يبرز ملف تبادل الأسرى في السودان كواجهة جديدة للتحركات الدولية الرامية لتخفيف وطأة النزاع المسلح الذي دخل عامه الرابع. وتكتسب المبادرة التي طرحها بيكا هافستو، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، أهمية خاصة كونها تسعى لفتح ثغرة في جدار القطيعة بين الجيش وقوات الدعم السريع عبر بوابة العمل الإنساني.
أعلنت الحكومة السودانية استعدادها الرسمي للتعاون مع المقترح الأممي، مشددة على ضرورة أن تتم أي عملية تبادل وفقاً للقانون الدولي الإنساني والإجراءات المنظمة للنزاعات المسلحة. ويعكس هذا الموقف رغبة في معالجة الضغوط الدولية المتزايدة بشأن أوضاع المحتجزين والانتهاكات الموثقة داخل مراكز الاعتقال التابعة للطرفين.
في المقابل، لم تصدر قوات الدعم السريع موقفاً رسمياً مباشراً، إلا أن تحالف 'تأسيس' المرتبط بها وضع شروطاً لنجاح المبادرة. وطالب التحالف بدمج ملف الأسرى ضمن مسار أوسع يشمل هدنة إنسانية شاملة وعملية سياسية متكاملة، مما يشير إلى محاولة لربط الملف الإنساني بالمكاسب السياسية والميدانية.
تأتي هذه التحركات في ظل تقارير حقوقية مأسوية، حيث كشفت مصادر طبية عن وفاة أكثر من 215 محتجزاً في سجن 'دقريس' بمدينة نيالا خلال شهرين فقط. وتعزو التقارير هذه الوفيات إلى التعذيب الممنهج، وسوء الرعاية الصحية، وتفشي الأمراض داخل مراكز الاحتجاز التي تديرها قوات الدعم السريع.
يرى خبراء قانونيون أن حماية المحتجزين في النزاعات الداخلية تظل معقدة قانونياً، حيث لا تنطبق صفة 'أسير حرب' بالمعنى التقليدي على المقاتلين. ومع ذلك، تفرض المادة الثالثة المشتركة في اتفاقات جنيف التزامات صارمة بمعاملة المحتجزين بكرامة وحظر الإعدام خارج القانون أو الإخفاء القسري تحت أي ظرف.
لا تقتصر المبادرة الأممية على الجانب الإنساني الصرف، بل تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الأطراف المتصارعة بالحد الأدنى من القواعد الأخلاقية للحرب. فبعد سنوات من القتال العنيف، أصبح مصير آلاف المفقودين والمحتجزين أحد أكثر وجوه الأزمة السودانية غموضاً وإيلاماً للمجتمع المحلي والدولي.
تاريخ النزاع الحالي شهد عمليات إفراج محدودة نجحت فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر كوسط محايد، حيث تم تسهيل نقل 292 شخصاً منذ يونيو 2023. وشملت تلك العمليات إطلاق سراح جنود جرحى من القوات المسلحة، بالإضافة إلى تسليم الجيش لمحتجزين من صغار السن كانوا يقاتلون في صفوف الدعم السريع.
المبادرة تمثل اختباراً لقدرة الطرفين على استعادة حد أدنى من الالتزام بالقواعد الإنسانية في حرب اتسعت فيها الانتهاكات.
الوساطات الأهلية لعبت أيضاً دوراً حيوياً في هذا الملف، حيث نجح زعماء دينيون في يونيو 2024 في تأمين الإفراج عن أكثر من 500 من أفراد الشرطة. هذه التجارب المحدودة تعطي بصيص أمل في إمكانية عزل الملف الإنساني عن التجاذبات العسكرية المباشرة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الكافية.
تواجه المبادرة تحديات ميدانية جسيمة، أبرزها غياب قاعدة بيانات دقيقة وموحدة لأعداد وأماكن وجود المحتجزين لدى الطرفين. كما تبرز معضلة التمييز بين العسكريين والمدنيين الذين تم اعتقالهم على خلفيات إثنية أو مناطقية، مما يجعل عملية التحقق من القوائم مهمة شاقة ومعقدة.
التشتت الميداني للقوات يمثل عائقاً إضافياً، إذ لا تخضع جميع مراكز الاحتجاز لسيطرة قيادية مركزية صارمة، مما قد يؤدي إلى تفاوت في الالتزام بأي اتفاق. ويتطلب التنفيذ الفعلي توفير ممرات آمنة ووقفاً مؤقتاً لإطلاق النار لضمان سلامة الفرق الدولية والمحتجزين المفرج عنهم.
دعت منظمات حقوقية، من بينها 'محامو الطوارئ'، إلى ضرورة توسيع نطاق المبادرة لتشمل كافة المدنيين المختطفين والمخفيين قسراً. وتعتبر هذه المنظمات أن الكشف عن مصير المفقودين هو المعيار الحقيقي لجدية الأطراف في احترام حقوق الإنسان وبناء الثقة المفقودة بين مكونات المجتمع السوداني.
ينقسم مستقبل المبادرة إلى مسارين؛ الأول قد يؤدي إلى نجاح محدود يفتح الباب أمام تفاهمات إنسانية أوسع تشمل ممرات الإغاثة وتأمين المدنيين. وهذا المسار يعتمد بشكل كلي على قدرة الأمم المتحدة والصليب الأحمر على توفير ضمانات إجرائية تقنع الطرفين بالوفاء بالتزاماتهما المتزامنة.
أما المسار الثاني فيتمثل في تعثر المبادرة نتيجة انعدام الثقة العميقة، مما سيعزز القناعة بأن منطق الحرب لا يزال يتفوق على أي اعتبارات إنسانية. وفي هذه الحالة، سيظل ملف الأسرى 'جسراً ملغوماً' يصعب عبوره نحو أي تسوية سياسية شاملة في المدى المنظور.





شارك برأيك
مبادرة أممية لتبادل الأسرى في السودان: اختبار إنساني وسط تعقيدات الميدان