تحليل

الخميس 16 يوليو 2026 7:28 مساءً - بتوقيت القدس

أكثر من مئة نائب ديمقراطي يصوتون لإنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل في تحول غير مسبوق داخل الكونغرس


واشنطن –سعيد عريقات-16/7/2026

في تطور يعكس تحولاً سياسياً عميقاً داخل الحزب الديمقراطي، صوّت أكثر من مئة نائب ديمقراطي في مجلس النواب الأميركي لصالح تعديل يقضي بوقف المساعدات العسكرية السنوية المقدمة لإسرائيل، في خطوة غير مسبوقة تعكس تنامي المعارضة داخل الحزب لاستمرار الدعم الأميركي غير المشروط لحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على خلفية الحرب المستمرة في قطاع غزة.

ورغم أن التعديل، الذي تقدم به النائب الجمهوري توماس ماسي، سقط بنتيجة 314 صوتاً مقابل 104، بفضل التصويت الجمهوري الكاسح ضده، فإن أهمية التصويت تجاوزت نتيجته التشريعية، إذ كشف عن تغير جوهري في المزاج السياسي داخل الحزب الديمقراطي، الذي بات يواجه ضغوطاً متزايدة من قاعدته الشعبية لإعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إسرائيل.

ويمثل هذا التصويت قفزة كبيرة مقارنة بمحاولة مماثلة جرت قبل أكثر من عامين، حين لم يؤيد خفض المساعدات سوى 37 نائباً ديمقراطياً، معظمهم من الجناح التقدمي. أما هذه المرة، فقد صوّت 103 من أصل 211 نائباً ديمقراطياً لصالح التعديل، بينما اختار عشرة نواب التصويت بـ"الحضور"، وهو ما يعكس اتساع دائرة المشككين في استمرار النهج التقليدي للحزب تجاه إسرائيل.

ومن أبرز المفاجآت انضمام شخصيات قيادية بارزة إلى مؤيدي التعديل، وفي مقدمتهم رئيسة مجلس النواب السابقة نانسي بيلوسي، التي أكدت أن تصويتها جاء استجابة للمطالب الشعبية بوقف دوامة الحروب المستمرة، معتبرة أن حكومة نتنياهو لم يعد بإمكانها الاستمرار في نهجها الحالي دون مساءلة.

في المقابل، عارض زعيم الأقلية الديمقراطية حكيم جيفريز التعديل، معتبراً أنه صيغ بصورة قد تؤثر سلباً في المساعدات الإنسانية المقدمة للفلسطينيين في قطاع غزة. ومع ذلك، أقر جيفريز، شأنه شأن عدد من كبار قادة الحزب، بأن العلاقة الأميركية مع إسرائيل تحتاج إلى مراجعة وإعادة توازن، خصوصاً مع اقتراب انتهاء اتفاقية المساعدات الأمنية الممتدة لعشر سنوات، التي وقعتها إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما.

كما أكد النائب غريغوري ميكس، كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية، أن المطلوب هو إخضاع إسرائيل للمعايير نفسها التي تطبقها الولايات المتحدة على بقية الدول الحليفة، في إشارة إلى تصاعد الدعوات داخل الحزب لربط المساعدات الأميركية بالالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.

وأظهرت نتائج التصويت أيضاً أن الانقسام لم يعد مقتصراً على التيار التقدمي، بل امتد إلى شخصيات كانت توصف تقليدياً بأنها من أشد المؤيدين لإسرائيل. فقد صوّت النائب سيث مولتون لصالح التعديل، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في تبرير سياسات نتنياهو التي تتعارض، بحسب وصفه، مع القيم الأخلاقية والمصالح الأمنية الأميركية.

وانضم إلى هذا التوجه نواب بارزون آخرون، بينهم لورين أندروود، وجو نيغوس، وفاليري فوشي، وستيفن لينش، الذي أقر بأن سياسات نتنياهو كانت العامل الأساسي الذي دفع عدداً كبيراً من النواب إلى تغيير مواقفهم السابقة.

في المقابل، اعتبر النائب الديمقراطي المؤيد لإسرائيل جوش غوتهايمر أن ما جرى يمثل تحولاً "مدمراً" في موقف الحزب بحسب تصريح أدلى به إلى مجلة "بوليتكو"، متهماً زملاءه بالخضوع لضغوط سياسية وانتخابية بدلاً من الاستناد إلى ما وصفه بالحقائق المتعلقة بأمن إسرائيل.

ويأتي هذا التحول بعد سلسلة من الانتخابات التمهيدية التي شهدت هزيمة عدد من النواب التقليديين أمام مرشحين تقدميين تعهدوا برفض تمويل الحملات الانتخابية من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، والدعوة إلى إعادة صياغة العلاقة الأميركية مع الدولة العبرية، في ضوء الحرب في غزة وما رافقها من انتقادات دولية واسعة.

ومن المتوقع أن يزداد هذا التوجه قوة مع انضمام عدد أكبر من النواب التقدميين إلى مجلس النواب في الدورة المقبلة، الأمر الذي سيضع قيادة الحزب الديمقراطي أمام تحديات متزايدة في إدارة الانقسام الداخلي حول السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، خاصة في ظل تنامي الأصوات المطالبة بربط أي مساعدات عسكرية بشروط تتعلق بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي.

يكشف هذا التصويت أن التحول الجاري داخل الحزب الديمقراطي لم يعد ظاهرة مرتبطة بجناحه التقدمي فحسب، بل أصبح اتجاهاً أوسع يمتد إلى قيادات وشخصيات كانت حتى وقت قريب تعد من أكثر المدافعين عن استمرار الدعم العسكري لإسرائيل. كما يعكس تنامي تأثير الرأي العام الأميركي، ولا سيما بين الشباب والناخبين الديمقراطيين، الذين باتوا ينظرون إلى الحرب في غزة باعتبارها اختباراً أخلاقياً للسياسة الخارجية الأميركية، ويطالبون بإخضاع المساعدات العسكرية لمعايير واضحة تتعلق بحقوق الإنسان والقانون الدولي، بدلاً من منحها بصورة تلقائية وغير مشروطة.

ورغم فشل التعديل تشريعياً، فإن قيمته السياسية تكمن في كونه رسم حدوداً جديدة للنقاش داخل الكونغرس الأميركي. فقبل سنوات قليلة، كان مجرد طرح فكرة تقليص المساعدات لإسرائيل يُعد من المحرمات السياسية داخل الحزبين، بينما أصبح اليوم يحظى بتأييد غالبية الكتلة الديمقراطية تقريباً. ويشير ذلك إلى أن أي إدارة أميركية مقبلة ستواجه ضغوطاً أكبر لإعادة صياغة العلاقة مع إسرائيل، خصوصاً إذا استمرت الحرب في غزة وما يرافقها من انتقادات دولية وتراجع صورة الولايات المتحدة في العديد من مناطق العالم.

أما على المستوى الاستراتيجي، فإن هذا التطور قد لا يغير حجم المساعدات الأميركية لإسرائيل على المدى القريب، بسبب استمرار التأييد الجمهوري القوي لها، لكنه يبعث برسالة سياسية واضحة إلى حكومة بنيامين نتنياهو مفادها أن الإجماع التقليدي داخل واشنطن بدأ يتآكل بصورة متسارعة. وإذا استمرت التحولات الديموغرافية والسياسية داخل الحزب الديمقراطي، فقد تتحول قضية المساعدات العسكرية إلى أحد أكثر ملفات السياسة الخارجية إثارة للجدل في الانتخابات الرئاسية والكونغرسية المقبلة، بعد أن ظلت لعقود خارج دائرة الخلاف الحزبي الحقيقي.

دلالات

شارك برأيك

أكثر من مئة نائب ديمقراطي يصوتون لإنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل في تحول غير مسبوق داخل الكونغرس

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.