أقلام وأراء

الأربعاء 24 يونيو 2026 10:05 صباحًا - بتوقيت القدس

التبليغ عن الفساد في فلسطين: رافعة للنزاهة، حماية للموارد، وضمانة للعدالة الاجتماعية

الفساد في السياق الفلسطيني: تهديد للصمود والوجود

في السياق الفلسطيني الاستثنائي، لا يمثل الفساد مجرد هدر مالي عابر أو انحراف إداري يمكن التغاضي عنه، بل يشكل تهديداً مباشراً للوجود والقدرة على الصمود. وتأتي الجهود الوطنية لإعلاء صوت الحق كجزء من تضامن كوني يحتفي به العالم في اليوم العالمي لحماية المبلغين عن الفساد، لتذكير المجتمعات بأن كسر حاجز الصمت هو الركيزة الأساسية لكل بناء ديمقراطي. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه تحديات سياسية واقتصادية وجودية مركبة، يحتاج إلى تحصين جبهته الداخلية وحماية موارده المحدودة لضمان استمرار بقائه وثباته على أرضه. من هنا، يكتسب الإبلاغ عن الفساد أهمية مضاعفة تتجاوز الأطر القانونية التقليدية، ليتحول من مجرد واجب مدني إلى أداة أساسية لحماية المقدرات الوطنية، وتقليص فرص انتشار الفساد، وخلق بيئة رادعة تمنع تغول أصحاب النفوذ على حساب الحق العام والمصالح العليا للمجتمع.

جدوى الإبلاغ: تحصين المال العام وخلق بيئة رادعة

وتتجلى الأهمية القصوى للإبلاغ عن الفساد في كونه خط الدفاع الأول عن المال العام والموارد الوطنية، والتي يعتمد جزء كبير منها على المساعدات الخارجية المتقلبة أو الضرائب المحصلة من مواطنين مثقلين بالأعباء الاقتصادية. فعندما يقرر مواطن أو موظف عام كسر حاجز الصمت والتبليغ عن تجاوز مالي أو إداري، فإنه يساهم مباشرة في إغلاق الثغرات التي يتسلل منها الفاسدون، ويمنع هدر أموال هي في الأصل ملك للأجيال القادمة. هذا الفعل الشجاع يقلل بصورة حتمية من فرص انتشار الفساد واستمراره، خصوصاً أن الفساد ينمو ويتعاظم في الظلام وتحت غطاء الصمت والتواطؤ، مما يجعل التبليغ بمثابة الضوء الذي يكشف هذه الممارسات ويفكك شبكات المصالح غير المشروعة قبل أن تتحول إلى مراكز قوى مستعصية على المحاسبة.

علاوة على ذلك، يشكل التبليغ المستمر والمنظم أداة ردع حقيقية في البنية المؤسسية؛ فعندما يدرك المسؤول أو الموظف، أياً كان منصبه أو نفوذه، أن هناك عيوناً مجتمعية يقظة وأن الصمت لم يعد الخيار السائد أو المقبول، سيفكر ملياً قبل الإقدام على استغلال وظيفته لمنفعة شخصية. إن هذا الردع لا يتأتى فقط من الخوف من العقوبة القانونية اللاحقة، بل ينبع أساساً من خشية الانكشاف المجتمعي وفقدان الحصانة الأخلاقية والاجتماعية، مما يعيد بناء الثقة المفقودة بين المواطن والمؤسسة العامة.

إجراءات ضرورية لكسر حاجز الخوف

ورغم الأهمية البالغة للإبلاغ، فإن الإحجام عنه يظل هماً يؤرق جهود مكافحة الفساد في التجربة الفلسطينية، ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الخوف من الانتقام، أو الملاحقة الكيدية، أو خسارة الوظيفة والمكانة الاجتماعية. بناءً على ذلك، تصبح منظومة الإجراءات المعززة للتبليغ ضرورة حتمية لحماية المبلّغين وتشجيعهم. وتبدأ هذه المنظومة بوجود بيئة تشريعية حامية تضمن بنصوص قانونية صارمة عدم تعرض المبلّغ لأي عقوبات إدارية أو مضايقات في بيئة عمله، بالتوازي مع توفير قنوات اتصال آمنة ومشفرة تضمن السرية المطلقة لبياناته الشخصية وعدم الكشف عن هويته إلا بموافقته الصريحة. كما تكتمل هذه الإجراءات بتقديم الدعم النفسي والقانوني والمالي، وتوفير التعويضات العادلة للمبلّغين الذين قد يتضررون في مسيرتهم المهنية نتيجة لشهادتهم، ومساندتهم أمام المحاكم، الأمر الذي يحول فعل التبليغ من مخاطرة شخصية غير مأمونة العواقب إلى مسؤولية وطنية آمنة ومقدّرة تشجع الجميع على التقدم دون خوف.

"أمان": ريادة مجتمعية وتفكيك لثقافة الصمت

وفي إطار هذه المعركة المستمرة ضد الفساد، يبرز الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) كلاعب رئيسي ومحرك أساسي لتعزيز منظومة الشفافية في فلسطين. لم يكتفِ ائتلاف أمان برصد التجاوزات أو إصدار التقارير السنوية التوثيقية، بل قاد تحولاً فكرياً ومجتمعياً عميقاً عبر تدخلات استراتيجية وممنهجة هدفت إلى تفكيك ثقافة الخوف واللامبالاة، واستبدالها بثقافة مبادرة تشجع على الإبلاغ ورفض الفساد بمختلف أشكاله.


تحويل المبلّغ من دائر الخوف إلى بطل وطني

ومن أبرز هذه التدخلات المؤثرة تجلت في إطلاق جوائز النزاهة الوطنية السنوية، والتي جاءت حرصاً من أمان على تكريم قيم الشرف والأمانة في بيئة قد يبدو فيها الفساد محبطاً للهمم. هذه الجوائز لا تهدف فقط إلى مكافأة الموظفين العموميين أو المواطنين أو الإعلاميين الذين كشفوا عن قضايا فساد، بل تحمل رسالة رمزية واجتماعية هائلة تعيد الاعتبار للمبلّغ، وتحوله في نظر المجتمع من شخص يثير المشاكل إلى بطل وطني يُحتفى بنزاهته وشجاعته، مما يرفع من معنويات الشارع الفلسطيني ويخلق حافزاً أخلاقياً كبيراً للآخرين ليحذوا حذوهم.

الإعلام كذراع رقابية كاشفة الحقائق

وفي مسار موازٍ، أدرك ائتلاف أمان مبكراً أن الإعلام هو السلطة الرابعة القادرة على اختراق الحصون المغلقة والكشف عما يدور في الكواليس، لذلك استثمر بشكل مكثف في بناء قدرات الصحفيين الفلسطينيين وتشجيع الصحافة الاستقصائية. ومن خلال التدريب المتخصص والدعم المالي واللوجستي والقانوني، ساهم أمان في تمكين الصحفيين من إنتاج تحقيقات استقصائية رصينة قائمة على الحقائق والأدلة، نجحت في كشف ملفات فساد وسوء إدارة للمال العام في قطاعات حيوية وحساسة مثل الصحة والتعليم والخدمات العامة، ولم تسهم هذه التحقيقات في إعلام الرأي العام وحسب، بل شكلت أداة ضغط قوية ومباشرة أجبرت صناع القرار في كثير من الأحيان على فتح تحقيقات رسمية ومحاسبة المتجاوزين.

مركز المناصرة والإرشاد القانوني: مظلة آمنة لملاحقة التجاوزات

ولم تقتصر جهود الائتلاف على الجانب التكريمي والإعلامي، بل تمثلت الذراع التنفيذية والقانونية لدعم المواطنين في تأسيس مركز المناصرة والإرشاد القانوني التابع لأمان، والذي بات يشكل شريان الحياة الفعلي للمبلّغين والمواطنين العاديين في فلسطين. يعمل هذا المركز كمنصة آمنة ومجانية وموثوقة تتلقى شكاوى المواطنين وبلاغاتهم حول شبهات الفساد والواسطة والمحسوبية التي تصادفهم في حياتهم اليومية. ولا يتوقف دور المركز عند حد تلقي البلاغ، بل يمتد ليقدم للمواطن الإرشاد القانوني الدقيق، ويدرس القضية بعمق لتبين مدى جدية الشبهات، ثم يتولى متابعتها بصفته الاعتبارية الرسمية مع الجهات المختصة، مثل هيئة مكافحة الفساد أو النيابة العامة، دون تعريض هوية المواطن الأصلي للخطر، مما يمنح المبلّغين شعوراً حقيقياً بالأمان وبأن هناك مؤسسة قوية تقف خلفهم وتحمي مصالحهم.

أفق المستقبل: نحو دولة المؤسسات والعدالة الاجتماعية

إن معركة مكافحة الفساد في فلسطين ليست معركة مؤسسة بمفردها، ولا هي شأن قانوني بحت ينتهي بصدور الأحكام، بل هي معركة وعي وثقافة جماعية في المقام الأول. وإن الشوط الذي قطعه المجتمع الفلسطيني بإسناد واضح من مؤسسات المجتمع المدني، وعلى رأسها ائتلاف أمان، يثبت أن الوعي بأهمية الإبلاغ في تنامٍ مستمر رغم كل التحديات السياسية المعقدة.

ويتزامن هذا الوعي المتصاعد مع التوجه العالمي المستمر للوقوف بجانب حماة الحقيقة، والتأكيد على المبادئ التي يحملها اليوم العالمي لحماية المبلغين عن الفساد كضرورة إنسانية وحقوقية ملحة. إن حماية المقدرات الفلسطينية وتعزيز صمود المواطن على أرضه يتطلبان استدامة هذه الجهود وتكاملها، وتطوير البنية التشريعية لتوفير حصانة كاملة للمبلّغين، وضمان استقلالية الجهات القضائية والرقابية. وعندما ينضج الوعي الجمعي ليصبح الإبلاغ عن الفساد سلوكاً طبيعياً ومحمياً ومقدراً من الدولة والمجتمع على حد سواء، نكون قد قطعنا خطوة هائلة وصادقة نحو بناء دولة المؤسسات الفلسطينية القائمة على العدالة، والنزاهة، وتكافؤ الفرص، كركيزة أساسية لا غنى عنها لتحقيق الحرية والاستقلال الحقيقي.

وائل ابراهيم بعلوشة، مدير المكتب الاقليمي-قطاع غزة، الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة_امان، حاصل على  درجة الماجستير في الدراسات الاقليمية، بكالوريوس العلوم السياسية.


دلالات

شارك برأيك

التبليغ عن الفساد في فلسطين: رافعة للنزاهة، حماية للموارد، وضمانة للعدالة الاجتماعية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.