تتحول الطوابير في الجغرافيا الفلسطينية الممزقة من ظاهرة عابرة إلى نمط حياة، وما يلفت الانتباه ليس الأزمة بحد ذاتها، بل الطريقة التي تتحول بها تدريجيا إلى جزء من الحياة اليومية؛ فبين طوابير الانتظار الممتدة عند حواجز الاحتلال، وطوابير الشهداء والجرحى التي لم تغادر المشهد، تتسلل أزمة المحروقات لتكمل حلقة الإرهاق المنظم، أزمة لا يمكن قراءتها كخلل لوجستي مجرد، لأنها جاءت في سياق سياسي واقتصادي وأمني معقد، حيث تتقاطع السيطرة على المعابر وحركة البضائع مع منظومة تبعية اقتصادية ممتدة، في مشهد ليس نتاج ظروف عارضة، بل تجلٍ واضح لاستراتيجية تعتمد هندسة الأزمات وادارة الحلول.
التاريخ مليء بحالات استُغلت فيها الأزمات الاقتصادية لفرض ترتيبات لم يكن ممكنا تمريرها في الظروف الطبيعية، لان الشارع تحت ضغط الحاجة لا يبحث عن النموذج الامثل، بل عن أقرب مخرج، وهذه ليست بالضرورة نتيجة مؤامرة، ولكن في الحالة الفلسطينية تزداد الصورة تعقيدا بسبب تحكم الاحتلال بمفاصل كل شيء، ما يجعل اي أزمة قابلة للتحول إلى ورقة ضغط متعددة الابعاد.
في مثل هذه الأزمات يكثر الحديث عن البيانات والمتابعة والاجتماعات الطارئة، لكن التجارب تشير إلى ان المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في نقص سلعة، بل في الاثر النفسي والاجتماعي الذي تتركه الأزمة عندما تطول، فكفاءة اي نظام لا تقاس بعدد البيانات، بل بقدرته على تأمين الاحتياجات اليومية، وكل يوم اضافي يضعف الثقة بالمنظومة القائمة ويعزز الشعور بانها عاجزة؛ وهو نمط ليس بالجديد، يقوم على تحويل الأزمة من حالة طارئة إلى اعتيادية، فلا يعود السؤال كيف نعالج الخلل، بل "نريد حلا"، فتتراجع اهمية التفاصيل التي كانت موضع جدل، ويصبح ما كان مرفوضا بالأمس، مقبولا اليوم، لأنه المخرج الوحيد من هذا الاختناق.
لكن الأزمة لا تختبر كفاءة المؤسسات وحدها، فما نشهده ليس مجرد خوف، بل سباق للحصول على اكبر قدر من الوقود حتى لو كان ذلك على حساب الآخرين، فيتحول الخوف الفردي إلى انانية جماعية؛ يفكر الشخص في خزان سيارته قبل حق غيره، مما يعمق الأزمة ويطيل عمرها، لان التخزين المفرط يخلق نقصا وهميا، ولو تم التعامل مع الأزمة بوعي، لامكن ادارتها باقل الخسائر، ولما تحولت إلى فوضى تستهلكنا.
المفارقة الأكثر قسوة ان الفلسطينيين يتغنون بغزة وصمودها الاسطوري، وهي التي تقف لألف يوم تحت حمم النار، انهارت فيها منظومات الطاقة والماء والغذاء والدواء، ويواصل اهلها التكيف مع واقع يفوق الوصف، اما في الضفة، فان ساعات من الاختناق تكفي لإثارة الهلع، وهنا لا يتعلق الامر بالمقارنة بين معاناتين مختلفتين كليا، بل بالسؤال عن مدى التماسك ووحدة الشعور؛ فقد بدا الفلسطينيون وكأنهم يعيشون في عوالم منفصلة؛ نتضامن مع غزة بالكلمات، ولا نستحضر تجربتها حين نواجه ما نخجل حتى ان نسميه أزمة، وهذه الفجوة بين الخطاب والممارسة تستحق وقفة، لان الصمود ليس شعارا يرفع، بل ثقافة تُعاش، تقوم على التكافل وتقديم المصلحة العامة على الفردية.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة الشارع بالصبر والتضامن ما لم يكن المسؤولون هم المثال والقدوة، ففي كل أزمة، تبدأ الثقة من شعور المواطن بان من يدير الأزمة يعيشها، ويتحمل ذات القيود، ولا يتمتع باستثناءات، اما اذا بقيت حصصهم محفوظة، بينما يتزاحم الناس على ما تبقى، فالرسالة التي ستصل إلى الشارع مُدمرة، توحي بان الأزمة توزع على الشارع وحده، وهنا تبرز القيادة الحقيقية بقدرتها على مشاركة شعبها معاناته، قبل مطالبته بالصبر والصمود، وحين يرى المواطن ان الجميع يخضع لذات القواعد، يصبح اكثر استعدادا للصمود والتضحية.
ولهذا فان الخروج من دوامة الأزمات لا يكون فقط بإدارة افضل للمخزون او تحسين اليات التوزيع - على اهمية ذلك - بل ببناء منظومة اكثر مرونة وتنوعا، تشمل توسيع قدرات التخزين الاستراتيجي، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، والاستثمار في بدائل الطاقة وتشجيعها، ووضع خطط طوارئ واضحة وشفافة تعزز ثقة الشارع، لا تتركه رهن الشائعات، كما ان الشفافية في عرض الحقائق واشراك المؤسسات المجتمعية والخاصة في ادارة الأزمات، تبقى سرا لنجاح ذلك.
أقلام وأراء
الأربعاء 22 يوليو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
بين اقتصاد الصمود واقتصاد الطوابير!