قبل أيام، التقيت بثلاثة شبان فلسطينيين. الأول مهندس يعمل سائقًا. والثاني يحمل شهادة في إدارة الأعمال ويبيع القهوة. أما الثالثة، فقد تخرجت بتفوق قبل ثلاث سنوات، وما زالت تنتظر اتصالًا يخبرها بأن هناك وظيفة تناسب تخصصها.
لم يكن أيٌّ منهم فاشلًا. الفشل كان في شيء آخر. في النموذج الذي وعدهم بأن الشهادة هي جواز السفر إلى المستقبل. لسنوات طويلة، زرعنا في عقول أبنائنا فكرة واحدة: ادرس، تخرّج، وستجد عملًا. لكن العالم تغيّر... بينما بقيت هذه الفكرة على حالها. واليوم، لا نقف أمام أزمة بطالة عابرة، بل أمام لحظة تستوجب شجاعة المراجعة.
لقد آن الأوان لأن نسأل السؤال الذي تأخرنا كثيرًا في طرحه: هل ما زال النموذج التعليمي والاقتصادي الفلسطيني صالحًا لزمن الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، وريادة الأعمال، وسلاسل القيمة العالمية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فلماذا يتخرج آلاف الشباب كل عام دون أن يجدوا مكانًا لهم في الاقتصاد؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلماذا نخشى الاعتراف بذلك؟ لنكن منصفين.
لا يمكن الحديث عن الاقتصاد الفلسطيني دون الحديث عن الاحتلال الإسرائيلي، الذي يقيد الحركة، ويصادر الأرض، ويخنق الاستثمار، ويفرض واقعًا اقتصاديًا غير طبيعي. لكن في الوقت نفسه، ليس الاحتلال هو من يحدد فلسفة تعليمنا. وليس هو من يقرر كيف نربط الجامعة بالاقتصاد. وليس هو من يمنعنا من مراجعة سياساتنا. الاحتلال يفرض قيودًا قاسية، لكنه لا يمنعنا من التفكير بطريقة أفضل.
المشكلة ليست في الجامعات. وليست في الأساتذة. وليست في الطلبة. المشكلة أن كل مؤسسة تعمل بإخلاص داخل منظومتها، بينما لا توجد منظومة واحدة تجمع الجميع. لدينا جامعات تخرّج. ولدينا قطاع خاص يبحث عن مهارات مختلفة. ولدينا حكومة تواجه تحديات هائلة. لكن أين المشروع الوطني الذي يربط هذه الأطراف جميعًا؟
العالم لم يعد يقيس نجاح الجامعات بعدد الخريجين. بل بعدد الشركات التي خرجت من مختبراتها. بعدد براءات الاختراع التي أصبحت منتجات. بعدد فرص العمل التي صنعتها. أما نحن، فما زلنا نحتفل بعدد الشهادات، بينما لا نسأل: كم مشروعًا وُلد من هذه الجامعة؟ وكم فرصة عمل خلقتها؟
إن الجامعة التي تخرّج ألف باحث عن وظيفة، ولا تخرّج عشرة مؤسسين لشركات، تحتاج إلى مراجعة فلسفتها، لا إلى زيادة عدد مقاعدها. نحن لا نحتاج إلى تعديل بعض المناهج. ولا إلى افتتاح جامعة جديدة. بل إلى عقد وطني جديد للتعليم والاقتصاد. عقد يعيد تعريف النجاح. فلا يكون النجاح هو الحصول على شهادة فقط، بل القدرة على إنتاج المعرفة، وتحويلها إلى مشروع، وإلى منتج، وإلى فرصة عمل. عقد يجعل الجامعة شريكًا للمصنع، وللمزرعة، ولشركة البرمجيات، وللبنك، ولحاضنة الأعمال. عقد يربط الطالب بالسوق قبل التخرج، لا بعد سنوات من الانتظار.
أتخيل فلسطين عام 2040. جامعاتها ليست مجرد قاعات تدريس، بل مراكز ابتكار. وبنوكها لا تمول الاستهلاك فقط، بل تمول الأفكار. وغرفها التجارية تستثمر في الخريجين، لا تكتفي باستقبالهم. والبلديات تتحول إلى مختبرات للحلول الذكية. والقطاع الخاص يصبح شريكًا في صياغة البرامج الأكاديمية.
عندها لن يكون الخريج باحثًا عن وظيفة... بل صانعًا لها. قد يختلف البعض مع هذا الطرح. وهذا حقهم. لكن ما لا يجوز هو أن نستمر في تكرار النموذج نفسه، ثم نستغرب النتيجة نفسها. فالأمم التي تمتلك شجاعة مراجعة نماذجها هي التي تصنع المستقبل. أما الأمم التي تكتفي بإدارة الأزمات، فإن الأزمات ستديرها.
ليس المطلوب أن نهدم ما بنيناه. بل أن نبني عليه نموذجًا جديدًا يليق بفلسطين، ويليق بعقول شبابها، ويليق بتضحيات شعبها. فإذا كان الاحتلال قد فرض علينا اقتصادًا استثنائيًا، فإن الرد لا يكون بإدارة واقع استثنائي بالأدوات التقليدية، بل بابتكار نموذج فلسطيني جديد، يقوم على المعرفة، والإنتاج، والابتكار، والشراكة.
فالتاريخ لا يسأل الأمم كم جامعة بنت... بل ماذا صنعت تلك الجامعات لأوطانها. ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق كل خطة، وكل موازنة، وكل مؤتمر، وكل احتفال بالتخرج هو: هل نُعِدُّ أبناءنا لوظائف الأمس... أم نبني لهم اقتصاد الغد؟
هذا هو السؤال الذي سيحدد شكل فلسطين في العقود القادمة. وأخشى أن يكون تأجيل الإجابة عنه... هو أغلى خطأ يمكن أن نرتكبه بحق جيلٍ كامل.
أقلام وأراء
الخميس 02 يوليو 2026 9:54 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
هل انتهت صلاحية النموذج التعليمي والاقتصادي الفلسطيني؟ ليس نقدًا للماضي... بل دعوة إلى صناعة المستقبل