا العزل سيؤدي في حال اكتماله إلى فقدان الفلسطينيين لآلاف الدونمات من أخصب الأراضي الزراعية والمراعي الطبيعية.

ووصف المسؤول ما يحدث في الأغوار بأنه عملية تطهير عرقي بطيئة تهدف إلى حسم الصراع على الأرض لصالح المشروع الاستيطاني. وأكد أن استمرار الصمت الدولي على هذه الممارسات يشجع الاحتلال على المضي قدماً في إفراغ المنطقة من سكانها الأصليين.

وفي ظل هذه المعطيات، يجد السكان المتبقون أنفسهم في مواجهة يومية مع المجهول، حيث تضطر بعض العائلات للنزوح المتكرر خلال أشهر قليلة. وتعيش هذه العائلات حالة من عدم الاستقرار الدائم نتيجة التهديدات المستمرة بهدم الخيام ومصادرة الممتلكات والمواشي.

وختم بشارات تصريحاته بالتحذير من أن الوجود الفلسطيني في الأغوار بات في رمقه الأخير إذا لم يتم التحرك العاجل لدعم صمود السكان. وشدد على أن حماية الأغوار هي حماية لمستقبل الدولة الفلسطينية، نظراً لمكانتها الجغرافية والاقتصادية والسياسية الحساسة.

اسرائيليات

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:18 صباحًا - بتوقيت القدس

إصابات وأضرار واسعة في تل أبيب إثر هجوم بصواريخ إيرانية متشظية

شهدت منطقة تل أبيب الكبرى صباح اليوم الثلاثاء تصعيداً ميدانياً خطيراً، حيث أعلنت طواقم الإسعاف عن إصابة ستة أشخاص بجروح متفاوتة إثر سقوط شظايا صاروخية في أربعة مواقع حيوية. وأكدت المصادر الطبية أن الفرق الميدانية تتعامل مع الإصابات في أماكن الاستهداف التي تعرضت لدمار ملحوظ نتيجة قوة الانفجارات.

وأوضحت تقارير تقنية نقلتها مصادر إعلامية أن الصاروخ الذي سقط في تل أبيب يحمل مواصفات تدميرية عالية، إذ زُود برأس حربي متشظٍ انقسم إلى أربع قنابل فرعية تزن كل واحدة منها نحو 100 كيلوغرام. هذا النوع من الرؤوس الحربية صُمم لإحداث أكبر قدر من الأضرار في مساحات واسعة، وهو ما فسر حجم الدمار الكبير الذي رصدته الشرطة الإسرائيلية في مواقع السقوط.

من جانبها، استنفرت الشرطة الإسرائيلية وخبراء المتفجرات في المواقع المستهدفة لتمشيط المنطقة ورفع الشظايا الصاروخية وتأمين السكان. وأشارت التحقيقات الأولية إلى أن أنظمة الدفاع الجوي حاولت اعتراض الصواريخ القادمة، إلا أن الشظايا المتساقطة والقنابل المتفرقة تسببت في خسائر مادية فادحة في البنية التحتية والمباني المحيطة.

واتسع نطاق الإنذارات ليشمل مناطق واسعة في الجنوب الإسرائيلي، حيث دوت صفارات الإنذار في عشرات المواقع وصولاً إلى محيط مفاعل ديمونا ومدينة بئر السبع. وأفاد سكان في منطقة النقب بسماع دوي انفجارات عنيفة هزت المنطقة، ناتجة عن محاولات الاعتراض الجوي وسقوط بعض المقذوفات في مناطق مفتوحة وأخرى مأهولة.

وفي طهران، أكدت مصادر مطلعة أن الحرس الثوري الإيراني نفذ موجة هجومية واسعة استخدم فيها مزيجاً من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة الانتحارية. وشملت الأسلحة المستخدمة صواريخ من طرازي 'عماد' و'قدر' المعروفة بمدياتها الطويلة وقدرتها على حمل رؤوس حربية ثقيلة، مستهدفة أهدافاً استراتيجية في إيلات ومحيط المركز.

وتأتي هذه الضربات في إطار تبادل الهجمات المباشرة بين الجانبين، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي رصد إطلاق مكثف للصواريخ من الأراضي الإيرانية باتجاه العمق. وقد تسببت هذه الموجة في حالة من الشلل الجزئي في حركة المواصلات والمرافق العامة داخل تل أبيب الكبرى نتيجة تكرار دوي الانفجارات وتفعيل أنظمة الدفاع.

على الصعيد الصحي، كشفت وزارة الصحة الإسرائيلية عن إحصائيات محدثة تشير إلى أن إجمالي عدد الإسرائيليين الذين نُقلوا إلى المستشفيات منذ اندلاع المواجهات الحالية بلغ 4829 شخصاً. وأوضحت الوزارة في بيانها الصباحي أن 111 مصاباً لا يزالون يخضعون للرعاية الطبية في مختلف الأقسام، بينهم حالات وصفت بالخطيرة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 9:03 صباحًا - بتوقيت القدس

انتعاش اقتصادي في موسكو: كيف منحت حرب الشرق الأوسط 'قبلة الحياة' لميزانية بوتين؟

أدت التطورات العسكرية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط إلى قفزة مفاجئة في أسعار الطاقة العالمية، مما وفر لموسكو متنفساً اقتصادياً لم يكن في الحسبان. ووفقاً لتقارير صحفية دولية، فإن هذه الصدمة النفطية مكنت الكرملين من تعزيز قدراته المالية في مواجهة العقوبات الغربية الصارمة التي فُرضت عليه منذ بدء النزاع في أوكرانيا.

واعتبرت مصادر إعلامية فرنسية أن انخراط الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، بالتنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، قدم للرئيس الروسي فلاديمير بوتين هدية استراتيجية ثمينة. هذا التحول في بؤرة الصراع العالمي أعاد ترتيب الأولويات الدولية وخفف الضغوط المسلطة على الجبهة الروسية.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن العملية العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة تحت مسمى 'الغضب العظيم' قد استمرت لأربعة أسابيع دون تحقيق أهداف حاسمة. وبدلاً من ذلك، تسببت العمليات في اضطرابات واسعة بقطاع الطاقة، مما أدى إلى ارتدادات اقتصادية استفادت منها الدول المصدرة للنفط وعلى رأسها روسيا.

لقد استعادت روسيا ما يمكن وصفه بـ 'الأكسجين الاقتصادي' في وقت كانت تعاني فيه من انكماش هوامش الصادرات وتأثير سقف الأسعار الذي فرضته مجموعة السبع. هذا التدفق المالي الجديد ساعد في ترميم المالية العامة التي أرهقتها تكاليف الحرب الطويلة في أوكرانيا والإنفاق العسكري المتزايد.

وفي تحرك يعكس الثقة المستجدة، عقد الرئيس الروسي اجتماعاً مع كبار مسؤولي شركات النفط والغاز الوطنية لبحث سبل استثمار هذه الطفرة السعرية. وألمح بوتين خلال اللقاء إلى أن التحولات الجيوسياسية الراهنة أثبتت فشل الرهانات الأوروبية على التخلي الكامل عن مصادر الطاقة الروسية.

وسخرت القيادة الروسية من المحاولات الغربية المستمرة منذ سنوات للحد من الاعتماد على الغاز والنفط الروسي، معتبرة أن المصالح الاقتصادية تتفوق دائماً على الشعارات السياسية. ويرى الكرملين أن الحاجة العالمية للطاقة تظل المحرك الأساسي للعلاقات الدولية مهما بلغت حدة الخلافات الأيديولوجية.

جاء هذا التحول في لحظة فارقة للاقتصاد الروسي الذي بدأ يظهر علامات التعب نتيجة العجز المتسع في الميزانية الاتحادية وتراجع النمو الصناعي. وكانت العقوبات قد بدأت بالفعل في تضييق الخناق على الموارد المتاحة لتمويل الآلة العسكرية الروسية قبل اندلاع أحداث الشرق الأوسط.

ومع اشتعال الجبهة الإيرانية، قفز سعر برميل النفط ليتجاوز حاجز الـ 100 دولار في غضون أيام قليلة، وهو ما قلب الموازين المالية رأساً على عقب. هذا الارتفاع المفاجئ أعاد القيمة السوقية لخام 'أورال' الروسي إلى مستويات لم تكن موسكو تحلم بالوصول إليها في ظل القيود الدولية.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن كل زيادة بمقدار عشرة دولارات في سعر البرميل تمنح الناتج المحلي الإجمالي الروسي دفعة قوية تصل إلى 0.7 نقطة مئوية. هذا النمو الإضافي يساهم بشكل مباشر في سد الفجوات التمويلية التي كانت تهدد استقرار الميزانية العامة للدولة.

وكانت الميزانية الروسية مصممة على أساس سعر توازني يبلغ 59 دولاراً للبرميل، وهو ما يعني أن الأسعار الحالية توفر فوائض مالية ضخمة. هذه الفوائض تمنح الكرملين مرونة عالية في إدارة شؤونه الداخلية والخارجية بعيداً عن ضغوط المؤسسات المالية الدولية.

وتمثل هذه 'الصدمة النفطية' فرصة ذهبية لموسكو لضمان استمرارية تمويل عملياتها العسكرية في أوكرانيا دون الحاجة لاتخاذ إجراءات تقشفية قاسية. كما أنها تساهم في تخفيف الضغط عن القطاع المصرفي العام الذي كان يتحمل عبء تمويل الديون الحكومية خلال الفترة الماضية.

واقترح الرئيس الروسي توجيه العوائد النفطية الاستثنائية لدعم البنوك المملوكة للدولة، لتمكينها من استيعاب المزيد من السندات الحكومية. هذا الإجراء يهدف إلى تعزيز السيولة النقدية وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الاستراتيجية التي تخدم المجهود الحربي وتطوير البنية التحتية.

ويرى مراقبون أن انشغال الغرب بالصراع في الشرق الأوسط قد منح روسيا مساحة للمناورة الدبلوماسية والعسكرية بعيداً عن الرقابة اللصيقة. فبينما تتوجه الأنظار نحو طهران وتل أبيب، تعمل موسكو على ترسيخ أقدامها في المناطق التي تسيطر عليها وتحديث ترسانتها العسكرية.

في نهاية المطاف، تظل أسواق الطاقة هي اللاعب الخفي الذي يحدد مسارات الحروب الكبرى في العصر الحديث، حيث أثبتت الأزمة الحالية أن الاضطرابات في منطقة واحدة قد تمنح طوق النجاة لطرف آخر في صراع بعيد تماماً، مما يعقد المشهد الدولي ويزيد من صعوبة التنبؤ بنهاية الأزمات الراهنة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 8:48 صباحًا - بتوقيت القدس

تقديرات استخباراتية: الخيار العسكري غير كافٍ لإنهاء البرنامج النووي الإيراني

أفادت مصادر أمنية مطلعة بوجود تحولات جوهرية في تقديرات المؤسسات الاستخباراتية داخل الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، حيث تزايدت الشكوك حول القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى عبر القوة العسكرية. وأوضحت التقارير أن الرهان على إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو إسقاط النظام الحاكم بات يواجه تحديات واقعية تجعل من الحسم العسكري خياراً غير مضمون النتائج.

وذكرت مصادر إعلامية دولية نقلاً عن مسؤولين أمنيين أن التقييمات الحديثة خلصت إلى أن أي هجوم عسكري واسع النطاق لن يكون كافياً لتفكيك البنية التحتية النووية في إيران بشكل كامل. ويرجع ذلك إلى التعقيد الشديد الذي صُممت به هذه المنشآت على مدار عقود، مما جعلها محصنة ضد أعتى أنواع الأسلحة التقليدية المستخدمة في مثل هذه العمليات.

وتشير المعطيات الاستخباراتية إلى أن إيران نجحت في توزيع منشآتها النووية على مواقع جغرافية متعددة ومتباعدة، حيث يقع جزء حيوي منها في أعماق سحيقة تحت الأرض. هذا التوزيع الاستراتيجي يصعّب من مهمة الطيران الحربي في الوصول إلى كافة الأهداف الحيوية أو تدميرها بصورة شاملة تضمن عدم العودة للعمل مجدداً.

وبناءً على هذه التقديرات، يرى الخبراء أن الضربات الجوية المكثفة قد تنجح فقط في إلحاق أضرار جزئية أو تعطيل العمل في بعض المفاعلات لفترة زمنية محدودة. ومع ذلك، تظل القدرة المعرفية والتقنية التي اكتسبتها طهران قائمة، مما يتيح لها إعادة بناء ما تم تدميره في وقت قياسي وبإمكانات محلية.

وفيما يتعلق بالهدف السياسي المتمثل في تغيير النظام، فقد تراجعت التوقعات التي كانت تراهن على أن الضغط العسكري المباشر سيؤدي إلى انهيار السلطة في طهران. وترى المصادر أن التماسك الداخلي للنظام الإيراني، مدعوماً بشبكة معقدة من المصالح الإقليمية، يجعل سيناريو السقوط السريع بعيد المنال في المنظور القريب.

هذه الحقائق الميدانية دفعت دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب إلى إعادة تقييم الأهداف المعلنة والبحث عن بدائل أكثر واقعية. وبدلاً من التركيز على فكرة 'الحسم النهائي'، بدأ التوجه نحو تبني استراتيجيات تقوم على 'الاحتواء الذكي' وإدارة الصراع الطويل الأمد مع الجانب الإيراني.

وتسعى الاستراتيجية الجديدة إلى تقليص القدرات العسكرية التقليدية لإيران والحد من نفوذها المتنامي في المنطقة عبر فرض معادلات ردع مستدامة. ويهدف هذا التوجه إلى منع طهران من تجاوز 'الخطوط الحمراء' في التخصيب النووي دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة قد لا تُعرف نتائجها النهائية.

وحذرت التقديرات الأمنية من تداعيات خطيرة لأي تصعيد عسكري غير محسوب، مشيرة إلى أن طهران تمتلك أوراق ضغط قوية قد تستخدمها للرد. ومن أبرز هذه السيناريوهات تسريع وتيرة الأنشطة النووية للوصول إلى العتبة العسكرية، أو تفعيل أدواتها الإقليمية لفتح جبهات متعددة في آن واحد.

كما برزت مخاوف جدية من تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، في حال تعرضت إيران لهجوم مباشر. وتدرك القوى الدولية أن أي اضطراب في هذا الممر المائي سيؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية لا يمكن التنبؤ بمدى تأثيرها على الأسواق الدولية.

وعلى الصعيد الميداني، شهدت الساعات الماضية تصعيداً لافتاً حيث تعرضت منشآت حيوية داخل إيران لهجمات استهدفت البنية التحتية لقطاع الطاقة. ووقعت هذه الضربات فجر الثلاثاء، وطالت مرافق مرتبطة بقطاع الغاز في مدينة أصفهان، مما أثار تساؤلات حول توقيت وأهداف هذه العمليات.

وفي حادثة منفصلة، سقط مقذوف على خط أنابيب رئيسي يغذي محطة لتوليد الكهرباء في منطقة خرمشهر، مما تسبب في أضرار مادية مباشرة. وأدت هذه الهجمات إلى انقطاعات في إمدادات الطاقة في المناطق المستهدفة، وسط استنفار أمني واسع من قبل السلطات الإيرانية للتعامل مع الموقف.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس، حيث تتقاطع فيه العمليات التخريبية مع التقييمات الاستخباراتية التي تدعو للحذر من المواجهة المباشرة. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات قد تكون جزءاً من استراتيجية 'الاستنزاف' التي تهدف لإضعاف القدرات الإيرانية دون إعلان حرب رسمية.

ويبقى التحدي الأكبر أمام الإدارة الأمريكية هو موازنة الضغوط مع الحلفاء الإقليميين الذين يطالبون بمواقف أكثر حزماً تجاه طهران. فبينما تضغط تل أبيب باتجاه خيارات أكثر هجومية، تلتزم واشنطن بمسار يضمن عدم تفجر الأوضاع في الشرق الأوسط بشكل يخرج عن السيطرة.

ختاماً، فإن المشهد الحالي يشير إلى مرحلة جديدة من الصراع تتسم بالغموض والعمليات النوعية بعيداً عن المواجهات الكبرى. وتظل القدرة النووية الإيرانية هي المحور الذي تدور حوله كافة التحركات السياسية والعسكرية، في ظل قناعة متزايدة بأن الحلول العسكرية التقليدية قد استنفدت أغراضها.