عربي ودولي

الثّلاثاء 24 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة مضيق هرمز تضع حلف الناتو على حافة الانهيار: هل ينسحب ترمب؟

تصاعدت حدة التوترات بين البيت الأبيض وحلفائه الأوروبيين إلى مستويات غير مسبوقة، حيث يلوح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإعادة تقييم جدوى البقاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). تأتي هذه التطورات على خلفية رفض دول الحلف الرئيسية تقديم الدعم العسكري لتأمين مضيق هرمز، الذي توقفت فيه حركة الملاحة الدولية بشكل شبه كامل نتيجة التداعيات المباشرة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ووصف ترمب في تصريحات حادة عبر منصته 'تروث سوشال' أعضاء الحلف بـ 'الجبناء'، معتبراً أن المنظمة الدفاعية التي تقودها واشنطن منذ عقود تحولت إلى 'نمر من ورق' بدون القوة الأمريكية. ويرى الرئيس الأمريكي أن الدول الأوروبية تتهرب من مسؤولياتها في حماية ممرات الطاقة العالمية، رغم أنها المستفيد الأكبر من تدفقات النفط والغاز عبر المضيق الاستراتيجي.

من جانبها، أبدت القوى الأوروبية الكبرى، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، تحفظاً شديداً على الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة تحت مظلة الناتو. وأكدت مصادر دبلوماسية في برلين أن الحلف أُسس للدفاع عن أراضي أعضائه وليس للتدخل في حروب إقليمية لم يتم التشاور بشأنها، مشددة على أن الصراع الحالي مع إيران لا يقع ضمن صلاحيات المادة الخامسة من ميثاق الحلف.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن حركة الشحن في مضيق هرمز انخفضت بنسبة مذهلة بلغت 95% منذ بدء العمليات العسكرية في 28 فبراير الماضي. ولم يسجل المضيق سوى 138 عملية عبور خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من شهر مارس، معظمها لناقلات نفط إيرانية أو سفن تابعة لدول نسقت مسبقاً مع الحرس الثوري الإيراني لضمان مرورها.

وفي ظل هذا الشلل الملاحي، تبرز معضلة المادة الخامسة التي تنص على أن الهجوم على عضو واحد هو هجوم على الجميع. ورغم سقوط صواريخ إيرانية على أراضٍ تركية، إلا أن الأمين العام للحلف مارك روته استبعد تفعيل هذا البند، مؤكداً أن الدفاعات الجوية للحلف قامت بواجبها في اعتراض التهديدات، وهو ما اعتبرته واشنطن تخاذلاً عن نصرة حليف أساسي.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية ليست سوى قمة جبل الجليد في علاقة ترمب المتوترة مع الناتو، والتي بدأت منذ ولايته الأولى. فالرئيس الأمريكي لا يزال يضغط على الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، مشيراً إلى أن بلاده تتحمل وحدها نحو 70% من ميزانية الحلف، وهو وضع يصفه دائماً بأنه 'طريق ذو اتجاه واحد' يستنزف المليارات الأمريكية.

وفي باريس، يتبنى الرئيس إيمانويل ماكرون رؤية مغايرة تدعو إلى 'الاستقلال الاستراتيجي' لأوروبا، بعيداً عن التقلبات السياسية في واشنطن. ماكرون الذي وصف الحلف سابقاً بأنه في حالة 'موت سريري'، يرى أن الاعتماد المفرط على المظلة الأمريكية بات يشكل خطراً على الأمن القومي الأوروبي، خاصة مع تزايد النزعات الانعزالية في السياسة الخارجية الأمريكية.

أما في لندن، فيحاول رئيس الوزراء كير ستارمر إمساك العصا من المنتصف، حيث أعرب عن استعداد بلاده للمشاركة في خطط تأمين الملاحة ولكن خارج إطار الناتو الرسمي. هذا الموقف يعكس رغبة بريطانية في الحفاظ على 'العلاقة الخاصة' مع واشنطن دون الانجرار إلى التزامات جماعية قد تثير غضب الشركاء الأوروبيين أو تؤدي إلى تصعيد غير محكوم.

وتكشف التقارير أن إيران استغلت هذا الانقسام الغربي لفرض واقع جديد في المضيق، حيث اعتمدت مسارات بديلة حول جزيرة لارك تحت إشرافها المباشر. وتتم عمليات العبور حالياً بالتنسيق مع قوى دولية مثل الصين والهند، بينما تظل السفن الغربية عرضة للاستهداف أو المنع، مما يعزز من نفوذ طهران البحري في المنطقة.

داخلياً في الولايات المتحدة، يتزايد الدعم في الأوساط اليمينية لقرار ترمب بالابتعاد عن الحلفاء 'غير الممتنين'. ويرى أنصار هذا التوجه أن أموال الضرائب الأمريكية يجب أن تُنفق على تأمين الحدود والمصالح الوطنية المباشرة، بدلاً من حماية دول ترفض الوقوف مع واشنطن في لحظات الأزمات الكبرى مثل أزمة هرمز الحالية.

تاريخياً، لم تكن الانسحابات من القيادة العسكرية للناتو أمراً مستحيلاً، فقد فعلتها فرنسا في عهد ديغول عام 1966 احتجاجاً على الهيمنة الأمريكية البريطانية. لكن انسحاب الولايات المتحدة، وهي العمود الفقري للحلف، سيعني بالضرورة نهاية المنظومة الأمنية التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية، وهو سيناريو بات يطرح نفسه بقوة على طاولات البحث في بروكسل.

وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن استمرار إغلاق المضيق سيكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات، حيث يمر عبره عادة نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية. هذا الضغط الاقتصادي قد يدفع بعض الدول الأوروبية لمراجعة مواقفها، لكنه حتى الآن لم ينجح في ردم فجوة الثقة العميقة التي خلفها خطاب ترمب 'أمريكا أولاً'.

وفي ظل هذه الأجواء، تبرز قضية جزيرة غرينلاند الدنماركية كمثال آخر على التوتر، حيث أثار تلويح ترمب بضمها استياءً واسعاً في القارة العجوز. هذه التحركات، إلى جانب الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، جعلت الأوروبيين يشعرون بأن التحالفات التقليدية لم تعد توفر الضمانات الأمنية الكافية التي كانت قائمة في العقود الماضية.

يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كان ترمب سينفذ تهديده بالانسحاب الفعلي أم أنها مجرد وسيلة ضغط لتحصيل مكاسب مالية وسياسية. المؤكد هو أن حلف الناتو يمر اليوم بأخطر مرحلة في تاريخه، حيث تتلاقى التهديدات العسكرية الخارجية مع الانقسامات السياسية الداخلية لتشكل تهديداً وجودياً لمنظومة الدفاع الغربي.

دلالات

شارك برأيك

أزمة مضيق هرمز تضع حلف الناتو على حافة الانهيار: هل ينسحب ترمب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.