فلسطين

الأربعاء 22 يوليو 2026 9:55 صباحًا - بتوقيت القدس

"السلام الآن": إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة بالمنطقة "ب" خلال عامين ونصف

"السلام الآن": إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة بالمنطقة "ب" خلال عامين ونصف
•    حكومة نتنياهو سموتريش بن غفير نفذت سياسة أوسع تهدف إلى طمس التمييز بين المنطقة "ب" والمنطقة "ج" وتدمير بنود رئيسية من اتفاقيات أوسلو وتصفية حل الدولتين، وفرض أمر واقع استيطاني جديد
•    سموتريش يروج لخطته "الحاسمة" و "إغراق" الضفة الغربية بمليون مستوطن وفرض السيادة الإسرائيلية عليها .
•    روبنسون: سياسات حكومة نتنياهو والوزيرين سموتريش وبن غفير تهدف إلى جعل فلسطين تختفي مادياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً...
•    إرهاب المستوطنين شكل مراعٍ استيطانية وبناء طرق جديدة والاستيلاء على مصادر المياه وتشريد المجتمعات الرعوية الفلسطينية
•    المستوطنون عزلوا وسيطروا على نحو 14% من مساحة الضفة الغربية خلال عامين
•     منظمة "أمانا" الاستيطانية في الشيخ جراح المحظورة اسمياً في الولايات المتحدة وبريطانيا لدورها في دعم البؤر المرتبطة إرهاب المستوطنين استثمرت ملايين الدولارات في إنشاء هذه البؤر وتوسيعها وحمايتها
• إسرائيل تشطب "حل الدولتين "وتسمح بتوسيع وتعزيز البؤر الاستيطانية في المنطقة ب


القدس-  محمد أبو خضير  
في تطور غير مسبوق منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، شرعت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة بنيامين نتنياهو ووزير ماليته بتسلئيل سموتريش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بتنفيذ سياسة استيطانية منهجية تتجاوز بكثير حدود الاتفاقات الموقعة، مستهدفة قلب التصنيفات السياسية والقانونية للضفة الغربية رأساً على عقب. لم تعد المستوطنات مجرد بؤر معزولة في المنطقة "ج"، بل تحولت إلى أداة لطمس التمييز بين المناطق المصنفة بموجب اتفاقية أوسلو الثانية (1995)، وإنشاء أمر واقع جديد يقوض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة.

ما توثقه تقرير حقوقية دولية وإسرائيلية ليس مجرد خروقات استيطانية، بل هو حلقة في استراتيجية شاملة تهدف إلى "شطب حل الدولتين" وصولاً إلى "شطب السلطة الفلسطينية"، تمهيداً لاحتلال كامل الضفة الغربية وتهجير سكانها، في مشروع استيطاني استعماري واضح المعالم يقوده المتطرفون في الحكومة الإسرائيلية.

  تحول نوعي في السياسة الاستيطانية: المنطقة "ب" ساحة جديدة للتمدد
شكّل عام 2024 نقطة تحول جذرية في السياسة الاستيطانية الإسرائيلية، حيث وثّق فريق مراقبة المستوطنات التابع لحركة "السلام الآن" إنشاء سبع بؤر استيطانية جديدة في عمق المنطقة "ب" لأول مرة منذ توقيع اتفاقيات أوسلو. ومع حلول عام 2026، ارتفع العدد الإجمالي إلى 21 بؤرة، موزعة على مناطق متعددة تشمل "المحمية المتفق عليها" شرق وجنوب بيت لحم، ومناطق رام الله، وتلال جنوب الخليل، ونابلس .

وتكمن خطورة هذا التطور في أنه يختلف جوهرياً عن الحالات السابقة التي شهدت امتداداً لبعض المستوطنات القائمة إلى أطراف المنطقة "ب". فالبؤر الجديدة أنشئت في عمق أراضٍ كانت السلطة الفلسطينية تمتلك الولاية المدنية الكاملة عليها، بما فيها سلطة التخطيط والبناء، في خرق جسيم لاتفاقية أوسلو التي تمنح إسرائيل السيطرة الأمنية فقط على هذه المناطق.

أكدت رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة هيلين كلارك، والرئيسة السابقة لأيرلندا ماري روبنسون، في بيان لهيئة "الإلدرز" بعد زيارة للضفة الغربية، أن "سياسات حكومة نتنياهو، وخاصة الوزيرين سموتريش وبن غفير، تهدف إلى جعل فلسطين تختفي مادياً واقتصادياً وثقافياً وسياسياً"، مشيرتين إلى أن التوسع الاستيطاني "يشكل ضماً للأراضي ويقوض فرص حل الدولتين" .

طمس الحدود وهندسة الأمر الواقع الجديد
تتجاوز أهداف هذه السياسة إنشاء البؤر نفسها، لتشمل تغييراً جذرياً في البنية القانونية والإدارية للضفة الغربية، يتجلى في:

توسيع صلاحيات (الإدارة المدنية/ الحكم العسكري الإسرائيلية للضفة الغربية): في يوليو 2024، مُنحت الإدارة المدنية صلاحية هدم المباني الفلسطينية داخل "المحمية الطبيعية المتفق عليها"، وهي صلاحية كانت سابقاً منوطة بالسلطة الفلسطينية. ولاحقاً، قرر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي أن تعمل سلطات الإنفاذ التابعة لـ(الإدارة المدنية/ الحكم العسكري الإسرائيلية للضفة الغربية)في المنطقتين "أ" و"ب" في قضايا حماية البيئة والآثار والموارد المائية. تُظهر هذه القرارات، وفقاً لتحليل "السلام الآن"، سياسة أوسع تهدف إلى طمس التمييز بين المنطقة "ب" والمنطقة "ج"، وتقويض بنود رئيسية من اتفاقيات أوسلو .

التطبيع التشريعي للضم: يعمل سموتريش وبن غفير على ترجمة هذا المشروع الاستيطاني إلى تشريعات وقوانين. ففي يوليو 2024، صوّت الكنيست بأغلبية ساحقة لصالح قرار يرفض إقامة دولة فلسطينية، وهو ما وصفه الباحثون في دراسات أكاديمية بأنه "نجاح كبير للحكومة في تحديد النبرة في الكنيست فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية" . ويواصل سموتريش الترويج لخطته "الحاسمة" التي تهدف إلى "إغراق" الضفة الغربية بمليون مستوطن وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها .

آليات التمويل الحكومي المنظّم
تكشف التحقيقات عن آليات تمويلية معقدة تديرها الحكومة الإسرائيلية لدعم هذه البؤر، وتشمل:

ميزانية "الاحتياجات الأمنية للنقاط الاستيطانية": تخصص حوالي 54 مليون شيكل سنوياً لتمويل إنشاء الطرق والألواح الشمسية والبوابات الكهربائية والمركبات والطائرات المسيرة والكاميرات والمولدات.

ميزانية "وحدات المراقبة": تخصص 30 مليون شيكل سنوياً لتغطية رواتب ومعدات فرق المراقبة، بما في ذلك بناء الطرق وتركيب الأسوار والكاميرات والبوابات الكهربائية.

دعم وزارة الزراعة: منحت وزارة الزراعة الإسرائيلية حوالي 3 ملايين شيكل بين 2017 و2024 كمنح رعي للبؤر الاستيطانية.

استثمارات مؤسسة "أمانا": استثمرت منظمة الاستيطان الإسرائيلية "أمانا"، التي فرضت عليها الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات لدورها في دعم البؤر المرتبطة بالعنف ضد الفلسطينيين، ملايين الشواكل في إنشاء هذه البؤر وصيانتها.

ويشير تقرير صادر عن منظمة "السلام الآن" وهيئة "كيرم نافوت" إلى أن المستوطنين يستخدمون أساليب متعددة لترسيخ سيطرتهم، تشمل إنشاء مراعٍ استيطانية، وبناء طرق وصول جديدة بطول إجمالي 116.4 كيلومتراً، والاستيلاء على مصادر المياه، وتشريد المجتمعات الرعوية الفلسطينية. وقد مكّنت هذه الأساليب المستوطنين من السيطرة على نحو 14% من مساحة الضفة الغربية، أي ما يعادل 786,000 دونم .

التهجير القسري والاستيلاء على الممتلكات
واجهت القرى والبلدات الفلسطينية المجاورة لهذه البؤر ضغوطاً متصاعدة تمثلت في تهجير العائلات، والاستيلاء على منزل العائلة الفلسطينية من قبل المستوطنين، كما حدث قرب قرية بيتيلو شمال غرب رام الله، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية والمراعي تمهيداً لسرقتها والاستيلاء عليها، ما يلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد الزراعي الفلسطيني.

وتُعد هذه الأنشطة انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي، وتحديداً المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على سلطة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وقرار مجلس الأمن 2334، ورأي محكمة العدل الدولية (يوليو 2024) الذي أعلن عدم قانونية الاحتلال الإسرائيلي الممتد ودعا إلى إخلاء جميع المستوطنات فوراً .

  التداعيات الجيوسياسية والاستراتيجية
1. تصفية حل الدولتين
تشكل هذه البؤر الاستيطانية عقبة رئيسية أمام تحقيق حل الدولتين، حيث تعمل على:

تفتيت التواصل الجغرافي: تؤدي البؤر الجديدة إلى تقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية ومنع التواصل بين المدن والقرى.

تغيير التركيبة الديموغرافية: تعمل السياسات الاستيطانية على تغيير ديموغرافية المناطق المستهدفة ودفع الفلسطينيين إلى الهجرة قسراً، ما يضعف فرص قيام دولة فلسطينية متواصلة وقابلة للحياة .

إضعاف السلطة الفلسطينية: يقوض التوسع الاستيطاني في المنطقة "ب" سلطة التخطيط والبناء الفلسطينية، ويضعف مكانة السلطة الوطنية في أعين مواطنيها.
 مخاطر التصعيد والعنف
حذّر قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، اللواء أبي بلوت، من أن الاستيطان غير القانوني والعنف الاستيطاني يمثلان "ظاهرة خطيرة تهدد أمن الجميع"، مشيراً إلى أن "الإرهاب اليهودي يهدد أمن الجميع"، وحذّر من أن هذه الظاهرة تضر بشرعية إسرائيل الدولية وتستهلك وقت وجهد قوات الجيش.
نحو مواجهة استراتيجية شاملة
تُظهر المعطيات الميدانية والتحليلات الحقوقية أن ظاهرة إنشاء البؤر الاستيطانية في المنطقة "ب" ليست مجرد حوادث فردية، بل جزء من استراتيجية حكومية إسرائيلية ممنهجة بقيادة نتنياهو وسموتريش وبن غفير، تهدف إلى تقويض اتفاقية أوسلو، وتصفية حل الدولتين، وفرض أمر واقع استيطاني جديد يمسح التمييز بين المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية . وقد تجاوزت هذه السياسة، بحسب تقديرات "السلام الآن"، كل الحدود التي كانت قائمة منذ عام 1993، وسيطرت على أراضٍ كانت تحت الولاية المدنية الفلسطينية الكاملة.

وتشير التقارير إلى أن الحكومة الإسرائيلية تستثمر مئات الملايين من الدولارات في دعم هذه البؤر عبر آليات تمويلية مُعقّدة، مع تورط مباشر من الجيش الإسرائيلي (الإدارة المدنية/ الحكم العسكري الإسرائيلية للضفة الغربية) في تسهيل هذه الأنشطة غير القانونية. وفي الوقت نفسه، تترافق هذه السياسات مع حملات ارهاب استيطاني متصاعدة، وتهجير قسري للعائلات الفلسطينية، وانتزاع لمصادر المياه والأراضي الزراعية .

إن استمرار هذه الظاهرة دون رادع فعّال يهدد ليس فقط مستقبل الحل السياسي القائم على مبدأ الدولتين، بل ينذر بموجات تصعيد عنيفة قد تطال الجميع، كما حذّر كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين أنفسهم. وتأتي تحذيرات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وقرارات محكمة العدل الدولية، لتؤكد أن هذه السياسات تشكل انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وتقويضاً لحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير .

وبناءً عليه تدعو المنظمات الحقوقية إلى:

تحرك دولي فاعل: لوقف التمويل الحكومي الإسرائيلي للبؤر الاستيطانية، وممارسة ضغوط حقيقية على حكومة الاحتلال لتفكيكها والامتثال لقرارات الشرعية الدولية.

تعزيز الصمود الفلسطيني: عبر دعم المجتمعات الفلسطينية المهددة بالتهجير، وتوفير الحماية الدولية، وتمكينها من البقاء على أراضيها.

إحياء المسار السياسي: عبر وضع جدول زمني واضح لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وإعادة الاعتبار لاتفاقية أوسلو كإطار مرجعي ملزم.

التوثيق والمقاضاة: عبر توثيق الانتهاكات وتقديمها للجهات القضائية الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن تمويل ودعم الأنشطة الاستيطانية غير القانونية.


دلالات

شارك برأيك

"السلام الآن": إقامة 21 بؤرة استيطانية جديدة بالمنطقة "ب" خلال عامين ونصف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.