أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

التنمية المستدامة في فلسطين والطاقة المتجددة: الطموح والتحديات في ظل الهشاشة المزمنة

في عام 2015، انضمت دولة فلسطين إلى 193 دولة في اعتماد خطة التنمية المستدامة لعام 2030، والتي تضم 17 هدفاً رئيسياً تهدف إلى خلق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للبشرية. لكن واقع هذه الأهداف في فلسطين يتسم بتعقيد فريد، حيث تسير جهود التنمية جنباً إلى جنب مع تحديات إنسانية وسياسية ووجودية كبرى، تجعل من تحقيق هذه الأهداف معركة وجودية أكثر منها عملية تنموية تقليدية.

في خضم هذا الواقع المعقد، يبرز قطاع الطاقة المتجددة كأحد أبرز المداخل لتحقيق التنمية المستدامة، ليس فقط باعتباره هدفاً قائماً بذاته (الهدف السابع: طاقة نظيفة وبأسعار معقولة)، ولكن أيضاً كأداة استراتيجية لتحقيق أهداف أخرى مثل الأمن الغذائي (الهدف الثاني)، والصحة (الهدف الثالث)، والتعليم (الهدف الرابع)، والنمو الاقتصادي (الهدف الثامن)، والعمل المناخي (الهدف الثالث عشر). فهل استطاعت فلسطين استثمار هذه الأداة التنموية المهمة؟ وكيف أثرت التحديات الهيكلية في ذلك؟


الإطار النظري: أهداف التنمية المستدامة والطاقة كرافعة للتنمية

تقوم أهداف التنمية المستدامة على ثلاث ركائز أساسية: البعد الاجتماعي، والبعد الاقتصادي، والبعد البيئي. وتندرج ضمن إطار خمسة مبادئ حاكمة تعرف (المعروفة بـ 5Ps) :الناس لإنهاء الفقر ، الكوكب لحماية الموارد ، الازدهار لضمان حياة مزدهرة ، السلام لتعزيز المجتمعات السلمية ، والشراكات لتنفيذ الأهداف. ويشكل مبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب" جوهر هذه الأهداف، بحيث تستهدف الفئات الأكثر تهميشاً وضعفاً أولاً.

في هذا الإطار، لا يمثل الهدف السابع (طاقة نظيفة وبأسعار معقولة) غاية في حد ذاته، بل هو رافعة أساسية لتحقيق الأهداف الأخرى. فالطاقة المتجددة تساهم في توفير الكهرباء للمستشفيات (الهدف الثالث)، وتشغيل آبار المياه (الهدف السادس)، وتمكين الصناعات المحلية (الهدف التاسع)، وتعزيز صمود المجتمعات الريفية (الهدف الحادي عشر). هذا التشابك يجعل من قطاع الطاقة مرآة تعكس حالة التنمية في أي بلد، وفي فلسطين تحديداً، تعكس معاناة القطاع واقع التنمية الهشة.

فلسطين وأهداف التنمية المستدامة: التزام رغم التحديات

انخرطت فلسطين في نظام أهداف التنمية المستدامة كدولة عضو فاعلة، وتجسد هذا الالتزام في خطط وطنية وشراكات دولية على الرغم من التحديات الاستثنائية. تجلى ذلك في مواءمة الخطط الوطنية مع هذه الأهداف، كما في الخطة الاستراتيجية  المخصصة لفلسطين (2023-2028) لبرنامج الأغذية العالمي[1]، والمشاركة الفاعلة في المبادرات الإقليمية مثل مبادرة الشرق الأوسط الخضراء[2]، إضافة إلى جهود "توطين" الأهداف عبر تكييفها مع السياق المحلي كما في برنامج Habitat الخاص بفلسطين (2023-2026)[3].

 


 

واقع التنمية على الأرض: هشاشة مزمنة في سياق صعب

 

يمكن وصف واقع التنمية المستدامة في فلسطين بأنه "هشاشة مزمنة"، حيث تتحقق مكاسب تنموية هنا وهناك، لكنها تبقى مهددة بالانهيار بسبب تركيبة التحديات السياسية والاقتصادية والمالية.

 

التحدي السياسي يظل العائق الهيكلي الأكبر، حيث يسيطر الاحتلال على 60% من مساحة الضفة الغربية (منطقة ج)، مما يحرم الفلسطينيين من الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية، ويجعل التخطيط المكاني مجرد أحلام على ورق. الاستيطان والتوسع المستمر يقوضان أي إمكانية لتنمية متكاملة، ويعطلان الأهداف المرتبطة بالبنية التحتية والصناعة والغذاء.

 

التحدي المالي يتمثل في أزمة خانقة تفاقمت بسبب حرب غزة وتراجع الدعم الخارجي، وحجز الاحتلال لمستحقات السلطة الوطنية من أموال المقاصة، مما أدى إلى تراجع الخدمات الأساسية وتعثر مشاريع تنموية كبرى وزيادة الاعتماد على المساعدات الطارئة على حساب التنمية طويلة الأمد، وتفاقم البطالة والفقر.

 

على الأرض، يعيش قطاع غزة أوضاعاً كارثية حيث دمرت 85% من البنية التحتية[4]، وتحولت التنمية إلى جهود إغاثة طارئة حيث يواجه 96% من السكان (2.1 مليون نسمة) مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد . ويعتمد أكثر من 95% من الأسر على المساعدات الإغاثية للبقاء على قيد الحياة[5] .

 

أما في الضفة الغربية، فيتواصل التآكل في مقومات الصمود بسبب الاستيطان[6] المتسارع وهدم المنازل ومصادرة الأراضي، مع بطالة مرتفعة بلغت 27.5% [7]وتدهور في الخدمات الأساسية.


 

 

 

فاعلية الحكومة الفلسطينية: تخطيط متقدم وتنفيذ محدود

 

تمتلك الحكومة الفلسطينية هيكلاً مؤسسياً متقدماً على مستوى التخطيط، يتجسد في تشكيل فريق وطني للتنمية المستدامة يضم 24 مؤسسة حكومية، وتشكيل مجموعات عمل تضم شركاء غير حكوميين والقطاع الخاص، وتطوير أنظمة إحصائية لرصد مؤشرات التنمية. لكن الفجوة واسعة بين هذا التخطيط والتنفيذ الفعلي، حيث تبقى خطط جيدة على الورق لا تتحول إلى خدمات ملموسة بالسرعة والجودة المطلوبتين، خاصة في المناطق المهمشة.

 

الانقسام السياسي بين الضفة وغزة يشل القدرة التنفيذية الموحدة، وضعف التنسيق الأفقي يحول دون وصول مؤسسات المجتمع المدني إلى صنع القرار أثناء التنفيذ. إضافة إلى ذلك، فإن غياب السيادة الكاملة، والاعتماد على التمويل الخارجي، وضعف الوعي المجتمعي لأهداف التنمية المستدامة، كلها عوامل تحد من فاعلية الأداء الحكومي وتجعل المبادرات التنموية مجزأة وغير مستدامة.

 


 

الطاقة المتجددة: رافعة التنمية في مواجهة المعيقات الهيكلية

 

إذا كانت أهداف التنمية المستدامة تمثل "الغاية"، فإن الطاقة المتجددة تمثل إحدى أهم "الوسائل" للوصول إليها. في فلسطين، يحمل هذا القطاع إمكانيات هائلة، لكنه يصطدم بنفس المعيقات الهيكلية التي تواجه التنمية بشكل عام.

 

تعكس الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027) الصادرة عن سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية (PENRA) هذا الترابط العضوي بين قطاع الطاقة وأهداف التنمية المستدامة. فلم تعد الطاقة غاية في حد ذاتها، بل أصبحت أداة مركزية لتحقيق خطة التنمية الأوسع. الاستراتيجية تبني جسوراً واضحة بين أهدافها التشغيلية الثلاثة الكبرى وغايات الأمم المتحدة، مما يوفر إطاراً وطنياً لترجمة الطموح العالمي إلى نتائج ملموسة على الأرض، رغم التحديات [1].

 

الإمكانيات: مؤهلات طبيعية واعدة

 

تمتلك فلسطين مقومات طبيعية هائلة للطاقة المتجددة، مع أكثر من 300 يوم مشمس سنوياً ومعدل إشعاع شمسي يصل إلى 5.6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع [2]، مما يؤهلها لأن تكون رائدة في هذا المجال. هذه الإمكانيات لو استثمرت في كافة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة بالشكل الأمثل، لكانت قادرة على توفير طاقة نظيفة  لكافة للمستشفيات والمدارس، وتشغيل مشاريع زراعية، وخلق فرص عمل، وتعزيز صمود المجتمعات المحلية.

 

الإسهام المحدود: أسباب وعوامل

 

لكن إسهام الطاقة المتجددة في تحقيق التنمية المستدامة يظل محدوداً لعوامل أهمها:

 

أولاً: معيقات مرتبطة بالاحتلال، وتشمل انعدام وجود شبكة نقل وطنية ذات الجهد العالي نتيجة الرفض الإسرائيلي (باعتبارها أحد مظاهر السيادة على البنية التحتية)، والسيطرة الإسرائيلية الكاملة على الأراضي في المناطق (ج) المؤهلة لبناء محطات ذات قدرات متوسطة، وازدواجية المعايير التي ترفض المشاريع الفلسطينية بينما تمنح المستوطنات موافقات سريعة وتعرفات تفضيلية.

 

ثانياً: معيقات بنيوية داخلية، مثل ضعف شبكات الكهرباء المحلية وعدم ترابطها (حالة جزرية)، وعدم تأهلها لربط مشاريع ذات بعد استراتيجي، إضافة إلى التدمير الشامل لشبكات الكهرباء ومشاريع الطاقة الشمسية في قطاع غزة. وتشير التقديرات الأولية إلى محدودية قدرة الشبكات الكهربائية القائمة على استيعاب الطاقة المستهدفة في الخطة الوطنية، مما يستلزم العمل على توسعة وتطوير شبكات التوزيع وبناء نظام النقل الكهربائي، إضافة إلى الإدراج الإلزامي لتقنيات تخزين الطاقة في المشاريع الجديدة. وتقدر كلفة تأهيل الشبكات في الضفة الغربية بحوالي 150 مليون دولار، وبناء قدرات تخزينية بـ 150 مليون دولار إضافية [2].

 

ثالثاً: معيقات مؤسسية ومالية، تتمثل في ضعف البيئة التشريعية وتداخل الصلاحيات، ومحدودية التمويل والحوافز للمستثمرين.

 

وتتوزع هذه المعيقات بشكل غير متساوٍ بين أنواع الطاقة المتجددة المختلفة. ففي مجال طاقة الرياح، تشكل "القيود الأمنية من الجانب الإسرائيلي" العائق الأكبر، إضافة إلى محدودية الخبرات الفنية المحلية وصعوبة توفر المناطق ذات سرعات الرياح المجدية اقتصادياً، علماً أن المواقع المناسبة غالباً ما تفتقر إلى شبكات كهربائية قادرة على الاستيعاب [2].أما بالنسبة لـ محطات الطاقة الشمسية المركزة (CSP)، فإن التحدي يتمثل في حاجتها لاستثمارات كبيرة جداً (حيث لا تقل قدرة المحطة الواحدة المجدية اقتصادياً عن 50 ميجاواط)، وتتركز المواقع المناسبة لها في المناطق المصنفة (ج)، مما يخلق عائقاً كبيراً أمام الحصول على التراخيص اللازمة ونقل الطاقة المنتجة [2].

 


 

حلول محلية واعدة: Micro-grid كنموذج للصمود التنموي

 

في المقابل، تشكل مشاريع Micro-grid (الشبكات الصغيرة جدا) الحل المناسب والأمثل في الظرف الفلسطيني الراهن بسبب تعذر وجود أنظمة مركزية كبيرة. التجارب الميدانية في المناطق الريفية  أثبتت جدواها في توفير الكهرباء للمنازل وضخ المياه للزراعة وتحسين الأمن الغذائي، بفترة استرداد رأس مال مناسبة مقارنة باستخدام المولدات.

 

هذه المشاريع تمثل نموذجاً عملياً للربط بين الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة، حيث تساهم بشكل مباشر في تحقيق الهدف الثاني (الأمن الغذائي) عبر توفير الطاقة لضخ المياه الزراعية، والهدف الثالث (الصحة) عبر تشغيل العيادات الريفية، والهدف الرابع (التعليم) عبر إنارة المدارس، والهدف الثامن (العمل اللائق) عبر خلق فرص عمل محلية.

 

الفجوة بين الطموح والواقع في قطاع الطاقة

 

وضعت الحكومة الفلسطينية أهدافاً طموحة، أبرزها الوصول إلى 30% من مصادر الطاقة المتجددة من الاستهلاك النهائي للطاقة الكهربائية بحلول عام 2030 [2]. وتترجم الخطة الوطنية للطاقة المتجددة  (2025-2030)  هذا الطموح إلى أرقام محددة، حيث تستهدف إضافة 1430 ميجاواط من مصادر الطاقة المتجددة المتنوعة، ليبلغ إجمالي القدرات المركبة حتى العام 2030 حوالي 1730 ميجاواط ،بما يشمل 300 ميجاواط تم إنجازها قبل الخطة [2]. وتشكل الطاقة الشمسية الكهروضوئية المكون الرئيسي لهذه الخطة، باستهداف إضافة 1300 ميجاواط (أي ما نسبته 91% من الهدف العام)، تليها الطاقة من المخلفات (60 ميجاواط)، والطاقة الشمسية المركزة (50 ميجاواط)، وطاقة الرياح (20 ميجاواط). [2]

 

وفي إطار سعيها لتحقيق الأمن الطاقي، تحدد الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027) الهدف الاستراتيجي الأول بـ "تحقيق الأمن الطاقي من خلال تنويع مصادر الطاقة واستدامتها". ويترجم هذا الهدف إلى نتائج محددة ترتبط مباشرة بغايات الهدف السابع من أهداف التنمية المستدامة (SDG 7) الخاص بـ "الطاقة النظيفة وبأسعار معقولة [1].

 

لكن الواقع يشير إلى أن القدرة الإجمالية للألواح الشمسية لا تتجاوز 300 ميجاواط (حوالي 5-6% من الاستهلاك الكلي)  [2]، وهو تقدم ملحوظ لكنه بعيد عن الهدف الاستراتيجي.

 

هذه الفجوة تعكس الفجوة الأكبر بين التخطيط والتنفيذ التي تعاني منها عملية التنمية بشكل عام، وتؤكد أن قطاع الطاقة ليس بمعزل عن التحديات الهيكلية التي تواجهها الدولة. تُظهر استراتيجية سلطة الطاقة (2025-2027) والخطة الوطنية (2025-2030) مدى دقة التخطيط الوطني ومواءمته مع المعايير الدولية. إلا أن هذه الوثائق، بطبيعتها كخطط وطنية، تفترض وجود سيادة كاملة على الموارد والقدرة على تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى. هنا تبرز الفجوة بين ما هو "مخطط" في الاستراتيجيات وما هو "ممكن" على الأرض في ظل التحديات السياسية. فبينما تطمح الاستراتيجية إلى مشاريع ربط إقليمي وتوسيع شبكات النقل، يبقى تنفيذها رهناً بموافقات الاحتلال على الأراضي في المناطق (ج) وإمكانية استيراد المعدات، مما يجعل من هذه الوثائق خريطة طريق لـ"صمود تنموي"[8] في انتظار توفر الإرادة السياسية لتحقيقها.

 

الآثار الاقتصادية والبيئية المتوقعة

 

تحمل الخطة الوطنية للطاقة المتجددة في طياتها آثاراً اقتصادية وبيئية كبيرة. فعلى المستوى الاقتصادي المباشر، تقدر الاستثمارات المباشرة لتنفيذ الخطة بحوالي 1.493 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات في التخزين والبنية التحتية [2]. وتساهم هذه الاستثمارات في تقليل الاستنزاف السنوي لمقدرات الشعب الفلسطيني لصالح الموردين غير المحليين، حيث تشكل الطاقة الكهربائية المستوردة حالياً ما نسبته 5-5.5% من الناتج المحلي الإجمالي [2].

 

أما الآثار غير المباشرة، فتشمل خفض الفاقد الفني الذي تفرضه شركة الكهرباء الإسرائيلية (والذي يصل أحياناً إلى 8%)، وخفض كلفة الإنتاج على المنشآت المحلية، وتوفير فرص عمل جديدة، ونشوء صناعات محلية مساندة، وفتح آفاق جديدة للتمويل الأخضر في فلسطين  [2].

 

وعلى الصعيد البيئي، سيساهم تنفيذ الخطة في تجنب انبعاث حوالي 1,965,600 طن سنوياً من غاز ثاني أكسيد الكربون بحلول نهاية عام 2030، مما يعزز التزام فلسطين بالاتفاقيات الدولية الخاصة بتغير المناخ والمساهمات المحددة وطنياً [2] (NDC)...

 


 

استمرارية السياسات: بين الضمان القانوني والتحديات التنفيذية

 

يوفر قرار بقانون رقم (14) لسنة 2015 بشأن الطاقة المتجددة وتعديلاته إطاراً قانونياً مؤسسياً، كما أن وجود هيئات مستقلة (سلطة الطاقة، مجلس التنظيم، شركة النقل  وشركات التوزيع) يشكل ضمانة نسبية لاستمرارية العمل.

 

لا يقتصر دور الاستراتيجية على الجانب الفني فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب المؤسسية والحوكمة. فالهدف الاستراتيجي الثالث يركز على "تحديث الإطار القانوني الناظم وتحسين البيئة الاستثمارية للقطاع". وهذا البعد يحمل في طياته ارتباطاً وثيقاً بتحقيق غايات الهدف السابع [1].

 

فمن خلال "تحديث القوانين والأنظمة"، تسعى السلطة إلى خلق بيئة جاذبة للاستثمار، وهو شرط أساسي لزيادة "قدرة توليد الطاقة المتجددة المنشأة" وتحسين "كفاءت الطاقة". كما أن النتائج المتعلقة بـ "خفض صافي الإقراض لقطاع الكهرباء وتحسين كفاءة التحصيل" تهدف إلى ضمان الاستدامة المالية للقطاع، وبالتالي "استدامة" تقديم الخدمات للمواطنين، وهو ما يتماشى تماماً مع مبدأ "عدم ترك أحد خلف الركب[1].

 

وتعتمد الخطة بشكل كبير على استثمارات القطاع الخاص والمانحين الدوليين، حيث تشير التقديرات إلى أن تنفيذ الجزء الأكبر منها سيكون عبر استثمارات مباشرة من القطاع الخاص، إضافة إلى مساهمة المانحين عبر برامج التمويل الأخضر والكفالات والضمانات (مثل برنامج البنك الدولي بقدرة 20 مليون دولار، والذي يسعى للوصول إلى 80 مليون دولار) [2] .كما تجري سلطة الطاقة مفاوضات مع صندوق المناخ الأخضر (GCF) للحصول على منح لمشاريع كبرى[2]. إلا أن هذا الاعتماد على التمويل الخارجي يبقى أحد نقاط الضعف التي تهدد استمرارية السياسات إذا تغيرت أولويات المانحين.

 

لكن البيئة التشريعية لا تزال تعاني من غموض يخلق مساحة لتفسيرات مختلفة، وضعف في الحوكمة والتنسيق المؤسسي، وغياب أهداف رقمية ملزمة أو آليات مساءلة واضحة. إضافة إلى ذلك، فإن سيطرة الاحتلال تشكل "الفيتو" الخارجي الذي يعطل التنفيذ بغض النظر عن قوة القانون محلياً، مما يعيد التأكيد على أن تحدي التنمية في فلسطين هو في الأساس تحدي سيادي.

 


 

قطاع غزة: انهيار شامل وتحول التنمية إلى إغاثة وجودية

 

يشكل قطاع غزة الحالة الأكثر تطرفاً في معادلة الهشاشة المزمنة التي تعاني منها فلسطين، حيث تحولت التنمية المستدامة من هدف استراتيجي إلى رفاهية مستحيلة في ظل الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية للطاقة. فقبل السابع من أكتوبر 2023، كان القطاع يعاني أصلاً من عجز مزمن في الطاقة، حيث كان يعتمد على 120 ميجاواط مستوردة من إسرائيل ووقود لتشغيل محطة التوليد الوحيدة، لتغطية طلب يقدر بنحو 600 ميجاواط [3] . لكن العدوان الأخير حوّل هذا العجز المزمن إلى انهيار كامل، حيث دُمرت شبكات الكهرباء ذات الجهد المتوسط بنسبة 80% (800 كم)، والمنخفض بنسبة 60% (2000 كم)، كما طال الدمار حوالي 80% من الألواح الشمسية المنزلية و85% من المشاريع التجارية [3].

 

هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية للطاقة أفقد 2.1 مليون فلسطيني القدرة على تأمين أبسط مقومات الحياة. فبعد أن كانت الأسر تستهلك 200-300 كيلوواط/ساعة شهرياً، انخفض الاستهلاك إلى أقل من 50 كيلوواط/ساعة، مع اعتماد شبه كامل على بطاريات السيارات وأنظمة شمسية صغيرة غير كافية. [3] وحسب تصنيف "الإطار متعدد المستويات" (MTF) لقياس جودة الطاقة، فإن أكثر من 90% من الأسر في غزة تقع في المستويين " 0 و1، أي أنها لا تحصل على كهرباء سوى لأقل من 4 ساعات يومياً" ،حسب هذا المعيار، وبما لا يكفي إلا لشحن الهاتف أو إنارة بسيطة [3]. ويعتمد 73% من السكان على بطاريات هواتفهم المحمولة كمصدر رئيسي للإضاءة في ظل انعدام التيار العمومي [3] .

 

أما كارثة الطاقة في غزة فتتجلى بأبشع صورها في قطاع الطهي، حيث تحولت معاناة تأمين وجبة دافئة إلى صراع يومي على البقاء. فبينما كانت أسرة واحدة تستهلك 15-20 كغم من غاز الطهي (LPG) شهرياً قبل الحرب، أصبحت نفس الكمية من الغاز (8 كغم) تكفي لـ40-60 يوماً، مما اضطر 86% من الأسر إلى العودة لطرق طهي بدائية وخطيرة كالمواقد الطينية والطبخ على الحجارة [3]. والمشهد الأكثر مأساوية هو لجوء العائلات إلى حرق الأخشاب المنقولة من ركام المباني، أو حتى شراء النفايات البلاستيكية خصيصاً لحرقها كوقود للطهي، مما يعرضهم لسموم خطيرة ويؤكد تحول أزمة الطاقة إلى أزمة إنسانية وجودية [3]. وتشير البيانات إلى أن ربع الأسر فقط كانت قادرة على إعداد وجبة ساخنة واحدة يومياً خلال فترة المسح، بينما حُرمت نسبة كبيرة من إعداد أي وجبة ساخنة على الإطلاق [3] .

 

إن معادلة التنمية في غزة قد انقلبت رأساً على عقب. فبدلاً من الحديث عن أهداف تنموية كبرى، أصبح الحديث يدور حول استعادة الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي تمكن الإنسان من العيش بكرامة. التعافي في غزة لا يبدأ بتحقيق الهدف السابع (الطاقة النظيفة)، بل يبدأ بإعادة تشغيل خطوط التغذية الكهربائية الأساسية، والسماح بإدخال آلاف الأطنان من الغاز والوقود، وتأمين الألواح الشمسية الصغيرة والبطاريات كحلول إغاثية عاجلة. وهذا ما تؤكده توصيات تقرير NORCAP الذي يشدد على ضرورة التعامل مع الطاقة كأولوية إنسانية قصوى، وليس كملف تقني ثانوي [3]. غزة اليوم تقدم أقسى دليل على أن التنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل انعدام السلام، وأي حديث عن أهداف 2030 يبقى معلقاً حتى يتم وقف العدوان والحرب بصورة كاملة وإعادة بناء ما دمر.

خلاصة: التنمية المستدامة كصراع وجودي

 

في الختام، يمكن القول إن العلاقة بين التنمية المستدامة والطاقة المتجددة في فلسطين هي علاقة عضوية تعكس واقعاً معقداً. فالطاقة المتجددة، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية، تتحول هي نفسها إلى ضحية لنفس المعيقات التي تعيق التنمية.

 

نحن أمام معادلة صعبة: نحاول بناء مستقبل مستدام في ظل احتلال يعمل على تقويض كل مقومات هذا المستقبل. المكاسب التنموية التي تتحقق، سواء في قطاع الطاقة أو غيره، هي بمثابة "صمود تنموي" أكثر منها تنمية بالمعنى الكلاسيكي. تجربة مشاريع Micro-grid في المناطق الريفية تقدم نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، عبر حلول محلية مبتكرة تعزز صمود المجتمعات.

 

الحكومة والمؤسسات الفلسطينية تبذل محاولات جادة، وتسعى لمواءمة الخطط الوطنية مع أهداف التنمية المستدامة، وتُظهر استراتيجياتها الوطنية مثل استراتيجية الطاقة (2025-2027) والخطة الوطنية للطاقة المتجددة (2025-2030) مدى شمولية هذا التخطيط ومواءمته مع المعايير الدولية، لكن الأداء التنموي الشامل يبقى محدوداً لأن القرار النهائي في كثير من الملفات التنموية ليس بأيدينا. يبقى الرهان الأكبر على إرادة الشعب الفلسطيني وشراكاته الدولية وقدرته على ابتكار طرق جديدة للتكيف والصمود، إلى أن تتوفر الإرادة السياسية الدولية ويتوج النضال الوطني الفلسطيني بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال  والسلام العادل والشامل الذي يعد شرطاً أساسياً لتحقيق جميع أهداف التنمية المستدامة الأخرى، وفي مقدمتها الهدف السابع المتعلق بالطاقة النظيفة. 

الهوامش

 

 [1] سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية (PENRA ):الاستراتيجية الوطنية للطاقة (2025-2027).  فلسطين.

 

 [2] سلطة الطاقة والموارد الطبيعية الفلسطينية  (PENRA) :الخطة الوطنية للطاقة المتجددة في فلسطين (2030-2025).. فلسطين.

 

 [3] Helbig, F., Al-Kaddo, H., & Onsager, J. E. (2025). *Restoring Dignity: The Urgent Need for Energy Access in Gaza - 2025 Energy Assessment for Gaza: Humanitarian Operations and Household Needs*. Shelter Cluster (Palestine), NRC and NORCAP.

 

   [1] State of Palestine- country strategic plan (2023 - 2028), revision |04|-WFP   [2] مبادرة الشرق الأوسط الأخضر هي مبادرة إقليمية تقودها المملكة العربية السعودية بهدف الحدّ من تأثيرات تغير المناخ على المنطقة، والعمل المشترك لتحقيق أهداف العمل المناخي العالمي. ومن خلال توسيع التعاون الإقليمي وإنشاء بنية تحتية كفيلة بخفض الانبعاثات وحماية البيئة   [3] Palestine Habitat Country Programme Document (2023-2026)   [4] الإحصاء الفلسطيني - بيان صحافي بمناسبة اليوم العالمي للإحصاء الذي يصادف العشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2025   [5] الإحصاء الفلسطيني – نفس المصدر   [6] رقم قياسي.. 28 ألف وحدة استيطانية جديدة بالضفة في 2025 - الجزيرة   [7] الإحصاء الفلسطيني   [8]  ""الصمود التنموي" مصدره الأساسي هو المزج بين النضال الوطني الفلسطيني (الثبات على الأرض) وأدوات التنمية الحديثة (التمكين الاقتصادي، بناء المؤسسات، والحماية الاجتماعية)  

عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إقليمي: دفاعات الكويت والسعودية والإمارات تتصدى لهجمات واسعة والحرس الثوري يستهدف 'ألبا'

أعلنت كل من الكويت والإمارات والمملكة العربية السعودية، اليوم الأحد، عن تعرض أراضيها لسلسلة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة الانتحارية. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة في وقت دخل فيه العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران يومه الثلاثين، مما أدى إلى توسع رقعة المواجهات العسكرية لتشمل أهدافاً حيوية في المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية كويتية بأن منظومات الدفاع الجوي في البلاد نجحت في اعتراض وتدمير أهداف معادية في السماء، مؤكدة أن أصوات الانفجارات التي سُمعت كانت ناتجة عن عمليات التصدي الناجحة. وأوضح الجيش الكويتي في بيانات لاحقة أنه تعامل مع ثلاث موجات متتالية من الهجمات التي استهدفت مواقع مختلفة، مشدداً على جاهزية القوات المسلحة لحماية أمن البلاد.

وفي المملكة العربية السعودية، أكدت وزارة الدفاع اعتراض وتدمير نحو 10 طائرات مسيرة مفخخة خلال الساعات القليلة الماضية، دون وقوع إصابات. وتعمل الجهات المختصة على رصد مصادر الإطلاق وتأمين الأجواء السعودية بشكل كامل لضمان سلامة المنشآت والمدنيين في المناطق الحدودية والداخلية.

من جانبها، كشفت وزارة الدفاع الإماراتية عن تصديها لاعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة وصفتها بأنها قادمة من الأراضي الإيرانية. وأشارت الوزارة في بيان رسمي إلى أن منظومات الدفاع الجوي تعاملت بفاعلية مع صواريخ باليستية وأخرى من نوع 'كروز' (جوالة)، بالإضافة إلى طائرات مسيرة كانت تحاول اختراق الأجواء الإماراتية.

وفي مملكة البحرين، سادت حالة من الاستنفار عقب إطلاق صفارات الإنذار في مختلف أنحاء البلاد، حيث دعت وزارة الداخلية المواطنين والمقيمين إلى ضرورة التوجه فوراً إلى الملاجئ والأماكن الآمنة. ورغم عدم إفصاح الداخلية عن تفاصيل الهجوم بشكل مباشر، إلا أن هذه الإجراءات تتزامن عادة مع رصد تهديدات جوية وشيكة تستهدف العمق البحريني.

وعلى صعيد الخسائر المادية، أعلنت شركة ألومنيوم البحرين 'ألبا' تعرض منشآتها الصناعية لهجوم مباشر أسفر عن إصابة شخصين بجروح طفيفة. وأكدت الشركة في بيان نقلته مصادر رسمية أنها تجري حالياً تقييماً شاملاً لحجم الأضرار الفنية والإنشائية التي لحقت بالمصهر، الذي يعد من أكبر مصاهر الألمنيوم على مستوى العالم.

وفي تطور لافت، أعلن الحرس الثوري الإيراني مسؤوليته الكاملة عن الهجوم الذي استهدف شركة 'ألبا' في البحرين، بالإضافة إلى هجوم آخر طال شركة الإمارات للألمنيوم 'إيمال'. وبرر الحرس الثوري هذه الاستهدافات بأن هذه الشركات تلعب دوراً محورياً في دعم الصناعات العسكرية الأمريكية من خلال شراكات واستثمارات استراتيجية.

وتعاني شركة 'ألبا' البحرينية بالفعل من ضغوط تشغيلية حادة، حيث كانت قد أعلنت في منتصف مارس الجاري عن خفض طاقتها الإنتاجية بنسبة 19%. ويعود هذا التراجع إلى الاضطرابات الكبيرة في سلاسل الإمداد والنقل البحري الناتجة عن إغلاق إيران لمضيق هرمز الاستراتيجي منذ اندلاع المواجهات في فبراير الماضي.

وتشهد المنطقة حالة من الحرب المفتوحة منذ الثامن والعشرين من فبراير، حيث تتبادل الأطراف الضربات الصاروخية والجوية بشكل يومي. وتؤكد طهران أنها تستهدف ما تصفه بالمصالح والمواقع الأمريكية في الدول العربية رداً على الهجمات التي تتعرض لها، وهو ما تعتبره الدول الخليجية اعتداءً صارخاً على سيادتها وأمنها القومي.

وقد أدانت الدول المستهدفة هذه الهجمات المتكررة التي طالت أعياناً مدنية ومنشآت اقتصادية، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل لوقف هذا التصعيد. وحذرت المصادر من أن استمرار استهداف البنية التحتية للطاقة والصناعة في الخليج قد يؤدي إلى تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وإمدادات المعادن الأساسية.

فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

بدعم من وكالة الإمارات للمساعدات الدولية .. عملية "الفارس الشهم3" تواصل إغاثة غزة بالغذاء والدواء والكسوة

تواصل دولة الإمارات تعزيز حضورها الإنساني والإغاثي في قطاع غزة، حيث وصلت القافلة رقم 328 إلى القطاع ضمن عملية "الفارس الشهم 3"، وتحمل مبادرة "كسوة الأمل لأطفالنا في غزة" الملابس والكسوة للأطفال، لتخفف عنهم وطأة الظروف الصعبة وتزرع الفرحة والبهجة في نفوسهم، ضمن جهود مستمرة لتلبية احتياجات الأشقاء الفلسطينيين ودعمهم في مختلف المجالات الإنسانية.

تضمنت القافلة 15 شاحنة محمّلة بـ270 طناً من الملابس وكسوة الأطفال، لتضيء قلوب الأسر الفلسطينية وتلبي احتياجات الأطفال الأساسية، معززة رسالة الإمارات الثابتة في مدّ يد العون ومساندة الأشقاء في كل الظروف، لتجسد التزامها الإنساني العميق تجاه أهل غزة.

ساهمت مجموعة من أبرز المؤسسات الخيرية والإنسانية في دولة الإمارات في وصول هذه القافلة إلى غزة، من هيئة الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، إلى جمعية الشارقة الخيرية ومؤسسة زايد الخير، مروراً بهيئة الأعمال الخيرية العالمية ومؤسسات عيسى صالح القرق الخيرية و صقر بن محمد القاسمي للأعمال الخيرية والإنسانية، لتجسد بذلك روح التضامن الإماراتية وحرصها الثابت على مدّ يد العون للأشقاء في كل الظروف.

فيما يكرّس فريق المساعدات الإنسانية الإماراتي في مدينة العريش، عبر المركز اللوجستي للمساعدات الإنسانية، جهوده على مدار الساعة لاستقبال المساعدات وفرزها وتنظيمها وتجهيزها وتحريكها حسب الاحتياجات الفعلية داخل قطاع غزة، بما يضمن سرعة الاستجابة واستمرارية تدفق الدعم إلى الأشقاء الفلسطينيين.

تعكس عملية "الفارس الشهم 3" النهج الإنساني الثابت لدولة الإمارات وحرصها المستمر على مدّ العون إلى أهل غزة، من خلال قوافل إغاثية متواصلة تشمل الغذاء والدواء وكسوة الأطفال، مؤكدة أن رسالة الإمارات الإنسانية ستظل حاضرة للوصول إلى كل محتاج وبأسرع وقت ممكن. 

 

 

 

فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 10:14 صباحًا - بتوقيت القدس

حكومة الاحتلال سلَّحتهم وزوَّدَتهم بمركبات خاصة وتحميهم من المُحاكمة: "توحش المستوطنين" يصل إلى مستويات غير مسبوقة في الضفة



نابلس- "القدس" دوت كوم- غسان الكتوت- الرواد للصحافة والإعلام-
قال المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إن إرهاب المستوطنين واعتداءاتهم على المواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية واستهدافهم في حياتهم ومساكنهم وممتلكاتهم وحقولهم وصلت في الشهر الجاري إلى مستويات غير مسبوقة؛ فهؤلاء الارهابيون المسلحون يستغلون ظروف الحرب الاميركية- الاسرائيلية على إيران لإشاعة حالة من الرعب في صفوف المواطنين الفلسطينيين، الذين يتصدون لهذا الارهاب بصدور عارية.

الفلسطينيون تحت إرهاب المستوطنين
ونقل المكتب الوطني عن مصادر متعددة أن مجتمعات بأكملها تعيش في خوف دائم من إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، وأنها باتت محاصرة ومعزولة عن العالم الخارجي وأن مئات العائلات الفلسطينية أُجبرت على الفرار من مساكنها بسبب تصاعد هذه الهجمات، لا سيما في الأغوار، بعد أن تم تزويد المستوطنين بالأسلحة والمركبات الخاصة، الأمر الذي يؤكد اعتماد سلطات الاحتلال على هؤلاء المستوطنين في تهيئة الظروف للتهجير والتطهير العرقي.
وبالفعل فقد بات ذلك واضحاً من انتشار هذا الارهاب على نطاق واسع في الأسابيع الأخيرة، بما فيها أيام عيد الفطر المبارك، الذي شهد موجة عالية من الاعتداءات على المواطنين طالت العشرات من البلدات والقرى ولم تسلم منها حتى العيادات الطبية كما جرى في كل من قرية جالود وبلدة برقة في محافظة نابلس.
كما تشير الى ذلك أيضاً تقديرات متطابقة لكل من المكتب الوطني للدفاع عن الارض وهيئة مقاومة الجدار والاستيطان وعديد منظمات حقوقية اسرائيلية مناهضة للاحتلال والاستيطان، فقد عم ارهاب المستوطنين عشرات البلدات والقرى في مختلف أنحاء الضفة، وأسفر عن عشرات الإصابات وتضرر عشرات المنازل والمركبات، وكان آخرها في قرية دير الحطب الى الشرق من مدينة نابلس حيث تم حرق أربعة منازل وتسع مركبات وإصابة 13 مواطنا أربعة منهم نقلوا إلى المستشفيات.

التطهير العرقي هو الهدف
وذكر المكتب الوطني للدفاع عن الأرض في بيان، أن هدف هذا الارهاب واضح، ليس فقط السطو على اراضي المواطنين وتوسيع نطاق التوسع الاستيطاني وتدمير فرص التوصل الى تسوية سياسية للصراع، بل يتجاوز ذلك على نحو يعيد للذاكرة مخططات تهجير وتطهير عرقي مارستها اسرائيل منذ الأيام الاولى لقيامها.
وترصد تقارير لمنظمة "بتسيلم" وجمعية "عير عميم"، المعنيتان بعنف المستوطنين في الضفة الغربية، زيادة إراقة الدماء الفلسطينية وتكثيف التطهير العرقي تحت غطاء الحرب مع إيران وتصفه بأنه "سرطان يتفشى". الحكومة الإسرائيلية، وفي إطار التضليل الذي تمارسه حول إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية عقب احتجاجات من جانب مسؤولين في الإدارة الأميركية، زعمت أنها ستقيم وحدة في وزارة الجيش لمواجهة تنظيم "شبيبة التلال" الاستيطاني الإرهابي، الذي يتخذ من المستوطنات والبؤر الاستيطانية وما يسمى بالمزارع الرعوية ملاذات آمنة، وأنها سوف ترصد لها ميزانية بمبلغ 130 مليون شيقل للسنوات الثلاث المقبلة.
إلا أن ضابطا إسرائيليا كبيرا في قوات الاحتياط أكد أن هذه الميزانية سوف تُرصد للمجالس الإقليمية للمستوطنات وأنها سوف تُستغل لصالح البؤر والمزارع الاستيطانية، التي تشكل معاقل المستوطنين الإرهابيين، وأن هذه الحكومة تمارس الخداع وفق ما نقلت عنه صحيفة "هآرتس" الجمعة.

مسلَّحون وأعدادهم بالمئات
كما كشف ضباط إسرائيليون وعناصر في الشاباك، تحدثوا للصحيفة، عن الكذب والتضليل الذي يمارسه رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، في هذا الموضوع، وقالوا إنه يشارك في الاعتداءات على الفلسطينيين حوالي 70 فتى غاضبين ومرتبكين، وأنهم يأتون من داخل "الخط الأخضر" إلى الضفة الغربية، فيما تؤكد الأحداث والحقائق أن هؤلاء يعدون بالمئات ويعتدون بشكل منظم في هجمات متواصلة على قرى فلسطينية وتجمعات بدوية بهدف طردهم من قراهم وأماكن سكناهم، وفي حالات كثيرة يستخدمون الأسلحة النارية، وتعمل حولهم منظومة أوسع داعمة ومؤيدة لهم.

القانون يعيد إنتاج إرهاب المستوطنين
نقلت صحيفة الغارديان في الخامس والعشرين من الشهر الجاري أن إسرائيل لم تحاكم أي إسرائيلي بتهمة قتل مدنيين فلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ بداية العقد الحالي. وأضافت الصحيفة نقلا عن منظمة "يش دين" الحقوقية الاسرائيلية: أن أكثر من 96% من تحقيقات الشرطة في أعمال العنف التي ارتكبها المستوطنون بين عامي 2020 و2025 انتهت دون توجيه اتهامات ومن بين 368 قضية، لم تُسفر سوى 8 قضايا، أي 2% فقط من الإجمالي، عن إدانات كاملة أو جزئية وأن 1746 شكوى قدمت من فلسطينيين بشأن الأضرار التي لحقت بهم على يد الجنود الإسرائيليين، بما في ذلك أكثر من 600 شكوى تتعلق بعمليات قتل، ولم تُسفر سوى أقل من 1% من هذه الشكاوى عن توجيه اتهامات.
هذا الفشل المنهجي المستمر لأكثر من عقدين يثبت، حسب المنظمة أن سياسة إنفاذ القانون الفاشلة ليست سهوا، بل دليل على أن اسرائيل تتعمد تمكين العنف ضد مدنيين عزل، وتتعاون معه في بعض الاحيان، حيث وثقت المنظمة عدداً كبيراً من حوادث العنف في الضفة الغربية بين عامي 2023 وتشرين ثاني 2025 وفي عدد من هذه الحوادث، تم التبليغ عن وجود جنود أو ضباط شرطة أثناء الاعتداءات، مع تقديم مساعدة مباشرة أو غير مباشرة للمستوطنين.
كما أنه وفقا لقوانين الحرب وقوانين الاحتلال، من المفروض أن تضطلع شرطة الاحتلال بدورها في كبح ارهاب المستوطنين، لأن المواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية يخضعون للقانون الإسرائيلي، ومن المفروض أن تحقق الشرطة في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون. ولكن بيانات إنفاذ القانون تشير إلى الفشل في ذلك، وتشير تقارير جمعية "يش دين" في هذا الصدد إلى أن 3% فقط من ملفات التحقيق في الجرائم بدافع أيديولوجي التي يرتكبها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين تنتهي بتوجيه اتهام.
بكلمات أخرى، لا يتم تقديم أي أحد للعدالة في معظم حالات العنف مثل الإحراق المتعمد والاعتداء وتدمير الممتلكات. وحتى عند إجراء التحقيق، يتم إغلاق الملفات لعدم كفاية الأدلة. وبهذا يساهم نظام إنفاذ القانون برئاسة الوزير بن غفير فعلياً في استمرار العنف.

مطالبات دولية.. لكن بلا قيمة
وحيث ان هذا العنف المنظم بات يشكل حرجا لدولة الاحتلال على المستوى العالمي، فقد طالب سفراء سابقون ومسؤولون كبار في السلك الدبلوماسي الإسرائيلي، حكومتهم بالوقف الفوري لعنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. وجاء في العريضة الموقّعة من أكثر من 90 سفيراً ودبلوماسياً سابقاً، وشاركها السفير الإسرائيلي السابق لدى الهند دانيال كارمون باللغتين الإنجليزية والعبرية على صفحته في منصة "إكس"، الأربعاء، "ندعو حكومة إسرائيل إلى اتخاذ كافة التدابير اللازمة من أجل وضع حد فوري لأعمال العنف الموجهة ضد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية، واتخاذ إجراءات عاجلة وحازمة بحق مرتكبي هذه الأفعال الإجرامية".
وأضافوا "هذا العنف غير المقبول، الذي يتفاقم تحت غطاء الحرب، يتعارض جوهرياً مع أبسط مبادئ الحكم الرشيد والأخلاق، ويشكّل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الإسرائيلي".

الإبادة تطال أشجار الزيتون
حقول الزيتون هي الاخرى تحولت الى هدف لاعتداءات المستوطنين وجيش الاحتلال؛ فخلال أيام قليلة اقتلع جيش الاحتلال بمرافقة قطعان المستوطنين مئات الأشجار المعمرة، خاصة في مناطق رام الله وشمال القدس، استنادا لقرارات عسكرية باقتلاع الأشجار من نحو 380 دونماً في أراضي سلواد وعين سينيا وعطارة شمال شرق وشمال رام الله، و100 دونم من أراضي نعلين غرب رام الله، ونحو 200 شجرة بين بلدتَي بيت إكسا وبدو شمال غرب القدس دون سابق انذار.
وتأتي هذه الإجراءات التعسفية في سياق تسريع إنشاء مناطق عازلة حول المستوطنات والشوارع التي يمر منها المستوطنون. في قرى شمال شرق رام الله، تبلغت المجالس المحلية قرارا بقطع الأشجار من 380 دونماً في مناطق عيون الحرامية ووادي البلاط ووادي الزيتون. وصدر القرار بذلك في الثالث من آذار الجاري وتضمن خريطة مرفقةً توضح أن الاحتلال ينوي قطع الأشجار على جانبَي الطريق الرئيس بين رام الله ونابلس، الذي يستخدمه المستوطنون، كما أفاد بذلك رئيس بلدية سلواد رائد حامد. ويشمل القرار اقتلاع آلاف الأشجار من أراضي عين سينيا وعطارة. وفي نعلين غربي رام الله سيشمل قطع الأشجار وفق القرار الصادر مساحة مئة دونم من أراضٍ عدد من القرى الواقعة في الجهة الجنوبية المحاذية لجدار الفصل العنصري. ويأتي ذلك تنفيذا لأوامر عسكرية بإضافة مساحات أوسع إلى المناطق المسماة أمنية حول عدد من المستوطنات، وفق مخطط أعده بتسلئيل سموتريتش لفرض مناطق عازلة بعد تفريغها من الأشجار في مساحة تمتد بين عشرات الأمتار و200 متر عن المكان المصنّف أمنياً.

مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة
دولة الاحتلال لم تعد تكترث بالهيئات الدولية والقوانين الدولية وتواصل على هذا الاساس سياستها في التخطيط لإقامة مستوطنة "ناحال دوران" على جبل طاروسا من أراضي مدينة دورا الى الجنوب من مدينة الخليل وبلدة دير سامت الى الغرب من المدينة بعد القرار الصادر عن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت) نهاية العام الماضي، والقاضي بإقامة المستوطنة الجديدة وإضفاء الشرعية في الوقت نفسه على عدد من البؤر الاستيطانية والمزارع الرعوية الارهابية، بما فيها مستوطنة "ناحال دوران".
ويتمادى المستوطنون في نشاطاتهم الاستيطانية بدعم من المستويات السياسية بعد ان اقتحمت وزيرة الاستيطان الإسرائيلية أوريت ستروك ومستوطنون متطرفون "جبل طاروسا" وأقامت مع هؤلاء المستوطنين حفل إضاءة الشمعة الثامنة في "عيد الحانوكا اليهودي"، حيث قالت الوزيرة ستروك في حينه إنّ "إقامة مستوطنة دوران تعني العودة إلى أرض الآباء، وستشكّل خطة ربط المستوطنات بعضها ببعض لتعزيز الوجود اليهودي" فيما صرّح رئيس المجلس الإقليمي لمستوطنات جبل الخليل، اليرام أزولاي بأنّ مستوطنة "دوران" ستربط بين مستوطني "أدورا" شمال البلدة، و"نيجهوت" جنوباً، في حضور عدد من العائلات التي أعلن أنها جاهزة للاستيطان فيها عبر بؤرة زراعية.
كما صادقت سلطات الاحتلال على مخططات استيطانية جديدة تقضي ببناء مئات الوحدات السكنية في عدد من المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة. وجاءت المصادقة على بناء 316 وحدة سكنية في مستوطنة "كديك عربه" في الأغوار الجنوبية والتي أُقيمت كبؤرة استيطانية عام 2017 بالقرب من تقاطع طريق 1 وطريق 90 إلى الجنوب من مدينة أريحا وبناء 90 وحدة استيطانية في مستوطنة "شيلو" على أراضي قريوت وترمسعيا إلى الجنوب من مدينة نابلس، ونحو 54 وحدة سكنية في مستوطنة "فصايل" في الأغوار الوسطى، ونحو 12 وحدة سكنية في مستوطنة "بدوئيل" في محافظة سلفيت.

مصادرة آلاف الدونمات  
وإلى جانب ذلك أصدرت سلطات الاحتلال في الثالث عشر من آذار الجاري أوامر عسكرية تقضي بالاستيلاء على عشرات الدونمات من أراضي سهل البقيعة في خطوة تأتي بعد أوامر عسكرية مماثلة صدرت نهاية العام الماضي للاستيلاء على نحو 1042 دونماً في سهل عاطوف الواقع ضمن سهل البقيعة في الأغوار الشمالية. وتُعد مناطق الأغوار الشمالية من أكثر المناطق تعرضاً لإجراءات الاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني، حيث تصدر سلطات الاحتلال بشكل متكرر أوامر عسكرية لمصادرة الأراضي أو تحويلها إلى مناطق عسكرية أو لصالح مشاريع استيطانية.
كما استولت قوات الاحتلال على 133 دونماً من أراضي الفلسطينيين في بلدة عرابة في محافظة جنين بذريعة "أغراض عسكرية". منها 128.6 دونماً لتوسيع موقع عسكري شرق البلدة، إلى جانب أمر آخر يقضي بالاستيلاء على 3.6 دونمات لشق طريق في المنطقة ذاتها. وفي محافظة سلفيت، أصدرت سلطات الاحتلال أمراً بمصادرة اراض في بلدة دير استيا، بهدف شق "طريق أمني" جنوب بلدة مردة بمحاذاة مستعمرة أريئيل.
وتضمنت الاوامر العسكرية تدمير مساحة 21.43 دونماً مزروعة بالاشجار من أراضي شرقي بلدة عرابة عن مساحة 47 دونماً من أراضي الفلسطينيين مساحة 25.74 دونماً من أراضي بلدة دير استيا في سلفيت، في المنطقة الواقعة شمال البلدة بمحاذاة شارع واد قانا شرق محافظة قلقيلية.




عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 10:07 صباحًا - بتوقيت القدس

لا نصر ولا هزيمة: الخبير الذي توقّع كل شيء يشرح ما الذي يحدث فعلاً في الحرب

بعد أن توقّع بدقة ردّ إيران قبل الهجوم الإسرائيلي–الأمريكي، يشرح مدير ملف إيران السابق في مجلس الأمن القومي الأمريكي لماذا لا يوجد مسار خروج، ولماذا يبدو أن التصعيد قادم.
أمضى نيت سوانسون ما يقارب عقدين في الإدارة الأمريكية، وكان في منصبه الأخير مدير ملف إيران في مجلس الأمن القومي. قبل أيام قليلة من الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، نشر سوانسون مقالاً توقّع فيه بدقة ما قامت به إيران فعلياً ردًا على الهجوم.
وكما ذكرت صحيفة "بوليتيكو"، كانت هذه الخبرة متاحة للرئيس دونالد ترمب – إلى أن "أُجبر" سوانسون، الذي بقي في منصبه منذ عهد باراك أوباما، على مغادرة منصبه بعد تغريدة انتقادية من صانعة البودكاست المحافظة لورا لومر، بحسب قوله.
في مقاله الذي نُشر في مجلة Foreign Policy بتاريخ 24 فبراير، كتب سوانسون أن إيران لن تستسلم بعد حملة القصف، بل ستصعّد وتهاجم تدفّق النفط العالمي والملاحة الدولية، وترفع أسعار الطاقة، وتخلق عبئًا سياسيًا كبيرًا على ترمب. وبالفعل، نفذت إيران هجمات على أهداف طاقة وغيرها في أنحاء المنطقة، كما قيّدت المرور في مضيق هرمز عبر التهديد للسفن.
في مقابلة مع "بوليتيكو" هذا الأسبوع، توقّع سوانسون أن مفاوضات إدارة ترمب مع إيران لن تنجح، لأن الطرفين "واثقان بمواقفهما بشكل غير عقلاني". وأضاف أن أياً من الجانبين لا يبدو مستعدًا لإيجاد مخرج، قائلاً: "أعتقد أن الحرب ستستمر لفترة أطول مما توقعه أي أحد".

* ترمب يقول إن رد إيران فاجأه – كيف ترى ذلك؟
هذا غير صحيح. كان هناك كثيرون داخل الإدارة حذّروه من المخاطر. هو ببساطة اختار ألا يستمع لهم. وبالنسبة لي، كمن أُجبر على مغادرة الإدارة وكتب بالضبط ما كان واضحًا أنه سيحدث – فهذا ليس شعورًا مريحًا.

* ما تقييمك للوضع الآن؟
أعتقد أن الطرفين واثقان بمواقفهما بشكل غير عقلاني، وهذا مقلق. وأرى أن الحرب ستستمر لفترة أطول مما كان متوقعًا.
ترمب ما زال يعتقد أن النجاح العسكري سيؤدي إلى استسلام سياسي إيراني – وهذا لا يحدث. لإيران رأيها، وهي مصمّمة على المقاومة وإحباط هذه التوقعات. وهي أيضًا واثقة من موقفها بشكل غير عقلاني، دون وجود مخرج. أعتقد أننا سنبقى عالقين في هذا الصراع لفترة طويلة، مع تصعيدات قادمة على الأرجح. والرئيس لن يحصل على مخرج، وأعتقد أننا قد نشهد بعض العمليات البرية التي يفكر فيها.

* هل لست مقتنعًا بالمفاوضات؟
إيران رفضتها بالفعل. هذا نفس العرض الذي رفضته في نسخ سابقة. هي تشعر بالثقة، وتعتقد أنها يجب أن تملي الشروط وليس الولايات المتحدة – وواشنطن لن تقبل بذلك. لا أعتقد أن أي طرف مستعد للتنازل.

* كنت جزءًا من مفاوضات العام الماضي – ما الذي تغيّر؟
من جهة إيران: هناك تشدّد حقيقي نابع من حرب يونيو. لم يكونوا يعرفون كيف يقيّمون ترمب قبل ذلك، أما الآن فأصبحوا أكثر صلابة وأقل مرونة، ومشاركتهم باتت أكثر استعراضًا منها جدية.
من جهة الولايات المتحدة: التغيير جاء مبكرًا. الإدارة لم تكن تعرف ماذا تريد من الاتفاق، وأصبحت أكثر تأثرًا بالسياسة الداخلية وبضغوط خارجية، مثل مطلب "صفر تخصيب".

* لو كنت ما زلت في مجلس الأمن القومي، ماذا كنت ستنصح؟
لن تستطيع التحكم بمسار الخروج. إيران لن تستسلم، وبالتالي فكرة فرض مخرج أحادي الجانب لن تنجح. إما التصعيد أو التسوية – هذان الخياران فقط.

* هل يمكن أن يقبل ترمب بخفض التوتر؟
قد يحدث ذلك في النهاية تحت ضغط الأسواق. يبدو أن هذا هو المؤشر الوحيد الذي يهتم به. كل شيء يعتمد على حجم الألم الاقتصادي.

* ماذا تحتاج إيران لترى مخرجًا؟
هي متشككة حاليًا، ولا ترى أن الطرح يتم بحسن نية – خصوصًا لأنه يُعرض كإنذار ثنائي. كما لا يعجبها الطابع العلني لهذه الطروحات.
عمليًا، تريد أمرين:
    1.    آلية جديدة للرسوم أو القيود في مضيق هرمز مع تعويض مالي بديل
    2.    ضمانة بعدم تكرار حرب كهذه كل عدة أشهر – وهو أمر يصعب توفيره

* ماذا تعلّمت إيران من الصراع؟
سابقًا كان يُعتقد أن إغلاق مضيق هرمز يتطلب وقف الحركة بالكامل، وهذا غير واقعي لأنه يخنق اقتصادها أيضًا. لكن ما اكتشفته إيران هو أنها تستطيع التحكم بما يدخل ويخرج بطريقة تخدم مصالحها.
والدرس الثاني: من يفضلون القوة على الدبلوماسية – الإيرانيون يشعرون حاليًا أنهم في وضع جيد نسبيًا.

* ترمب يقول إن الولايات المتحدة تنتصر – هل هذا صحيح؟
يعتمد على التعريف. إيران تقول الشيء نفسه. من الواضح أننا نلحق ضررًا بجيشهم ولدينا تفوق عسكري – هذه حقائق. لكن إيران يمكنها تعريف النصر على أنه "البقاء". وحتى الآن، هي تفعل ذلك. لذلك، كلا الطرفين محق من زاوية معينة.

* كيف يعيش الشعب الإيراني الحرب؟
من الصعب الجزم، لكن الانطباع هو وجود انقسام شبه متساوٍ بين معارضي النظام، ومؤيديه، ومن يريدون فقط حياة أفضل. الفئة الأخيرة تقف على الحياد حالياً لأنها ببساطة لا تريد أن تموت. لا يبدو أن الناس يغيرون مواقفهم بسبب الحرب.
الشعب الإيراني يُستخدم كورقة ضغط في هذه المواجهة. الهجوم كان سيحدث على أي حال إلى حد ما، لكن تم استخدامهم كذريعة وتبرير – ما يعني أن لديهم احتمال أن يكونوا الخاسر الأكبر. ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم. حتى الآن، المسار لا يشير إلى تغيير نظام.

نقلاً عن "معاريف"

عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 10:06 صباحًا - بتوقيت القدس

قمة قطرية أوكرانية واتفاق لتبادل الخبرات بمواجهة الصواريخ والمسيّرات

بحث أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمس، مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تطورات الأوضاع الإقليمية والدولية، في ظل تصاعد التوترات بالمنطقة.
ووفقاً لبيان للديوان الأميري، ركّز الاجتماع -الذي عُقد في قصر لوسيل- على استمرار العدوان الإيراني على دولة قطر وعدد من دول المنطقة، ومستجدات الأزمة الأوكرانية.
وجدد الرئيس الأوكراني تضامن بلاده مع دولة قطر، معرباً عن إدانته لهذا العدوان، ومؤكداً دعم بلاده للإجراءات التي تتخذها دولة قطر لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها.
وشدد الجانبان خلال الاجتماع على ضرورة الوقف الفوري والعاجل لكافة الأعمال العسكرية التي من شأنها توسيع دائرة الصراع في منطقة الشرق الأوسط وأوكرانيا، وحذرا من تداعيات استمرار التصعيد على الأمن الإقليمي والدولي.
وأكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد واحتواء التوتر القائم، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية بما يسهم في تعزيز الأمن والسلم الدوليين، في ظل التحديات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي.
وجرى خلال الاجتماع أيضاً استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين وسبل تطويرها، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والأمن والدفاع والطاقة، وبما يعزز الشراكة بين البلدين ويفتح آفاقا جديدة للتعاون الثنائي.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة الدفاع القطرية الدفاع توقيع اتفاقية مع أوكرانيا تتضمن تعاونا تكنولوجيا وتبادل خبرات بمواجهة الصواريخ والمسيّرات.
ووقع الاتفاق من الجانب القطري الفريق الركن (طيار) جاسم بن محمد المناعي رئيس أركان القوات المسلحة القطرية، ومن الجانب الأوكراني الفريق أندريه هناتوف رئيس أركان القوات المسلحة الأوكرانية.

منوعات

الأحد 29 مارس 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

حاولت الانتحار مراتٍ عدة: وفاة شابة بـ"الموت الرحيم" بعد معركة قضائية في إسبانيا

 توفيت نوليا كاستيو، الشابة الإسبانية البالغة من العمر 25 عاماً، والتي خاضت معركة قضائية مع أسرتها للحصول على حق "الموت الرحيم"، بعد حقنها بأدوية لإنهاء حياتها، في برشلونة.
وكانت الشابة ضحية الاغتصاب مرتين عام 2022، وتعد أول شخص في إسبانيا يموت بموجب قانون الموت الرحيم الذي يسمح للمصابين بأمراض مستعصية والراغبين في إنهاء حياتهم، بعدما أقرته مدريد عام 2021.
ووفقًا لأحكام قضائية، حاولت المرأة، التي تعاني من مرض نفسي، الانتحار عدة مرات عن طريق تناول جرعات زائدة من العقاقير، قبل أن تقفز من نافذة في الطابق الخامس في أكتوبر 2022، لتصاب بالشلل النصفي وتعاني من آلام مزمنة، وفق وكالة "رويترز".
وفي يوليو 2024، وافقت لجنة من الخبراء المتخصصين في منطقة كتالونيا، حيث تعيش، على طلبها بإنهاء حياتها بالموت الرحيم. وكان من المقرر أن تخضع لهذا الإجراء في الثاني من أغسطس 2024، لكن والدها منعه منذ ذلك الحين.
قالت المحكمة الدستورية الإسبانية، في فبراير الماضي، إنها رفضت استئنافا قدمه والد امرأة مصابة بالشلل النصفي لمنع إنهاء حياتها بالموت الرحيم.
وتشير التقارير الطبية إلى أن المريضة تعاني من آلام حادة ومزمنة ناتجة عن إصابتها، ولا يوجد احتمال للتحسن.
وقال الأب، المدعوم من مجموعة من المحامين، إن مرض ابنته النفسي قد يعوق قدرتها على اتخاذ قرار واع وسليم بشأن إنهاء حياتها.
وأيدت عدة محاكم أدنى درجة قضيتها، وخلصت المحكمة الدستورية، وهي الأعلى في إسبانيا، إلى عدم وجود انتهاك للحقوق الأساسية.
وأثار صغر سنها، والمعركة العلنية التي خاضتها عائلتها لمنعها، والظروف التي دفعتها إلى طلب الموت الرحيم، جدلا واسعًا في الرأي العام، قبل أن تحسم المحاكم الأمر لصالح حقها في إنهاء حياتها.
وقالت كاستيو في مقابلة مع قناة "أنتينا 3" الإسبانية بثت الأربعاء: "أخيرا تمكنت من ذلك، فلنر إن كنت سأرتاح الآن… لم أعد أستطيع الاستمرار".
ورافقتها والدتها يولاندا راموس، رغم معارضتها للقرار، وقالت لوسائل الإعلام الإسبانية: "لا أوافق، لكنني سأظل دائما إلى جانب ابنتي"، وفق ما نقلته وكالة "أسوشييتد بريس".



فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 10:01 صباحًا - بتوقيت القدس

السفارة الأمريكية: شراكة في الهجمة الاستيطانية

د. أحمد الطيبي: على أمريكا أن تخجل من نفسها فهي تدعي حماية حقوق مواطنيها وتقبل في الوقت ذاته ببناء سفارتها على أنقاض أملاك سُلبت منهم
د. سهاد بشارة: الاحتلال يمضي في تخصيص أرض لإقامة سفارة دائمة بالقدس رغم تقديم وثائق أرشيفية تثبت الملكية الفلسطينية الخاصة للأرض
رجا الخالدي: نجحنا سابقاً في إيقاف مصادرة الأراضي لصالح السفارة ولا بد من إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية واسعة للضغط على واشنطن
خليل التفكجي: هذا التطور يعكس استمرار أمريكا في اعتبار مدينة القدس بشطريها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل في تجاهلٍ واضحٍ للقرارات الدولية
د. منير نسيبة: أمريكا بقبولها بناء سفارتها على أراضي الفلسطينيين تُعد شريكة مع الاحتلال في مصادرة الأراضي وتنتهك الحقوق الجماعية والفردية
منير قليبو: أي ترتيبات أو قرارات تتعلق بالأرض دون الرجوع إلى أصحابها الشرعيين تُعد تجاهلاً لحقوق ملكية ثابتة ومثبتة بوثائق رسمية

خاص بـ القدس-

وافقت حكومة الاحتلال على تخصيص أرض لبناء مقر دائم للسفارة الأمريكية في القدس، وفقًا لما أفاد به بيان مشترك صدر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزيري الخارجية جدعون ساعر والإسكان حاييم كاتس.
إلا أن ملكية هذه الأرض التي قرر الاحتلال مصادرتها تعود لفلسطينيين سبق وأن قدموا اعتراضات بالوثائق التاريخية ضد مساعي تخصيصها للسفارة الأمريكية. وكشفت صحيفة "معاريف" العبرية في 27 شباط الماضي أن مساحة الأرض تبلغ 31 دونماً في "معسكر اللنبي القديم" في القدس.
فما الذي تعينه هذه الخطوة خاصة على مستوى الموقف الأمريكي؟ وما هي ارتداداتها فلسطينياً؟ وما الأدوات الممكنة لوقفها؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وفهم تفاصيل هذه القضية، تحدثت "ے" مع مسؤولين وشخصيات قانونية وخبراء وورثة.


عملية سطو سياسي وقانوني مغلفة بدعم دولي

يؤكد النائب د. أحمد الطيبي، رئيس كتلة الجبهة العربية للتغيير، أن المصادقة الإسرائيلية على إنشاء مبنى دائم للسفارة الأمريكية في مدينة القدس المحتلة ليست مجرد خطوة إدارية، بل هي "عملية سطو سياسي وقانوني مغلف بدعم دولي"، مشددا على أن الأرض التي سيُقام عليها المبنى هي ملكية خاصة لمواطنين فلسطينيين، بينهم من يحمل الجنسية الأمريكية.
ويشير الطيبي إلى أن هذا المخطط يمثل ذروة الوقاحة القانونية؛ حيث تسعى حكومة الاحتلال لبناء منشأة دبلوماسية على أرض تمت مصادرتها عبر ما يسمى "قانون أملاك الغائبين" الجائر.
ويضيف "هذه الأراضي ليست أرض دولة كما يزعمون، بل هي إرث عائلات مقدسية لا تزال تملك الوثائق والأوراق الثبوتية التي تثبت حقها التاريخي".
ويرى الطيبي أن على الإدارة الأمريكية أن تخجل من نفسها. متسائلا: "كيف يمكن لدولة تدعي حماية حقوق مواطنيها أن تقبل ببناء سفارتها على أنقاض أملاك سُلبت من مواطنيها أنفسهم؟" لافتا إلى أن الوثائق الأرشيفية التي قدمها مركز "عدالة" منذ عام 2022 لا تدع مجالا للشك بأن هذا المشروع هو تكريس للاحتلال ومخالفة صريحة للقانون الدولي".
ويؤكد الطيبي أن الإصرار على تثبيت مبنى السفارة في هذا الموقع بالذات هو محاولة لفرض أمر واقع وطمس الهوية الفلسطينية للمدينة، ويقول: "القدس ليست ساحة لتوزيع الهدايا الانتخابية أو الصفقات السياسية على حساب الحقوق الأساسية لأصحاب الأرض".

الحكومة الأمريكية طرف مباشر في انتهاك حقوق الملكية للفلسطينيين

وتقول د. سهاد بشارة، مديرة الوحدة القانونية في مركز عدالة الحقوقي إن مصادقة حكومة الاحتلال على تخصيص أرض لإقامة السفارة الأمريكية الجديدة في القدس المحتلة ما هو إلا "تأكيد مباشر على شرعنة مصادرة غير قانونية لملكية فلسطينية خاصة، تمت بتواطؤ أمريكي".
وتشير بشارة إلى أن مركز عدالة سبق أن تقدم باعتراض إلى لجان التخطيط ضد مخطط السفارة الأمريكية عام 2023، وأوضح الاعتراض أن الأرض ملك للاجئين فلسطينيين صودرت أراضيهم بشكل غير قانوني بموجب ما يسمى "قانون أملاك الغائبين"، وهو من أكثر قوانين الاحتلال تمييزا وتعسفا، إذ استخدم ويُستخدم لتجريد الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم.
وتؤكد بشارة أن الاعتراض استند إلى وثائق أرشيفية واضحة تعود إلى فترة الانتداب البريطاني، تثبت بما لا يدع مجالا للشك الملكية الخاصة لهذه الأراضي. ورغم ذلك، مضت سلطات الاحتلال قدما في تنفيذ مشروع ينطوي على "انتهاك صارخ لقواعد القانون الدولي"، ولا سيما تلك المتعلقة بحماية الملكية الخاصة في الأراضي المحتلة ووضع القدس بموجب القانون الدولي.
وتوضح بشارة أن الاستمرار في تنفيذ هذا المشروع لا يقتصر على تكريس نظام غير قانوني قائم على نزع الملكية الدائم، بل يرقى إلى مستوى المشاركة الفعلية في إضفاء الشرعية على سلب أراض فلسطينية وخرق للقانون الدولي. وتضيف، أن الحكومة الأمريكية تصبح طرفا مباشرا في انتهاك حقوق الملكية للفلسطينيين، بما في ذلك حقوق تعود حتى لمواطنين أمريكيين.

مساعي السيطرة على الأراضي وتخصيصها للسفارة الأمريكية تمتد لعقود

وأوضح رجا الخالدي، الذي يتابع الملف بالتعاون مع مجموعة من ورثة أصحاب الملكيات في الأرض المخصصة لموقع السفارة أن مساعي الاحتلال في السيطرة على هذه الأرض وتخصيصها للسفارة الأمريكية ليست جديدة، وكان البروفيسور وليد الخالدي الراحل قد تصدى قبل 30 سنة لتوجه الإدارة الأميركية اختيار الموقع لإقامة السفارة عليه، ونجح في إيقافها من خلال إعداد مذكرة تاريخية قانونية قدمها للإدارة الأميركية لإثبات حقوق الملكية الخاصة للقطعة، بما فيهم ملاكين فلسطينيين حاملي الجنسية الأميركية.
ويضيف أن الجانب الأمريكي استأنف محاولة تمرير هذا المشروع قبل نحو 3 سنوات، خلال فترة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، موضحًا: "وقفنا حينها في وجه هذا التوجه، وقدمنا بصفتنا مجموعة ورثة أصحاب الأرض، عريضة عبر مركز عدالة، ليس مباشرة للأمريكيين، بل للطعن في إجراءات التخطيط لدى بلدية القدس ورغم رفض العريضة، إلا أن الرسالة وصلت إلى واشنطن، ما دفعهم إلى التريث ودراسة خيارين لموقع السفارة".
ويشير الخالدي إلى أن أحد الخيارين كان توسيع السفارة في الموقع الحالي في منطقة "أرنونا"، المقامة في منطقة الحرام على الحدود بين القدس الشرقية والغربية، التي قد تكون أراضي دولة، بخلاف موقع " ثكنة أللنبي" الذي يتكون من خليط بين ملكيات خاصة وأراضي تعود لوقف الشيخ محمد الخليلي.
ويضيف الخالدي: "من خلال البيان الصادر مؤخرًا، يبدو أنه يحمل شيئًا من الالتباس، إذ أشار إلى أن ثلاثة وزراء أعلنوا موافقة إسرائيل على تخصيص قطعة أرض للسفارة في موقع ألنبي باراكس، لكن هذه الموافقة ليست جديدة، بل تعود إلى فترة سابقة، حيث خُير الجانب الأمريكي بين هذا الموقع وموقع آخر، وكان القرار النهائي بيد الأمريكيين".
ويتساءل ما إذا كان الإعلان الأخير يعني أن الأمريكيين حسموا خيارهم لصالح هذا الموقع، وبالتالي صدرت الموافقة النهائية من الجانب الإسرائيلي، أم أنها انتهازية سياسية من قبل الحكومة لكسب ود السفير الأمريكي هاكابي وتوريط الأميركان في قرار قد لم يحسم بعد لديهم؟".
ويشدد الخالدي على أهمية الموقع، ويوضح أن "إقامة سفارة أمريكية على أراضٍ مصادرة من ملكيات خاصة فلسطينية يُعد أمرا بالغ الخطورة، لأن ملكيتها تعود لأفراد فلسطينيين مقيمين في القدس أو في المهجر، وأن عددا لا بأس من منهم مواطنون أميركيون. أما الموقع الحالي في أرنونا، فهو نسبيا أقل إشكالية من حيث طبيعة الملكية، رغم أنه يقع في القدس الغربية، التي لا يُفترض أصلا إقامة سفارة أمريكية فيها".
وفيما يتعلق بإمكانية مواجهة هذه المساعي، يفيد الخالدي بعدم وجود وسيلة فعالة سوى الضغط على الحكومة الأمريكية لعدم المضي في هذا الخيار، في ظل "دعم إسرائيلي للمشروع ورغبة بإظهار متانة العلاقة مع الولايات المتحدة، ووجود حماسة أمريكية واضحة تجاهه".
ويؤكد الخالدي على أهمية وجود موقف فلسطيني واضح تجاه القضية، إذ لا يمكن ترك العائلات المتضررة والمنظمات الحقوقية وحدها في مواجهة هذا الملف.
ويختتم الخالدي حديثه بالقول: "قمنا بما نستطيع خلال السنوات الثلاثين الماضية، وكان البروفيسور وليد الخالدي يتابع هذا الملف الحساس، ملحاً على الأجيال القادمة عدم السماح بأن يمر مرور الكرام" مؤكدا أنه دون إطلاق حملة سياسية ودبلوماسية فلسطينية وعربية واسعة، لن يكون هناك أمل حقيقي في وقف هذا المشروع.

فنادق ومكاتب توسعية لموظفي السفارة الأمريكية

يؤكد الخبير في شؤون الاستيطان خليل التفكجي أن المشروع المقترح يقع في المنطقة المقابلة للسفارة الحالية، على أراضي "المناطق الحرام" المتصلة بالأراضي الواقعة ضمن بلدة صور باهر، والتي كانت تفصل بين الأردن وإسرائيل خلال الفترة بين عامي 1948 و1967، وبالتالي فإن هذه المنطقة تُعد منطقة توسعية. ويبين أنه من المقرر إقامة منطقة فنادق ومساكن مخصصة لموظفي السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى مكاتب تابعة للسفارة في هذا الموقع.
ويشير التفكجي إلى أن الموقع الآخر الذي كان مطروحا في البداية لإقامة السفارة، وهو موقع "ألنبي باراكس"، العائد لوقف الخليلي، وقد قُدم الاعتراض عليه، ما أدى إلى تجميد القرار المتعلق به بشكل نهائي، ومن ثم نقل موقع السفارة إلى المنطقة الحالية في حي "أرنونا".
ويؤكد التفكجي أن هذا التطور يعكس استمرار الجانب الأمريكي في اعتبار مدينة القدس، بشطريها الشرقي والغربي، عاصمة لإسرائيل، في تجاهل واضح للقرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 181، لافتا إلى عدم اعتراف أي دولة في العالم بالقدس كعاصمة لإسرائيل منذ صدور القرار.

انتهاك لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير

ويرى أستاذ القانون الدولي د. منير نسيبة أن إقامة السفارة أو مجمع السفارة الأمريكية على أرض مصادرة من فلسطينيين تُعد انتهاكا واضحا للقانون الدولي، مؤكدا أن هذا الانتهاك يعد جزءا من السياسة الاستعمارة الإسرائيلية الممنهجة في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين التي بدأت منذ نكبة فلسطين وتستمر حتى يومنا هذا في الداخل والقدس والضفة الغربية.
ويوضح نسيبة أن إقامة سفارة أمريكية في هذا الموقع، وتحديدا في مدينة القدس، تُعد انتهاكا لقرارات مجلس الأمن الدولي، التي تحظر على أي دولة نقل بعثاتها الدبلوماسية إلى مدينة القدس، كما يُشكل انتهاكا لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وعلى صعيد آخر، يعتبر أستاذ القانون الدولي هذا الإجراء انتهاكا للحقوق الفردية لهؤلاء الفلسطينيين الذين صودرت أراضيهم باستخدام ما يسمى "قانون أملاك الغائبين"، وهو قانون استعماري عنصري يسلب الفلسطينيين أراضيهم.
ويلفت نسيبة إلى أن هذا القانون يهدف بطبيعته إلى نقل ملكية الأراضي من السكان الأصليين الفلسطينيين إلى دولة الاحتلال والمستوطنين وإلى الاستخدامات التي تقررها سلطات الاحتلال.
ويعتبر نسيبه ذلك انتهاكاً جسيماً لحقوق الأفراد، سواء كانوا لاجئين أو نازحين أو ممن تنطبق عليهم أحكام هذا القانون لأي سبب كان. ويقول: "لعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه الخطوة هو أن الولايات المتحدة الأمريكية، بقبولها بناء سفارتها على هذا الموقع، تُعد شريكة مع الاحتلال في مصادرة أراضي الفلسطينيين، كما تنتهك حقوق الأفراد، وليس فقط الحقوق الجماعية، بما في ذلك حقوق فلسطينيين أصبح بعضهم يحمل الجنسية الأمريكية".

حق قانوني وإنساني يتعلق بملكية خاصة

يقول منير قليبو أحد ورثة الأرض المهددة، إن الأرض ملكية خاصة تعود لعائلات فلسطينية مقدسية، وقد صودرت في أعقاب النكبة عام 1948 ضمن سياق تاريخي وقانوني لا يزال محل نزاع جوهري حتى اليوم.
ويؤكد أن أي ترتيبات أو قرارات تتعلق بالأرض دون الرجوع إلى أصحابها الشرعيين تُعد تجاهلا لحقوق ملكية ثابتة ومثبتة بوثائق رسمية.
ويضيف قليبو "إننا نتابع بجدية كافة التطورات المرتبطة بهذا الملف، وقد قمنا، نحن الورثة، بتوكيل الأستاذ رجا الخالدي، الذي يمثل أيضا جزءا من المالكين، لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عبر القنوات المختصة، بما يضمن صون حقوقنا وفق الأطر القانونية المحلية والدولية".
ويشدد قليبو على أن هذا الملف ليس سياسيًا بقدر ما هو حق قانوني وإنساني يتعلق بملكية خاصة، وأن التعامل معه يجب أن يستند إلى مبادئ العدالة، واحترام حقوق الملكية، وسيادة القانون.
ويختتم حديثه بالقول: "نحتفظ بكامل حقوقنا في متابعة هذا الملف بكافة الوسائل القانونية المتاحة، ونؤكد التزامنا بنهج هادئ ومسؤول يسعى إلى إحقاق الحق دون تصعيد، وبما يليق بعدالة قضيتنا وتاريخها".



أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 10:00 صباحًا - بتوقيت القدس

ضباب الحقيقة وتضليل الوعي

علينا تدارك الفتن قبل السقوط الكبير الذي ينتظرنا، إذا ما بقينا على هذه الهشاشة وهذه البلاهة، التي تُحتكم فيها القضايا الكبرى لمقاولي السوشيال ميديا، وأصحاب الهمبقات الذين يبثون في الأوقات الصعبة الراهنة شرَّ الفتن، ويتوقّفون عند هفوات البعض؛ لينهالوا بمنشوراتهم الفارغة في إطار تأجيج الرأي العام وخلق حالة رمادية غير مفهومة المآلات، وسط ما نعيشه من ظروف استثنائية وواقعٍ صعبٍ في كل الاتجاهات. وأمام القضايا الكبيرة التي تعصف بأمتنا العربية ومنطقتنا، تخرج بعض الأصوات الهابطة بلا منطق لتعلو وتعلن شرَّ الفرقة، وترشّ الملح على جرحنا النازف.
يقول صاحبي القصة مش رمانة، القصة القلوب مليانة. وأقول حتى لو كانت القلوب مليئة بالحقد والضغينة فهذا ليس وقتها وليس زمانها.
الشعور بالضعف والعجز طيلة عامين ونصف، أخرج الكثير من بلهاء الندرة في عالمنا العربي، أولئك الذين لا تعرف لهم موقفًا، ولا تدري عقولهم من أي مشارب تستقي الأفكار الرخوة، والتي الهدف منها واضح ويلتقي مع ما قاله صديقي حول الرمانة.
حالة اشتباك تطفو على السطح لا هو زمانها ولا مكانها، والحقيقة أنها ليست موجة فكرية يمكن تتبعها، أو حالة وجدانية يمكن تقصي أثرها، بل هي إمعان في زرع الضغينة من جهة، والفتنة من جهة أخرى. وأما الفتنة فنائمة لعن الله من أيقظها، ورحم الله من أخمدَها وأطفأها.
وفي هذا السياق فإن المواقف هذه الأيام تخضع لتأثير ماكينات إعلامية ضخمة تفتح الهواء على مدار الساعة لتغرق المشهد بتحليلات فوضوية غير قائمة على الحقيقة، بل على أنصاف الحقيقة من أجل تلويث الرأي العام والتأثير على الأفكار النامية وفق أجندات رديئة غير بريئة، الأمر الذي يجعل البعض يسقط في فخاخ ضلال العبثية المتساوقة مع أهداف ونوايا تابعة لأجندات تسهم في تعزيز العبث وقلب الحقيقة وتشويه المواقف، وهؤلاء ليسوا في دوائر الاتهام بل في زوايا السذاجة، لهذا من المهم التعامل معهم على قاعدة أنهم ضُلِّلوا وغرقوا في المنطقة الرمادية، ومن الواجب إنقاذهم بدلًا من الهجوم عليهم.
عالم اللامنطق يجعل التعامل مع كافة القضايا على قاعدة الاستقواء، وممارسة العربدة الفكرية، وفرط من الأكاذيب التي تنتشر كالنار في الهشيم، ويصبح التراشق الأعمى من خلال تغريدات التواصل الاجتماعي حالة عصبية وقبلية غير مفهومة ولا محمودة العواقب.
ما من أحد يمكن أن يكون ضد حرية التعبير، فالإنسان بغريزته يسعى إلى الحرية ويلعن التبعية والعبودية، وهي حاجة أساسية لكل كائن بشري سوي السلوك والعاطفة، ولكن الحرية ليست حالة من الشتم والتخوين والفجور الفكري، والدين الكاذب والفكر الكاذب واللغة البذيئة، ولا هي حالة مزاجية طارئة، بل هي انبعاث قيمي حضاري طارد للعبودية وحافظ لديناميكية تطور المجتمع وهيبة الإنسان وتقدمه.
إن عالمنا العربي يعيش حالة من الارتباك والاشتباك، ذلك أن ما يعصف بمنطقتنا ثمنه باهظ ونتائجه خطيرة، ولا أحد يمكنه التنبؤ بمصائر هذه الحرب المستعرة ونتائجها على منطقتنا العربية وعلى قضيتنا الوطنية الفلسطينية، وارتداداتها الإقليمية والدولية. وما من غرابة أن يحدث كل ما يحدث من تقزيم المقزم وتقسيم المقسم وبث الفرقة وتدليس المواقف والزج بقضايا هامشية على حساب القضايا الرئيسية والمصيرية.


عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 9:57 صباحًا - بتوقيت القدس

استهداف مبنى يضم مكتباً إعلامياً بصاروخ في طهران وإخلاء الطواقم الصحفية

تعرض مبنى يضم مكتباً إعلامياً في العاصمة الإيرانية طهران، اليوم الأحد، لأضرار مادية جسيمة إثر اصطدام صاروخ به بشكل مباشر. وأفادت مصادر ميدانية بأن الاستهداف تسبب في دمار واسع طال مرافق المكتب والمناطق المحيطة به، مما أثار حالة من الذعر في المنطقة المستهدفة.

ووثقت كاميرات الهواتف المحمولة اللحظات الأولى التي تلت الانفجار، حيث أظهرت المشاهد حجم الخراب الذي لحق بالبنية التحتية للمبنى. وقد تسبب الحادث في توقف العمليات الصحفية داخل المقر نتيجة تضرر أجهزة البث والاتصالات بشكل كامل.

وفي تفاصيل الواقعة، انقطع الاتصال فجأة بمراسل صحفي كان يقدم تغطية مباشرة على الهواء لحظة وقوع الضربة الصاروخية. وتبين لاحقاً أن الصاروخ سقط في الشارع الذي يضم المبنى، مما أدى إلى تحطم النوافذ وانهيار أجزاء من الجدران الداخلية للمكاتب.

وعلى الفور، صدرت تعليمات بإخلاء المبنى من كافة العاملين والصحفيين والمصورين لضمان سلامتهم وتجنب وقوع إصابات بشرية. وتجمهر عدد كبير من المواطنين في محيط الحادث لمتابعة التطورات، في حين فرضت السلطات طوقاً أمنياً حول المكان المتضرر.

ووصف مراسل كان متواجداً لحظة الهجوم الوضع بأنه "بالغ الخطورة"، مشيراً إلى أن الصاروخ اصطدم بالمبنى أثناء ممارسته لعمله المهني. وأكد أن الطواقم الفنية والمصورين كانوا في قلب الحدث، لكن العناية الإلهية حالت دون وقوع خسائر في الأرواح رغم شدة الانفجار.

من جانبها، هرعت فرق الإسعاف والدفاع المدني إلى الموقع لتقديم المساعدة الطبية اللازمة والبحث عن أي عالقين تحت الأنقاض. كما باشرت فرق الإنقاذ عمليات تقييم الأضرار في الأبنية المجاورة التي تأثرت بشدة نتيجة الموجة الانفجارية القوية التي هزت الحي.

ولا يزال المشهد في العاصمة طهران يعكس حجم الدمار الكبير الذي خلفه الصاروخ، حيث بدأت الجهات المختصة في فتح الطرق وتأمين المنطقة. وتأتي هذه التطورات في ظل ظروف أمنية معقدة تشهدها المنطقة، مما يزيد من المخاوف بشأن سلامة المؤسسات الإعلامية والمدنيين.

منوعات

الأحد 29 مارس 2026 9:52 صباحًا - بتوقيت القدس

"زيتونة".. حين يقود شاب فلسطيني اقتصادًا هادئًا من جذور الأرض



في زمنٍ تتكاثر فيه المبادرات السريعة وتبهت قبل أن تكتمل، تظهر أحيانًا تجارب مختلفة، لا ترفع صوتها، ولا تطلب الضوء، لكنها تستمر لأن من يقف خلفها يؤمن بها بوصفها مسار حياة لا مشروعًا عابرًا.
إحدى هذه التجارب هي زيتونة (Zeituna.co)، منصة فلسطينية ناشئة تربط الإنسان بالأرض، والثقافة بالاقتصاد، والطالب بالفلاح، عبر نموذج بسيط في فكرته، عميق في أثره: الزيتونة شجرةً، وثقافةً، واقتصادًا أخلاقيًا.
في قلب هذه التجربة يقف عثمان بن طلب، شاب فلسطيني، طالب، ومطوّر تقني، اختار أن يقود هذا المسار بهدوء، دون ألقاب، ودون انتظار إذن من أحد.
عثمان ليس “مديرًا تنفيذيًا” بالمعنى التقليدي للكلمة.
هو ومعه زملائه من بنوا البنية التقنية لمنصة زيتونة من الصفر، وكتبوا أساسها البرمجي، وصمّموا آليات عملها، وقادوا برنامجًا تدريبيًا للطلبة تحت عنوان “انضم – تعلّم – ساهم” (JLC)، حيث يتحوّل التعلّم إلى ممارسة حقيقية، والعمل إلى مسؤولية جماعية.
وفي الوقت ذاته، يعمل عثمان في ورش البناء واحيانا في المخابز ليؤمّن احتياجاته اليومية، بعدما توقّف أي دعم مالي مباشر له، مستمرًا في تطوير المنصة ليلًا ونهارا، ومؤمنًا بأن ما يُبنى بصدق لا يضيع، حتى وإن تأخّر.
زيتونة ليست حكاية فرد واحد.
هي شبكة بشرية تشكّلت رغم القسوة:
طلبة آخرون، فنانون، ومبادِرون، يرون في زيتونة مساحة للتعلّم والعمل دون انفصال عن الواقع.
اليوم، زيتونة مسجّلة قانونيًا، ووثائق حوكمتها مكتوبة، ونموذجها الاقتصادي قيد التطوير، وإصدارتها الأولى باتت جاهزة للانطلاق.
لكن ما يميّزها ليس الشكل القانوني أو التقني، بل الفلسفة التي تقف خلفها.
فزيتونة لا تسعى إلى الربح السريع، بل إلى بناء اقتصاد ثقافي-بيئي:
يوفّر دخلًا للفلاح ويحمي الشجرة،
يفتح مساحة للطالب كي يتعلّم من خلال العمل.
قصة عثمان بن طلب ليست قصة نجاح جاهزة، بل قصة مسار مفتوح، يمشيه جيل كامل بصمت، ويبني أدواته ببطء، ويؤمن أن ما يُزرع بصدق… لا بد أن يثمر.

وفي زمن تُقاس فيه المشاريع بعدد المتابعين، تذكّرنا زيتونة أن بعض التجارب تُقاس بشيء آخر:
بقدرة أصحابها على الاستمرار حين لا يصفّق أحد.

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:50 صباحًا - بتوقيت القدس

على حافة الهاوية!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام


تشفّ الشواهد المرئية على الأرض، وفي المضائق المحتقنة بالسفن الحربية والناقلات المحملة بالنفط الممنوع من المرور، عن نُذُر تصعيد، فبعد مهلة التمديد التي منحها ترمب لطهران حتى السادس من نيسان، تقف المنطقة برمتها على حافة الهاوية، بينما يتضوّر الغرب "عطشاً" للبنزين، في وقتٍ تسجل فيه محطاته ارتفاعاً في الأسعار فاق ما سُجل خلال حرب تشرين من العام ١٩٧٣.
 لا يُنفس الاحتقان الاجتماع الذي تستضيفه اليوم الباكستان، بحضور مصر والسعودية وتركيا، للبحث عن مخارج آمنة للمحشورين في المضيق، والضائقة التي تضرب الأسواق العالمية، وتربك الملاحة البحرية، وتنذر بامتداد ألسنة اللهب إلى دولٍ وكيانات، قد تجد نفسها مدفوعة إلى أتونها للدفاع عن أمنها ومصالحها التي بات الخطر الداهم يتهددها، خاصة دول الخليج التي تعرضت منشآتها النفطية والحيوية لخسائر يحتاج ترميمها وإصلاحها إلى سنوات، بفعل تعرضها للاعتداءات الإيرانية التي لا تُفرّق بين العدو والوسيط.
رسائل متضاربة تلك التي يرسلها سيد البيت الأبيض، الذي لا يستقر على رأي، ويخلف وعده، ويتراجع عن وعيده، ويقول الشيء ونقيضه بين عشيةٍ وضحاها، في مشهدٍ يجعل "الحليم حيران"، ويطيح بنظريات التفكير الاستراتيجي التي تشكل رصداً مبكراً للمآلات، لتحاشي التصعيد وتفاقُم الأزمات.
في لقاء اليوم تبدو المسافة شاسعة بين "وثيقة الاستسلام" التي تعرضها واشنطن لإيران، والحدود الدنيا التي تقبل بها طهران، الأمر الذي يجعل من فترة التمديد مجرد "استراحة محارب" لجولة تصعيدٍ جديدة توعد بها ترمب إيران، إنْ هي لم تقبل بشروطه التي تضمنتها النقاط الخمس عشرة.
جزيرة "خرْج" محل أطماع ترمب، إذ تتدافع إليها قوات المارينز لاحتلالها، والسيطرة على ما تكتنزه من ثرواتٍ نفطية، مثلما تمت السيطرة على النفط الفنزويلي، بينما في الخلفية تبدو صورة بكين ضمن الأهداف المضمرة  للحرب، إذ تعتمد محركات التنين على النفط الذي تشتريه من البلدين الآسيويين بأسعارٍ تفضيلية، وتغطيه بعملتها المحلية.
على حافة الهاوية يقف الجميع اليوم.. وفي قاعها سيسقطون ما لم تحدث المعجزة!

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

بين وهم الردع وهول المفاجأة

مرة أخرى سقطنا في الفخ، قراءة لحظة هدوء كنهاية لمسار طويل، بينما هي لا تعدو كونها استراحة محارب يعيد ترتيب أدواته، لملمة جراحه وشحذ عزائمه، مشهد الشمال اليوم يعيد إنتاج الدرس الذي تجاهله كثر قبل السابع من أكتوبر، المعركة مع الاحتلال ليست خطا مستقيما ولا معادلة ردع ثابتة، بل مسار تراكمي يتقدم ويتراجع وفق إيقاع يختلف عن الجيوش التقليدية وتوقعات خبراء الأمن، فالاعتقاد الذي ساد بعد وقف اطلاق النار بان حزب الله دخل دائرة الردع الدائم يعكس خللا بنيويا في فهم طبيعة حركات المقاومة، فما اعتُقد انه ردع كان دورة في صراع اطول، فتم توظيف فترات الهدوء لإعادة بناء القدرات وتطوير التكتيكات وامتصاص الصدمات، منطق يمكن تتبعه تاريخيا عبر تجارب حركات المقاومة التي حولت فترات الهدوء النسبي الى منصات لإعادة الانتشار، عام 2006 بدا ان المعادلة استقرت، بينما تحت الرماد كانت تتشكل بنية عسكرية اكثر تعقيدا وقدرة على المناورة.
 استمر الاحتلال بالوقوع في نمط متكرر من سوء التقدير، قائم على فرضية ان التفوق التكنولوجي والقدرة النارية كفيلان بفرض واقع دائم، فرضية اهتزت مرارا في غزة ولبنان وصولا لصدمة أكتوبر، فكشفت الوقائع ان بنية المقاومة لا تقاس بما يظهر على السطح، بل بقدرتها على إعادة انتاج ذاتها، وهو ما يعيدنا الى اشكاليات عميقة في عقيدة أمنية تقرأ الخصم بمرآة ذاتية، وهو ما لم يقتصر على الاحتلال، فالخطاب العربي ايضا وقع في الفخ، فتعامل مع الهدوء كدليل تراجع، متجاهلا ان حركات المقاومة نشأت في بيئات حرب مفتوحة، وتطورت عبر عقود من الاشتباك، ما جعلها اكثر استعدادا واطول نفسا، فلا تبني استراتيجياتها على ضغوط لحظية، بل على تراكم بطيء للقدرة، وهو ما يفسر قدرتها على قلب معادلات بدت "راسخة".
 التاريخ القريب يقدم أمثلة اوضح، فخلال الانتفاضة الثانية بدا ان الاحتلال نجح في تفكيك البنية التنظيمية للمقاومة، لكنها سرعان ما عادت بأشكال اكثر مرونة وفتكا، وفي العراق، وبعد ان اعتقدت امريكا انها حسمت المعركة عسكريا، فجأة تحول العراق الى ساحة استنزاف اعادت تعريف حدود قوتها، وفي افغانستان استمر هذا الوهم لعقدين قبل ان ينتهي بانسحاب مذل، وامثلة أخرى، وهو ما اعاد طرح السؤال حول حدود التفوق العسكري في مواجهة حركات تمتلك عمقا اجتماعيا وعقائديا، وفي ضوء ذلك لا يمكن قراءة ما يجري اليوم كاستثناء، بل تجسيدا لمنطق التاريخ، وكسرا لفرضية "الاستقرار" القسري التي تم تكريسها، عبر تكتيكات اعادت فتح الجبهات واربكت الحسابات، اسلوب يقوم على استنزاف الخصم تدريجيا بدل مواجهته في معركة فاصلة قد لا تخدمها موازين القوة المادية.
 الابعاد الاقليمية لا تقل اهمية، فالمشهد يعني اعادة خلط الاوراق في منطقة كانت تتجه - نظريا - نحو ترتيبات، ووضعت دولا راهنت على مظلة الحماية الخارجية امام اختبار صعب في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع القدرة الامريكية على فرض ارادتها منفردة، ما يفتح المجال امام قوى اقليمية ودولية لفرض وقائع جديدة.
خلاصة القول ان المنطقة تتجه نحو مرحلة مواجهة منخفضة الوتيرة وطويلة الامد، مع بقاء احتمالات الانفجار الكبير قائمة في حال حدوث خطأ في الحسابات، وستسعى المقاومة لترسيخ معادلات ردع مرنة قائمة على القدرة على المفاجأة وتعدد الجبهات، بينما سيحاول الاحتلال اعادة بناء منظومته الردعية عبر مزيج من القوة العسكرية والضغط السياسي.
 في المقابل تظل الحاجة قائمة لتطوير مقاربات فلسطينية وعربية واسلامية اكثر نضجا، لا تكتفي بمتابعة الاحداث، بل تسعى لفهم ديناميات المعركة، وتسمح ببناء استراتيجيات تستثمر عناصر القوة المتاحة، شعبيا او سياسيا او اعلاميا، فالمعركة لم تعد عسكرية فقط، بل رواية وإدراك وشرعية، ومن يمتلك القدرة على صياغة سرديته وإدارتها بذكاء، فهو يمتلك جزءا هاما من مفاتيح القوة.
 ما يتكشف اليوم ليس مفاجئا، بل ان كل ما بدا ثابتا كان في الواقع رخوا، والرهان على ان حركات المقاومة قد استنفدت اغراضها رهان تكرر سقوطه، مرة بعد اخرى، امام واقع يذكرنا انها بكل ما راكمته من خبرة وتنظيم وارادة، لم تصل الى اخر ما لديها بعد، ولن تصل!

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:49 صباحًا - بتوقيت القدس

العلاقات الأردنية الأميركية

الحلقة الأولى

ليست العلاقة بين الأطراف السياسية، وبين الدول، علاقات تتسم بالود والتوافق الكامل، أو بالعداء والقطيعة الكاملة، بل ثمة هامش من المناورة، او التلاقي في منتصف الطريق بين الأطراف، وبين الدول.
 الاردن في علاقته مع الولايات المتحدة تعتبر نموذجا من هذا التلاقي المعتدل المتوازن بين عمان وواشنطن.
 يرتبط الاردن بعلاقات وطيدة وذات طابع استراتيجي ( كما يتم وصفها) مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع ذلك تقع الخلافات والتباينات غير القليلة في المواقف والسياسات، بين البلدين، وخاصة بشأن قضية فلسطين ومكوناتها وتبعاتها، وبشأن المستعمرة الإسرائيلية واحتلالها التوسعي المدعوم على الاغلب اميركيا.
وقد برز ذلك في العديد من المواقف العملية مع إدارة الرئيس ترامب سواء في ولايته الأولى أو الثانية.
في يوم 6/8/2017، أعلن الرئيس الأميركي ترامب اعترافه بالقدس عاصمة للمستعمرة الإسرائيلية بقوله: " لقد حان الوقت للاعتراف رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل" و " سأوجه وزارة الخارجية لبدء الاستعدادات لنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس".

خطاب ترامب لم يعلن حدود القدس، ولا حسم وضعها النهائي بالكامل، بل ركز على الاعتراف بها عاصمة للمستعمرة، وأتى خطابه واعترافه على خلفية قرار الكونغرس الصادر يوم 23/10/1995، باعتماد " قانون سفارة القدس" والذي تضمن نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس، والاعتراف بها عاصمة  للمستعمرة ، ومع ذلك، ورغم قرار الكونغرس، ولاكثر من عشرين سنة مارس كل الرؤساء الأميركيين المتعاقبين الإعفاء الذي يسمح لهم  به القانون، في عدم التجاوب مع القرار، ورفض نقل السفارة الأميركية إلى القدس، أو الاعتراف بها عاصمة للمستعمرة، وذلك عبر استخدام بند الاعفاء لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
وعليه قرر ترامب الاعتراف رسمياً بالقدس عاصمة للمستعمرة، ويُقال أنه قبض مبلغ مائة مليون دولار من قبل أحد الشخصيات الأميركية اليهودية، في إطار تغطية حملته الانتخابية، مقابل وعد نقل السفارة الاميركية الى القدس.
و لكن، وعلى رغم  قرار الرئيس ترامب، فقد سلم في خطابه على أن "حكومات الولايات المتحدة ، رفضت الاعتراف رسمياً بالقدس عاصمة لاسرائيل" وهو قام بذلك ، مع التاكيد كما قال  على :
" ان هذا القرار لا يقصد به وبأي شكل من الاشكال، أن يعكس خروجا عن التزامنا القوي بتسهيل التوصل إلى اتفاق دائم للسلام ، و نريد أن يكون هناك اتفاقا يكون بمثابة صفقة عظيمة للاسرائيليين وصفقة عظيمة للفلسطينيين، ونحن لا نتخذ موقفا تجاه أي قضايا تتعلق بالوضع النهائي، بما في ذلك الحدود المعينة للسيادة الاسرائيلية في القدس، أو حل قضية الحدود المتنازع عليها ، حيث أن هذه المسائل تعود الى الطرفين المعنيين ، وستدعم الولايات المتحدة حل الدولتين اذا وافق عليه كلا الطرفين" .
وبسب هذا القرار الجائر واجه ردود فعل عربية واسلامية ودولية ضد القرار.
والحقيقة والوقائع الثابتة أن الاردن
 شكل رأس حربة سياسية في رفض القرار، وبادر بالتعاون مع أطراف عربية وإسلامية لعقد سلسلة من الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات العربية والاسلامية والدولية رفضاً للقرار الأميركي، رغم اننا نتلقى في ذلك الوقت مساعدة اميركية تبلغ مليار و88 مليون دولار سنويا، ارتفعت إلى مبلغ مليار و 450 مليون دولار اليوم.


أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:47 صباحًا - بتوقيت القدس

في يوم الأرض: سؤال الفلسطيني الذي اختار الخارج

في كل عام، يذكّرنا  يوم الأرض بأن علاقة الفلسطيني بأرضه ليست مجرد علاقة جغرافيا، بل علاقة وجود وهوية ومعنى. ففي هذا اليوم نستحضر لحظة تاريخية أعلن فيها الفلسطيني أن البقاء على الأرض ليس خيارًا عاديًا، بل فعل مقاومة. الأرض ليست فقط مكانًا نعيش فيه؛ إنها الإطار الذي تتشكل فيه هويتنا السياسية والتاريخية والإنسانية.
لكن يوم الأرض يفتح أيضًا سؤالًا آخر، أكثر حساسية وأقل تداولًا في النقاش الفلسطيني: أين يقف القائد والمفكر والمبدع الفلسطيني الذي اختار أن يعيش ويعمل في الخارج؟
ليس سرًا أن الفلسطينيين في الشتات حققوا إنجازات استثنائية. في الجامعات الكبرى، وفي مراكز الفكر، وفي المؤسسات الدولية الفنية والثقافية والأكاديمية ، وفي الإعلام العالمي، ترك الفلسطينيون بصمات فكرية وسياسية وثقافية عميقة. لقد نجح كثير منهم في إيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم، وفي كسر احتكار السردية الإسرائيلية في دوائر المعرفة والقرار.
من إدوارد سعيد الذي أعاد تشكيل النقاش العالمي حول الاستشراق والهوية، إلى ليلى شهيد التي لعبت دورًا بارزًا في الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا، إلى المؤرخ والمفكر وليد الخالدي الذي قدّم للعالم قراءة عميقة وموثقة لتاريخ فلسطين وصراعها.
هؤلاء وغيرهم من عمالقة الفكر والسياسة الفلسطينية قدموا الكثير للقضية الفلسطينية. لقد كانوا سفراء غير رسميين لفلسطين، ونجحوا في الدفاع عن حق شعبهم في ساحات لم يكن للفلسطيني فيها صوت مسموع.
لكن، رغم هذا الاعتراف الصادق بعظمة هذا الدور، يبقى سؤال عميق يفرض نفسه بهدوء: لماذا اختار كثير من القادة والمفكرين الفلسطينيين البقاء في الخارج؟
ليس الهدف من طرح هذا السؤال إصدار حكم أخلاقي. فلكل إنسان ظروفه وخياراته. وأنا شخصيًا جربت الحياة والعمل خارج فلسطين، وأعرف تمامًا ما يوفره الخارج من مساحات للحرية والإنجاز والتأثير. الخارج يمنح الأكاديمي الفلسطيني منصة عالمية، ويمنح الدبلوماسي مجالًا أوسع للحركة، ويمنح المفكر حرية أكبر في الكتابة والتأثير.
لكن مع مرور الوقت، يفرض الواقع الفلسطيني سؤال الحقيقة: هل يمكن لقضية مثل فلسطين أن تتحرر من الخارج؟
الدبلوماسية العامة مهمة، بل ضرورية. الدفاع عن الرواية الفلسطينية في الجامعات العالمية أو في الإعلام الدولي أو في مراكز القرار هو جزء أساسي من معركة الوعي. لكن هذه المعركة، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن معركة الوجود على الأرض.
فالقضية الفلسطينية ليست مجرد قضية رواية أو خطاب. إنها قضية شعب يعيش على أرض تحت الاحتلال، ويخوض يوميًا معركة البقاء والكرامة والسيادة في سباق معركة الوجود.
من هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل اختيار الخارج هو الخيار الأسهل أم الأصعب؟
الخارج قد يكون مساحة الإنجاز الفردي الأكبر، حيث تتوفر الإمكانات والمؤسسات والاعتراف العالمي. لكنه يخلق أيضًا مسافة -أحيانًا غير مرئية- بين القائد الفلسطيني والواقع اليومي لشعبه.
أما الداخل، فهو غالبًا الخيار الأكثر قسوة. هنا يعيش الفلسطيني تفاصيل الاحتلال، وضيق الإمكانات، وتعقيدات السياسة، وثقل المسؤولية اليومية. لكنه أيضًا المكان الذي تُصنع فيه الحقيقة الفلسطينية، بكل تناقضاتها وآلامها وإمكاناتها.
لهذا لا يمكن تبسيط المسألة إلى ثنائية صواب وخطأ. فالفلسطيني في الخارج قد يخدم قضيته بصدق وإخلاص. لكن في كثير من الأحيان يحدث أمر آخر: تتحول القضية إلى جزء من الهوية التي يعيش بها الفلسطيني في الخارج، بينما تبقى الأرض في حاجة إلى حضوره وخبرته وطاقته.
وهنا تظهر المفارقة العميقة في الهوية الفلسطينية المعاصرة: هل نحن شعب يقود قضيته من الخارج، أم شعب يبني مستقبله من الداخل؟
في الحقيقة، تحتاج فلسطين إلى الاثنين معًا. تحتاج إلى صوتها في العالم، كما تحتاج إلى عقولها وطاقاتها على أرضها. لكن التاريخ يخبرنا بحقيقة لا يمكن تجاهلها: لا تتحرر الشعوب من الخارج وحده.
التحرر يصنعه الناس الذين يعيشون على الأرض، ويبنون مؤسساتهم، ويواجهون واقعهم، ويحوّلون وجودهم اليومي إلى فعل سياسي مقاوم مستمر. هل يمكن أن تستمر فلسطين في خسارة عقولها وطاقاتها الكبرى إلى الخارج، بينما تحتاجها أكثر من أي وقت مضى في الداخل؟ السؤال دعوة للتفكير وربما سيأتي يوم يصبح فيه السؤال الحقيقي ليس لماذا نجح الفلسطيني في الخارج، بل متى سيعود هذا النجاح ليصنع التغيير في الداخل ؟
يوم الأرض هو مناسبة وطنية فلسطينية تُحيى في 30 آذار من كل عام، تخليدًا لذكرى انتفاضة عام 1976  داخل أراضي الـ48، حين خرج الفلسطينيون احتجاجًا على قرار مصادرة آلاف الدونمات من أراضيهم في الجليل. فاندلعت مظاهرات وإضراب شامل، استُشهد 6  فلسطينيين وجُرح واعتُقل المئات، وشكّل الحدث نقطة تحوّل في الوعي الوطني الفلسطيني. يوم الأرض مهم لأنه يؤكد التمسك بالأرض والهوية ويرمز إلى الصمود والمقاومة في وجه المصادرة والاستيطان ويجسّد وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده.  في يوم الأرض.. ليست الأرض مجرد تراب، بل ذاكرة وهوية وحق لا يُمحى.


أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:45 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تستمر حروب النفط في ظل الطاقة البديلة؟ الذكاء الاصطناعي يجيب

سؤال بسيط نضعه أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إليكم الإجابة: خلال الأيام الماضية للحرب الحالية تابعنا كيف تعود شهية العالم للنفط لتتصدر المشهد، وكأن عقارب الساعة تعاند كل ما يُقال عن الطاقة النظيفة والانتقال الأخضر. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا هذا الإصرار العالمي على النفط، رغم كل الزخم حول الطاقة المتجددة؟
ابدأ من الحقيقة الصلبة: العالم لم يغادر عصر النفط بعد، بل ما زال يعيش في قلبه إذ تشير البيانات الحديثة إلى أن الوقود الأحفوري، بما فيه النفط، لا يزال يشكل نحو 86% من مزيج الطاقة العالمي (وفقا لبيانات معهد الطاقة البريطاني). هذه النسبة ليست مجرد رقم، بل تعبير عن بنية اقتصادية عميقة، تمتد من وسائل النقل، إلى الصناعات الثقيلة، إلى سلاسل الإمداد العالمية التي لم تُبنَ أصلاً على افتراض وجود بدائل جاهزة.
أضف إلى ذلك أن الطلب على الطاقة لا يتراجع بل يتصاعد. فقد نما الطلب العالمي على الطاقة بنسبة 2.2% في عام واحد فقط، مدفوعاً بالنمو السكاني والتوسع الصناعي (معهد الشؤون الدولية والأوروبية). هنا تكمن المفارقة: حتى مع النمو السريع للطاقة المتجددة، فإنها لا تستبدل النفط بقدر ما تضيف طبقة جديدة فوق طلب يتوسع باستمرار.
ولا بد من الإشارة إلى أن النفط ليس مجرد وقود للنقل كما يُشاع. في السنوات الأخيرة، باتت الصناعات البتروكيميائية تمثل المحرك الأكبر لنمو الطلب على النفط، حيث يُستخدم في تصنيع البلاستيك والأسمدة والمواد الكيميائية. وتشير التوقعات إلى أن أكثر من 60% من نمو الطلب على النفط في السنوات القادمة سيأتي من هذا القطاع تحديداً- لنفس المعهد. بمعنى آخر، نحن لا نحرق النفط فقط، بل نصنع به العالم الحديث.
أما الطاقة المتجددة، ورغم إنجازاتها، فهي لا تزال تواجه تحديات بنيوية. صحيح أن مصادر الطاقة النظيفة تجاوزت 40% من إنتاج الكهرباء العالمي (مؤسسة إمبر لبحوث الطاقة - 2025)، إلا أن الكهرباء نفسها لا تمثل كل استهلاك الطاقة، بل جزءاً منه فقط. قطاعات مثل الطيران والشحن والصناعة الثقيلة لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الوقود الأحفوري، لغياب بدائل عملية وواسعة النطاق حتى الآن.
ثم تأتي معضلة الاستقرار. النفط، بخلاف الشمس والرياح، مصدر طاقة يمكن تخزينه ونقله بسهولة، ويُستخدم عند الطلب. في عالم مضطرب سياسياً، يصبح هذا العامل حاسماً. وليس صدفة أن تؤدي أي أزمة جيوسياسية إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط، كما نشهد اليوم، حيث يمكن لأي اضطراب في الإمدادات أن يدفع الأسعار إلى مستويات قياسية ويهز الاقتصاد العالمي بأكمله.
بل إن التوقعات طويلة المدى لا تُبشر بانحسار سريع. فحتى في أكثر السيناريوهات طموحاً لخفض الانبعاثات، سيظل الوقود الأحفوري يمثل ما بين 41% إلى 55% من مزيج الطاقة العالمي بحلول عام 2050 (ماكنزي). أي أننا نتحدث عن انتقال بطيء، لا ثورة مفاجئة.
الخلاصة التي قد لا تروق للبعض: العالم لا يتمسك بالنفط حباً فيه، بل عجزاً عن الاستغناء عنه سريعاً. فالبنية التحتية، والاقتصاد، والسياسة، وحتى أنماط الحياة، كلها ما زالت مرتبطة به ارتباطاً عضوياً.
وفي هذا السياق، لا يبدو النفط منافساً للطاقة النظيفة، بل شريكاً مؤقتاً في مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة. مرحلة لن تُحسم بالشعارات، بل بإعادة تشكيل عميق للاقتصاد العالمي.
حتى ذلك الحين، سيبقى النفط -رغم كل الانتقادات- حارساً قديماً لبوابة الطاقة، وسيبقى عنواناً لاشتعال الحرب حول مضيق هرمز وباب المندب اليوم. للحديث بقية.
ملاحظة: كتب هذا المقال باستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

[email protected]

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:44 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة نزع السلاح في غزة التي سلّمها ميلادينوف لـ"حماس" في قراءة معمقة


إن الخطة التي حصلت عليها قناة الجزيرة الإخبارية تستحق الوقوف أمامها بتفكير عميق ووجدان حيّ، لا سيما بالنظر إلى معاناة النازحين والضحايا الأبرياء ودمار البيوت.
تفاصيل الخطة
تنطلق الخطة من مجموعة مبادئ عامة، أبرزها: ضرورة استكمال جميع الترتيبات في المرحلة الأولى بشكل كامل، والسماح بإدخال مواد الإعمار إلى المناطق التي يتم التحقق من خلوها من السلاح، إلى جانب اعتماد صيغة حكم قائمة على مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، وسلاح واحد". كما تنص الخطة على نقل إدارة قطاع غزة تدريجيًا إلى لجنة وطنية تتولى الصلاحيات الإدارية والأمنية خلال المرحلة الانتقالية، في حين تخضع عملية حصر وجمع السلاح لإشراف دولي وآليات تحقق ميدانية.
الملاحظ في الخطة أنها متكاملة وحازمة تجاه ملف تسليم السلاح، وربطه بإعادة الإعمار، وتمكين قوة دولية من إدارة أمن القطاع، وكذلك تمكين لجنة وطنية لإدارة غزة المدمرة. كل ذلك يعكس توافقًا دوليًا وإقليميًا لحل مشكلة غزة ببرغماتية واقعية، بعيدًا عن العنتريات الفارغة، في ظل حرب إبادة مورست بحق الشعب الفلسطيني، الذي لم يكن قادرًا على حماية نفسه بما يملك من معدات عسكرية بدائية، وهي معدات لم تغنِ ولم تسمن من جوع، كما يقال.
لذلك، فإن مصلحة الشعب الفلسطيني تكمن في الحلول الدولية والإقليمية التي تحفظ حقوقه وبقايا أرواح أبنائه الذين أنهكتهم حرب سوداء مزّقت الأخضر واليابس. الأجدر بالنخب السياسية والقيادية الفلسطينية، من مختلف التوجهات، التفكير بوعي وشجاعة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، من أجل إعادة إعمار غزة وبث روح الحياة من جديد في أطفال ونساء فلسطين عامة.
المأساة في غزة كبيرة جدًا، ولا يمكن المساومة على أرواح وأجساد الشعب الفلسطيني مقابل نزعة أيديولوجية متشددة أو عقلية تمجّد الموت والعدمية، ورغبة البعض في الحفاظ على برنامج حزبي على حساب حياة المواطنين. التشدد السياسي لن ينقذ الحزب، لكنه سيزيد من معاناة أبناء الوطن.
الصعوبة في التطبيق
ربما يكون الشيطان في التنفيذ؛ فذلك يتطلب إرادة وطنية وفصائلية، إلى جانب حل دولي لا يمكن فرضه بالقوة، وفق تصريحات دول مرشحة للمشاركة في قوة الاستقرار الدولية. تنفيذ الخطة ممكن إذا تم تمكين اللجنة الوطنية المحلية من إدارة القطاع بنظام واحد، وقانون واحد، وسلاح واحد، وقوة شرطية مدربة، بعيدًا عن مواجهات دامية مع الفصائل الرافضة لتسليم السلاح.
ويجب زيادة الوعي لدى المقاتلين ومنتسبي الفصائل بما آلت إليه مأساة غزة، مع برامج حوار مجتمعي وحوافز لمن يرغب في تسليم سلاحه طوعًا للجنة وطنية ولاؤها لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
الدور الإقليمي
يمكن لدول إقليمية معينة أن تلعب دورًا بناءً في إقناع القيادة السياسية للفصائل المسلحة بالواقع الجيوسياسي المتغير، والأزمة الأمنية في المنطقة، وحالة الفراغ في الأمن القومي العربي، بضرورة الاحتكام إلى المنطق السياسي الواقعي والبرغماتي. فالقضية اليوم تمس الإقليم بأجمعه، وتداعياتها ستنعكس على أمنه واستقراره.
الحرب على إيران
قد يراهن البعض على نتائج الحرب على إيران، متسائلين: هل ستصمد في مواجهة عدوان إسرائيلي أمريكي يعيد الثقة لجماهير محور الممانعة بالبندقية؟ وهل سينعكس ذلك على مآلات غزة؟ ربما لن يسقط النظام الإيراني، لكنه سيكون ضعيفًا جيوسياسيًا على الأقل في المستقبل القريب. لذلك، يجب أن يكون الرهان على مصالح وحياة الشعب الفلسطيني، لا على رهانات خارجية غير مؤكدة.

الخلاصة
السياسة فن الممكن، والمكيافيلي يعلم أن الغاية تبرر الوسيلة. على النخبة السياسية الفلسطينية أن تطوّر أدواتها السياسية، وتنزل عن شجرة التشدد الأيديولوجي الذي لا يجلب نتائج، بل يزيد من معاناة الشعب. البقاء في ساحة تعج بالصراع والعربدة الصهيونية يتطلب الحكمة، والعمل بمنطق المناورة، والذكاء، والدبلوماسية النشطة مع الدول العربية التي لها علاقات وازنة مع الغرب، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية.

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

الجازلايتينغ في الحرب على إيران: بين صناعة الرواية وتزييف الإدراك


يعلم الطغاة أن القوة المفرطة لا تكفي وحدها لفرض سيطرتهم، من أجل ذلك يسعون لفرض سردياتهم المبتورة، أو المزورة، ولَيِّ عنق الحقائق عبر اختلاق تفاسير سلطوية للأحداث، ومحاولة إقناع الجماهير بها، وهو الأمر الذي انتهجه مجموعة من القيادات الشعبوية المتسلطة في مختلف العصور والأماكن؛ إذ نقش رمسيس الثاني على جدران المعابد سردية نصر تاريخي على الحيثيين في معركة قادش ، بينما تشير روايات المؤرخين لما يخالف تلك الرواية، وفي عام 213 قبل الميلاد، قام "تشين شي هوانغ" بحرق الكتب، لقطع صلة الناس بالماضي، وفرض أيديولوجيا موحّدة تمنع الاعتراض، وتحدد ما يجوز للناس معرفته أصلًا. أما موسوليني، فقد نجح في تكريس صورة الزعيم، عبر إخضاع الصحافة لرقابة مشددة، واستخدام الفضاء العام لتقديمه بوصفه المنقذ والعبقري القادر على إعادة بعث الأمة، كما نجح في إعادة تشكيل إدراك الإيطاليين للواقع عبر تقديم الهزائم كصمود، والتوسع كقدر تاريخي، والطاعة كفضيلة وطنية، وهي ذات السياسة التي انتهجها هتلر، عبر فرض سردية تقوم على إنكار الواقع، وقلب الحقائق، وتحويل الأكاذيب إلى “حقائق” رسمية عبر الدعاية المنظمة، بحيث دفع المجتمع الألماني إلى الشك في ما يراه فعلًا، وإلى تصديق رواية السلطة بدل الوقائع، وأعاد تشكيل الإدراك العام، ونجح في جعل الضحية تبدو تهديدًا، والاضطهاد يبدو دفاعًا عن النفس، والعنف يبدو ضرورة وطنية؛ وهو الأمر الذي كلف البشرية ما يزيد على خمسين مليون ضحية.
يطلق على عملية تضليل الجمهور والتلاعب النفسي به عبر إخضاعه لسردية السلطة الحاكمة، ودفعه إلى الارتياب في ما يراه ويعيشه، وإلى تبنّي تفسير بديل للواقع تصوغه السلطة وتفرضه عبر الإعلام والخطاب السياسي، “الجازلايتينغ” (Gaslighting)، إذ يقوم على خلق سردية مضللة، تجعل الناس يشكون فيما رأوه أو عرفوه أصلًا، أو يقبلون تفسيرًا سلطويًا يناقض تجربتهم المباشرة، إلى درجة يصبح فيه الجمهور منساقًا تلقائيًا لما تريده السلطة الحاكمة، سرديتها، رؤيتها، تحليلها، دون اعتبار للتجربة الفردية والمشاهدة التجريبية والحقائق الماثلة. ويعود المصطلح إلى مسرحية بريطانية بعنوان "Gas Light" صدرت عام 1938، ثم تحوّلت إلى فيلم بريطاني عام 1940، وبعده إلى الفيلم الأميركي الأشهر Gaslight عام 1944. في هذه القصة يحاول الزوج أن يدفع زوجته إلى الاعتقاد بأنها تفقد عقلها، ومن بين الوسائل التي يستخدمها أنه يجعل أضواء الغاز في المنزل تخفت، ثم ينكر أن شيئًا قد تغيّر، بحيث تبدأ هي بالشك في حواسها وإدراكها للواقع. ومن هنا جاء الاسم نفسه، قبل أن ينتقل من المجال الأدبي/السينمائي إلى اللغة النفسية والاجتماعية لوصف نمط من التلاعب يقوم على إنكار الوقائع، وتشويش الإدراك، ودفع الضحية إلى الارتياب في ذاكرتها أو فهمها لما حدث.
كما فعل هتلر، وموسيليني، وتشاوتشسكو، وفرانكو، يتبنى ترامب ونتنياهو "الجازلايتنج" كاستراتيجية لتوجيه الرأي العام وتضليله خلال الحرب الأخيرة على إيران، وهو الأمر الذي يظهر عبر مجموعة من التصريحات والسياسات والسرديات المضللة، لعل أبرزها ادعاء ترامب أن إيران كانت بصدد توجيه ضربة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل خلال ساعات أو أيام لتبرير العدوان، وهو الأمر الذي نفاه مجتمع الاستخبارات الأمريكي، أو عبر إغراق وسائل الإعلام الاجتماعي، لا سيما اليمينية منها، بمجموعة من الادعاءات بحسم الحرب، عبر تصريحات شبه يومية من قبيل: "لقد انتصرنا على إيران"، "ونحن بنزهة"، "ومضيق هرمز مفتوح"، بينما حقائق الميدان تشير إلى عكس ذلك تمامًا، أو ما تابعناه خلال الأيام الماضية من تصريحات ترامب، والهادفة للإيحاء بتقدم دبلوماسي وفقًا للشروط الأمريكية، والادعاء أن هناك انقسامات داخل القيادة الإيرانية، على الرغم من مخالفة ذلك لوقائع الميدان، فمن يفاوض - رئيس البرلمان - هو جزء أصيل من تيار المحافظين، وبنية النظام الصلبة، وذو خلفية أمنية وعسكرية تبدأ من الحرس الثوري وتمتد لسلاح الجو والاستخبارات الإيرانية، فيما تضع إيران شروطها التفاوضية خلافًا لادعاءات ترامب الذي يحاول رسم سردية بأنها مستعدة لتوقيع إقرار بالهزيمة، أو عبر محاولة نتنياهو إظهار العدوان كجزء من حالة الدفاع عن النفس أمام المجتمع الإسرائيلي، والدفاع عن دول المنطقة، والدفاع عن القيم الليبرالية والديمقراطية لتبريرها عالميًا، على الرغم من الأغلبية الأمريكية والعالمية التي ترفض الحرب ومبرراتها، أو عبر تسويق مزاعم حاسمة لا يساندها التقييم الدولي بالكامل، مثل أن إيران فقدت قدرتها على تخصيب اليورانيوم، بينما تشير تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إن إيران ما زالت تحتفظ بقدرات نووية، وهذا النوع من التباين بين الادعاء السياسي الحاسم والتقييم الفني الدولي هو من أكثر ما يُستشهد به عند الحديث عن الجازلايتنج: أي دفع الجمهور لتصديق أن المشكلة حُلّت بالكامل، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.
تستخدم أمريكا وإسرائيل مجموعة من الأدوات لفرض سرديتهما، وتهميش أي رواية مناوئة، من بينها تقييد صور الأقمار الصناعية بالشرق الأوسط، وتأخيرها خلال الحرب على إيران، لحجب حقيقة ما يجري فعليًا بالميدان، أو عبر ممارسة ضغطًا سياسيًا وتنظيميًا على القنوات والإذاعات ووسائل الإعلام الأمريكية كي تغطي الحرب على إيران باللغة والرواية التي تفضّلها إدارة ترامب، إذ حذر رئيس لجنة الاتصالات الفدرالية الأميركية (FCC) بريندان كار الجهات المرخّص لها بالبث، والتأكيد بأن عليها الالتزام بـ“المصلحة العامة” وبتغطية “حقيقية”، وإلا قد تواجه تدقيقًا تنظيميًا أو تهديدًا يتعلق بالتراخيص، وهو الأمر الذي يشكل رسالة ترهيب تدفع المؤسسات الإعلامية إلى تعديل اللغة والإطار المستخدمين في التغطية، وكذلك فرض إسرائيل حظرًا إعلاميًا على خسائرها تحت دواعي أمنية.
لقد كلفت "جازلايتنج" هتلر وموسيليني العالم ما يزيد على خمسين مليون ضحية، فهل نحتاج إلى 50 مليون ضحية أخرى لنكتشف أننا أمام مهووسين جديدين، وأننا كنا جميعًا ضحية لـ"الجازلايتينغ" (Gaslighting)؟



أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

“أبناؤنا يتعلمون.. فهل نحن نتعلم؟”

إلى كل أم وأب يقرأ كلماتي الآن، أراكم بوضوح، وأشعر تماماً بثقل الأيام التي نمر بها. بصفتي أماً قبل أن أكون متخصصة وأحمل شهادة الدكتوراه في الإدارة التربوية، أتابع يومياً وباهتمام بالغ تلك النقاشات والشكاوى المحقة التي تضج بها منصات التواصل الاجتماعي حول تجربة التعليم عن بعد. نعم، الأمر مرهق إلى حد الاستنزاف، والظروف الاستثنائية التي فرضت علينا هذا الواقع قاسية جداً. نحن نعيش وضعاً راهناً يمتص طاقاتنا النفسية والجسدية بلا هوادة، وتحويل منازلنا الآمنة إلى قاعات دراسية لم يكن يوماً خياراً طوعياً نتمناه، بل بات ضرورة قصوى لحماية أبنائنا وضمان استمرارية حقهم الأصيل في الحياة والتعلم.
لكن، وسط هذه الغمامة من الإحباط العام والمنشورات التي يغلب عليها طابع التذمر، أجد لزاماً علينا أن نتوقف للحظة، لنتأمل المشهد من زاوية أوسع وأكثر عمقاً. التعليم عن بعد اليوم لم يعد مجرد تأدية واجب مدرسي ثقيل أو عبء إضافي نلقيه على كواهلكم المنهكة، بل هو في جوهره طوق النجاة الوحيد لضمان ألا تُسرق عقول ومستقبل أبنائنا كما تُسرق طمأنينتهم. إن التوقف عن التعلم في أوقات الأزمات والاضطرابات يمثل الخسارة الحقيقية والفادحة التي لا يمكن لأي مجتمع أن يعوضها مهما طال الزمن.
لغة الأرقام هنا لا تكذب، بل تدق ناقوس الخطر وتضعنا أمام مسؤولياتنا التاريخية. تشير أحدث تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) إلى أن هناك ما لا يقل عن ثلاثين مليون طفل خارج أسوار المدارس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وحدها، في حين تؤكد بيانات منظمة اليونسكو أن مائة وسبعة وعشرين مليون طفل وشاب في سن الدراسة يعيشون في بلدان متأثرة بالأزمات حول العالم محرومون من التعليم. هذه الإحصاءات المفزعة تخبرنا بحقيقة واحدة لا تقبل الجدل إن بقاء أبنائنا متصلين ببيئة التعلم، حتى وإن كان عبر شاشة باردة، هو امتياز عظيم وانتصار حقيقي على ظروف تحاول سلبهم غدهم.
قد يعتقد البعض أننا وحدنا من نكابد هذه المشقة، لكن الحقيقة أن دولاً رائدة عالمياً في مضمار التعليم تعتبر التعليم عن بعد ركيزة أساسية من ركائز قوة نظامها التربوي، حتى في أوقات الرخاء. في كوريا الجنوبية، ورغم بنيتهم التحتية التكنولوجية التي تسبق عصرها، واجهوا تحديات جمة في البدايات، لكنهم أدركوا بوعي استباقي أن المرونة وبناء نظام تعليمي لا تحده جدران المدرسة هو مفتاح العبور نحو المستقبل. أما في فنلندا، التي تتربع على عرش الأنظمة التعليمية في العالم، فالأمر يتجاوز مجرد حشو عقول الطلاب بالمعلومات عبر الشاشات؛ إذ يستثمرون التعلم عن بعد لبناء مهارة التعلم الذاتي والاعتماد على النفس، معتبرين إياها السلاح الأقوى والأبقى الذي يمكن منحه للطفل لمواجهة متغيرات الحياة.
وهنا، أجد لزاماً عليّ كمتخصصة أن أقف عند نقطة جوهرية وحساسة غالباً ما نغفل عنها ضغوطنا إن تذمرنا المستمر وشكوانا الدائمة أمام أبنائنا من عبء التعليم عن بعد، لا يمر مرور الكرام، بل يتسرب بصمت إلى أعماقهم ليصيغ موقفهم تجاه التعلم بأسره. في علم النفس التربوي، يُعد الوالدان “المرآة الأولى” التي يرى من خلالها الطفل عالمه؛ فإذا عكست هذه المرآة إحباطاً ورفضاً للعملية التعليمية، فإن الطفل سيتشرب هذا الرفض تلقائياً، وتتلاشى دافعيته للتعلم. إننا، ودون قصد منا، قد نكون المعول الذي يهدم جسر التواصل بين الطفل ومدرسته الافتراضية. حين يشعر الطفل أن والديه يعتبران تعليمه عبئاً ثقيلاً ومصدراً للتعاسة والتوتر في المنزل، فإنه سيفقد الشغف، وتتحول العملية التعليمية بأكملها إلى تجربة فاشلة ومحبطة للجميع. لذا، فإن وعينا بكلماتنا وانفعالاتنا أمامهم هو خط الدفاع الأول لضمان نجاح هذه التجربة.
وحتى نتمكن من إنجاح هذه المهمة الدقيقة داخل منازلنا دون أن نفقد توازننا النفسي، علينا أولاً وقبل كل شيء أن نتحلى بشجاعة التخلي عن سعينا المحموم نحو المثالية. لا بأس أبداً إن لم تسر الأمور كما خططنا لها، ولا بأس إن فاتت الطفل معلومة هنا أو هناك، فالأهم في ظل هذا الوضع الراهن والمشحون هو الحفاظ على الاستمرارية، وبقاء عقل الطفل يقظاً ومتصلاً بمسار التعلم. من الضروري أيضاً أن نبتكر روتيناً يومياً يتسم بالمرونة، من خلال تخصيص مساحة هادئة وبسيطة في المنزل للدراسة، مع الحرص على تخلل هذا الروتين فترات راحة كافية، كي لا نسمح للشاشات بأن تلتهم يوم الطفل وتستنزف حيويته.
هذه المرحلة الاستثنائية، بكل ما تحمله من قسوة، تظل فرصة ذهبية ليتعلم أبناؤنا مهارات حياتية حقيقية لا تُدرس في الكتب. دعوهم يتعلمون كيف يبحثون عن المعلومة بأنفسهم، وكيف يديرون أوقاتهم، وكيف يتحملون مسؤولية تعلمهم، بدلاً من حصر تركيزنا في دائرة الدرجات والتقييمات الأكاديمية الضيقة. وقبل كل هذا وذاك، تبقى الصحة النفسية هي حجر الزاوية والأساس المتين الذي نبني عليه كل شيء. احتضنوا أبناءكم، فالخوف والقلق الذي يعتصر قلوبنا، يتسرب إليهم ويشعرون به أضعافاً مضاعفة. اجعلوا من وقت التعليم مساحة دافئة للأمل والتواصل الإيجابي، ولا تسمحوا له بأن يتحول إلى ساحة لمعركة يومية تملأ أرجاء المنزل بالصراخ والتوتر.
أيها الآباء والأمهات، أنتم بلا شك أبطال هذه المرحلة الاستثنائية وحراس أحلام أبنائكم. لا تستسلموا لتيار الإحباط الجارف، ولا تدعوا أبناءكم يشعرون بأن تعليمهم بات عبئاً ثقيلاً عليكم. دعونا نتعامل مع التعليم عن بعد كجسر متين نعبر به بأبنائنا فوق أمواج هذه الأزمة نحو بر الأمان، متسلحين بالصبر والوعي، حتى تنجلي هذه الغمة ونعود لساحات المدارس ونحن أكثر قوة وصلابة وإيماناً بقيمة العلم.

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:42 صباحًا - بتوقيت القدس

حرب بلا عقل.. من يربح فعلاً ومن يدفع الثمن؟

في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط يبدو المشهد للوهلة الأولى معقدا ومليئا بالتبريرات السياسية والعسكرية لكن عند تفكيك الصورة تتضح معادلة أبسط بكثير: هناك من يستفيد وهناك من يدفع الثمن والفارق بين الطرفين هائل.
على رأس المستفيدين يقف نتنياهو وترامب حيث تتحول الحرب بالنسبة لهما إلى أداة سياسية بامتياز فالتصعيد يمنح هذه القيادات فرصة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي والهروب من الأزمات وملفات الفساد ولجان التحقيق وتعزيز الخطاب الأمني الذي يضمن استمرار الدعم الشعبي أو السياسي لهم وفي هذا السياق لا تبدو القرارات الكبرى دائما نابعة من رؤية استراتيجية طويلة المدى بقدر ما تعكس حسابات بقاء ونفوذ.
ولا يقتصر الأمر على السياسة فقط بل يمتد إلى شبكة أوسع من المستفيدين تشمل دوائر اقتصادية مرتبطة بصناعة السلاح والاستثمار في الأزمات من عائلة ترامب إلى أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي الذين يقودون شركات ويتحكمون بالأسواق العالمية فالحروب تاريخيا تفتح أبوابا هائلة للأرباح سواء عبر صفقات التسليح أو إعادة الإعمار أو المضاربات في أسواق الطاقة والذهب وغيرها وهنا تتحول المعاناة الإنسانية إلى أرقام في ميزانيات وتصبح الفوضى بيئة خصبة لمصالح ضيقة.
وفي سياق التصريحات السياسية المتسارعة للرئيس ترامب ونتنياهو تتكرر مواقف تخدم المستفيدين ولا تخدم أمريكا وإسرائيل تُعلن سيطرة كاملة على مجريات الأحداث وتقدّم صورة حاسمة للنتائج الميدانية من قبيل تأكيدات حول إغلاق أو فتح مضيق هرمز أو تحقيق إنجازات عسكرية كبرى أو تحييد خصوم من الصف الأول غير أن المعطيات الميدانية وما يحدث من تطورات على الأرض كثيرا ما تعكس صورة مختلفة حيث تظهر مؤشرات على استمرار الحرب بطريقة أشد وتبادل الضربات بدلا من الحسم الذي تُصوّره تلك التصريحات وفي المقابل يكرر ترامب ادعاءات بالتأكيد على وجود مسارات تفاوضية أو تفاهمات قيد التشكل بينما تشير الوقائع إلى غياب نتائج ملموسة على الأرض ما يعزز حالة التباين بين الخطاب السياسي والواقع الفعلي كما أن الاغتيالات التي تطال القيادات في الطرف الإيراني وحزب الله والتي يتفاخر بها نتنياهو و ترامب لا تنتهي بإنهاء قوة المواجهة أو إضعاف الأداء بل تُفضي إلى بروز قيادات أكثر تشددا وقوة وأقل قابلية للتفاهم في ظل تغييب شخصيات تمتلك خبرة في إدارة التفاوض والصراع وصياغة التسويات المتوازنة وهذا بدوره يساهم في تعقيد المشهد وإطالة أمد الحرب بدلا من إنهائها.
في المقابل يقف الخاسرون على الطرف الآخر من المعادلة وهم الأغلبية الساحقة شعوب بأكملها تجد نفسها في قلب صراعات لا تملك قرارها من المدنيين في مناطق النزاع إلى المجتمعات التي تتأثر بشكل غير مباشر.
في إسرائيل نفسها يدفع السكان ثمنا متصاعدا سواء من خلال الموت بالصواريخ أو الرصاص أو الإقامة في الملاجئ أو الهجرة إلى أوطانهم الأصلية أو الضغط الاقتصادي ورحيل الشركات أو استنزاف الموارد البشرية أو القلق المستمر الذي يرافق الحياة اليومية في ظل حروب مستمرة أما في إيران ولبنان فالمشهد أكثر قسوة حيث يتحمل المدنيون الأبرياء عبء التصعيد من خلال قصف أمريكي إسرائيلي للمدارس والمشافي وقتل الأطفال والأبرياء بلا رحمة أو رادع إنساني أو قانوني إضافة إلى التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار ونقص مصادر الطاقة والغذاء والماء بل اختفائها أحيانا إلى جانب المخاطر الأمنية المباشرة.
وتتسع دائرة الخسارة لتشمل العالم بأسره فالحروب لا تبقى محصورة جغرافيا بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي بعد إغلاق مضيق هرمز وقصف مصادر الطاقة وآبار النفط في إيران والخليج وإسرائيل وعبر اضطراب والتلاعب في أسواق الطاقة وارتفاع الأسعار ما يؤدي إلى زيادة التضخم وتراجع القدرة الشرائية لملايين البشر في العالم كما تتفاقم الأزمات الإنسانية مع ارتفاع معدلات النزوح والتهجير والفقر لتخلق واقعا هشا يمتد أثره لأجيال وقد يؤدي ذلك إلى حرب إقليمية أو دولية أو حتى نووية تدمر العالم.
وفي هذا السياق تُعد دول الخليج من أكبر الخاسرين إذ تحولت أراضيها إلى ساحات مفتوحة للحرب والصراع   وقد يعيدها إلى مراحل من عدم الاستقرار الاقتصادي والأمني تفقد معها مكتسبات عقود طويلة من التنمية والاستقرار السياسي.
ولا يمكن إغفال البعد البيئي حيث يؤدي تدمير البنية التحتية واستهداف منشآت الطاقة إلى أضرار طويلة الأمد تؤثر على صحة الإنسان وعلى التوازن البيئي في المنطقة والعالم.
في نهاية المطاف تتضح الصورة دون تعقيد:
المستفيدون قلة محدودة بينما الخاسرون هم الأغلبية الساحقة من الشعوب إلى الدول إلى الاقتصاد العالمي وصولا إلى البيئة فالحروب مهما بدت مربحة لفئات ضيقة تترك أثرا ممتدا لا يمكن احتواؤه بسهولة وتعيد تشكيل العالم نحو مزيد من عدم الاستقرار في إطار حسابات ضيقة لبعض الأطراف بدلا من أن تقوده نحو الحلول.
وفي النهاية يبقى السؤال الحقيقي:
إذا كان الجميع يخسر… فلماذا تستمر الحرب؟

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:41 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة : كيف ينتزع ترمب النصر على إيران ؟ بالجحر الثالث


 إذا لُدغت إيران من الجحر إياه للمرة الثالثة، في أقل من سنة، فإنها تكون قد أخلّت بتعاليم دينها القويم على لسان نبيه الأمين "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين"، فما بالكم بثلاث مرات. وعلى صعيد السياسة، فإنها سرعان ما ستسقط في متاهاتها، بل ومستتنقعاتها الآسنة، التي لطالما استقبلت – المستنقعات- العديد من صناعها وروادها في المنطقة والتاريخ.
اكتشف الناس عموما، والأمريكيون على وجه الخصوص، حقيقة ما يتلفظ به رئيسهم دونالد ترمب من مصطلحات ومفردات وكلمات تجانب الحقائق، ومن الواضح ان الأمر لا يهمه، فهناك ما يهمه أكثر بكثير من أن يقال عنه صادق او كاذب، فهو أولا وأخيرا رجل سياسي يشغل زعامة أكبر وأقوى دولة في العالم، عدا عن تخصصه وشغفه بالمال والعقار، وآخر استطلاعات الرأي خفّضت شعبيته الى أدنى مرة منذ انتخابه الأخير إلى 36%، فلماذا يذهب أصحاب إيران الجمهورية الإسلامية الى جحره للمرة الثالثة، كي يلدغهم ثعبانه الكامن في انتظارهم ليؤدي مهمته المعتادة، والأنكى من ذلك، أنهم باتوا يتوقعونه.
عندما كان ترمب في اللدغة الثانية يمدد المفاوضات، وينقلها من عاصمة الى أخرى، كان في الحقيقة ينتظر وصول حاملات طائراته الى المنطقة، التي تستغرق نحو شهر، وما أن وصلت، حتى هاجمهم وقتل مرشدهم الأعلى ومعه نحو خمسين قائدا. الآن يمدد لهم عشرة أيام قبل ان يقصف مهاجع الطاقة والاستيلاء على اليورانيوم المخصب واحتلال جزيرة النفط ومعها المضيق، انه ينتظر وصول العدد الكافي من الجنود المتخصصين في هذا النوع من إداء هذه المهمات.
وبالمناسبة، فإن النقاط الـ15 التي طرحها ترمب على إيران لبدء المفاوضات، تشي انها في مجملها شبه اعلان هزيمة لأمريكا، فإذا ما استثنينا موضوع النووي، الذي جاء في سبع نقاط، فهي في صالح إيران. ومع ذلك على إيران ان ترفضها، ليس لأنها مجحفة أو عادلة، بل لأن أمريكا هي التي اعتدت عليها، وعليها بالتالي ان توقف عدوانها فورا وقبل أي خطوة قادمة، بل وقبل ان يقولوا "السلام عليكم"، هذا هوالحد الأدنى الإيراني الذي يجب ان تطلبه من أمريكا، لأن الحد الأدنى الأمريكي الذي تريده من إيران في جلبها الى طاولة مفاوضات - باكستانية هذه المرة – ليس أقل من وثيقة استسلام واضحة وصريحة، ترضي غرور وغطرسة سيد أمريكا المتماهي تاريخه مع مثل هذه المثالب، ولأن إيران لا تفعل ذلك ولا تستسلم، فإنه سيحدد لقواته البرية والمظلاتية والخاصة، وقوامها نحو 17 ألفا، ساعة صفر لا تتعدى الثامنة من مساء السادس من نيسان القادم، ولربما أبكر، تكون إيران بذلك قد تجاوزت خسارتها الجزيرة والمضيق واليورانيوم المخصب، إلى خسارة الحرب كلها، رغم ان ملايين الإسرائيليين في الملاجئ يختبئون ويكتئبون، وملايين إيران في الشوارع يهتفون ويفرحون.

عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 9:27 صباحًا - بتوقيت القدس

سيناريوهات المواجهة: استعدادات أميركية لعمليات برية في إيران وطهران تلوح بمليون مقاتل

تتصاعد وتيرة التوتر في منطقة الشرق الأوسط مع كشف تقارير صحفية عن استعدادات تجريها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) لتنفيذ عمليات برية محتملة داخل الأراضي الإيرانية. ونقلت مصادر صحفية عن مسؤولين أميركيين أن هذه العمليات قد تستمر لعدة أسابيع، مشيرين إلى أنها لن تأخذ شكل الغزو الشامل، بل ستتركز على أهداف نوعية واستراتيجية لتقويض القدرات الإيرانية في ظل اتساع رقعة الصراع الإقليمي.

وتشير المداولات داخل الإدارة الأميركية التي جرت خلال الشهر الماضي إلى تركيز خاص على إمكانية السيطرة على جزيرة خارك الاستراتيجية، المعروفة بأهميتها الاقتصادية والعسكرية. ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية أميركية تهدف إلى الضغط على طهران عبر استهداف مفاصل حيوية، مع الحفاظ على سقف العمليات دون مستوى الحرب المفتوحة التي قد تشعل المنطقة بأكملها.

في المقابل، تظهر طهران استعداداً عسكرياً كبيراً لمواجهة أي تحرك بري، حيث تؤكد مصادر مطلعة امتلاك إيران لنحو مليون مقاتل جاهزين للانتشار. وتتوزع هذه القوة البشرية الهائلة بين القوات الخاصة التابعة للحرس الثوري وقوات التعبئة المعروفة بـ 'الباسيج'، بالإضافة إلى وحدات الجيش النظامي التي لم يتم الزج بكامل ثقلها في المواجهات الجارية حتى اللحظة.

ويبرز دور القوات البحرية والقوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري كركيزة أساسية في منظومة الدفاع الإيرانية، خاصة بعد اغتيال قائد القوة البحرية علي رضا تنكسيري قبل يومين. وكان تنكسيري يُعد من أبرز القيادات العسكرية المقربة من دوائر صنع القرار، حيث أشرف على خطط طموحة لتوسيع نفوذ الأساطيل الإيرانية في المياه الدولية وصولاً إلى مناطق بعيدة عن الحدود التقليدية.

وعملت القيادة البحرية الإيرانية خلال السنوات الماضية على تعزيز الحضور العسكري في مضيق هرمز، وفرض سيطرة مطلقة على السواحل والجزر الثلاث (طنب الكبرى، طنب الصغرى، وأبو موسى). وتعتبر طهران هذه الجزر بمثابة قواعد عسكرية عائمة ومنصات اقتصادية محصنة بمنظومات دفاع جوي متطورة، مما يجعل أي محاولة للإنزال البري فيها مهمة معقدة ومكلفة عسكرياً.

وتضع الدوائر الاستراتيجية في واشنطن هذه المعطيات الميدانية ضمن حساباتها، حيث يبرز تساؤل حول ما إذا كانت التهديدات بالإنزال البري هي خطة فعلية أم مجرد تكتيك إعلامي. ويرى مراقبون أن التركيز على ملف الجزر وجزيرة خارك قد يكون وسيلة لصرف الأنظار عن أهداف أخرى أكثر إلحاحاً للإدارة الأميركية في جبهات بديلة.

ويرتبط هذا التصعيد ببروز معطيات جديدة على جبهة اليمن، حيث تشير تحليلات غربية إلى أن الهدف الحقيقي للرئيس ترمب قد يكون إحكام السيطرة على مضيق باب المندب. وتهدف هذه التحركات إلى إنهاء التهديدات التي تشكلها جبهة الحوثيين بشكل نهائي، وتأمين الممرات الملاحية الدولية التي تعرضت لضغوط كبيرة خلال الفترة الماضية نتيجة العمليات العسكرية المستمرة.

وبناءً على ذلك، قد تستخدم واشنطن ملف النزاع حول الجزر مع الإمارات والتهديد بعمليات في العمق الإيراني كغطاء للمناورة وتشتيت الانتباه عن تحركاتها الرئيسية في البحر الأحمر. وتظل المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة، حيث تتداخل الأهداف المعلنة مع التحركات الميدانية السرية، مما يضع الشرق الأوسط على فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.

أقلام وأراء

الأحد 29 مارس 2026 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح أمام لحظة الحقيقة: مؤتمرٌ يُنقذ الحركة .. أم يُعيد إنتاج أزمتها؟


ليست كل المؤتمرات متشابهة. هناك مؤتمرات تُعقد لتسجيل الحضور، وأخرى تُعقد لصناعة التحول. والمؤتمر الثامن لحركة "فتح" لا يملك ترف أن يكون من النوع الأول. نحن أمام لحظة لا تحتمل المجاملة، ولا تقبل اللغة الرمادية. إما أن تُحسن الحركة قراءة نفسها بجرأة، أو تُترك لتُستهلك ببطء تحت وطأة التراكمات.
لقد قيل كثيرًا إن "فتح" تمرّ بمرحلة جديدة وسط تحديات وجودية. وهذا توصيف صحيح .. لكنه ناقص. فالمشكلة ليست فقط في حجم التحديات، بل في طبيعة الاستجابة لها. التحدي الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل: في كيفية إدارة الحركة لنفسها، وفي قدرتها على الانتقال من منطق "الرمزية التاريخية" إلى منطق "الفاعلية السياسية".

أولًا: السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة؟
قبل البرامج، وقبل الشعارات، وقبل التوصيات .. هناك سؤال واحد يجب أن يتقدم كل النقاش:
من يملك القرار داخل فتح؟ وكيف يُتخذ؟
دون إجابة واضحة على هذا السؤال، سيبقى أي حديث عن الإصلاح مجرد تجميل لغوي. فالأزمة ليست أزمة نصوص، بل أزمة بنية. ليست أزمة خطاب، بل أزمة إدارة.

ثانيًا: الإصلاح ليس شعارًا .. بل كلفة:
كثيرًا ما تُرفع عبارة "إعادة ترتيب البيت الداخلي"، لكن الحقيقة أن ترتيب البيت لا يتم بإعادة طلاء الجدران، بل بإعادة توزيع الغرف. أي إصلاح حقيقي داخل "فتح" سيصطدم حتمًا بمصالح قائمة، وبشبكات نفوذ اعتادت الاستقرار.
لذلك، يجب أن يكون واضحًا:
الإصلاح الذي لا يُزعج أحدًا .. لا يُصلح شيئًا.

ثالثًا: الشباب ليسوا زينة تنظيمية:
الحديث عن "تمكين الشباب" أصبح جزءًا من القاموس الجاهز، لكنه في الواقع لا يزال محدود الأثر. إدخال الشباب لا يعني تعيين وجوه جديدة في مواقع قديمة، بل يعني إعادة تعريف أدوار الحركة نفسها.
السؤال هنا ليس: كم عدد الشباب في المؤتمر؟
بل: هل يمتلكون القدرة الفعلية على التأثير؟

رابعًا: البرنامج السياسي بين الثوابت والجمود:
"فتح" ليست مطالبة بالتخلي عن ثوابتها، لكنها مطالبة بمراجعة أدواتها. الثبات على الهدف لا يعني الجمود في الوسائل. والمشكلة أن الحركة، في كثير من الأحيان، دافعت عن أدواتها أكثر مما دافعت عن قدرتها على تطويرها.
في عالم يتغير بسرعة، لا يكفي أن تكون على حق .. بل يجب أن تكون قادرًا على الفعل.

خامسًا: استعادة الثقة لا تُفرض ..  بل تُبنى:
الثقة الشعبية لا تُستعاد عبر البيانات، بل عبر السلوك. المواطن الفلسطيني لا ينتظر خطابًا جديدًا، بل تجربة مختلفة. يريد أن يرى حركة تُنصت، لا تُلقي فقط. تُشرك، لا تُقرر وحدها.
وإذا كان المؤتمر الثامن لا يُنتج تغييرًا ملموسًا في العلاقة مع الناس، فإنه سيفقد أحد أهم مبرراته.

سادسًا: الأسرى .. البعد الأخلاقي الذي يرفع سقف المؤتمر.
في خضم كل هذا النقاش، يبقى حضور الأسرى - خاصة أولئك الذين خاضوا تجربة الاعتقال طويلًا - عنصرًا نوعيًا لا يجوز التعامل معه كتمثيل رمزي.
الأسرى ليسوا "فئة"داخل الحركة .. بل هم ضميرها الحي. حضورهم في المؤتمر بعدد وازن لا يضيف فقط ثقلًا معنويًا، بل يفرض معيارًا أعلى للمسؤولية. فهم يحملون تجربة نضالية صافية، بعيدة عن تعقيدات المصالح اليومية، وقريبة من جوهر القضية كما دُفعت أثمانها الحقيقية.
لكن الأهم من حضورهم .. هو ما يترتب عليه:
وجود الأسرى في المؤتمر يجب أن يتحول من "تكريم" إلى "تكليف".
تكليف بأن يكونوا:
عنصر توحيد لا اصطفاف
صوتًا أخلاقيًا ضاغطًا باتجاه الإصلاح
عامل توازن في لحظة قد تميل فيها الحسابات نحو المصالح الضيقة
وهنا، تتضاعف المسؤولية عليهم بقدر ما يرتفع سقف التوقعات منهم. فالمطلوب ليس أن يكونوا شاهدين على ما يجري، بل شركاء في إعادة تشكيل المسار.
قد لا يكون الطريق الذي يفرضه هذا الدور مريحًا، وقد يضعهم في مواجهة مباشرة مع مراكز قوة داخلية، لكن:
ما يمنحهم شرعية التأثير .. هو قدرتهم على قول ما لا يُقال.

سابعًا: المؤتمر كفرصة ..  أو كعبء إضافي:
المؤتمر القادم يمكن أن يكون:
نقطة انطلاق جديدة تعيد تعريف الحركة ودورها
أو
محطة شكلية تُضاف إلى سجل المؤتمرات دون أثر حقيقي.
الفارق بين الخيارين ليس في النصوص التي ستُكتب، بل في القرارات التي ستُتخذ، وفي الجرأة على تنفيذها.
الخلاصة: لحظة لا تحتمل التأجيل
"فتح" لا تعاني من نقص في التاريخ، بل من ضغط الحاضر. ولا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى وضوح في الاتجاه. المؤتمر الثامن ليس مناسبة تنظيمية عادية، بل اختبار حقيقي لقدرة الحركة على البقاء فاعلًا مركزيًا في المشروع الوطني.
إما أن تختار فتح أن تُعيد بناء نفسها بوعي وشجاعة،
أو أن تستمر في إدارة أزمتها بلغةٍ أفضل.
وفي قلب هذا الاختبار، سيكون لضمير الحركة - ممثلًا بأسراها - دورٌ حاسم:
إما أن يرفع سقفها .. أو يكشف عجزها عن الارتقاء إليه.
والفارق بين الخيارين .. هو مستقبلها.

فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 8:57 صباحًا - بتوقيت القدس

6 شهداء في مجزرة جديدة بخانيونس واحتلال يواصل خرق 'هدنة أكتوبر'

ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي فجر اليوم الأحد مجزرة جديدة في منطقة المواصي غربي مدينة خانيونس، أسفرت عن ارتقاء 6 شهداء وإصابة آخرين بجروح متفاوتة. وأفادت مصادر طبية وميدانية بأن طائرات الاحتلال استهدفت بشكل مباشر نقطتي تفتيش تابعتين للشرطة الفلسطينية في المنطقة التي تكتظ بالنازحين، مما أدى إلى تدمير الموقعين وسقوط ضحايا من العناصر الأمنية والمدنيين المتواجدين في المحيط.

وأكدت المصادر أن الشهداء الستة يتوزعون بين 3 من أفراد الشرطة الذين كانوا يمارسون مهامهم في تنظيم المنطقة، و3 مدنيين بينهم فتاة سقطوا جراء الشظايا والقوة التدميرية للصواريخ الإسرائيلية. ويأتي هذا التصعيد الميداني كأحدث خرق لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة دولية ودخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، حيث يواصل الاحتلال استهدافاته الممنهجة رغم التهدئة المعلنة.

وفي سياق متصل، تشير الإحصائيات المحدثة إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي قتل نحو 691 فلسطينياً وأصاب أكثر من 1876 آخرين منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار قبل نحو خمسة أشهر. وتتصاعد وتيرة هذه الاعتداءات تزامناً مع التوترات الإقليمية، حيث سجلت المصادر الطبية استشهاد ما لا يقل عن 50 فلسطينياً منذ بدء التصعيد العسكري الأخير في المنطقة قبل نحو شهر، ما يرفع الحصيلة الإجمالية للعدوان منذ أكتوبر 2023 إلى أكثر من 72 ألف شهيد.

وعلى صعيد ملف الأسرى، أعلنت مصادر حقوقية عن استشهاد الأسير مروان فتحي حسين حرز الله (54 عاماً) من مدينة نابلس داخل سجن مجدو الإسرائيلي يوم السبت. وكان حرز الله قد اعتقل في يناير الماضي، ليرتفع باستشهاده عدد شهداء الحركة الأسيرة منذ السابع من أكتوبر إلى 89 شهيداً، في ظل ظروف اعتقال قاسية وسياسات إهمال طبي متعمدة تمارسها إدارة سجون الاحتلال بحق آلاف المعتقلين.

وتتزامن هذه التطورات الميدانية مع تحركات تشريعية عنصرية داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث أقرت لجنة الأمن القومي مشروع قانون يتيح إعدام الأسرى الفلسطينيين بالقراءة النهائية. ويهدف هذا القانون، الذي ينتظر العرض على الهيئة العامة للكنيست، إلى شرعنة القتل الممنهج بحق المعتقلين، في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية في الضفة الغربية التي خلفت أكثر من 1137 شهيداً ونحو 22 ألف معتقل منذ بدء العدوان الواسع.

فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 8:43 صباحًا - بتوقيت القدس

مقتل جندي إسرائيلي وإصابة العشرات في معارك جنوب لبنان وحزب الله يهاجم قواعد استراتيجية

أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الأحد، بمقتل جندي من لواء المظليين خلال المواجهات البرية العنيفة الدائرة في جنوب لبنان. وأوضحت مصادر عسكرية أن القتيل هو الرقيب موشيه يتسحاق هاكوهين كاتز، الذي سقط إثر استهداف قوة متوغلة بصاروخ موجه أطلقه مقاتلو حزب الله، مما أدى أيضاً إلى إصابة ثلاثة جنود آخرين بجروح متوسطة نُقلوا على إثرها للمستشفيات.

وفي سياق متصل، كشفت تقارير عبرية عن إصابة نحو 15 جندياً إسرائيلياً في حوادث ميدانية منفصلة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وأشارت المصادر إلى أن من بين المصابين ضابطاً تعرض لجروح خطيرة نتيجة استهداف آليته بصاروخ مضاد للدروع، في ظل عمليات إخلاء معقدة جرت تحت وابل من النيران الكثيفة في القرى الحدودية.

من جانبه، أعلن حزب الله عن تنفيذ سلسلة من العمليات النوعية التي استهدفت العمق الإسرائيلي والقواعد العسكرية الاستراتيجية. وشملت الهجمات قصف قاعدتي 'عين شيمر' للدفاع الجوي و'رغفيم' التابعة للواء غولاني جنوب مدينة حيفا، بالإضافة إلى استهداف قاعدتي 'محفاه ألون' و'بيريا' في محيط مدينة صفد المحتلة برشقات صاروخية مكثفة.

وفي تطور ميداني لافت، نفذ سلاح الجو التابع لحزب الله هجوماً بسرب من المسيّرات الانقضاضية استهدف قاعدة 'راوية' في الجولان السوري المحتل. وأكدت مصادر ميدانية أن المسيّرات أصابت أهدافها بدقة، بالتزامن مع استهداف تجمعات لجنود الاحتلال في موقع المالكية شمالي فلسطين المحتلة ثلاث مرات متتالية باستخدام الصواريخ الموجهة.

وعلى صعيد المواجهات المباشرة، أفادت المصادر بأن مقاتلي الحزب تصدوا لقوة مدرعة إسرائيلية في بلدة دير سريان أثناء محاولتها سحب آلية متضررة، مما أدى لوقوع إصابات مباشرة. كما أجبرت الدفاعات الجوية التابعة للحزب مروحية إسرائيلية على الانسحاب من أجواء بلدة العديسة بعد استهدافها بصاروخ أرض-جو، مما حال دون تنفيذ مهامها القتالية.

ميدانياً، واصلت طائرات الاحتلال ومدفعيته عدوانها الواسع على القرى والبلدات اللبنانية، حيث ارتكبت مجزرة في بلدة الحنية أسفرت عن ارتقاء سبعة شهداء ووقوع عدد من الجرحى. كما استهدفت الغارات بلدة جويا مما أدى لاستشهاد شخصين، تزامناً مع قصف مدفعي عنيف طال بلدات القليلة والبياضة ومدينة بنت جبيل في القطاع الأوسط والشرقي.

وفي منطقة البقاع، شنت الطائرات الحربية غارة ليلية استهدفت بلدة الجمالية شمال مدينة بعلبك، فيما واصلت قوات الاحتلال عمليات التفجير الممنهجة للمباني السكنية في الحي الشرقي لبلدة الخيام. وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد إسرائيلي غير مسبوق يهدف إلى تدمير البنية التحتية في المناطق الحدودية اللبنانية.

وتشير الإحصاءات الرسمية المحدثة إلى أن حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ مطلع مارس الجاري قد ارتفعت إلى 1189 شهيداً، بينهم 124 طفلاً و86 سيدة. كما تجاوز عدد المصابين حاجز 3300 جريح، في حين تسببت العمليات العسكرية بنزوح أكثر من مليون لبناني من منازلهم في ظل ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

وكان يوم السبت قد شهد ذروة في العمليات العسكرية، حيث نفذ حزب الله 32 هجوماً متنوعاً شملت استهداف سبع دبابات من طراز ميركافا وآليات هامر في بلدات القنطرة ودبل. كما أكدت تقارير ميدانية دخول سكان مناطق عكا وخليج حيفا إلى الملاجئ أكثر من 16 مرة خلال يوم واحد نتيجة الرشقات الصاروخية المتواصلة من جنوب لبنان.

يتزامن هذا التصعيد الميداني مع توترات إقليمية متزايدة واتساع رقعة المواجهة التي تشارك فيها أطراف دولية وإقليمية. وتؤكد المصادر أن المقاومة في لبنان تواصل استراتيجية استنزاف القوات الإسرائيلية المتوغلة، مع الحفاظ على وتيرة قصف المواقع الحيوية في العمق، مما يضع الجبهة الشمالية للاحتلال في حالة استنفار دائم.

أحدث الأخبار

الأحد 29 مارس 2026 8:13 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تهدد أبوظبي: الغزو البري سيحول كافة أصول الإمارات إلى أهداف عسكرية

كشفت تقارير صحفية نقلاً عن مصادر إيرانية مطلعة أن القيادة في طهران باتت مقتنعة بتورط دولة الإمارات العربية المتحدة بشكل نشط في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الأراضي الإيرانية. وأوضحت المصادر أن أي تحرك نحو غزو بري قد ينطلق من القواعد الموجودة في المنطقة سيؤدي إلى رد فعل واسع النطاق يستهدف أصول الدولة الإماراتية بشكل مباشر وغير مسبوق.

وأكد مسؤول أمني إيراني أن طهران قررت إنهاء ما وصفه بـ 'فترة التسامح' التي استمرت لأسابيع تجاه أبوظبي. وجاء هذا القرار بعد استنتاجات أمنية تفيد بأن الدور الإماراتي تجاوز مجرد استضافة المنشآت العسكرية الأمريكية، ليصل إلى تقديم تسهيلات لوجستية وعملياتية مباشرة تخدم الأهداف الإسرائيلية والأمريكية في المنطقة.

وتشير تقديرات الاستخبارات الإيرانية إلى أن الإمارات وضعت بعض منشآتها الجوية الخاصة تحت تصرف القوات التي تنفذ عمليات ضد إيران. ويرى المسؤولون في طهران أن أبوظبي تحولت إلى منصة متقدمة لتعزيز المصالح الإسرائيلية، بما في ذلك المشاركة في عمليات تضليل تهدف إلى إلصاق تهم هجمات كاذبة بالجانب الإيراني في دول مجاورة مثل سلطنة عمان.

وتضمنت الاتهامات الإيرانية استخدام بنية تحتية متطورة تعتمد على تقنيات الذاء الاصطناعي داخل الإمارات لدعم عمليات جمع البيانات وتحليلها. ووفقاً للمسؤول الأمني، فإن هذه البيانات استُخدمت لتحديد أهداف إيرانية وشخصيات قيادية، مما يجعل التعاون الإماراتي يتجاوز الحدود التقليدية للدعم اللوجستي إلى المشاركة الاستخباراتية الفعالة.

وشددت المصادر على أن الهجمات التي قد تنطلق من الأراضي الإماراتية وتستهدف السفن أو المناطق الساحلية الإيرانية ستعتبر تصعيداً كبيراً يتطلب استجابة قوية وفورية. وأوضحت أن القواعد التي كانت تحكم الاشتباك في السابق لن تكون سارية المفعول في حال تعرضت السيادة الإيرانية لأي تهديد بري مباشر ينطلق من دول الجوار.

من جانبه، ذكر مسؤول دبلوماسي إيراني رفيع أن طهران تمتلك تقييمات استخباراتية، مدعومة بمعلومات من حلفاء دوليين بينهم روسيا، تشير إلى احتمال وشيك لشن هجوم بري أمريكي. وأضاف أن هذه التقارير ترسم سيناريوهات محتملة لاستخدام الأراضي الإماراتية كنقطة انطلاق رئيسية لهذه القوات في المرحلة المقبلة من الصراع.

وفي سياق متصل، لفت الدبلوماسي إلى أن التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن تدمير محطات الطاقة الإيرانية تؤخذ على محمل الجد رغم تأجيلها المتكرر. وترى طهران أن هذا التأجيل ليس تراجعاً دبلوماسياً، بل هو غطاء زمني يهدف إلى استكمال نشر القوات الإضافية والتحضير لمرحلة قتالية أكثر عنفاً.

وأوضح المسؤول أن إيران تعمدت حتى اللحظة تجنب معاملة الدول التي تنطلق منها الهجمات كأعداء بالكامل، واقتصرت ضرباتها الانتقامية على أهداف عسكرية واستخباراتية محددة. إلا أن هذا النهج سيتغير جذرياً إذا ما تحولت تلك الأراضي إلى منطلق لاحتلال أي جزء من الأرض الإيرانية أو الجزر التابعة لها في الخليج.

وحذر الدبلوماسي من أن سياسة ضبط النفس الإيرانية ستنتهي فوراً عند وقوع أي غزو بري، حيث ستتحول جميع المؤسسات الحكومية والمصالح المرتبطة بها إلى أهداف مشروعة. ولن تقتصر الضربات حينها على الثكنات العسكرية، بل ستمتد لتشمل الأصول التجارية والاستثمارية والعقارية التي تساهم فيها الدولة الإماراتية.

وأكدت المصادر أن طهران نقلت هذه الرسائل التحذيرية بشكل واضح ومباشر إلى الجانب الإماراتي، محملة إياهم مسؤولية أي تدهور أمني قد ينتج عن استخدام أراضيهم في أعمال عدائية. وتعتبر إيران أن المشاركة في احتلال أي شبر من أراضيها يمنحها الحق القانوني والعسكري في التعامل مع الدولة المضيفة كطرف معتدٍ.

وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه مضيق هرمز توترات حادة، حيث يمر عبره نحو 30 بالمئة من إمدادات النفط العالمية. وتلوح طهران باستخدام كافة أوراق الضغط المتاحة لديها لضمان أمنها القومي، بما في ذلك تعطيل حركة الملاحة واستهداف المصالح الاقتصادية للدول المشاركة في التحالف ضدها.

ويرى مراقبون أن التصريحات الإيرانية الأخيرة تعكس حالة من الاستنفار القصوى في دوائر صنع القرار بطهران، تزامناً مع التحركات العسكرية الأمريكية المكثفة في المنطقة. وتعد هذه التحذيرات بمثابة رسم لخطوط حمراء جديدة تهدف إلى ردع دول الجوار عن الانخراط الكامل في أي عمل عسكري بري محتمل.

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة، تترقب الأوساط السياسية مدى استجابة أبوظبي لهذه التهديدات، وما إذا كانت ستؤدي إلى مراجعة في السياسات الدفاعية والتحالفات الإقليمية. وتظل المنطقة مفتوحة على كافة الاحتمالات مع استمرار الحشد العسكري المتبادل وغياب أفق الحل الدبلوماسي الحقيقي بين الأطراف المتصارعة.

ختاماً، شددت المصادر الإيرانية على أن 'قواعد اللعبة' قد تغيرت، وأن أي مساس بالتراب الإيراني سيواجه برد مزلزل يطال العمق الاقتصادي والسياسي للدول المتورطة. وتؤكد طهران أنها لن تتردد في حماية سيادتها بكل الوسائل المتاحة، مهما كانت التبعات على استقرار المنطقة وأمن الطاقة العالمي.

منوعات

الأحد 29 مارس 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

أطلانطس.. كيف تحولت أسطورة أفلاطون إلى لغز أثري يطارد الباحثين؟

تظل مدينة أطلانطس المفقودة واحدة من أكثر الألغاز إثارة للجدل في التاريخ البشري، حيث لم تنل أي مدينة أخرى ذات القدر من الشهرة والبحث. بدأت القصة عندما كتب الفيلسوف اليوناني أفلاطون عن حضارة غرقت تحت مياه المحيط الأطلسي، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف الباحثون عن محاولة تحديد موقعها الفعلي.

تحولت أسطورة أطلانطس بمرور الزمن من مجرد قصة رمزية وردت في الحوارات الفلسفية إلى موضوع بحث أثري وتاريخي جاد. وقد أثارت هذه الرواية القديمة بعثات استكشافية لا حصر لها جابت أنحاء العالم، مستخدمة تقنيات متطورة لمسح قيعان البحار بحثاً عن أي دليل مادي.

تُعد كتابات أفلاطون في حواريه 'طيماوس' و'كريتياس' السجل الوحيد الذي يروي تفاصيل هذه المملكة المترامية الأطراف. ووفقاً للنص، فإن كهنة مصريين هم من أخبروا رجل الدولة الأثيني سولون عن وجود جزيرة كبرى كانت تقع وراء ما يُعرف بـ'أعمدة هرقل' قبل آلاف السنين.

وصف أفلاطون أطلانطس بأنها كانت إمبراطورية بحرية قوية سيطرت على أجزاء واسعة من العالم الغربي والبحر الأبيض المتوسط. وزعم أن ملوكها كانوا مزيجاً من البشر والآلهة، لكن غطرستهم أدت في النهاية إلى غضب الآلهة وانهيار مملكتهم في يوم وليلة.

مع انتشار القصة عبر العصور، تناولها فلاسفة ومفكرون من مدارس مختلفة، حيث طرح الفيلسوف فيلو فرضيات تربط بين سكان أطلانطس وأصول الحضارات الإنسانية. ورغم أن معظم المؤرخين في العصور الوسطى اعتبروها قصة مختلقة، إلا أن الاهتمام بها تزايد بشكل كبير في القرن السادس عشر.

اقترح بعض العلماء الأوائل أن أطلانطس قد تكون إشارة مبكرة إلى قارة أمريكا التي كانت مجهولة للأوروبيين آنذاك. وكتب فرانسيس بيكون رواية غير مكتملة تحت عنوان 'أطلانطس الجديدة'، معبراً عن إيمانه بوجود حضارة متقدمة سبقت العصور المعروفة.

تجدد الشغف بالمدينة المفقودة مع التوسع الأوروبي في الأمريكتين واكتشاف حضارات المايا والأزتك. وذهب باحثون مثل شارل إتيان براسور إلى أن هذه الشعوب قد تكون المنحدرة من الناجين من غرق القارة الأسطورية، مما عزز من مكانة الأسطورة في العصر الحديث.

يعود الفضل الأكبر في نشر أسطورة أطلانطس بشكلها المعاصر إلى الكاتب إغناطيوس دونيلي في كتابه الشهير الصادر عام 1882. زعم دونيلي أن أطلانطس هي أصل جميع الحضارات القديمة، من المصرية إلى الإغريقية، وربط بينها وبين جنة عدن المذكورة في الكتب السماوية.

دخلت الأسطورة مرحلة جديدة مع كتابات هيلينا بلافاتسكي التي قدمت أطلانطس كحضارة متقدمة نفسياً وخارقاً للطبيعة. وادعت بلافاتسكي أن الأطلنطيين كانوا يمثلون عرقاً بشرياً متطوراً دمر نفسه في حروب داخلية استخدمت فيها قوى غير مفسرة علمياً.

في العصر الحالي، يميل معظم المؤرخين المرموقين إلى اعتبار قصة أفلاطون تحذيراً رمزياً من مخاطر التوسع العسكري والغطرسة السياسية. ومع ذلك، لا تزال الفكرة تسيطر على الخيال الشعبي وتظهر باستمرار في الأفلام والأعمال الأدبية وألعاب الفيديو.

تتعدد الفرضيات حول الموقع الجغرافي للمدينة، حيث يشير البعض إلى منطقة مثلث برمودا أو جزر البهاما بسبب تكوينات صخرية مثل 'طريق بيميني'. ورغم أن الجيولوجيين يميلون لاعتبار هذه الصخور تكوينات طبيعية، إلا أن المؤمنين بالأسطورة يرونها بقايا طرق معبدة.

هناك نظريات أخرى تربط بين أطلانطس وجزيرة سانتوريني اليونانية التي شهدت انفجاراً بركانياً هائلاً في العصور القديمة. ويقترح باحثون أن ارتفاع منسوب مياه البحر الأبيض المتوسط قد يكون هو 'الطوفان' الحقيقي الذي غمر حضارات ساحلية متقدمة.

استخدمت التكنولوجيا الحديثة مثل السونار لمسح حوض قبرص، حيث ادعى بعض المهندسين وجود هياكل من صنع الإنسان في قاع البحر. لكن هذه الادعاءات واجهت انتقادات شديدة من علماء الأنثروبولوجيا الذين اعتبروا الصور غامضة ولا ترقى لتكون دليلاً علمياً.

سواء كانت أطلانطس حقيقة تاريخية غارقة أو مجرد استعارة فلسفية، فإنها تظل رمزاً للسعي البشري نحو اكتشاف الأصول المفقودة. وستبقى هذه المدينة الأسطورية لغزاً مفتوحاً يحفز الخيال العلمي والبحث الأثري في أعماق المحيطات لسنوات طويلة قادمة.

صحة

الأحد 29 مارس 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

رياضة الكاليسثنكس.. العودة إلى الجذور لبناء القوة بوزن الجسم فقط

في ظل الهيمنة المتزايدة للأجهزة الرياضية المعقدة والاشتراكات المكلفة، تبرز رياضة 'الكاليسثنكس' كبديل كلاسيكي يعيد تعريف اللياقة البدنية ببساطة. تعتمد هذه الرياضة في جوهرها على استخدام وزن الجسم كمقاومة طبيعية، مما يتيح تدريب مجموعات عضلية متنوعة وتحسين القدرة البدنية الشاملة دون تعقيدات تقنية.

يرى خبراء الصحة البدنية أن هذا النوع من التدريب يمثل استثماراً طويل الأمد في صحة الجسد، حيث يجمع بين القوة والتحمل والمرونة في آن واحد. ووفقاً لتقارير طبية متخصصة، فإن الكاليسثنكس تكسر حاجز التكلفة المادية، مما يجعلها متاحة للجميع في أي وقت ومكان.

تتضمن هذه الرياضة مجموعة واسعة من الحركات المألوفة التي يمارسها الكثيرون دون إدراك انتمائها لهذا النطاق، مثل تمارين الضغط والقرفصاء والبلانك. هذه التمارين ليست مجرد حركات عشوائية، بل هي منظومة تدريبية متكاملة تستهدف رفع كفاءة الجهاز العضلي والحركي للإنسان.

تاريخياً، لا تُعد الكاليسثنكس وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها العميقة إلى ساحات التدريب في اليونان القديمة والحضارات الشرقية في الهند والصين. وقد تطورت عبر القرون لتصبح ركيزة أساسية في التدريبات العسكرية السوفياتية، قبل أن تتحول اليوم إلى ظاهرة رياضية حضرية تنتشر في الحدائق العامة.

تتميز تمارين وزن الجسم بمرونة عالية في التطبيق، حيث يمكن تكييف شدتها لتناسب كافة المستويات من المبتدئين إلى المحترفين. هذه القابلية للتعديل تجعلها خياراً مثالياً لمن يبحثون عن التدرج في بناء الكتلة العضلية وتحسين التناسق الحركي دون التعرض لإصابات الأوزان الثقيلة.

تشير الدراسات الصادرة عن كلية طب هارفرد إلى نتائج ملموسة لهذه التمارين، حيث أثبتت تجربة عملية أن الالتزام بثمانية تمارين بسيطة للجزء السفلي رفع قوة العضلات بنسبة 15%. هذه الزيادة تحققت خلال عشرة أشهر من الممارسة المنتظمة، مما يؤكد جدوى الاعتماد على وزن الجسم وحده.

على الصعيد الصحي، تلعب الكاليسثنكس دوراً حيوياً في تعزيز كثافة العظام وحماية الجهاز الهيكلي من الهشاشة مع تقدم العمر. كما تساهم بشكل مباشر في دعم صحة القلب والأوعية الدموية، وهو ما يجعلها جزءاً أساسياً من نمط الحياة الصحي للوقاية من الأمراض المزمنة.

تؤكد البيانات العلمية أن ممارسة تمارين المقاومة، ومن ضمنها الكاليسثنكس، تقلل من مخاطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تصل إلى 17%. وتوصي جمعية القلب الأميركية بضرورة تخصيص وقت يتراوح بين نصف ساعة وساعة كاملة أسبوعياً لهذا النوع من النشاط البدني لضمان كفاءة الدورة الدموية.

من الفوائد الخفية لهذه الرياضة قدرتها على رفع معدل الأيض الأساسي، وهو ما يعني زيادة قدرة الجسم على حرق السعرات الحرارية حتى في أوقات الراحة. فعملية بناء الأنسجة العضلية التي تحفزها هذه التمارين تتطلب طاقة مستمرة، مما يساعد في إدارة الوزن بشكل فعال ومستدام.

تتنوع قائمة تمارين الكاليسثنكس لتشمل حركات مركبة مثل 'البيربي' والسحب لأعلى والوقوف على اليدين، بالإضافة إلى تمارين التمدد والالتواء. هذا التنوع يضمن عدم شعور الممارس بالملل، ويسمح باستهداف زوايا عضلية مختلفة تضمن توازناً في القوة البدنية بين مختلف أجزاء الجسم.

رغم الأمان العالي الذي توفره هذه الرياضة، يشدد الخبراء على ضرورة استشارة الأطباء في حالات معينة مثل إصابات الظهر أو المفاصل المزمنة. كما يجب على الحوامل أو المصابين بارتفاع ضغط الدم الحصول على توجيهات خاصة لتعديل الحركات بما يضمن تحقيق الفائدة دون المخاطرة بالسلامة الشخصية.

فلسطين

الأحد 29 مارس 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

رحلة الهوية البصرية: كيف صاغ الفن الفلسطيني ذاكرة النكبة والمقاومة؟

لا يمكن قراءة الفن الفلسطيني بمعزل عن السياق المجتمعي والحضاري الذي وُلد فيه، حيث تشكلت ملامحه عبر قرون من التراكم الثقافي. وقد جادل الفنان كمال بلاطة بأن جذور الفنون الحديثة في فلسطين تعود إلى القرن الثامن عشر مع ظهور 'مدرسة القدس' التي تخصصت في رسم الأيقونات الدينية.

تأثر فنانو مدرسة القدس الأوائل بالرهبان اليونانيين، حيث تعلموا تقنيات رسم الأيقونات التي كان الحجاج يحملونها كذكرى مقدسة إلى بلدانهم. وامتد أثر هذه المدرسة ليصل إلى أديرة سوريا ولبنان، مما وضع لبنة أساسية في بناء الشخصية الفنية الفلسطينية قبل التحولات السياسية الكبرى.

في المقابل، ترى الباحثة سامية حلبي أن الفن الفلسطيني المعاصر هو 'فن تحرير' بامتياز، حيث ارتبط بمواقف فكرية وسياسية واضحة تشبه الحركات البنائية والجداريات المكسيكية. واعتبرت أن المعرض الذي أقامه إسماعيل شموط في غزة عام 1953 كان الشرارة الأولى للنزعة السياسية المباشرة في الفن.

مثلت نكبة عام 1948 نقطة تحول جوهرية في الخيال الفني الفلسطيني، حيث تحولت اللوحة إلى مساحة لاستعادة الذاكرة المفقودة ومقاومة المحو. وبرزت تجارب فنية حاولت صياغة لغة قومية حتى قبل النكبة، مثل تجربة الفنانة زلفى السعدي التي وظفت البورتريه للتعبير عن الرموز الوطنية.

اعتمد الرواد الأوائل بعد التهجير، وعلى رأسهم إسماعيل شموط، الأسلوب الواقعي التعبيري كأداة لنقل آلام اللجوء وآمال العودة. وقد وصف الشاعر محمود درويش ريشة شموط بأنها 'يده التي ترى وقلبه الذي يرسم'، لتوثيقها الدقيق لرحلة الاقتلاع القسري من المدن الفلسطينية.

لم يقتصر التفاعل الفني مع النكبة على القوالب التقليدية، بل طورت فنانات مثل جوليانا سيرافيم لغة بصرية حلمية تمزج بين ذكريات يافا وعالم المرأة. وفي الشتات، برز إبراهيم غنام كـ 'مغني الأرض' الذي نقل تفاصيل القرية الفلسطينية إلى لوحاته التي صادر الاحتلال جزءاً منها في بيروت.

جسد الفنان مصطفى الحلاج مأساة اللجوء عبر دمج الأساطير بالواقع، حيث ظهرت مدينة حيفا في أعماله كجسد امرأة أسطورية تذوب في المكان. وتعكس لوحاته مثل 'لست أنا فقط' إصرار الفلسطيني على مواصلة السير رغم الطعنات والسيوف المغروسة في جسده المثقل بالهموم.

واجه الفنانون داخل الأراضي المحتلة بعد عام 1967 تضييقات عسكرية شديدة، حيث تدخل ضباط الاحتلال في المدارس الفنية المتبعة. وروى فنانون مثل نبيل عناني وسليمان منصور كيف مُع رسم العلم الفلسطيني أو حتى استخدام ألوانه، بالإضافة إلى حظر رموز مثل الحمام والأسلاك الشائكة.

خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، اجترح الفنانون الفلسطينيون وسائل مبتكرة للمقاومة الثقافية من خلال 'جماعة التجريب والإبداع'. وقرر هؤلاء مقاطعة الأدوات الفنية المستوردة واستبدالها بخامات من البيئة المحلية مثل جلود الحيوانات، وأصباغ الحناء، والقهوة، والسماق.

تنوعت تجارب فناني الداخل المحتل عام 1948 بين الحفاظ على الهوية القومية ومواجهة سياسات التذويب الثقافي الإسرائيلية. ولعب الحزب الشيوعي دوراً في دعم الفن الملتزم، كما في تجربة عبد العابدي الذي ربط محنة شعبه بالسياق السياسي العالمي والأيديولوجيا الأممية.

تظل القدس المركز الرمزي الأهم في الفن الفلسطيني، حيث حضرت في الأعمال كمعمار هندسي مقدس وصورة للذات الوطنية. وتعتبر لوحة 'جمل المحامل' لسليمان منصور من أشهر الأيقونات التي اختزلت ثقل الهوية والارتباط الأزلي بالمدينة المقدسة رغم مشاق اللجوء.

شكل ناجي العلي مدرسة متفردة في الكاريكاتير السياسي، حيث ابتكر شخصية 'حنظلة' التي أدارت ظهرها للعالم رفضاً للتسويات. وظل حنظلة شاهداً على عذابات المخيم وانحرافات القيادات، ليتحول إلى أيقونة عالمية تمثل الرفض الفلسطيني المطلق للتنازل عن الحقوق التاريخية.

انتعش فن الملصق (البوستر) مع انطلاقة الثورة الفلسطينية، ليصبح الأرشيف البصري للعمل الفدائي ويوميات النضال. وتميزت هذه الملصقات بألوانها الصارخة ووضوح رسالتها، مما جعلها وسيلة تواصل جماهيرية فعالة لتوثيق صور الشهداء والعمليات البطولية عبر العقود.

في العصر الحديث، انتقل فن المقاومة إلى الفضاء الإلكتروني مع بروز جيل جديد من الفنانين الشباب الذين واكبوا 'هبة القدس'. واستمر هؤلاء في تطوير أدوات الملصق الرقمي والرسوم التوضيحية، مؤكدين على استمرارية الهوية الفنية الفلسطينية وقدرتها على التجدد في وجه الاحتلال.

عربي ودولي

الأحد 29 مارس 2026 8:12 صباحًا - بتوقيت القدس

البحرية الأمريكية تعزز أسطولها بالغواصة الهجومية «ماساتشوستس» بتكلفة 2.8 مليار دولار

أعلنت البحرية الأمريكية رسمياً عن انضمام الغواصة الهجومية الجديدة «يو إس إس ماساتشوستس» إلى أسطولها العملياتي، وذلك خلال مراسم احتفالية أقيمت يوم السبت الماضي. وتعد هذه الغواصة القطعة رقم 25 من فئة «فرجينيا» المتطورة، وهي الأولى التي تحمل اسم ولاية ماساتشوستس منذ عقود طويلة، مما يمثل تحديثاً نوعياً للقدرات البحرية في ظل الظروف الدولية الراهنة.

يأتي تدشين هذه الغواصة في توقيت حساس يتسم بتصاعد المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط، حيث تشارك الولايات المتحدة وإسرائيل في عمليات عسكرية ضد إيران منذ أواخر فبراير الماضي. وتشهد المنطقة تبادلاً للقصف الصاروخي وهجمات بالمسيرات، مما دفع واشنطن لتعزيز حضورها البحري لردع التهديدات التي تستهدف مصالحها وقواعدها في المنطقة العربية.

تتمتع الغواصة «ماساتشوستس» بمواصفات فنية قتالية عالية، إذ صُممت للغوص إلى أعماق سحيقة تتجاوز 240 متراً تحت سطح البحر، مع إزاحة مائية تصل إلى 8000 طن. وبحسب مصادر مطلعة، فإن الغواصة قادرة على تنفيذ مهام هجومية بعيدة المدى بفضل تسليحها بـ 24 صاروخ كروز من طراز «توماهوك»، مما يجعلها منصة ردع استراتيجية في المحيطات.

بلغت تكلفة بناء هذا الصرح العسكري الضخم أكثر من 2.8 مليار دولار، حيث تعاونت شركتا «دايناميكس إلكتريك بوت» و«نيوبورت نيوز» في عمليات التصنيع والجهيز. وتعكس هذه التكلفة العالية التكنولوجيا المتقدمة والأنظمة الإلكترونية المعقدة التي زُودت بها الغواصة لتكون قادرة على التخفي وتنفيذ العمليات الخاصة بدقة متناهية.

على صعيد القوة البشرية، يدير الغواصة طاقم مكون من 147 فرداً، يبرز من بينهم 39 امرأة في إطار التوجه الجديد لدمج النساء في الوحدات القتالية البحرية. وتأتي هذه الخطوة بعد مرور 16 عاماً على رفع الحظر عن خدمة النساء في الغواصات، لتسير «ماساتشوستس» على خطى الغواصة «نيو جيرسي» في اعتماد تصميمات تراعي الطواقم المختلطة.

من الناحية التاريخية، يحمل اسم «ماساتشوستس» إرثاً طويلاً في البحرية الأمريكية يعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديداً عام 1845. وكانت آخر قطعة بحرية حملت هذا الاسم هي البارجة الشهيرة التي شاركت في معارك المحيط الهادئ إبان الحرب العالمية الثانية، قبل أن يبعث الاسم مجدداً في هذا الطراز النووي الحديث.

وفي تصريحات صحفية، أكد قائد الغواصة مايك سيدسما أن وصول الغواصة إلى ميناء بوسطن ودخولها الخدمة الفعلية يعد حدثاً استثنائياً لم تشهده المنطقة منذ سنوات طويلة. وأوضح سيدسما أن هذه الخطوة تهدف إلى إظهار القوة البحرية الأمريكية وجاهزيتها للعمل في بيئات معقدة، مشدداً على أن الغواصة ستكون ركيزة أساسية في حماية الأمن القومي.